بعد استضافة دبي لـ “مهرجان الصحارى العالمية”: الصحراء العربية بين التحدي والاستجابة
::cck::2450::/cck::
::introtext::
المهرجان الثاني لحضارات وثقافات شعوب صحارى العالم الذي احتضنته صحراء (مدينة دبي الدولية للقدرة)، والذي رعاه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع مؤسس جائزة زايد للبيئة، بحضور الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة مؤسس منظمة الصحارى العالمية، و70 من وزراء البيئة والثقافة والسياحة ووفود من دول العالم بما دار فيه وما شهده من بحث وما صدر عنه من مواثيق وتوصيات، يمثل بداية عالمية جادة للنظر بمنظار جديد للصحارى بأبعادها الحضارية والثقافية والسياحية والبيئية والتنموية، بعد تجاهل طويل لهذا النبع البالغ الثراء والبالغ السخاء والبالغ الصفاء.
::/introtext::
::fulltext::
المهرجان الثاني لحضارات وثقافات شعوب صحارى العالم الذي احتضنته صحراء (مدينة دبي الدولية للقدرة)، والذي رعاه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع مؤسس جائزة زايد للبيئة، بحضور الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مؤسس منظمة الصحارى العالمية، و70 من وزراء البيئة والثقافة والسياحة ووفود من دول العالم بما دار فيه وما شهده من بحث وما صدر عنه من مواثيق وتوصيات، يمثل بداية عالمية جادة للنظر بمنظار جديد للصحارى بأبعادها الحضارية والثقافية والسياحية والبيئية والتنموية، بعد تجاهل طويل لهذا النبع البالغ الثراء والبالغ السخاء والبالغ الصفاء.
وعلى الرغم من أن الصحراء تشكل 40 في المائة من مساحة اليابسة و20 في المائة مساحة من إجمالي الكرة الأرضية وتعتبر مصدرا مهما من مصادر الثروة والطاقة بما تحتويه من نفط ومعادن عديدة، فإن سكان الصحراء في العديد من مناطق العالم يواجهون الفقر والتهميش وغياب برامج التنمية.
وعلى الرغم من أن الصحراء كانت موئلا للحضارات الإنسانية ومنبعا للرسالات السماوية، ومصدرا لإلهام الحكماء والفلاسفة والشعراء فإن الحضارة الإنسانية الحديثة تناست أنها في الأساس وليدة الصحراء. ومع ذلك حافظت شعوب الصحارى على امتداد العالم على ملامح تراثها الخاص، وقيمها الخاصة وسماتها الثقافية التي ميزت إنسانها ودرجة حضارتها. وربما كان العرب في الماضي والحاضر هم أقرب الشعوب إلى الصحراء، وأكثر الشعوب ارتباطا بها ووفاء لها. ونذكر هنا أن النسبة الكبرى من مساحة الوطن العربي هي أرض صحراوية.
كما يبدو ضروريا أن نذكر أن صحراء شبه الجزيرة العربية كانت هي الخزان البشري الذي خرجت منه القبائل العربية عبر العصور القديمة مهاجرة وناشرة لغتها العربية، وقيمها البدوية الصحراوية على امتداد أكبر من الخليج العربي شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا.
لقد شكلت هذه الهجرات العربية الأولى التي استقرت في بلاد الرافدين والشام ووادي النيل وبلاد المغرب وانصهرت مع سكانها وارتبط مصير أبنائها بمصيرها برباط اجتماعي واقتصادي أساسي لارتباط مصير سكان البلاد ببعضها بعضاً.
وبعد أن أشرق نور الإسلام على شبه الجزيرة العربية وخرج العرب الفاتحون هذه المرة يبشرون برسالته الحضارية الإنسانية للعالمين، فإن الرسالة السماوية الجديدة بقيمها الإيجابية الإنسانية السمحة والبناءة، بالإضافة إلى ما شهدته الأرض العربية من ارتباط اقتصادي واجتماعي من قبل قد دفعا معا إلى ولادة انطلاقة حضارية جديدة ممثلة في الدولة الأموية في الشام والعباسية في العراق والفاطمية في وادي النيل والمرابطية في المغرب وهي حضارات صحراوية المنبع عربية الملامح بدوية التراث، إسلامية الثقافة.
وشكلت هذه المظلة الحضارية العربية الإسلامية طابع حضارة هذه المنطقة منذ ما يقرب من 1500 عام وحتى اليوم.
وإذا كانت الإمارات العربية هي جزء من شبه الجزيرة العربية التي هي أصل هذه الأمة العربية، وإذا كنا بصدد الحديث عن الصحراء، وفي مجال استعراض حضارات وثقافات شعوب الصحارى في العالم عموما فإن ما يهمنا هنا على وجه الخصوص هو ما يتصل بطبيعة وثقافة وحضارة الشعب العربي الذي عاش حياة البداوة في الصحراء، وتعامل مع تحدياتها وبنى فيها حضارته، وشيد على امتدادها مدنيته ومدنه العريقة بعد أن تشكلت في بيئته الصحراوية ملامح طبيعته، وطبيعة ثقافته.
يقول العالم الإسلامي المسلم ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع (البدو يقطعون الصحراء وحدهم، يميزهم في تلك الرحلات صبرهم على المشقة وثقتهم بأنفسهم، لقد أضحى الجلد صفة مميزة لهم، كما أضحت الشجاعة سمة أساسية فيهم، فهم يظهرون شجاعتهم متى دعت الحاجة، أو ظهر ما يستفزهم). ولأن للبيئة الطبيعية تأثيرها الواضح في سكان هذه البيئة، صحراوية كانت أم زراعية، أم ساحلية.
ولكي نقترب أكثر من طبيعة الصحراء العربية خصوصا في شبه الجزيرة العربية فإننا نعود إلى مصدر مهم تناول مؤخرا هذا الجانب حيث يقدم الكاتب اتدروونكروفت في كتابه (بقوة الاتحاد) وصفا للبيئة الطبيعية في الجزيرة العربية التي تبلغ ثلاثة ملايين كيلومتر مربع من الأراضي الصحراوية الجبلية وتقع في غربها سلسلة التلال الصخرية، التي يصل ارتفاعها إلى 4000 م وتقع حاليا ضمن الحدود اليمنية، وتبدأ هذه التلال العالية في الانحدار قبالة سواحل بحر العرب تدريجيا إلى أن تصبح سهلا يمتد بعمق إلى الداخل، وتبدأ الأرض الممتدة حول الساحل في الارتفاع مرة أخرى حتى تصل إلى سلسلة مرتفعات الجبل الأخضر (في سلطنة عمان) امتدادا إلى النتوء الصخري لشبه جزيرة (مسندم) التي تطل على أهم المضائق المائية الاستراتيجية في العالم وهو مضيق هرمز الذي يسيطر على حركة الملاحة في مدخل الخليج العربي. ولا يرتفع ساحل الخليج العربي كثيرا عن مستوى سطح البحر، ويستمر بهذا المستوى إلى أن يصل إلى مصب نهري دجلة والفرات.
وتختلف هذه السلاسل من الجبال والتلال في ارتفاعها وفي طبيعتها بعضها عن بعض مما يعدد نوعية النشاطات الاقتصادية القائمة فيها، وتظهر خريطة المنطقة الأراضي الصحراوية الممتدة من ساحل بحر العرب صعودا إلى الشريط الساحلي المتاخم للبحر المتوسط، وتضم هذه المنطقة العديد من الأراضي القاحلة، فإلى الشمال تقع جبال الحمد وأجزاء من صحراء النفوذ التي تمتد جنوبا حتى تصل إلى جبال عسير في الجنوب الغربي. أما من جهة الشرق فتقع صحراء الدهناء ومنطقة الظفرة التي تشكل امتدادا للصحراء حتى ساحل الخليج العربي. وإلى الجنوب من الدهناء والمناطق الداخلية من الظفرة تقع صحراء الربع الخالي أو ما يعرف ببحر الرمال.
وتشكل الظفرة وواحة ليوا أراضي قبيلة بني ياس وهي القبيلة التي ينتمي إليها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس النهضة الحديثة لدولة الإمارات العربية المتحدة طيب الله ثراه، والذي كرم مهرجان الصحارى دوره الخالد بمنح اسمه الكريم لقب (بطل الأرض) تكريما لدوره العالمي في حماية البيئة والأرض في تلك الأراضي الصحراوية التي كانت تتناثر بعض الواحات حيث كانت تنمو أشجار النخيل التي ارتبط بها أبناء الصحراء فكانت مصدرا لغذائهم، وظلاً لهم من قيظ الصحراء، ومن سعفها وجريرها بنوا مساكنهم.
في هذه الصحراء عاش السكان على رعي الأغنام وكانت الإبل هي سفينة صحرائهم ومصدر غذائهم ومصدرا لإقامة خيامهم. وعلى السواحل اشتغل السكان بصيد الأسماك وصيد اللؤلؤ. من هنا بقي ارتباط العربي في العصر الحديث واعتزازه بالنخيل والإبل عاليا حتى اليوم وفي هذه الصحراء أيضا كانت الفروسية التي تقتضيها معارك الدفاع عن الأرض والعرض ملمحا من ملامح البدوي العربي.
إن البيئة الصحراوية وطبيعة نشاطها الاقتصادي وبنيتها الاجتماعية أفرزت شكلا سياسيا تمثل في القبيلة كوحدة جامعة لكل هذه الروابط والأبعاد. ومثلت قيم القبيلة البدوية التي شكلتها ثقافتهم العربية والتي بلورتها عقيدتهم الإسلامية أساسا قويا لترابطهم وتواصل تراثهم المشترك.
لقد تمثلت هذه القيم أساسا في الشرف كقيمة عليا، واعتبرت كل الخصال الحميدة من أمانة وصدق ووفاء بالعهد وعدالة في الحكم مؤهلات لهذا الشرف، كما اعتبرت حرمة الأرض والعرض من أعلى معاني الشرف. بالإضافة إلى كل ما فرضته الطبيعة البيئية والاقتصادية والاجتماعية من قيم كالكرم والشهامة ونجدة الملهوف وإغاثة الضعيف ونصرة المظلوم، والعفو عند المقدرة.
وعلى عكس ما يتصوره البعض فإن القبيلة التي عاشت في بيئة قاسية مثل صحراء شبه الجزيرة العربية أفرزت ثقافة فريدة من نوعها تكيفت مع الظروف. والقدرة على التكيف لم تكن أمرا هينا أو سطحيا، وإنما لها جذورها الثقافية والدينية، لقد استطاعت كل قبيلة عربية التكيف مع الظروف الصعبة، واستجابت بطريقتها وثقافتها لطبيعة التحدي الذي واجهها مع تنوع هذه الظروف ما بين الجبلية والسهلية والبرية والساحلية.
والقبائل العربية عموما كانوا إما (بدواً). وهم الذين عاشوا في جوف الصحراء، وكان اقتصادهم يعتمد على النخلة في الواحات والغنم والإبل في المراعي. ويقيمون مساكنهم من سعف النخيل والشعر. وإما (حضراً) وهم الذين عاشوا على السواحل واعتمدوا على صيد السمك واستخراج اللؤلؤ والتجارة، وقد تميزت مساكنهم ومجتمعاتهم عن حياة الصحراء.
إن نجاح هؤلاء البدو العرب في الحفاظ على استمرار حياتهم وحياة دوابهم في هذه البيئة الصحراوية القاحلة حيث لا ماء ولا غذاء ولا كلأ يبدو لغير سكان الصحراء شيئا مذهلا. ويمكن لهذا الذهول أن يتبدد حين يتضح لنا أنهم نجحوا في ذلك بفضل خبرتهم العميقة بخصائص بيئتهم ومنها معرفتهم بمواقع وجود الماء أو الكلأ.
ونتيجة لهذه الحياة البسيطة اتصف مجتمعهم بالنقاء والصفاء والحكمة والشعر وتشكلت لديهم ثقافة خاصة حكمتها قيم الصحراء، وأصبحت للبدوي العربي خصاله وقيمه الحميدة التي صاغتها عقيدته الإسلامية وشكلتها بيئته الطبيعية. وعلى الرغم مما يراه الكثيرون من مؤرخي الحضارات بأن الصحارى ليست هي البيئة الطبيعية الملائمة لقيام الحضارة بسبب ندرة مياهها، وقسوة مناخها، ووعورة تضاريسها – وهذا صحيح بصورة عامة – وما تشير إليه كتب التاريخ من أن الحضارات الكبرى التي أقامتها الإنسانية على مدى القرون وعلى امتداد الأرض إنما قامت على ضفاف الأنهار أو على سواحل البحار، وهذا أيضا صحيح في الغالب، إلا أننا مع ذلك كله لا نستطيع القول بصورة مطلقة إن الوديان النهرية هي فقط موئل الحضارات، وإن السهول الصحراوية لا حضارة لها. ذلك أن التاريخ القديم والحديث أظهر لنا أكثر من تجربة أو إشارة إلى أن الصحراء أيضا، على الرغم من طبيعتها القاحلة، هي بيئة منتجة لنوع متميز من الحضارة.
وهنا نشير إلى أن هناك خلطا شائعا بين مفهومي الحضارة والمدنية ينتج عنه في الغالب هذا الالتباس الشائع الذي يقول بصورة مقلقة إن الأنهار هي فقط أرض الحضارات وإن الصحارى لا حضارة لها. ولعل مهرجان (ثقافات وحضارات الصحارى) الذي نظمته مؤسسة جائزة زايد للبيئة ومؤسسة الصحارى العالمية في دبي مؤخراً يقدم أكثر من دليل على أن الصحراء هي أيضا بيئة منتجة للثقافة وللحضارة.. وللمدنية أيضا.
ومن دون الخوض في بحث يطول حول مفاهيم المصطلحات، وللخروج مما ينتج عنها أحيانا من أفكار وانطباعات ليست دقيقة في الغالب حرمت الصحراء من أي إرث حضاري إنساني، أو جعلت من الصحراء بيئة طاردة للحضارة وليست حاضنة لها، يلزم القول إن الحضارة، أية حضارة، هي نتيجة العمران وهو الوصف الذي استخدمه عالم العمران البشري العلامة العربي المسلم ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع الحديث:
لقد فرق ابن خلدون بين مظهرين لهذا العمران البشري أو للحضارة بمفهومها الحديث: (العمران البدوي) و(العمران الحضري) كانت الصحراء هي البيئة الحاضنة لهذين المظهرين من العمران البشري، وهذا التمايز في المظهرين لا يعني أن البداوة ليست شكلا من أشكال الحضارة، إن لم تكن هي الأساس والبداية لنشأة التمدن بدليل ما شيده هؤلاء البدو العرب من مدن عريقة في بغداد ودمشق والقاهرة وما أقامه (المرابطون) في المغرب من حضارة، وبدليل ما تمثله دولة الإمارات العربية المتحدة وهي دولة
صحراوية في الأساس ومن وجود المجتمعين معا زمانا ومكانا: مجتمع البادية ومجتمع المدنية.. وبدليل نشأة المدن الحديثة من أحضان الصحراء و(دبي) نموذج للمدينة الصحراوية الساحلية والتي بلغت اليوم درجة عالمية في التمدن الحضاري، اعتمادا على التجارة والصناعة.. وبدليل نشأة مدينة العين وهي نموذج للمدينة الصحراوية غير الساحلية، وبلغت هي الأخرى درجة عالمية في التكامل والجمال اعتمادا على الزراعة والسياحة.. وبالرغم من هذا العمران الحضري في بقاع من هذه الأرض الصحراوية الإماراتية بقي (العمران البدوي) في بقاع أخرى من هذه الأرض.
إن الحضارة في تصور سهل هي نتاج علاقة وتفاعل الإنسان مع طبيعة المكان وطابع الزمان، وبينما تنتج المدنية عن تفاعل الإنسان مع محيطه المادي تنتج الثقافة عن تفاعل الإنسان مع محيطه المعنوي.
وإذا طبقنا ذلك على أرض الواقع فنجد أن علاقة البدوي بطبيعة المكان في البادية الصحراوية في المرحلة الزمنية الأولى للوجود الإنساني أنتجت نوعاً من العمران البشري تمثل في مجتمع البادية الذي هو شكل أولي من أشكال الحضارة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
وكانت هذه الأبعاد نتيجة استجابات الإنسان لتحديات المكان وإمكانات الزمان لكنها كانت سعيا إنسانيا لتوفير متطلبات استمرار الحياة تعاملا مع معطيات البيئة الطبيعية في المكان وتوظيف الإنسان لها في الزمان. ومع اختلاف طبيعة المكان تختلف أنواع التحديات وبالتالي تختلف أشكال الاستجابات، ويكتسب الفعل الإنساني مظاهر وأنماطاً جديدة قد يختلف يتطور عن استجابات الإنسان لتحديات المكان في مجتمع البادية.
وإذا كانت حركة التاريخ هي سلسلة من التحديات والاستجابات، كما يقول المؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي” فيبدو في النهاية من المفيد الإشارة هنا إلى ما رصده المبعوث البريطاني لويس بيلي عام 1863 م من انطباعات عن زيارته لمنطقة الخليج العربي، حيث قال عن شعب الخليج (أما أن تلتقي هؤلاء العرب حتى تفهم كيف استطاعوا أن يفتحوا العالم ذات يوم). وأضاف (إنهم ما زالوا يملكون الخصائص والسجايا التي يمكن أن تعيد إليهم صيتهم مرة أخرى إذا ما تحققت لهم الظروف الملائمة.. لقد غادرت هؤلاء العرب وانطبع في ذهني أن فضائلهم وعاداتهم وأخلاقهم ونظام حكمهم قد تشكلت، وإلى حد بعيد، نتيجة الظروف الطبيعية والأحداث التي مرت بهم). وهكذا كم للصحراء على الخريطة العربية من مساحة.. وكم كان لهذه الصحراء من تحدٍ استجاب له البدوي العربي في بناء حضارته العربية الإسلامية الإنسانية؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2450::/cck::
::introtext::
المهرجان الثاني لحضارات وثقافات شعوب صحارى العالم الذي احتضنته صحراء (مدينة دبي الدولية للقدرة)، والذي رعاه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع مؤسس جائزة زايد للبيئة، بحضور الرئيس الجزائري عبدالعزيز بوتفليقة مؤسس منظمة الصحارى العالمية، و70 من وزراء البيئة والثقافة والسياحة ووفود من دول العالم بما دار فيه وما شهده من بحث وما صدر عنه من مواثيق وتوصيات، يمثل بداية عالمية جادة للنظر بمنظار جديد للصحارى بأبعادها الحضارية والثقافية والسياحية والبيئية والتنموية، بعد تجاهل طويل لهذا النبع البالغ الثراء والبالغ السخاء والبالغ الصفاء.
::/introtext::
::fulltext::
المهرجان الثاني لحضارات وثقافات شعوب صحارى العالم الذي احتضنته صحراء (مدينة دبي الدولية للقدرة)، والذي رعاه الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع مؤسس جائزة زايد للبيئة، بحضور الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مؤسس منظمة الصحارى العالمية، و70 من وزراء البيئة والثقافة والسياحة ووفود من دول العالم بما دار فيه وما شهده من بحث وما صدر عنه من مواثيق وتوصيات، يمثل بداية عالمية جادة للنظر بمنظار جديد للصحارى بأبعادها الحضارية والثقافية والسياحية والبيئية والتنموية، بعد تجاهل طويل لهذا النبع البالغ الثراء والبالغ السخاء والبالغ الصفاء.
وعلى الرغم من أن الصحراء تشكل 40 في المائة من مساحة اليابسة و20 في المائة مساحة من إجمالي الكرة الأرضية وتعتبر مصدرا مهما من مصادر الثروة والطاقة بما تحتويه من نفط ومعادن عديدة، فإن سكان الصحراء في العديد من مناطق العالم يواجهون الفقر والتهميش وغياب برامج التنمية.
وعلى الرغم من أن الصحراء كانت موئلا للحضارات الإنسانية ومنبعا للرسالات السماوية، ومصدرا لإلهام الحكماء والفلاسفة والشعراء فإن الحضارة الإنسانية الحديثة تناست أنها في الأساس وليدة الصحراء. ومع ذلك حافظت شعوب الصحارى على امتداد العالم على ملامح تراثها الخاص، وقيمها الخاصة وسماتها الثقافية التي ميزت إنسانها ودرجة حضارتها. وربما كان العرب في الماضي والحاضر هم أقرب الشعوب إلى الصحراء، وأكثر الشعوب ارتباطا بها ووفاء لها. ونذكر هنا أن النسبة الكبرى من مساحة الوطن العربي هي أرض صحراوية.
كما يبدو ضروريا أن نذكر أن صحراء شبه الجزيرة العربية كانت هي الخزان البشري الذي خرجت منه القبائل العربية عبر العصور القديمة مهاجرة وناشرة لغتها العربية، وقيمها البدوية الصحراوية على امتداد أكبر من الخليج العربي شرقا إلى المحيط الأطلسي غربا.
لقد شكلت هذه الهجرات العربية الأولى التي استقرت في بلاد الرافدين والشام ووادي النيل وبلاد المغرب وانصهرت مع سكانها وارتبط مصير أبنائها بمصيرها برباط اجتماعي واقتصادي أساسي لارتباط مصير سكان البلاد ببعضها بعضاً.
وبعد أن أشرق نور الإسلام على شبه الجزيرة العربية وخرج العرب الفاتحون هذه المرة يبشرون برسالته الحضارية الإنسانية للعالمين، فإن الرسالة السماوية الجديدة بقيمها الإيجابية الإنسانية السمحة والبناءة، بالإضافة إلى ما شهدته الأرض العربية من ارتباط اقتصادي واجتماعي من قبل قد دفعا معا إلى ولادة انطلاقة حضارية جديدة ممثلة في الدولة الأموية في الشام والعباسية في العراق والفاطمية في وادي النيل والمرابطية في المغرب وهي حضارات صحراوية المنبع عربية الملامح بدوية التراث، إسلامية الثقافة.
وشكلت هذه المظلة الحضارية العربية الإسلامية طابع حضارة هذه المنطقة منذ ما يقرب من 1500 عام وحتى اليوم.
وإذا كانت الإمارات العربية هي جزء من شبه الجزيرة العربية التي هي أصل هذه الأمة العربية، وإذا كنا بصدد الحديث عن الصحراء، وفي مجال استعراض حضارات وثقافات شعوب الصحارى في العالم عموما فإن ما يهمنا هنا على وجه الخصوص هو ما يتصل بطبيعة وثقافة وحضارة الشعب العربي الذي عاش حياة البداوة في الصحراء، وتعامل مع تحدياتها وبنى فيها حضارته، وشيد على امتدادها مدنيته ومدنه العريقة بعد أن تشكلت في بيئته الصحراوية ملامح طبيعته، وطبيعة ثقافته.
يقول العالم الإسلامي المسلم ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع (البدو يقطعون الصحراء وحدهم، يميزهم في تلك الرحلات صبرهم على المشقة وثقتهم بأنفسهم، لقد أضحى الجلد صفة مميزة لهم، كما أضحت الشجاعة سمة أساسية فيهم، فهم يظهرون شجاعتهم متى دعت الحاجة، أو ظهر ما يستفزهم). ولأن للبيئة الطبيعية تأثيرها الواضح في سكان هذه البيئة، صحراوية كانت أم زراعية، أم ساحلية.
ولكي نقترب أكثر من طبيعة الصحراء العربية خصوصا في شبه الجزيرة العربية فإننا نعود إلى مصدر مهم تناول مؤخرا هذا الجانب حيث يقدم الكاتب اتدروونكروفت في كتابه (بقوة الاتحاد) وصفا للبيئة الطبيعية في الجزيرة العربية التي تبلغ ثلاثة ملايين كيلومتر مربع من الأراضي الصحراوية الجبلية وتقع في غربها سلسلة التلال الصخرية، التي يصل ارتفاعها إلى 4000 م وتقع حاليا ضمن الحدود اليمنية، وتبدأ هذه التلال العالية في الانحدار قبالة سواحل بحر العرب تدريجيا إلى أن تصبح سهلا يمتد بعمق إلى الداخل، وتبدأ الأرض الممتدة حول الساحل في الارتفاع مرة أخرى حتى تصل إلى سلسلة مرتفعات الجبل الأخضر (في سلطنة عمان) امتدادا إلى النتوء الصخري لشبه جزيرة (مسندم) التي تطل على أهم المضائق المائية الاستراتيجية في العالم وهو مضيق هرمز الذي يسيطر على حركة الملاحة في مدخل الخليج العربي. ولا يرتفع ساحل الخليج العربي كثيرا عن مستوى سطح البحر، ويستمر بهذا المستوى إلى أن يصل إلى مصب نهري دجلة والفرات.
وتختلف هذه السلاسل من الجبال والتلال في ارتفاعها وفي طبيعتها بعضها عن بعض مما يعدد نوعية النشاطات الاقتصادية القائمة فيها، وتظهر خريطة المنطقة الأراضي الصحراوية الممتدة من ساحل بحر العرب صعودا إلى الشريط الساحلي المتاخم للبحر المتوسط، وتضم هذه المنطقة العديد من الأراضي القاحلة، فإلى الشمال تقع جبال الحمد وأجزاء من صحراء النفوذ التي تمتد جنوبا حتى تصل إلى جبال عسير في الجنوب الغربي. أما من جهة الشرق فتقع صحراء الدهناء ومنطقة الظفرة التي تشكل امتدادا للصحراء حتى ساحل الخليج العربي. وإلى الجنوب من الدهناء والمناطق الداخلية من الظفرة تقع صحراء الربع الخالي أو ما يعرف ببحر الرمال.
وتشكل الظفرة وواحة ليوا أراضي قبيلة بني ياس وهي القبيلة التي ينتمي إليها المغفور له بإذن الله تعالى الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مؤسس النهضة الحديثة لدولة الإمارات العربية المتحدة طيب الله ثراه، والذي كرم مهرجان الصحارى دوره الخالد بمنح اسمه الكريم لقب (بطل الأرض) تكريما لدوره العالمي في حماية البيئة والأرض في تلك الأراضي الصحراوية التي كانت تتناثر بعض الواحات حيث كانت تنمو أشجار النخيل التي ارتبط بها أبناء الصحراء فكانت مصدرا لغذائهم، وظلاً لهم من قيظ الصحراء، ومن سعفها وجريرها بنوا مساكنهم.
في هذه الصحراء عاش السكان على رعي الأغنام وكانت الإبل هي سفينة صحرائهم ومصدر غذائهم ومصدرا لإقامة خيامهم. وعلى السواحل اشتغل السكان بصيد الأسماك وصيد اللؤلؤ. من هنا بقي ارتباط العربي في العصر الحديث واعتزازه بالنخيل والإبل عاليا حتى اليوم وفي هذه الصحراء أيضا كانت الفروسية التي تقتضيها معارك الدفاع عن الأرض والعرض ملمحا من ملامح البدوي العربي.
إن البيئة الصحراوية وطبيعة نشاطها الاقتصادي وبنيتها الاجتماعية أفرزت شكلا سياسيا تمثل في القبيلة كوحدة جامعة لكل هذه الروابط والأبعاد. ومثلت قيم القبيلة البدوية التي شكلتها ثقافتهم العربية والتي بلورتها عقيدتهم الإسلامية أساسا قويا لترابطهم وتواصل تراثهم المشترك.
لقد تمثلت هذه القيم أساسا في الشرف كقيمة عليا، واعتبرت كل الخصال الحميدة من أمانة وصدق ووفاء بالعهد وعدالة في الحكم مؤهلات لهذا الشرف، كما اعتبرت حرمة الأرض والعرض من أعلى معاني الشرف. بالإضافة إلى كل ما فرضته الطبيعة البيئية والاقتصادية والاجتماعية من قيم كالكرم والشهامة ونجدة الملهوف وإغاثة الضعيف ونصرة المظلوم، والعفو عند المقدرة.
وعلى عكس ما يتصوره البعض فإن القبيلة التي عاشت في بيئة قاسية مثل صحراء شبه الجزيرة العربية أفرزت ثقافة فريدة من نوعها تكيفت مع الظروف. والقدرة على التكيف لم تكن أمرا هينا أو سطحيا، وإنما لها جذورها الثقافية والدينية، لقد استطاعت كل قبيلة عربية التكيف مع الظروف الصعبة، واستجابت بطريقتها وثقافتها لطبيعة التحدي الذي واجهها مع تنوع هذه الظروف ما بين الجبلية والسهلية والبرية والساحلية.
والقبائل العربية عموما كانوا إما (بدواً). وهم الذين عاشوا في جوف الصحراء، وكان اقتصادهم يعتمد على النخلة في الواحات والغنم والإبل في المراعي. ويقيمون مساكنهم من سعف النخيل والشعر. وإما (حضراً) وهم الذين عاشوا على السواحل واعتمدوا على صيد السمك واستخراج اللؤلؤ والتجارة، وقد تميزت مساكنهم ومجتمعاتهم عن حياة الصحراء.
إن نجاح هؤلاء البدو العرب في الحفاظ على استمرار حياتهم وحياة دوابهم في هذه البيئة الصحراوية القاحلة حيث لا ماء ولا غذاء ولا كلأ يبدو لغير سكان الصحراء شيئا مذهلا. ويمكن لهذا الذهول أن يتبدد حين يتضح لنا أنهم نجحوا في ذلك بفضل خبرتهم العميقة بخصائص بيئتهم ومنها معرفتهم بمواقع وجود الماء أو الكلأ.
ونتيجة لهذه الحياة البسيطة اتصف مجتمعهم بالنقاء والصفاء والحكمة والشعر وتشكلت لديهم ثقافة خاصة حكمتها قيم الصحراء، وأصبحت للبدوي العربي خصاله وقيمه الحميدة التي صاغتها عقيدته الإسلامية وشكلتها بيئته الطبيعية. وعلى الرغم مما يراه الكثيرون من مؤرخي الحضارات بأن الصحارى ليست هي البيئة الطبيعية الملائمة لقيام الحضارة بسبب ندرة مياهها، وقسوة مناخها، ووعورة تضاريسها – وهذا صحيح بصورة عامة – وما تشير إليه كتب التاريخ من أن الحضارات الكبرى التي أقامتها الإنسانية على مدى القرون وعلى امتداد الأرض إنما قامت على ضفاف الأنهار أو على سواحل البحار، وهذا أيضا صحيح في الغالب، إلا أننا مع ذلك كله لا نستطيع القول بصورة مطلقة إن الوديان النهرية هي فقط موئل الحضارات، وإن السهول الصحراوية لا حضارة لها. ذلك أن التاريخ القديم والحديث أظهر لنا أكثر من تجربة أو إشارة إلى أن الصحراء أيضا، على الرغم من طبيعتها القاحلة، هي بيئة منتجة لنوع متميز من الحضارة.
وهنا نشير إلى أن هناك خلطا شائعا بين مفهومي الحضارة والمدنية ينتج عنه في الغالب هذا الالتباس الشائع الذي يقول بصورة مقلقة إن الأنهار هي فقط أرض الحضارات وإن الصحارى لا حضارة لها. ولعل مهرجان (ثقافات وحضارات الصحارى) الذي نظمته مؤسسة جائزة زايد للبيئة ومؤسسة الصحارى العالمية في دبي مؤخراً يقدم أكثر من دليل على أن الصحراء هي أيضا بيئة منتجة للثقافة وللحضارة.. وللمدنية أيضا.
ومن دون الخوض في بحث يطول حول مفاهيم المصطلحات، وللخروج مما ينتج عنها أحيانا من أفكار وانطباعات ليست دقيقة في الغالب حرمت الصحراء من أي إرث حضاري إنساني، أو جعلت من الصحراء بيئة طاردة للحضارة وليست حاضنة لها، يلزم القول إن الحضارة، أية حضارة، هي نتيجة العمران وهو الوصف الذي استخدمه عالم العمران البشري العلامة العربي المسلم ابن خلدون مؤسس علم الاجتماع الحديث:
لقد فرق ابن خلدون بين مظهرين لهذا العمران البشري أو للحضارة بمفهومها الحديث: (العمران البدوي) و(العمران الحضري) كانت الصحراء هي البيئة الحاضنة لهذين المظهرين من العمران البشري، وهذا التمايز في المظهرين لا يعني أن البداوة ليست شكلا من أشكال الحضارة، إن لم تكن هي الأساس والبداية لنشأة التمدن بدليل ما شيده هؤلاء البدو العرب من مدن عريقة في بغداد ودمشق والقاهرة وما أقامه (المرابطون) في المغرب من حضارة، وبدليل ما تمثله دولة الإمارات العربية المتحدة وهي دولة
صحراوية في الأساس ومن وجود المجتمعين معا زمانا ومكانا: مجتمع البادية ومجتمع المدنية.. وبدليل نشأة المدن الحديثة من أحضان الصحراء و(دبي) نموذج للمدينة الصحراوية الساحلية والتي بلغت اليوم درجة عالمية في التمدن الحضاري، اعتمادا على التجارة والصناعة.. وبدليل نشأة مدينة العين وهي نموذج للمدينة الصحراوية غير الساحلية، وبلغت هي الأخرى درجة عالمية في التكامل والجمال اعتمادا على الزراعة والسياحة.. وبالرغم من هذا العمران الحضري في بقاع من هذه الأرض الصحراوية الإماراتية بقي (العمران البدوي) في بقاع أخرى من هذه الأرض.
إن الحضارة في تصور سهل هي نتاج علاقة وتفاعل الإنسان مع طبيعة المكان وطابع الزمان، وبينما تنتج المدنية عن تفاعل الإنسان مع محيطه المادي تنتج الثقافة عن تفاعل الإنسان مع محيطه المعنوي.
وإذا طبقنا ذلك على أرض الواقع فنجد أن علاقة البدوي بطبيعة المكان في البادية الصحراوية في المرحلة الزمنية الأولى للوجود الإنساني أنتجت نوعاً من العمران البشري تمثل في مجتمع البادية الذي هو شكل أولي من أشكال الحضارة بأبعادها الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية.
وكانت هذه الأبعاد نتيجة استجابات الإنسان لتحديات المكان وإمكانات الزمان لكنها كانت سعيا إنسانيا لتوفير متطلبات استمرار الحياة تعاملا مع معطيات البيئة الطبيعية في المكان وتوظيف الإنسان لها في الزمان. ومع اختلاف طبيعة المكان تختلف أنواع التحديات وبالتالي تختلف أشكال الاستجابات، ويكتسب الفعل الإنساني مظاهر وأنماطاً جديدة قد يختلف يتطور عن استجابات الإنسان لتحديات المكان في مجتمع البادية.
وإذا كانت حركة التاريخ هي سلسلة من التحديات والاستجابات، كما يقول المؤرخ البريطاني “أرنولد توينبي” فيبدو في النهاية من المفيد الإشارة هنا إلى ما رصده المبعوث البريطاني لويس بيلي عام 1863 م من انطباعات عن زيارته لمنطقة الخليج العربي، حيث قال عن شعب الخليج (أما أن تلتقي هؤلاء العرب حتى تفهم كيف استطاعوا أن يفتحوا العالم ذات يوم). وأضاف (إنهم ما زالوا يملكون الخصائص والسجايا التي يمكن أن تعيد إليهم صيتهم مرة أخرى إذا ما تحققت لهم الظروف الملائمة.. لقد غادرت هؤلاء العرب وانطبع في ذهني أن فضائلهم وعاداتهم وأخلاقهم ونظام حكمهم قد تشكلت، وإلى حد بعيد، نتيجة الظروف الطبيعية والأحداث التي مرت بهم). وهكذا كم للصحراء على الخريطة العربية من مساحة.. وكم كان لهذه الصحراء من تحدٍ استجاب له البدوي العربي في بناء حضارته العربية الإسلامية الإنسانية؟
::/fulltext::
::cck::2450::/cck::
