بعد ربع قرن من “التعاون”: “الاتحاد الخليجي العربي” هو الطموح الشعبي الذي لم يتحقق بعد

::cck::2336::/cck::
::introtext::

كان من الطبيعي أن يأتي أول بيان للقمة الخليجية التي عقدت في أبوظبي في مايو عام 1981 برئاسة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه – معبراً عن درجة حرارة العلاقات البينية بين دول مجلس التعاون في ذلك الوقت وحاملاً من المفردات ما يعكس دوافع إنشاء المجلس والأفق السياسي الحذر لهذا التجمع، في ظروف إقليمية دولية ضاغطة.

::/introtext::
::fulltext::

كان من الطبيعي أن يأتي أول بيان للقمة الخليجية التي عقدت في أبوظبي في مايو عام 1981 برئاسة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه – معبراً عن درجة حرارة العلاقات البينية بين دول مجلس التعاون في ذلك الوقت وحاملاً من المفردات ما يعكس دوافع إنشاء المجلس والأفق السياسي الحذر لهذا التجمع، في ظروف إقليمية دولية ضاغطة.

ولعل الاسم الذي اختير لهذا التجمع العربي وهو “مجلس التعاون” يعكس مدى الأفق السياسي المرئي في ذلك الوقت لهذا المجلس الذي حدد هدفه في التعاون والذي هو تعاون بين “دول” الخليج العربية وليس تجمعاً اتحادياً تندمج فيه الدول تدريجياً في كيان واحد.
وهذا ما أكده نص البيان الأول وجاء فيه.. “اتفق أصحاب الجلالة والسمو فيما بينهم على إنشاء” مجلس “يضم “دولهم” يسمى “مجلس التعاون لدول الخليج العربية”، وقاموا بالتوقيع على النظام الأساسي للمجلس الذي يهدف إلى “تطوير التعاون” بين هذه الدول وتحقيق التنسيق و”التكامل” و”الترابط”.

وانتقل البيان من تحديد الهدف بالتعاون والتنسيق بين الدول بعد أن حدد سقف هذا التعاون وأفقه “بالتكامل” و “الترابط” إلى خطوة أعمق بذكره أن تعاون الدول يهدف أيضاً إلى تعميق وتوثيق الروابط والصلات القائمة بين “شعوبها” في مختلف المجالات، ثم انتقل إلى التعبير عن العزم على “إنشاء المشاريع المشتركة” ووضع “أنظمة متماثلة” في جميع الميادين الاقتصادية والثقافية والإعلامية والاجتماعية والتشريعية، بما “يخدم مصالحها ويقوي قدرتها على التمسك بعقيدتها وقيمها”.

وإذ نعرض فقرات من هذا البيان الأول، فإننا في الواقع نحاول إعادة قراءته لنقف أمام المفردات والمصطلحات السياسية والقانونية لنقيس درجة تطور المسار لهذا التجمع الخليجي، وإلى أي مدى يتسع الأفق السياسي له مستقبلاً بعد نحو ربع قرن من تأسيسه بهدف الإجابة عن عدد من التساؤلات، ولكي نرصد مدى استجابته لحجم الطموحات التي راودت شعوبه والتي ربما فاقت توقعاتها ما تحقق بالفعل على أرض الواقع من إنجازات في المجالات المختلفة.

ولعلنا حين نعيد قراءة مقدمة البيان نلحظ بوضوح أن الهدف هو “التعاون”، وأن الوسيلة هي “التعاون”، وأن الأفق السياسي لهذا التعاون هو “مزيد من التعاون” الذي يمكن أن نسميه التكامل، تلك الكلمة التي وردت في البيان على استحياء.  من هنا نقرأ من خلال سطور البيان المحاور الأربعة لمجلس التعاون وهي: الدوافع، الصيغة، الوسيلة والهدف.

دوافع تأسيس المجلس

لعلنا نذكر جميعاً الظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت بالمنطقة الخليجية عموماً والخليجية العربية خصوصاً من أحداث دولية قريبة من المنطقة، ومن صياغات دولية حاولت القوى الكبرى في العالم رسمها للمنطقة، ومن معادلات للقوى تتنافس داخل المنطقة.

صيغة الأمن الخليجي

بصورة عامة كانت صيغة “الأمن في الخليج” هي ما يشغل دول المنطقة من جانب، والقوى الكبرى في العالم من جانب آخر قبل قيام الثورة الإيرانية.. وكانت محاور القوة في منطقة الخليج تتمثل في مثلث القوى الإقليمية المتباينة بنظمها وتوجهاتها وأيديولوجياتها ومذاهبها الدينية:

• القوة الأولى: وهي أكبر القوى الإقليمية تمثلها “إيران الـشاه” الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة والصديق لإسرائيل والمتعصبة لقوميتها الفارسية، والمتباهية بقوتها الإمبراطورية و المستعلية على دول المنطقة.. وكانت رؤيتها ترى أن الخليج فارسي ومن ثم فهي القوة المسؤولة عن أمنه بالتنسيق مع الرؤية الأمريكية.

• القوة الثانية: وهي العراق بقيادتها البعثية التي ترفع شعارات القومية العربية والتي ترى أن الخليج عربي لا فارسي، ومن ثم فإن الدول العربية المطلة على الخليج بقيادة العراق هي الأولى بوضع صيغة الأمن من دون هيمنة إيران أو تدخل أمريكي أو روسي.

• القوة الثالثة: وهي السعودية ودول الخليج الخمس الأخرى عمان والإمارات والكويت والبحرين وقطر والتي تتوافق توجهاتها السياسية الصديقة للغرب، وتتشابه نظمها الحاكمة، وتتقارب عاداتها وتقاليدها، وترتبط شعوبها بجذور مشتركة، وكانت تريد هذه الدول أن تنأى بنفسها عن هيمنة إيران أو العراق، كما أرادت أن تبعد دولها عن مخاطر الصراع الدولي حول الخليج، ورأت أن أمن الخليج مسؤولية دوله مع الأخذ في الاعتبار ما للغرب من مصالح في هذه المنطقة تتمثل في تأمين تدفق حاجاته من النفط.  ورأت هذه الدول أن حاجاتها إلى صيغة لتجمعها والتعاون والتنسيق بينها تتزايد عاماً بعد عام.

اندلاع الثورة الإيرانية

قامت الثورة الإسلامية في إيران في عام 1978 فأحدثت زلزالاً كانت له توابعه المباشرة على منطقة الخليج كلها، وبما أحدثته من انقلاب استراتيجي بكل المقاييس، أصبحت إيران في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كانت رجل الشرطة الحارس للمصالح الأمريكية في المنطقة.  ثم كان للثورة الإيرانية تأثيرها المباشر في موازين الصراع في منطقة الشرق الأوسط لغير صالح إسرائيل، حيث وضعت إيران ثقلها إلى جانب القضية الفلسطينية بما صحح معادلات القوى بين إسرائيل والدول العربية بعد خروج مصر من معادلة الصراع العسكري.

وأخيراً، كان للثورة الإيرانية تأثيرها المباشر في الجمهوريات السوفييتية الإسلامية في وسط آسيا مما أثار خوف الاتحاد السوفييتي من نمو المد الإسلامي في جمهوريات آسيا الوسطى، وربما كان هذا الخوف السوفييتي واحداً من أبرز دوافعه لغزو أفغانستان. وإزاء ما أثار حفيظة النظم المحافظة في الخليج من تأثير للثورة الإيرانية كان من الطبيعي أن تتجه هذه الدول لصيغة تجمع بينها لحماية نفسها من تأثيرات هذه الثورة خصوصاً مع الشعارات التي ارتفعت بتصدير الثورة إلى الدول المجاورة.

الغزو السوفييتي لأفغانستان

مع وقوع الغزو السوفييتي لأفغانستان، وبروز حركة المقاومة الأفغانية لهذا الغزو والذي رأت فيه الولايات المتحدة التي هي العدو الرئيسي للاتحاد السوفييتي فرصة سانحة لتحويل أفغانستان إلى ساحة للصراع الاستراتيجي بين القوتين ساعية إلى إلحاق هزيمة بعدوها السوفييتي على الأرض الأفغانية فتدخلت بالمساعدة في السلاح والتدريب لفصائل المقاومة الأفغانية.

كان من نتيجة ذلك أن وجدت دول الخليج العربية نفسها قريبة للغاية من ساحة صراع أمريكي – سوفييتي أكثر من كونه صراعاً سوفييتياً – أفغانياً بما يلقيه ذلك من ضغوط وتهديد لها من كلتا القوتين العظميين.  فمن جانب أرادت الولايات المتحدة بالمبالغة في حجم الخطر السوفييتي على دول المنطقة أن تستقطب هذه الدول إلى جانبها في هذا الصراع الدولي. ومن جانب آخر كان السماح بفوز الاتحاد السوفييتي في هذا الصراع يعني فتح الطريق أمامه – إذا أراد – لتهديد المصالح الأمريكية في هذه المنطقة بما يمثل تهديداً حقيقياً لأمن دول المنطقة.  ولم يكن سوى التجمع والتعاون والتنسيق بين حكومات هذه الدول سبيلاً لمواجهة الأخطار.

اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية

مثل اندلاع الحرب بين العراق وإيران في أواخر عام 1980 أكبر تهديد مباشر لأمن دول المنطقة.. حيث أصبح الخطر ماثلاً في مياه الخليج، حيث مراكز إنتاج النفط وحيث طريق الناقلات العالمية التي تحمل نفط الخليج إلى الغرب. كما أصبح الخطر ماثلاً أيضاً في سماء المنطقة وعلى أرضها.

لقد كانت هذه الحرب المجنونة والحريق الهائل من جرائها على ضفاف الخليج يؤثران مباشرة في كل أوضاع المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، واختارت دول المنطقة الوقوف إلى جانب العراق، مما جعلها عرضة مباشرة إلى ضربات انتقامية إيرانية مثلما حدث في الكويت مثلاً.
وبادرت دولة الإمارات إلى طرح مشروع للمصالحة بين الجانبين ودعت للحوار مع إيران سعياً لإطفاء الحريق. ولكن المخاطر التي أفرزتها الحرب التي استمرت ثماني سنوات بكل أسف دفعت هذه الدول إلى التجمع سعياً لضمان أمنها.

وكانت هذه الدوافع الرئيسية الأربعة: ضمان أمن الخليج، تفجر الثورة الإيرانية، اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية والغزو السوفييتي أفغانستان، هي الأضلاع الأربع التي شكلت إطار الصورة للوضع من حول الخليج وفي الخليج ذاته مع بداية قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مايو عام 1981.

صيغة التعاون هل تكفي؟

تلك المتفجرات الأربعة كانت هي التحديات التي واجهت دول الخليج العربية مع مشارف الثمانينات من القرن العشرين، فماذا كانت صيغة الاستجابات لتلك التحديات؟  بدأت هذه الاستجابات أولاً بزيارات على المستوى الثنائي ولعبت فيها الكويت دوراً نشيطاً ودعت البيانات المشتركة إلى ضرورة “تحرك سريع تتضافر فيه جهود دول المنطقة للوصول إلى “وحدة دولها العربية” التي تحتمها الروابط الدينية والقومية وأماني شعوبها في تحقيق المزيد من التقدم” وكانت أول استجابة جماعية عملية لتلك التحديات هي التي حدثت على هامش مؤتمر القمة العربية في العاصمة الأردنية عمان في نوفمبر عام 1981 عندما عقد الزعماء الخليجيون مشاورات خاصة لبحث الصيغ الممكنة لوضع استراتيجية خليجية للتعاون المشترك. ولا شك في أن تجربة اتحاد الإمارات كانت ماثلة أمام قادة دول الخليج العربية الست، تثبت لهم أن الاتحاد بين دولهم ممكن إن لم يكن هو الممكن الوحيد، وكان من المتوقع شعبياً وعربياً أن تنهج دول الخليج نهج الإمارات العربية السبع بصيغة تجمعها في دولة اتحادية واحدة.

غير أن المسار اتجه إلى “التعاون “بدلاً من “الاتحاد”.. وقد قامت الكويت مرة أخرى بدور نشط بعد هذه المشاورات بطرح صيغة مقترحة بهدف تقوية الروابط في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والنفطية والثقافية والعسكرية في إطار تنسيق مشترك ضمن استراتيجية متكاملة.  وقام وزير الخارجية الكويتي بحمل هذه الصيغة إلى جميع دول المنطقة في يناير عام 1981. ثم عقد قادة دول الخليج العربية الست مباحثات منفصلة حول المشروع الكويتي على هامش اجتماعات القمة الإسلامية التي انعقدت في “الطائف” في الثامن والعشرين من يناير عام 1981.

وفي الشهر التالي للقمة اجتمع وزراء الخارجية في الدول الست في “الرياض”، وأعلنوا الموافقة على تأسيس مجلس للتعاون بين دولهم في بيان جاء فيه: “إدراكاً من هذه الدول الست لما يربط بينها من علاقات خاصة وسمات مشتركة نابعة من عقيدتها وتشابه أنظمتها ووحدة تراثها وتماثل تكوينها السياسي والاجتماعي والسكاني، وتقاربها الثقافي والحضاري، ورغبة من هذه الدول في تعميق وتطوير التعاون والتنسيق بينها في مختلف المجالات بما يعود على شعوبها بالخير والنمو والاستقرار اجتمع في الرياض يوم 4 فبراير 1981 وزراء خارجية الدول الست واستأنفوا التشاور بينهم بهدف وضع التنظيم العملي والهيكل النظامي لبلورة وتطوير التعاون والتنسيق المنشود بين دولهم، واتفقوا على إنشاء مجلس التعاون بين دول الخليج العربية وتكوين أمانة عامة لهذا الهدف، وعقد اجتماعات دورية على مستوى القمة وعلى مستوى وزراء الخارجية وصولاً إلى الغايات المنشودة لهذه الدول وشعوبها في جميع المجالات”.

وأضاف البيان مؤكداً انتماء هذا التجمع الجديد للإطار العربي والإسلامي قائلاً: “جاءت هذه الخطوة تمشياً مع الأهداف القومية للأمة العربية وفي نطاق نظام جامعة الدول العربية الذي حث على التعاون الإقليمي الهادف إلى تقوية الأمة العربية مما يؤكد على تدعيم انتماء هذه الدول للجامعة العربية وتعزيز دورها في تحقيق أهداف ومبادئ ميثاقها وبما يخدم القضايا العربية والإسلامية”.

ثم عقد وزراء الخارجية اجتماعهم الثاني في “مسقط” في مارس 1981 وأقروا فيه ما توصلت إليه لجنة الخبراء في اجتماعين لها سبقا هذا الاجتماع في ما يتصل بالنظام الأساسي لمجلس التعاون، واتفق الوزراء على عقد أول مؤتمر لقمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في “أبوظبي” عاصمة الإمارات العربية المتحدة.

وبانعقاد هذه القمة الخليجية الأولى في مايو عام 1981 حدث تحول كبير في المنطقة عموماً وفي هذه الدول الست خصوصاً.  فإلى أي مدى جاءت نتائج القمة الأولى لهذا التجمع الخليجي ملبية لطموحات الشعب العربي في الخليج في ضوء ما جاء في بيانها الأول؟
وعلى ضوء قراءتنا لهذا البيان في بداية هذا المقال تحددت الأهداف بتعميق “التكامل والترابط” وتحددت الوسائل بتعزيز “التنسيق والتعاون” بين “الدول” الخليجية العربية الست.

ففي مقدمة هذا البيان ما يوضح الرؤية للهدف والوسيلة لهذه النقلة النوعية التاريخية للعلاقات بين هذه الدول الخليجية الست، وجاء فيه: “انطلاقاً من الروح الأخوية القائمة بين هذه الدول وشعوبها، واستكمالاً للجهود التي بدأها قادتها في البحث عن صيغة مثلى تضم دولهم وتتيح لهم “التعاون والتنسيق” وإيماناً منهم بأهمية التعاون بين هذه الدول، واستجابة لرغبات وطموحات شعوبهم في “مزيد من التعاون”، والعمل من أجل مستقبل أفضل، اتفق أصحاب مجلس يضم دولهم يسمى “مجلس التعاون لدول الخليج العربية”.

المجلس بين الواقع والطموح

هل جاء المجلس بصيغته التي بلورتها قمته الأولى وبسقف الأفق السياسي للأهداف التي أعلنها “التكامل والترابط” وبالوسائل التي حددها “بالتنسيق والتعاون” حقاً “استجابة لرغبات وطموحات الشعوب”؟  وهنا نتساءل مرة أخرى: هل كانت رغبات وطموحات الشعب العربي الواحد في هذه الدول الست تتطلع فقط إلى “مزيد من التعاون” والعمل من أجل مستقبل أفضل؟ ثم نعود لطرح سؤال آخر: إذا كان هذا البيان الأول الذي جاء في ظروف دولية وإقليمية سبق شرحها كانت تستوجب الحذر في الصياغة وفي طرح الأهداف وتحديد الوسائل، فهل تكفي النتائج التي تحققت بعد نحو ربع قرن لكي تلبي طموحات شعبنا العربي في الخليج؟ وبالرغم من أن الاستعراض العام لبيانات القمم الخمس والعشرين السابقة التي تكاد تتشابه في صياغتها لم يأت على قدر الطموحات الشعبية، إلا أن الإنصاف يقتضي ألا نتغافل عن الإنجازات التي تحققت.

وهنا نرصد ما تحقق في المجال الاقتصادي على سبيل المثال “من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة” التي فتحت الطريق “للاتحاد الجمركي الخليجي” المقرر اكتمال تطبيقه في عام 2007 والذي يفتح الباب واسعا أمام انطلاق “السوق الخليجية المشتركة” في عام 2007 أيضاً والذي يليه إطلاق “العملة الخليجية الموحدة” في عام 2010.

نعم.. تحققت منجزات تمثلت في اتفاقيات نوعية على قدر كبير من الأهمية. ولكن بعض هذه الاتفاقيات تواجه بعض العقبات في التطبيقات ناتجة عن بعض الاختراقات الدولية لمنظومة المجلس الاقتصادية ونتيجة تأخر صدور بعض المراسيم التنفيذية لهذه الدول في الوقت الملائم لتطبيقها، كما يلاحظ أن المدى الزمني لتطبيق هذه الاتفاقيات أطول مما تتطلع الشعوب إليه، ربما ناتج عن بطء في الدراسة أو في التشريع أو في التطبيق، وربما ينبع هذا من تعجل النتائج من جانب الشعوب الطامحة للاتحاد بأسرع من الزمن اللازم لنضوج هذه الخطوات، كما يرى المسؤولون والقادة.

إن ما بين القمة الأولى في “أبوظبي” في مايو 1981، والقمة الخامسة والعشرين في المنامة في ديسمبر 2004 هو ربع قرن بالتمام والكمال وهو زمن كاف جداً في رأي الكثيرين لا لتحقيق مزيد من التعاون أو بناء التكامل وإنما بالاستفادة من تجربة الاتحاد الأوروبي في بناء “الاتحاد الخليجي العربي” هذا الهدف الذي لم يرد ذكره كهدف لا في البيان الأول ولا في بيان القمة الأخيرة، علماً أنه الهدف الذي يتطلع إليه الشعب العربي في الخليج باعتباره الطريق الذي لا طريق غيره لتحقيق كل أشكال التعاون والتنسيق والترابط والتكامل، ولعل تجربة اتحاد الإمارات السبع في دولة الإمارات العربية المتحدة ونجاح ورسوخ هذه التجربة تثبت لقادة دول الخليج أن “الاتحاد” هو الهدف الأولى بالسير في اتجاهه وهو الوسيلة المثلى لصنع الأمن الإقليمي والقومي ولتحقيق التقدم والتنمية بما يحقق الرخاء للمواطن الخليجي العربي، وهذا الأمر يتطلب أولاً إرادة سياسية جادة لتحقيق هذا الهدف وسط تحديات عالم لا يعترف إلا بالكيانات الكبرى ولا يحترم إلا الأقوياء.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2336::/cck::
::introtext::

كان من الطبيعي أن يأتي أول بيان للقمة الخليجية التي عقدت في أبوظبي في مايو عام 1981 برئاسة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه – معبراً عن درجة حرارة العلاقات البينية بين دول مجلس التعاون في ذلك الوقت وحاملاً من المفردات ما يعكس دوافع إنشاء المجلس والأفق السياسي الحذر لهذا التجمع، في ظروف إقليمية دولية ضاغطة.

::/introtext::
::fulltext::

كان من الطبيعي أن يأتي أول بيان للقمة الخليجية التي عقدت في أبوظبي في مايو عام 1981 برئاسة المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان – طيب الله ثراه – معبراً عن درجة حرارة العلاقات البينية بين دول مجلس التعاون في ذلك الوقت وحاملاً من المفردات ما يعكس دوافع إنشاء المجلس والأفق السياسي الحذر لهذا التجمع، في ظروف إقليمية دولية ضاغطة.

ولعل الاسم الذي اختير لهذا التجمع العربي وهو “مجلس التعاون” يعكس مدى الأفق السياسي المرئي في ذلك الوقت لهذا المجلس الذي حدد هدفه في التعاون والذي هو تعاون بين “دول” الخليج العربية وليس تجمعاً اتحادياً تندمج فيه الدول تدريجياً في كيان واحد.
وهذا ما أكده نص البيان الأول وجاء فيه.. “اتفق أصحاب الجلالة والسمو فيما بينهم على إنشاء” مجلس “يضم “دولهم” يسمى “مجلس التعاون لدول الخليج العربية”، وقاموا بالتوقيع على النظام الأساسي للمجلس الذي يهدف إلى “تطوير التعاون” بين هذه الدول وتحقيق التنسيق و”التكامل” و”الترابط”.

وانتقل البيان من تحديد الهدف بالتعاون والتنسيق بين الدول بعد أن حدد سقف هذا التعاون وأفقه “بالتكامل” و “الترابط” إلى خطوة أعمق بذكره أن تعاون الدول يهدف أيضاً إلى تعميق وتوثيق الروابط والصلات القائمة بين “شعوبها” في مختلف المجالات، ثم انتقل إلى التعبير عن العزم على “إنشاء المشاريع المشتركة” ووضع “أنظمة متماثلة” في جميع الميادين الاقتصادية والثقافية والإعلامية والاجتماعية والتشريعية، بما “يخدم مصالحها ويقوي قدرتها على التمسك بعقيدتها وقيمها”.

وإذ نعرض فقرات من هذا البيان الأول، فإننا في الواقع نحاول إعادة قراءته لنقف أمام المفردات والمصطلحات السياسية والقانونية لنقيس درجة تطور المسار لهذا التجمع الخليجي، وإلى أي مدى يتسع الأفق السياسي له مستقبلاً بعد نحو ربع قرن من تأسيسه بهدف الإجابة عن عدد من التساؤلات، ولكي نرصد مدى استجابته لحجم الطموحات التي راودت شعوبه والتي ربما فاقت توقعاتها ما تحقق بالفعل على أرض الواقع من إنجازات في المجالات المختلفة.

ولعلنا حين نعيد قراءة مقدمة البيان نلحظ بوضوح أن الهدف هو “التعاون”، وأن الوسيلة هي “التعاون”، وأن الأفق السياسي لهذا التعاون هو “مزيد من التعاون” الذي يمكن أن نسميه التكامل، تلك الكلمة التي وردت في البيان على استحياء.  من هنا نقرأ من خلال سطور البيان المحاور الأربعة لمجلس التعاون وهي: الدوافع، الصيغة، الوسيلة والهدف.

دوافع تأسيس المجلس

لعلنا نذكر جميعاً الظروف الإقليمية والدولية التي أحاطت بالمنطقة الخليجية عموماً والخليجية العربية خصوصاً من أحداث دولية قريبة من المنطقة، ومن صياغات دولية حاولت القوى الكبرى في العالم رسمها للمنطقة، ومن معادلات للقوى تتنافس داخل المنطقة.

صيغة الأمن الخليجي

بصورة عامة كانت صيغة “الأمن في الخليج” هي ما يشغل دول المنطقة من جانب، والقوى الكبرى في العالم من جانب آخر قبل قيام الثورة الإيرانية.. وكانت محاور القوة في منطقة الخليج تتمثل في مثلث القوى الإقليمية المتباينة بنظمها وتوجهاتها وأيديولوجياتها ومذاهبها الدينية:

• القوة الأولى: وهي أكبر القوى الإقليمية تمثلها “إيران الـشاه” الحليف الاستراتيجي للولايات المتحدة والصديق لإسرائيل والمتعصبة لقوميتها الفارسية، والمتباهية بقوتها الإمبراطورية و المستعلية على دول المنطقة.. وكانت رؤيتها ترى أن الخليج فارسي ومن ثم فهي القوة المسؤولة عن أمنه بالتنسيق مع الرؤية الأمريكية.

• القوة الثانية: وهي العراق بقيادتها البعثية التي ترفع شعارات القومية العربية والتي ترى أن الخليج عربي لا فارسي، ومن ثم فإن الدول العربية المطلة على الخليج بقيادة العراق هي الأولى بوضع صيغة الأمن من دون هيمنة إيران أو تدخل أمريكي أو روسي.

• القوة الثالثة: وهي السعودية ودول الخليج الخمس الأخرى عمان والإمارات والكويت والبحرين وقطر والتي تتوافق توجهاتها السياسية الصديقة للغرب، وتتشابه نظمها الحاكمة، وتتقارب عاداتها وتقاليدها، وترتبط شعوبها بجذور مشتركة، وكانت تريد هذه الدول أن تنأى بنفسها عن هيمنة إيران أو العراق، كما أرادت أن تبعد دولها عن مخاطر الصراع الدولي حول الخليج، ورأت أن أمن الخليج مسؤولية دوله مع الأخذ في الاعتبار ما للغرب من مصالح في هذه المنطقة تتمثل في تأمين تدفق حاجاته من النفط.  ورأت هذه الدول أن حاجاتها إلى صيغة لتجمعها والتعاون والتنسيق بينها تتزايد عاماً بعد عام.

اندلاع الثورة الإيرانية

قامت الثورة الإسلامية في إيران في عام 1978 فأحدثت زلزالاً كانت له توابعه المباشرة على منطقة الخليج كلها، وبما أحدثته من انقلاب استراتيجي بكل المقاييس، أصبحت إيران في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن كانت رجل الشرطة الحارس للمصالح الأمريكية في المنطقة.  ثم كان للثورة الإيرانية تأثيرها المباشر في موازين الصراع في منطقة الشرق الأوسط لغير صالح إسرائيل، حيث وضعت إيران ثقلها إلى جانب القضية الفلسطينية بما صحح معادلات القوى بين إسرائيل والدول العربية بعد خروج مصر من معادلة الصراع العسكري.

وأخيراً، كان للثورة الإيرانية تأثيرها المباشر في الجمهوريات السوفييتية الإسلامية في وسط آسيا مما أثار خوف الاتحاد السوفييتي من نمو المد الإسلامي في جمهوريات آسيا الوسطى، وربما كان هذا الخوف السوفييتي واحداً من أبرز دوافعه لغزو أفغانستان. وإزاء ما أثار حفيظة النظم المحافظة في الخليج من تأثير للثورة الإيرانية كان من الطبيعي أن تتجه هذه الدول لصيغة تجمع بينها لحماية نفسها من تأثيرات هذه الثورة خصوصاً مع الشعارات التي ارتفعت بتصدير الثورة إلى الدول المجاورة.

الغزو السوفييتي لأفغانستان

مع وقوع الغزو السوفييتي لأفغانستان، وبروز حركة المقاومة الأفغانية لهذا الغزو والذي رأت فيه الولايات المتحدة التي هي العدو الرئيسي للاتحاد السوفييتي فرصة سانحة لتحويل أفغانستان إلى ساحة للصراع الاستراتيجي بين القوتين ساعية إلى إلحاق هزيمة بعدوها السوفييتي على الأرض الأفغانية فتدخلت بالمساعدة في السلاح والتدريب لفصائل المقاومة الأفغانية.

كان من نتيجة ذلك أن وجدت دول الخليج العربية نفسها قريبة للغاية من ساحة صراع أمريكي – سوفييتي أكثر من كونه صراعاً سوفييتياً – أفغانياً بما يلقيه ذلك من ضغوط وتهديد لها من كلتا القوتين العظميين.  فمن جانب أرادت الولايات المتحدة بالمبالغة في حجم الخطر السوفييتي على دول المنطقة أن تستقطب هذه الدول إلى جانبها في هذا الصراع الدولي. ومن جانب آخر كان السماح بفوز الاتحاد السوفييتي في هذا الصراع يعني فتح الطريق أمامه – إذا أراد – لتهديد المصالح الأمريكية في هذه المنطقة بما يمثل تهديداً حقيقياً لأمن دول المنطقة.  ولم يكن سوى التجمع والتعاون والتنسيق بين حكومات هذه الدول سبيلاً لمواجهة الأخطار.

اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية

مثل اندلاع الحرب بين العراق وإيران في أواخر عام 1980 أكبر تهديد مباشر لأمن دول المنطقة.. حيث أصبح الخطر ماثلاً في مياه الخليج، حيث مراكز إنتاج النفط وحيث طريق الناقلات العالمية التي تحمل نفط الخليج إلى الغرب. كما أصبح الخطر ماثلاً أيضاً في سماء المنطقة وعلى أرضها.

لقد كانت هذه الحرب المجنونة والحريق الهائل من جرائها على ضفاف الخليج يؤثران مباشرة في كل أوضاع المنطقة سياسياً واقتصادياً وأمنياً، واختارت دول المنطقة الوقوف إلى جانب العراق، مما جعلها عرضة مباشرة إلى ضربات انتقامية إيرانية مثلما حدث في الكويت مثلاً.
وبادرت دولة الإمارات إلى طرح مشروع للمصالحة بين الجانبين ودعت للحوار مع إيران سعياً لإطفاء الحريق. ولكن المخاطر التي أفرزتها الحرب التي استمرت ثماني سنوات بكل أسف دفعت هذه الدول إلى التجمع سعياً لضمان أمنها.

وكانت هذه الدوافع الرئيسية الأربعة: ضمان أمن الخليج، تفجر الثورة الإيرانية، اندلاع الحرب العراقية – الإيرانية والغزو السوفييتي أفغانستان، هي الأضلاع الأربع التي شكلت إطار الصورة للوضع من حول الخليج وفي الخليج ذاته مع بداية قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية في مايو عام 1981.

صيغة التعاون هل تكفي؟

تلك المتفجرات الأربعة كانت هي التحديات التي واجهت دول الخليج العربية مع مشارف الثمانينات من القرن العشرين، فماذا كانت صيغة الاستجابات لتلك التحديات؟  بدأت هذه الاستجابات أولاً بزيارات على المستوى الثنائي ولعبت فيها الكويت دوراً نشيطاً ودعت البيانات المشتركة إلى ضرورة “تحرك سريع تتضافر فيه جهود دول المنطقة للوصول إلى “وحدة دولها العربية” التي تحتمها الروابط الدينية والقومية وأماني شعوبها في تحقيق المزيد من التقدم” وكانت أول استجابة جماعية عملية لتلك التحديات هي التي حدثت على هامش مؤتمر القمة العربية في العاصمة الأردنية عمان في نوفمبر عام 1981 عندما عقد الزعماء الخليجيون مشاورات خاصة لبحث الصيغ الممكنة لوضع استراتيجية خليجية للتعاون المشترك. ولا شك في أن تجربة اتحاد الإمارات كانت ماثلة أمام قادة دول الخليج العربية الست، تثبت لهم أن الاتحاد بين دولهم ممكن إن لم يكن هو الممكن الوحيد، وكان من المتوقع شعبياً وعربياً أن تنهج دول الخليج نهج الإمارات العربية السبع بصيغة تجمعها في دولة اتحادية واحدة.

غير أن المسار اتجه إلى “التعاون “بدلاً من “الاتحاد”.. وقد قامت الكويت مرة أخرى بدور نشط بعد هذه المشاورات بطرح صيغة مقترحة بهدف تقوية الروابط في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والنفطية والثقافية والعسكرية في إطار تنسيق مشترك ضمن استراتيجية متكاملة.  وقام وزير الخارجية الكويتي بحمل هذه الصيغة إلى جميع دول المنطقة في يناير عام 1981. ثم عقد قادة دول الخليج العربية الست مباحثات منفصلة حول المشروع الكويتي على هامش اجتماعات القمة الإسلامية التي انعقدت في “الطائف” في الثامن والعشرين من يناير عام 1981.

وفي الشهر التالي للقمة اجتمع وزراء الخارجية في الدول الست في “الرياض”، وأعلنوا الموافقة على تأسيس مجلس للتعاون بين دولهم في بيان جاء فيه: “إدراكاً من هذه الدول الست لما يربط بينها من علاقات خاصة وسمات مشتركة نابعة من عقيدتها وتشابه أنظمتها ووحدة تراثها وتماثل تكوينها السياسي والاجتماعي والسكاني، وتقاربها الثقافي والحضاري، ورغبة من هذه الدول في تعميق وتطوير التعاون والتنسيق بينها في مختلف المجالات بما يعود على شعوبها بالخير والنمو والاستقرار اجتمع في الرياض يوم 4 فبراير 1981 وزراء خارجية الدول الست واستأنفوا التشاور بينهم بهدف وضع التنظيم العملي والهيكل النظامي لبلورة وتطوير التعاون والتنسيق المنشود بين دولهم، واتفقوا على إنشاء مجلس التعاون بين دول الخليج العربية وتكوين أمانة عامة لهذا الهدف، وعقد اجتماعات دورية على مستوى القمة وعلى مستوى وزراء الخارجية وصولاً إلى الغايات المنشودة لهذه الدول وشعوبها في جميع المجالات”.

وأضاف البيان مؤكداً انتماء هذا التجمع الجديد للإطار العربي والإسلامي قائلاً: “جاءت هذه الخطوة تمشياً مع الأهداف القومية للأمة العربية وفي نطاق نظام جامعة الدول العربية الذي حث على التعاون الإقليمي الهادف إلى تقوية الأمة العربية مما يؤكد على تدعيم انتماء هذه الدول للجامعة العربية وتعزيز دورها في تحقيق أهداف ومبادئ ميثاقها وبما يخدم القضايا العربية والإسلامية”.

ثم عقد وزراء الخارجية اجتماعهم الثاني في “مسقط” في مارس 1981 وأقروا فيه ما توصلت إليه لجنة الخبراء في اجتماعين لها سبقا هذا الاجتماع في ما يتصل بالنظام الأساسي لمجلس التعاون، واتفق الوزراء على عقد أول مؤتمر لقمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في “أبوظبي” عاصمة الإمارات العربية المتحدة.

وبانعقاد هذه القمة الخليجية الأولى في مايو عام 1981 حدث تحول كبير في المنطقة عموماً وفي هذه الدول الست خصوصاً.  فإلى أي مدى جاءت نتائج القمة الأولى لهذا التجمع الخليجي ملبية لطموحات الشعب العربي في الخليج في ضوء ما جاء في بيانها الأول؟
وعلى ضوء قراءتنا لهذا البيان في بداية هذا المقال تحددت الأهداف بتعميق “التكامل والترابط” وتحددت الوسائل بتعزيز “التنسيق والتعاون” بين “الدول” الخليجية العربية الست.

ففي مقدمة هذا البيان ما يوضح الرؤية للهدف والوسيلة لهذه النقلة النوعية التاريخية للعلاقات بين هذه الدول الخليجية الست، وجاء فيه: “انطلاقاً من الروح الأخوية القائمة بين هذه الدول وشعوبها، واستكمالاً للجهود التي بدأها قادتها في البحث عن صيغة مثلى تضم دولهم وتتيح لهم “التعاون والتنسيق” وإيماناً منهم بأهمية التعاون بين هذه الدول، واستجابة لرغبات وطموحات شعوبهم في “مزيد من التعاون”، والعمل من أجل مستقبل أفضل، اتفق أصحاب مجلس يضم دولهم يسمى “مجلس التعاون لدول الخليج العربية”.

المجلس بين الواقع والطموح

هل جاء المجلس بصيغته التي بلورتها قمته الأولى وبسقف الأفق السياسي للأهداف التي أعلنها “التكامل والترابط” وبالوسائل التي حددها “بالتنسيق والتعاون” حقاً “استجابة لرغبات وطموحات الشعوب”؟  وهنا نتساءل مرة أخرى: هل كانت رغبات وطموحات الشعب العربي الواحد في هذه الدول الست تتطلع فقط إلى “مزيد من التعاون” والعمل من أجل مستقبل أفضل؟ ثم نعود لطرح سؤال آخر: إذا كان هذا البيان الأول الذي جاء في ظروف دولية وإقليمية سبق شرحها كانت تستوجب الحذر في الصياغة وفي طرح الأهداف وتحديد الوسائل، فهل تكفي النتائج التي تحققت بعد نحو ربع قرن لكي تلبي طموحات شعبنا العربي في الخليج؟ وبالرغم من أن الاستعراض العام لبيانات القمم الخمس والعشرين السابقة التي تكاد تتشابه في صياغتها لم يأت على قدر الطموحات الشعبية، إلا أن الإنصاف يقتضي ألا نتغافل عن الإنجازات التي تحققت.

وهنا نرصد ما تحقق في المجال الاقتصادي على سبيل المثال “من الاتفاقية الاقتصادية الموحدة” التي فتحت الطريق “للاتحاد الجمركي الخليجي” المقرر اكتمال تطبيقه في عام 2007 والذي يفتح الباب واسعا أمام انطلاق “السوق الخليجية المشتركة” في عام 2007 أيضاً والذي يليه إطلاق “العملة الخليجية الموحدة” في عام 2010.

نعم.. تحققت منجزات تمثلت في اتفاقيات نوعية على قدر كبير من الأهمية. ولكن بعض هذه الاتفاقيات تواجه بعض العقبات في التطبيقات ناتجة عن بعض الاختراقات الدولية لمنظومة المجلس الاقتصادية ونتيجة تأخر صدور بعض المراسيم التنفيذية لهذه الدول في الوقت الملائم لتطبيقها، كما يلاحظ أن المدى الزمني لتطبيق هذه الاتفاقيات أطول مما تتطلع الشعوب إليه، ربما ناتج عن بطء في الدراسة أو في التشريع أو في التطبيق، وربما ينبع هذا من تعجل النتائج من جانب الشعوب الطامحة للاتحاد بأسرع من الزمن اللازم لنضوج هذه الخطوات، كما يرى المسؤولون والقادة.

إن ما بين القمة الأولى في “أبوظبي” في مايو 1981، والقمة الخامسة والعشرين في المنامة في ديسمبر 2004 هو ربع قرن بالتمام والكمال وهو زمن كاف جداً في رأي الكثيرين لا لتحقيق مزيد من التعاون أو بناء التكامل وإنما بالاستفادة من تجربة الاتحاد الأوروبي في بناء “الاتحاد الخليجي العربي” هذا الهدف الذي لم يرد ذكره كهدف لا في البيان الأول ولا في بيان القمة الأخيرة، علماً أنه الهدف الذي يتطلع إليه الشعب العربي في الخليج باعتباره الطريق الذي لا طريق غيره لتحقيق كل أشكال التعاون والتنسيق والترابط والتكامل، ولعل تجربة اتحاد الإمارات السبع في دولة الإمارات العربية المتحدة ونجاح ورسوخ هذه التجربة تثبت لقادة دول الخليج أن “الاتحاد” هو الهدف الأولى بالسير في اتجاهه وهو الوسيلة المثلى لصنع الأمن الإقليمي والقومي ولتحقيق التقدم والتنمية بما يحقق الرخاء للمواطن الخليجي العربي، وهذا الأمر يتطلب أولاً إرادة سياسية جادة لتحقيق هذا الهدف وسط تحديات عالم لا يعترف إلا بالكيانات الكبرى ولا يحترم إلا الأقوياء.

::/fulltext::
::cck::2336::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *