مـن واشنطــن إلى بيـــروت العنــف ليــس لــه وطـن
::cck::2338::/cck::
::introtext::
ليس للعنف وطن، فهو ظاهرة عابرة للقارات لا تكاد تخلو منه دولة. قد تختلف الأسباب، وقد تتفاوت حدة العنف بين بلد وآخر، إلا أنه يبقى موجوداً، والدلالة تشير إلى أنه بات ينتشر، وأصبح من الصعب السيطرة عليه.
::/introtext::
::fulltext::
ليس للعنف وطن، فهو ظاهرة عابرة للقارات لا تكاد تخلو منه دولة. قد تختلف الأسباب، وقد تتفاوت حدة العنف بين بلد وآخر، إلا أنه يبقى موجوداً، والدلالة تشير إلى أنه بات ينتشر، وأصبح من الصعب السيطرة عليه.
وللعنف مظهر واحد. سواء أكان في بيروت أم بغداد أم في المحيا أم الكويت أم الجزائر. مظهر واحد، وصور متكررة. صور الموت والأشلاء المتناثرة التي تجعل المرء يشعر كأنه يعود القهقرى إلى عصور الظلام. وبغض النظر عن دوافعه وأسبابه، سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية فإن هنالك إجماعاً بين عقلاء الأمة على رفضه واستنكاره.
لا يلجأ للاغتيال إلا من أصبح أسير أهوائه، وفقد سيطرته على العقل، ولا يلجأ إليه إلا من فقد الشجاعة على مجابهة الآخر، ولا يلجأ للاغتيال أيضاً إلا من فقد القضية التي يحارب من أجلها، وهي قضية خاسرة أخلاقياً، وبهذا المعنى فإنه بكل أنواعه ودوافعه ومبرراته عمل جبان مرعب يخرج عن الفعل الإنساني.
ولكن الانفجار في بيروت له رعب خاص يملأ النفوس، فبيروت ليست كغيرها من المدن، كأن ما يمكن إخماده في أي عاصمة، قد يكون عسيراً في بيروت، ففي بيروت كل شيء قابل للانفجار، ومصالح الدنيا تكاد تجتمع كلها في بيروت، التي فقدت وداعتها تتداخل السياسات، والأوراق تختلط حتى ليشعر المرء أن هذه المدينة مجسم للقرية الكونية برمتها. وليس غريباً أن العرب باجمعهم يشعرون بالأمان عندما تستقر بيروت، ويضطربون عندما تضطرب.
إن ظاهرة الاغتيال جزء من ظاهرة العنف والإرهاب المستشرية في المنطقة، وبغض النظر عن دوافع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري – سياسية كانت أم غير سياسية – فإن الحدث نفسه يشير إلى استمرار غياب الأطر الديمقراطية الصحيحة لتسوية الخلافات، وهو يشير إلى استمرار اضطراب المنطقة حيث لا منطقة تزخر باللااستقرار في العالم كالشرق الأوسط، ومن المتوقع في ظل ما هو قائم أن ترتفع وتيرة العنف، وأن يخلق عنفاً مضاداً.. حالة سيكولوجية للرد، لأن الآخرين يشـــعرون أيضاً بأنهم مستهدفون، وأنهم يجب ألا يظلوا مكتوفي الأيدي. والعنف أعمى لا يميز بين ضحاياه: كم كان مؤلماً منظر الرجل الذي ألقى بنفسه من سيارة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري والنار تلتهم جسده. لا شيء يبرر العنف، إن الطريقة الحضارية الوحيدة لتسوية الخلافات سواء أكانت سياسية أم شخصية هي اللجوء إلى المؤسسات الدستورية التي من حقها وحدها أن « تحتكر» العنف، وبغير ذلك سنعود إلى شريعة الغاب.
وليس بإمكان دولة، مهما كبر حجمها، أن تواجه العنف بمفردها في هذا العالم الفوضوي دون تعاون المجتمع الدولي بأسره من واشنطن إلى بيروت، ومن باريس إلى جزر القمر، فإذا لم يتوحد في مجابهة هذه الظاهرة القاتلة، فإن لا أحد سيكون آمناً، ولا دولة يمكن أن تدعي أنها ستظل بمنأى عن عدوى العنف. ولذلك فإنني أرى أن دعوة سمو الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية مؤخراً لإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب لم تأت من فراغ، وليس لأن السعودية تشعر بوطأة العنف وحدها، وإنما هو إحساس بالمسؤولية بأن العنف يطال الجميع دونما استثناء.
إن ظاهرة العنف من بعض الجهات المسلحة، لا تنفي مسؤولية الحكومات في إسهامها بقدر أو بآخر في خلق بيئات خصبة لتوليد ظاهرة العنف، فالاحتقان السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وغياب العدالة، وظواهر الاستبداد. والاحتلال العسكري في العراق أو فلسطين أو غيرهما وغمط الحقوق، واستشراء الفساد، واستفحال الهوة بين الغنى والفقر، كلها تمهد الطريق لإشعال فتيل العنف والعنف المضاد.
إن السلام الذي خيّم على بيروت طوال السنوات الماضية أظهر وللأسف كم كان سلاماً هشاً ومفتعلاً. اللبنانيون يحتاجون أكثر من أي وقت في تاريخهم للحكمة، وألا يقابلوا العنف إلا بالتعقل، وضبط النفس، والاستفادة من العبر، وتعزيز سيادة الدولة، وتغليب المصلحة الوطنية العليا، ومنع أي قوى خارجية من التدخل في خيوط اللعبة السياسية، واستخدام لبنان ساحة لتسوية مصالحها وحساباتها، وألا تستمرئ القوى السياسية اللبنانية هذه اللعبة وفق مصالح شخصية ضيقة، سياسية كانت أم دينية!
يبقى سؤال: كيف تواجدت هذه الكميات المرعبة من المواد شديدة الانفجار بين أيدي العابثين، بين أيدي أولئك الذين لا يتورعون عن ترويع الأهالي الآمنين وإزهاق الأرواح بالجملة ؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2338::/cck::
::introtext::
ليس للعنف وطن، فهو ظاهرة عابرة للقارات لا تكاد تخلو منه دولة. قد تختلف الأسباب، وقد تتفاوت حدة العنف بين بلد وآخر، إلا أنه يبقى موجوداً، والدلالة تشير إلى أنه بات ينتشر، وأصبح من الصعب السيطرة عليه.
::/introtext::
::fulltext::
ليس للعنف وطن، فهو ظاهرة عابرة للقارات لا تكاد تخلو منه دولة. قد تختلف الأسباب، وقد تتفاوت حدة العنف بين بلد وآخر، إلا أنه يبقى موجوداً، والدلالة تشير إلى أنه بات ينتشر، وأصبح من الصعب السيطرة عليه.
وللعنف مظهر واحد. سواء أكان في بيروت أم بغداد أم في المحيا أم الكويت أم الجزائر. مظهر واحد، وصور متكررة. صور الموت والأشلاء المتناثرة التي تجعل المرء يشعر كأنه يعود القهقرى إلى عصور الظلام. وبغض النظر عن دوافعه وأسبابه، سياسية كانت أم اقتصادية أم اجتماعية فإن هنالك إجماعاً بين عقلاء الأمة على رفضه واستنكاره.
لا يلجأ للاغتيال إلا من أصبح أسير أهوائه، وفقد سيطرته على العقل، ولا يلجأ إليه إلا من فقد الشجاعة على مجابهة الآخر، ولا يلجأ للاغتيال أيضاً إلا من فقد القضية التي يحارب من أجلها، وهي قضية خاسرة أخلاقياً، وبهذا المعنى فإنه بكل أنواعه ودوافعه ومبرراته عمل جبان مرعب يخرج عن الفعل الإنساني.
ولكن الانفجار في بيروت له رعب خاص يملأ النفوس، فبيروت ليست كغيرها من المدن، كأن ما يمكن إخماده في أي عاصمة، قد يكون عسيراً في بيروت، ففي بيروت كل شيء قابل للانفجار، ومصالح الدنيا تكاد تجتمع كلها في بيروت، التي فقدت وداعتها تتداخل السياسات، والأوراق تختلط حتى ليشعر المرء أن هذه المدينة مجسم للقرية الكونية برمتها. وليس غريباً أن العرب باجمعهم يشعرون بالأمان عندما تستقر بيروت، ويضطربون عندما تضطرب.
إن ظاهرة الاغتيال جزء من ظاهرة العنف والإرهاب المستشرية في المنطقة، وبغض النظر عن دوافع اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري – سياسية كانت أم غير سياسية – فإن الحدث نفسه يشير إلى استمرار غياب الأطر الديمقراطية الصحيحة لتسوية الخلافات، وهو يشير إلى استمرار اضطراب المنطقة حيث لا منطقة تزخر باللااستقرار في العالم كالشرق الأوسط، ومن المتوقع في ظل ما هو قائم أن ترتفع وتيرة العنف، وأن يخلق عنفاً مضاداً.. حالة سيكولوجية للرد، لأن الآخرين يشـــعرون أيضاً بأنهم مستهدفون، وأنهم يجب ألا يظلوا مكتوفي الأيدي. والعنف أعمى لا يميز بين ضحاياه: كم كان مؤلماً منظر الرجل الذي ألقى بنفسه من سيارة في جريمة اغتيال الرئيس الحريري والنار تلتهم جسده. لا شيء يبرر العنف، إن الطريقة الحضارية الوحيدة لتسوية الخلافات سواء أكانت سياسية أم شخصية هي اللجوء إلى المؤسسات الدستورية التي من حقها وحدها أن « تحتكر» العنف، وبغير ذلك سنعود إلى شريعة الغاب.
وليس بإمكان دولة، مهما كبر حجمها، أن تواجه العنف بمفردها في هذا العالم الفوضوي دون تعاون المجتمع الدولي بأسره من واشنطن إلى بيروت، ومن باريس إلى جزر القمر، فإذا لم يتوحد في مجابهة هذه الظاهرة القاتلة، فإن لا أحد سيكون آمناً، ولا دولة يمكن أن تدعي أنها ستظل بمنأى عن عدوى العنف. ولذلك فإنني أرى أن دعوة سمو الأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي عهد المملكة العربية السعودية مؤخراً لإنشاء مركز دولي لمكافحة الإرهاب لم تأت من فراغ، وليس لأن السعودية تشعر بوطأة العنف وحدها، وإنما هو إحساس بالمسؤولية بأن العنف يطال الجميع دونما استثناء.
إن ظاهرة العنف من بعض الجهات المسلحة، لا تنفي مسؤولية الحكومات في إسهامها بقدر أو بآخر في خلق بيئات خصبة لتوليد ظاهرة العنف، فالاحتقان السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وغياب العدالة، وظواهر الاستبداد. والاحتلال العسكري في العراق أو فلسطين أو غيرهما وغمط الحقوق، واستشراء الفساد، واستفحال الهوة بين الغنى والفقر، كلها تمهد الطريق لإشعال فتيل العنف والعنف المضاد.
إن السلام الذي خيّم على بيروت طوال السنوات الماضية أظهر وللأسف كم كان سلاماً هشاً ومفتعلاً. اللبنانيون يحتاجون أكثر من أي وقت في تاريخهم للحكمة، وألا يقابلوا العنف إلا بالتعقل، وضبط النفس، والاستفادة من العبر، وتعزيز سيادة الدولة، وتغليب المصلحة الوطنية العليا، ومنع أي قوى خارجية من التدخل في خيوط اللعبة السياسية، واستخدام لبنان ساحة لتسوية مصالحها وحساباتها، وألا تستمرئ القوى السياسية اللبنانية هذه اللعبة وفق مصالح شخصية ضيقة، سياسية كانت أم دينية!
يبقى سؤال: كيف تواجدت هذه الكميات المرعبة من المواد شديدة الانفجار بين أيدي العابثين، بين أيدي أولئك الذين لا يتورعون عن ترويع الأهالي الآمنين وإزهاق الأرواح بالجملة ؟
::/fulltext::
::cck::2338::/cck::
