صناعة الرأي العام: استراتيجيات التواصل والسياسات الإعلامية العمومية لمكافحة الإرهاب
::cck::2507::/cck::
::introtext::
في ميدان الدعاية والدعاية المضادة تحتل مصطلحات ومفاهيم السياسات الإعلامية أهمية كبرى، فهي بمثابة رأس الحربة لاقتحام موانع العدو الرمزية والثقافية والأيديولوجية وتجريده من كل مصداقية وتعريته وتشويه صورته للنيل منه. وفي هذا الشد والجذب قلَّما تلجأ أطراف الصراع إلى اختراع مفاهيم ومصطلحات جديدة، بل تعمد في الغالب إلى سرقتها من الخصم وتحويرها بما يناسب مصالحها وواقع الحال.
::/introtext::
::fulltext::
في ميدان الدعاية والدعاية المضادة تحتل مصطلحات ومفاهيم السياسات الإعلامية أهمية كبرى، فهي بمثابة رأس الحربة لاقتحام موانع العدو الرمزية والثقافية والأيديولوجية وتجريده من كل مصداقية وتعريته وتشويه صورته للنيل منه. وفي هذا الشد والجذب قلَّما تلجأ أطراف الصراع إلى اختراع مفاهيم ومصطلحات جديدة، بل تعمد في الغالب إلى سرقتها من الخصم وتحويرها بما يناسب مصالحها وواقع الحال.
والأمثلة التاريخية في هذا الباب كثيرة، فمع تشكُّل فضاءات الرأي العام وتأسيس الدولة الحديثة تم استخدام شعارات المطالبة بحكومة وأجهزة تمثيلية منتخبة أثناء القرن الثامن عشر من طرف البورجوازية في صراعها مع الإقطاع والملكيات القائمة، وتم السطو عليها من طرف عامة الشعب بعد ثورة 1789 ضد البورجوازية، ثم ما لبث أن استعملها الاشتراكيون بدورهم لصالح الطبقة العاملة ضد الرأسمال.
وما نشهده اليوم في ميدان العلاقات الدولية بين الشمال والجنوب يقترب من ذلك كثيرا، فمفاهيم ومصطلحات: “الإرهابيون” و”الدول المارقة” و”محور الشر” بمثابة مفاهيم ومصطلحات إعلامية تشي أيضا بتصورات جيوسياسية وجيواستراتيجية للعلاقات الدولية، بحيث وُضِعت في الخانة المضادة لمصطلحات “محور الخير” و”الدول الديمقراطية” و”دعاة السلم والاستقرار العالميين”، ما دامت القوى العظمى جعلت منها “حقائق” و”ماركات مسجلة” في جميع بقاع العالم، توزعها الصحف الدولية والمجلات والقنوات الفضائية وتعقد من أجلها الندوات واللقاءات وتحشد لها الجموع والمنابر.
– نموذج الولايات المتحدة الأمريكية
يبدو من الأهمية بمكان تحليل تفاعلات الرأي الأمريكية مع الخطاب السياسي لقادة البيت الأبيض، ومعرفة الأسس التي تقوم عليها سياسة التواصل العمومية، بخاصة في موضوع مكافحة الإرهاب. ثم كيف تتم تعبئة الرأي العام الوطني والدولي وصياغة مفاهيمه ومصطلحاته بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
فمجمل الخطب الملقاة ومختلف فنون عرض الواقع السياسي تحتل أهمية كبيرة، لأن أية دولة ديمقراطية هي فاعل اجتماعي بالأساس يحتم عليه التجاوب سلبا أم إيجابا مع باقي الفاعلين السياسيين وأرباب المصالح والجماعات العنيفة، لأن الطبيعة تخشى الفراغ. ولكي تستطيع الدولة احتواء الجميع، فهي دائما ما تهيئ استراتيجيات للتواصل على قدر من البساطة حتى يستوعبها القاصي والداني، وأول ذلك الإعلام الذي يغطي ما هو كائن.
ويحتد الأمر عندما يصبح الأمر متعلقا بقضايا شائكة كالإرهاب وكيفية الرد عليه، لأن هذه الدبلوماسية الإعلامية، إن صح التعبير، جد ساسة، ويمكن أن تصيب الهدف أو تتعثر، مما يعني خسائر كبيرة وعلى جميع الجبهات. ولتفادي ذلك تم اللجوء إلى شعار وحيد: “إما معنا أو مع الإرهابيين”، بحيث يمكن رصد ذلك من أشكال سياستها المتبعة في ثلاثة محاور رئيسية:
أ- تبني استراتيجيات التهويل.
ب- التعبئة الجماهيرية.
ت- رد أمني وعسكري وإعلامي.
فالتهويل من أي هجوم أو اعتداء إرهابي غالبا ما يثير ويشد الأنظار وتحقق من خلاله برامج وتعليقات الشركات الإعلامية أكبر الإيرادات وأرقاما قياسية من المشاهدين، ومن خلاله أيضا تشحن النفوس وتتم تعبئتها بالدعوة إلى الوحدة الوطنية والالتفاف حول القيادة السياسية، ما يسمح للدولة بالظهور بمظهر الراعي الأمين لمصالح المجتمع.
فموضوع الإرهاب منذ سنة 1999 أصبح أحد المواضيع المتكررة في القنوات التلفزيونية، ومنذ 11 سبتمبر 2001 بلغ حجم برامجه والتعليقات والمقابلات والتغطيات المعدة له أرقاما خيالية، كما يلاحظ في هذا الباب حالة التبعية التي عليها المؤسسات الإعلامية الخاصة أمام الإدارة الأمريكية للحصول على مصادر الخبر والسماح لها برصد وتقديم برامجها من مسرح العمليات، من دون أن ننسى تداخل المصالح بين القطاع العام والخاص.
ثم التلويح أحياناً باتخاذ إجراءات عقابية وجزائية على المؤسسات التي تحيد عن وجهة النظر الرسمية، ما يمكن السلطات بفرض مضمون ما يقال بعد أن يتم التمهيد له عن طريق إعداد النفوس له بطريقة ضمنية. ويكفي الرجوع إلى طبيعة التغطية للمواضيع الوطنية وللإرهاب في سنة 1999 بالنسبة للبرامج والربورتاجات عبر الأجهزة السمعية والبصرية والمكتوبة، لتتبين الحظوة المتزايدة لهذا الموضوع، حتى اعتبره البعض صناعة رابحة منذ نهاية الألفية الثانية.
وبهذا الصدد يلاحظ أن الرأي العام الأمريكي غالبا ما يلتف حول قيادته السياسية ورؤسائه في فترة الأزمات الكبرى، أو أمام أحداث خطرة تهدد مصالح الوطن العليا، مقدما دعمه للعمليات العسكرية التي تتخذ في هذا السياق، بحيث يصور هذا الالتفاف على أنه التفاف حول “العلم الوطني” وبمثابة واجب قومي وعقد التزام بين أوسع فئاته وشرائحه. ولنتساءل كيف تم ذلك؟ ويمكن التأكد عبر العديد من الدراسات الميدانية، أن البيت الأبيض يمارس تأثيراً لا بأس به على الوسائط الإعلامية في الأزمات والأحداث الكبرى، بخاصة منها التلفزيونية من خلال ظهوره بين الفينة والأخرى على شاشاتها أو من خلال مخاطبته مباشرة للرأي العام. أو من خلال إرسال صحفيين معتمدين يرافقون الجيش الأمريكي في عملياته. وهذا التأثير يقلل أحياناً من حدة انتقادات المعارضة السياسية للإدارة، ويلجمها أحيانا أخرى.
فحملات الشجب والتنديد التي مورست على الرئيس بوش لم تنجح في مسعاها، وكانت جد محدودة في وقعها وتأثيرها الإعلامي، ولم يتسن لها الذيوع والانتشار، بل انقلبت غالباً على أصحابها الذين وجدوا أنفسهم في موقع حرج ومدان من الرأي العام الذي لم يفهم تخلفهم عن الإجماع الوطني في هذه الظروف، إذ نظمت حملات هوجاء على الذين دعوا إلى “فهم عقلاني” لأحداث 11 سبتمبر 2001 واتهموا بخواء وغباء غير اعتيادي عندما رفضوا اختزال الحدث في الحاجة الملحة للأمن باسم مشروعية الحرب على الإرهاب. وبعد أيام قليلة حذر جون أشكروفت وكوندوليزا رايس الشبكات الإعلامية من مغبة بث أشرطة ابن لادن، ما اعتبره العديد من المثقفين مساً بحق المواطن في الحصول على معلومات أخرى غير تلك التي تعمل الإدارة على بثها.
ويعلق ستيفن فيبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة بركلي في شهرية كاليفورنيا نوفمبر 2002: “أول شيء لاحظته كان في المكتبات، ففي 12 سبتمبر أخليت الرفوف من الكتب التي تتناول الإسلام والسياسة الخارجية الأمريكية والعراق وأفغانستان. إذ كان هناك نقاش مهم لاستكناه دور الوجود الأمريكي في العالم الذي أفرز وضعا مكّن حركات مثل “القاعدة” أن تنمو وتزدهر فيه”.
وإذا كان غاية هذا السؤال أن يبين كيف تنمو الطحالب في الماء العكر، فإن ذلك لم يستمر طويلا، بحيث تم تحوير النقاش وتغيير مساره وأصبح: ما هي بواعث الخلل في العالم الإسلامي وأسباب فشله في تحقيق الديمقراطية والتحديث والتنوير، وأصبح موردا لصناعة وتفريخ الإرهاب والتعصب؟
فالكشف عن أسباب الإرهاب وبواعثه لم يعد شيئا مقبولا، بل ربما يسلط الضوء على مسؤولية السياسة الأمريكية في العالم، بخاصة أنه يعرض للمساءلة سياسة استمرت منذ روزفلت إلى بوش، قوامها:
“ماطِل، ابق كافة الاختيارات مفتوحة، أطلق وعودا في العلن ووعودا مناقضة لها في الخفاء وفي الكواليس الخاصة”. ستون عاما من شاكلة هذه الوعود طبعت العلاقات مع العرب، فحصلت الولايات المتحدة الأمريكية على نفطهم وعائداتها وأقامت إسرائيل دولتها.. وما زال الفلسطينيون ينتظرون دولتهم.. والسعوديون تنميتهم.. وكل العرب أحلام جنة التقدم الموعودة. .. ستون عاما مرت، ولم يعد هناك حتى من إمكانية موضوعية لنقاش طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ومن تجرأ كان نصيبه الاتهام بالعداء للسامية.
وقبل الكشف عن الأواليات الإعلامية التي مارست تأثيرها الكبير في ذلك، قيل قبل ذلك إن الثقافة السائدة لدى المجتمع الأمريكي وفئاته، غالبا ما تفضل أن تقف صفا واحدا في الأزمات الحادة، ولا تقبل بالانتقادات والاعتراضات بينها ولا بالمنتقدين وسطها عندما يجتاز الوطن محنة مستعصية.
ومن تبعات ذلك، أن الصحفيين بدورهم خفت حدة انتقاداتهم ووجدوا أنفسهم مجبرين على تغيير مواقفهم بعد 11 سبتمبر: “بحيث وجد الإعلام نفسه يلوك صمتا رهيبا حول العديد من القضايا الأساسية، عاجزا عن أن ينخرط بجدية في نقاش يوضح للرأي العام البواعث والرهانات التي توجه سياسة الإدارة الأمريكية، بل وجد الصحفيون أنفسهم يكررون للرأي العام أقوال الرئيس وتصريحاته على علاتها ومن دون تمحيص، ما ضخم إلى حد كبير من مصداقيته”.
بطبيعة الحال إذا كان من الصعب جداً فهم جميع الأسباب المؤدية لهذا الانقلاب في رأي عام وأنتلجنسيا وصحافة معروفة عنها جديتها المهنية وعمق التحقيقات التي تقوم بها وانتقاداتها الجدية، فإن ذلك يمكن أن تعزى بعض أسبابه إلى حالة الاستنفار والتعبئة العامة التي ألقت بظلالها على المجتمع برمته بعد 11 سبتمبر، وما صاحب ذلك من الإحساس بالخطر والتهديد في عقر الدار، مما قوبل برد فعل مضاد تمثل في ازدياد عدد الأعلام الوطنية فوق البنايات وحاملي الفانيلات والقبعات والرموز الأمريكية إذكاء للحماسة والتحدي لتعبئة الرأي العام وتقوية النزعة والحس الوطنيين. وأيا كانت قوة هذه الأسباب والعوامل مجتمعة أو متفرقة، فلقد تفاعلت بقدر أو بآخر لتؤدي إلى ما أدت إليه.
غير أنه ما يهمنا هو توضيح الأواليات الإعلامية والصحفية واستراتيجيات التواصل التي ساهمت في بلورة هذا الدعم الكبير للسياسة الحكومية:
– أولاً: إن الدوائر المختصة في صنع الرأي العام والتأثير فيه عبر الوسائط السمعية والبصرية قدمت في برامجها إطارا تأويليا أحاديا يقوم على منطق الحجة غير المباشرة الذي تبقى حيثياته فرضية وحجته معلقة، بحيث تم التركيز مثلا: “إن صدام حسين يملك أسلحة دمار شامل، وبالتالي يمكن أن يقدمها للإرهابيين الذين بدورهم لن يتورعوا عن استخدامها ضد الولايات المتحدة الأمريكية”.
إذاً فأي انتظار هو مجازفة كبيرة لأن العدو قد يضرب في كل آن وحين! مادامت الفرضية الأولى تفتح الباب للفرضية الثانية ميكانيكيا وتهيئ العقول والقلوب لتقبلها من دون تمحيص، خاصة أن سياسة التريث اعتبرت مجازفة قد تفتح المجال لاحتمال آخر أخطر: الخاص بإمكانية تفويتها أو حصول الحركات الإرهابية عليها. وبالتالي حدوث هجوم بيوكيماوي أفظع وأهول من الهجوم الأول! فالإدارة الأمريكية شخصت حاكم العراق بوصفه الشرير، ومن ثم أصبحت كل التساؤلات حول ما إذا كان يمتلك أسلحة دمار شامل، وهل سيستعملها إذا ما هوجم وهل ذلك سبب للخوف منه؟ وبين هذا وذاك، لم يترك الرئيس بوش مجالا للتردد، لأنه قال إنه سيهاجم العراق.. وسيفعلها أبى من أبى وشاء ومن شاء. وعلى الرئيس العراقي أن يرحل طوعا أو كراهية.
ومن ثم أصبح الرأي العام متعودا على استهلاك يومي بأن الحرب قدر لا مفر منه، ما دامت سياسة الاحتواء مع النظام العراقي لم تثمر.. وأنه قادر على صناعة غاز الإعصار والأنتراكس، كما قد ينجح في تطوير أسلحة ترفع من تكلفة أي حرب تعلن عليه. بالإضافة إلى ذلك، ماذا ينتظر من نظام يمارس التنكيل بمواطنيه وأعلن الحرب على جاريه مرتين؟ وماذا ينتظر من نظام يمارس الاستبداد صباح مساء؟ وهل السيادة تمنح الحصانة على هذه الجرائم؟
وما يستشف من القصد والهدف الذي يوجه هذه المقولة إعداد الرأي الأمريكي بصفة عامة والذهنية النفسية للمواطن بصفة خاصة للربط بين السَبب والمسبِب دونما انتظار لمعرفة الحقيقة، ومن ثم تقبُّل أحكام وخطط ما تعتزم الإدارة مباشرته من سياسات كوقاية للشعب الأمريكي. وهي الترجمة الانعكاسية الشرطية لتبرير أية حرب وقائية أو استباقية.
فأي تقويم أخلاقي لا يجدي النفع ومضيعة للوقت.. ولا خوف على العالم في أسبوعية ” ستاندارد ويكلي” يونيو 2002 لسان صقور المحافظين الجدد: “لأننا ندير سطوة حميدة على نحو فريد. وليس هذا مجرد نرجسية احتفائية بالنفس، بل حقيقة تتمظهر في الطريقة التي يرحب بها الآخرون بقوتنا”.
وإذا رجعنا إلى حصيلة سبر الآراء في بداية الحرب الأمريكية على العراق، فإن مؤسسة (Knight- Ridder) قامت باستجواب للعديد من الأمريكيين: كشفت أن 51% بالمئة منهم يظنون أن العراقيون كانوا من بين منفذي عملية الهجوم في 11 سبتمبر 2001، وهذا ما تعتبره جريدة “هيرالد تريبيون” الدولية (24-25 مايو 2003) غير صحيح بالمرة.
غير أن ما يهمنا كيف كان المستجوبون متأكدين وواثقين بذلك تماما وهو ما يسترعي الانتباه والقلق في آن واحد، بحيث يمكن اعتباره علامة عن ربط شبه فوري وميكانيكي تمت إقامته بين أيقونات الشر: ” صدام حسين ” و” أسامة بن لادن ” من طرف الإدارة الأمريكية في البنيات الذهنية والنفسية من دون تقديم حجة على هذه العلاقة بينهما إلى اليوم.
إذ تم صنع هذا التركيب عبر “بلاغة” الأزمة والتهويل التي أحاطت بما بعد 11 سبتمبر 2001 عند الإدارة الأمريكية. ويرجع بالأساس إلى كيفية صنع الواقع وإخراجه وتعليبه بمقاسات معينة في خطاب القيادات السياسية الأمريكية، وكيف يتم تصوير ذلك الواقع وإعادة تشكيله وإخراجه في سيناريوهات تتكفل بتسويقها وإذاعتها الوسائط الإعلامية. ويكفي القول إن نسبة كبيرة من الأمريكيين بعد إعلان الحرب على بغداد كانت تظن أن العراقيين متورطون في 11 سبتمبر وكانوا من بين المنفذين للاعتداء!
– ثانياً: إن إطلاق العنان لهواجس الرأي العام باللجوء إلى الذاكرة الجمعية، عبر وقائع وأحداث وقعت في الماضي وخلّفت بصمات في وعي الجماهير التاريخي، كما حدث من خلال الربط الآلي الذي حصل بين اعتداء بيرل هاربر 1941 في المحيط الهادي وأحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك.
فعدم الربط بين بيرل هاربر و 11 سبتمبر، يعني التنكر لضرورة الرد القوي والحاسم، كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية مع اليابان في الحرب العالمية الثانية. وبالتالي لا يجد المعترض، أيا كان، مكانا له في الذاكرة الجمعية وفي التاريخ الوطني، مثله مثل الطير الذي يغرد وحده خارج السرب!
ويتبادر من العنصرين أنهما وضعا بغاية ربط التلقي الجماهيري بفهم وحيد تعْمل الإدارة الأمريكية على ترسيخه وتمريره إلى الأذهان:
– إعلان الحرب دون انتظار بخاصة ما عرف بالحرب الاستباقية والوقائية التي أطلقها ممثل الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن السفير نيجروبونتي (المدير الحالي لوكالة المخابرات الأمريكية)، لأن الانتظار قد يمنح العدو فرصة تعويم الحدث في أحداث أخرى أو القيام بمهاجمة المصالح الأمريكية في مواقع أخرى، مما يصب في التمهيد لتقبل دون نقاش ما تريد الإدارة الأمريكية تنفيذه وما تعتزم القيام به.
ومن تداعياته أن الصحفيين وجدوا أنفسهم في حالة ممارسة رقابة ذاتية تلقائية. إذ كان من الصعب جدا عليهم الاعتراض على فرضية أن صدام لا يمتلك أسلحة دمار شامل، ومن ثم حتى التشكيك فيها، بحيث إن قبول الفرضية الأولى يؤدي لزاما لتقبل الفرضية الثانية (حصول الحركات الإرهابية عليها) مادام ذلك وارداً ويستسيغ قبوله في تلك الظروف المتشنجة وحالات الاستنفار المضروبة. فالربط الذي تم يساوي بين المستبد والإرهابي لأنهما عملة واحدة في هذه البلاغة المزدوجة، وهو ما ُروج له عبر عدة منابر ودوائر قريبة من البيت الأبيض.
بهذه الأواليات الإعلامية المدروسة وجهت الإدارة الأمريكية الرأي العام، بل أجادت رسم الطريق الذي سيسير فيه ما دامت قد صاغت الإطار الرمزي الذي سيفكر به ومن خلاله. وكيفما كانت الحال، فالسياسة العمومية في ميدان الإعلام من هذا القبيل رسمت بعناية فائقة حدود التأويلات المتاحة في إطار واحد ووحيد يمتلك مفاتيحه الدوائر الخبيرة في الإعلام لدى البيت الأبيض.
وبالعودة إلى حرب الخليج الأولى التي أسالت حبرا كثيرا، يمكن الوقوف على أهم الخصائص المستعملة في الخطاب الإعلامي استراتيجيات التواصل، بحيث نلاحظ أنها انتقلت اليوم إلى مجال مكافحة الإرهاب وتم استعمالها أيضا ضد العراق سنة 2003 وفي أفغانستان. إذ يعتبر العديد من الباحثين أن اللغة التقنية المستعملة في هذه العمليات شكلت إطارا مفاهيميا، من الصعب على الصحفيين التنصل منه.
فهذا الإطار عمل على عسكرة الخطاب الصحفي وحشره بالمصطلحات التقنية العسكرية، بما أفرغه من أية محاولة للتعرف إلى خباياه أو خوض أي نقاش جدي ومسؤول حول طبيعة تلك العمليات ومدى احترامها للمواثيق والقواعد الجاري بها العمل في الحروب. ففي الوقت الذي كان يتم العصف بالبنيات التحتية لشعب وإرجاعه خمسين سنة إلى الوراء، كان الحديث يتم على “ضربات جراحية” والدقة والنجاعة والفعالية في إصابة الأهداف، كأن شيئا لم يقع.
وبإيجاز شديد، عندما كان الحديث يجري على “ضربات جراحية”، و”حرب نظيفة في غاية الدقة” و”حرب من دون خسائر في أرواح المدنيين” كانت غاية هذه المصطلحات والمفاهيم منع أي نقاش أو جدل حول أسباب هذه الحرب وتداعياتها ونتائجها، بل إن مجرد الحديث بلغة رقمية وحسابية وحيادية يجعل من ذلك كله غير ذي جدوى ولا يترك فرصة زمنية أو يوفر ظرفا لنقاش جدي حول ذلك، مادامت الحرب خاطفة وموجهة وجراحية لاستئصال الورم الخبيث فحسب، معتمدة على أحدث الوسائل وأنجعها، علاوة على استعمال مصطلحات علمية وتكنوطبية وتقانية حسابية وجافة من جهة، واللجوء إلى استخدام المجاز كناية عما يقع من جهة أخرى، بخاصة من طرف الخبراء ومن الصحفيين، نزع عن الحرب صبغتها الدرامية وغطى على طبيعة القوى المتحاربة غير المتكافئة. بل جرد المشاهدين من أي إحساس وانفعال أو تعاطف لأن ذلك يتم عرضه وتصويره ونقله بالتحكم بالصور المعروضة والتعليقات على نحو يوهم المشاهد بأنه هو الآخر في قلب الأحداث و”شاهد عيان” على مسرح الأحداث بصفة مباشرة وفورية.
فبنية الجمل في هذه التعليقات وشكل الصور المقدمة تفوقان أهمية الشرح المقدم نفسه، بحيث من السهل جدا تقديم متابعة صحفية لهجوم من دون التركيز على صاحبه ومضاعفاته، وهو ما يتأتى من عرض صور ناطقة تقوم مقام التحقيق الصحفي، أو من خلال تعليقات مبتسرة وغارقة في العمومية: “تم القيام بهجوم ناجح” أو “أصابت أهدافها ولم تخلف أضرارا مدنية”، وهي تعليقات أخف وطأة من تعليق مشابه يركز على طبيعة الهجوم وحجم الضحايا والخسائر، أو الأضرار الجانبية المصاحبة له.
ولعل استخدام صيغة الغائب والفعل المبني للمجهول صيغ مناسبة لحمل المشاهد أو السامع على تبنِّي فهم دون آخر، فمثلا القول: “القراصنة يحتجزون ثلاثة أمريكيين”، صيغة أسلوبية الغاية منها التركيز على الفاعل وبالتالي الإرهابيين، بالمقابل لا يحتل الركاب إلا موقعاً دنيوياً مجرداً من أي فعل. أما إذا قيل: “ثلاثة ركاب يوجدون بالطائرة المختطفة” فستجعل من الركاب الأمريكيين الثلاثة محور التركيز والانتباه وفي الواجهة، في حين يحتل فعل القرصنة درجة أقل. فاللعب بالكلام والأفعال السردية من شأنهما أن يحورا واقع الحقيقة ويحملا مضموناً بعينه دون آخر. أي واقع جديد يتم تسطيره وإعادة صياغته من نموذج الواقع الذي تم تحويره.
وإذا كانت الوسائط الإعلامية السمعية والبصرية بمقدورها اللجوء إلى مصادر أخرى لتنوير الرأي العام، بحيث تقدم الرأي والرأي المضاد ما يجعلها أكثر إقناعا وأكثر مصداقية، فإنه منذ حرب الخليج الأولى تم فرض المراقبة الصارمة على مصادر الخبر، بحيث لم تعد من وسيلة للحصول عليها خارج قنوات البنتاغون، مما حدا بالباحثين بمؤسسة (Grannett Foundation Media Center) أن يعتبروا أن النظام المعتمد: “ساهم في إشعال فتيل التنافس بين المراسلين الصحفيين عوض تعاونهم، كما عمل على مركزة المعلومات بيد البنتاغون وحده، ما أضفى طابعا أحاديا على جل المراسلات الصحفية”. الأمر الذي حدا ببعض الصحفيين الأمريكيين اعتبار لقاءات البنتاغون الصحفية بمثابة ” آلات للخداع الإعلامي.
وبتتبع مجرى الأحداث، سنرى كيف حاولت الإدارة الأمريكية اتباع النهج نفسه في “الحرب ضد الإرهاب” في أفغانستان وضد النظام الحاكم في العراق، بغية تحقيق نفس النجاعة والنجاح والفعالية والتحييد كما في حرب الخليج الأولى من ضبط للمعلومات وتكييف لها وتوزيعها وفق وقت معلوم.
وإثر هجومها على أفغانستان، حاولت إدارة بوش التحكم بحمولة الأخبار الصادرة عن الوكالات الإعلامية الأمريكية، عندما كانت حركة طالبان تحاول التحكم هي أيضاً بالأخبار الخارجة من أفغانستان. إلا أن قناة الجزيرة ظهرت بمظهر المصدر الوحيد للإعلام البديل من داخل مسرح العمليات، بحيث أصبح الإعلام في هذه الجولة بمثابة طريدة يتنازعها ذئبان، غير أن الذي اختطف المعادلة الإخبارية لصالحه بوصفه المصدر الأساسي للأخبار، مثلته قناة الجزيرة.
وهو ما تم رصده على التو بعد حادث 11 سبتمبر 2001، إذ بدأت هذه القناة بعملية موازية للعمليات العسكرية الأمريكية بتغطية إعلامية مع بث صور ومشاهد لوقائع وأحداث مختلفة من أفغانستان، وهو ما تحقق لها عبر وسائلها اللوجستية وعلاقتها الثقافية واللغوية التي نسجتها بينها وبين الفاعلين مباشرة هناك على أرض الحدث ومع المناطق المعنية بالعمليات العسكرية الأمريكية المتعلقة بالإرهاب.
إذ استطاعت قناة الجزيرة أكثر من غيرها أن تقدم بديلاً إعلامياً ببث صور وتعليقات ومشاهد كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على صياغتها بما يناسب مصالحها، بل لم يسلم منها هذه المرة حتى المشاهد الأمريكي المسلم. وباللجوء إلى تقنية التغطية المباشرة التي تيسرها الوسائط التقنية المعاصرة، كما بثها لشرائط فيديو أو شرائط مسجلة لزعماء القاعدة ـ بخاصة أسامة بن لادن و أيمن الظواهري ـ قلبت المعادلة الإعلامية، إذ وجدت المصادر الإعلامية الدولية مصدرين للخبر ولم تعد تحت رحمة وسيلة واحدة منها.
ومن ثم كان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تجابه هذا الوضع الجديد، ما دفعها لتغيير استراتيجيتها الإعلامية وتطلب منها الأمر مهمة مزدوجة: الرد في الوقت نفسه على ابن لادن وقيادة حركة طالبان اللذين أصبحا يخاطبان الرأي العام العالمي مباشرة وعدم ترك الساحة الإعلامية فارغة ومن دون مجيب عن الادعاءات المطروحة، وإيجاد مُسوّغات ومبررات معقولة لما يقوم بها جنودها على مسرح الأحداث، واضعة في الحسبان ما تقدمه القناة المنافسة من تحقيقات ميدانية من عين المكان، خوفا من أن تفقد المصداقية وبالتالي المعركة الإعلامية.
كل ذلك أحدث قلقا وامتعاضا كبيرا لدى الدوائر المسؤولة، بخاصة لما عرضت قناة الجزيرة في منتصف مايو 2003 شريطا صوتيا نُسِب لأيمن الظواهري يدعوا من خلاله المسلمون الى القيام بهجومات “على السفارات الأمريكية والبريطانية والاسترالية والنرويجية وضرب مصالحهم ووسائل النقل الجوي التابعة لهم وموظفيها”.
بالإضافة إلى ذلك، دعا للنيل من اليهود والحكومات العربية التي تدعم الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد نظام صدام حسين المخلوع. مما دفع بالولايات المتحدة الأمريكية للاحتجاج على الجزيرة، معتبرة ذلك التسجيل الصوتي ” قدحا شنيعا” وباعثا على الحقد والكراهية، داعية الوكالات والقنوات الإعلامية التفكير مرتين قبل أن تعرض هذه الدعايات السامة بدورها. (هيرالد تريبيون الدولية، 22 مايو 2003).
وخلال العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان، قامت قناة الجزيرة أساسا بتقديم أخبار بديلة عن الرؤية الإعلامية الأمريكية وبمنظور مختلف وأسئلة غير اعتيادية حتى ذلك الوقت. مما أهلها على الأقل في المدى القصير أن تحظى بمتابعة مشاهدين من الدول العربية واهتمام ساكنيها ( ما بين 40-60 مليون مشاهد يوميا) الذين كانوا إلى حد قريب تحت تأثير إعلام وطني تتحكم به الأنظمة الحاكمة وإما تابع للدولة.
ويكفي الوقوف على موقف قناة الجزيرة من مصطلح “الإرهاب” ذاته، لنتبين وبصفة كلية تمايزها عن قناة (سي.إن.إن) الأمريكية. فأحمد الشيخ أحد مسؤوليها قرر عدم استعمال مصطلح “الإرهاب” إلا عندما كان صحفيوه في مقابلة مع الأمريكيين لشرح وجهة نظرهم ونقلها للمشاهد العربي. وما عدا ذلك كان التوجه الرسمي للقناة يتفادى أي استعمال لهذا المفهوم الذي يلفه في نظرها كثير من الغموض.
وهذا الاعتقاد القوي يضاف إليه توجهها لمنطقة عربية موضوعة ديانتها في قفص الاتهام، ومحاولتها عرض الإشكاليات والقضايا المعروضة من وجهة نظر مشرقية أو شرق أوسطية بعيدة عن منظور وعدسات الغرب. مما حدا بها أحيانا إلى عرض وثائق وأدبيات تنظيم القاعدة (أكتوبر 2001)، ثم دعوة خبراء أمريكيين للتعليق عليها، مما جعلها تعرض باستمرار عروضا مثيرة جعلت من هيئاتها الإعلامية قبلة العديد من المحللين ومحط اهتمام العديد من المحطات الدولية. الأمر الذي أجبر الإدارة الأمريكية على تغيير استراتيجيتها الإعلامية، ودفع ذلك شخصيات نافذة إلى التردد أكثر من مرة على المحطات الفضائية لقطع الطريق على ابن لادن إعلاميا والرد عليه بتفنيد آرائه، كما فعل دونالد رامسفيلد مراراً وتكراراً .
ولقد ازداد هذا الوقع عندما عمدت قناة الجزيرة إلى تقديم صور ومشاهد بديلة لا تقدمها الفضائيات الأمريكية وما يقدمه البنتاغون لوسائل الإعلام، منها على وجه الخصوص تلك التي كان يحاول منع وصولها للرأي العام. وغداة ذلك طلبت الإدارة الأمريكية من قطر التدخل للجم القناة العربية المستقلة، بحيث لم يحدث ذلك لأول مرة، خاصة بعد أن طلبت ذلك بعض الدول العربية التي تذمرت في ما مضى من سياستها الإعلامية (المغرب والجزائر والمملكة العربية السعودية ومصر والكويت) أيضا.
وأمام هذه الديناميكية البالغة في المنطقة، تحركت العديد من المصالح العربية والإيرانية لخلق عدة قنوات فضائية خاصة بها مع اندلاع الحرب ضد العراق في سنة 2003، رغبة منها في محاكاة عمل قناة الجزيرة، ومنها إمداد قناة أبو ظبي وقناة العربية بموارد مالية إضافية وسياسة إعلامية جديدة. وتحسبا للتدخل الأمريكي في العراق، بادرت طهران لإنشاء قناة الأهرام ـ العالم الموجهة للطائفة الشيعية في جنوب العراق.
وعموما يمكن القول إنه منذ تأسيس حزب الله قناة “المنار” (1991) أصبح للرأي العام العربي عدة قنوات ومصادر إعلامية خاصة به وقريبة منه ثقافيا، ذات قدرة على تغيير التمثلات الإعلامية الغربية المرتبطة بأحداث الإرهاب بصفة عامة، وما يجري في الشرق الأوسط وديار الإسلام بخاصة. فهذه القناة مثلا موجهة بالساتل إلى ما يقرب 200 مليون مشاهد محتمل، تبث على مدار 18 ساعة وتقدم مثلا برنامجا أسبوعيا عن كرة القدم الأوروبية وسلسلة وثائقية “إرهابيون” تقدم مسحا شاملا للاعتداءات والجرائم التي تقترفها الصهيونية ضد العرب والمسلمين منذ بداية احتلال فلسطين، ثم يحلل البرامج الإسرائيلية وطريقتها في عرض الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، كما تقدم برنامجاً سياسياً منقولاً على الهواء مباشرة يربط الاتصال بالمشاهدين عبر الهاتف، إلى جانب برامج ثقافية وترفيهية للأطفال ودروس الوعظ الديني.
كل ذلك أرغم الولايات المتحدة الأمريكية على البحث عن استراتيجية جديدة تحد بها من تأثير بعض تلك القنوات:
– عدم ترك المجال لهذه القنوات، بحيث سعت إلى إحداث قناة باللغة العربية تبث برامج موضوعة خصيصا للمشاهد العربي.
– تأسيس مصادر إعلامية وفرق أبحاث تبحث في موضوعات برامج تلك القنوات، كما حاولت أيضا تسويغ مشاهد وبرامج جديدة غير متمركزة على الولايات المتحدة وعلى الغرب عموما في محاولة منها لشد اهتمام المشاهد العربي ليسهل تقبلها وهضمها من ذلك الجمهور.
الإدارة الأمريكية وسياستها الإعلامية بعد 11 سبتمبر
بعد 11 سبتمبر 2001، طورت الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية إعلامية وتواصلية قائمة على ثلاثة موضوعات رئيسية، أخذت على عاتقها نشر وشرح رؤيتها لمكافحة الإرهاب:
أ- اختصت الأولى منها بالارتباط الشديد بالقيم الأمريكية التي توحد بين مكونات الشعب الأمريكي، بحيث كان الهدف تعبئة الرأي العام الأمريكي باستعمال وسائل عادية ( التهويل من الخطر الإرهابي، إعلانات شبه يومية وإشهار متكرر وبيانات إنذار تصب كلها في الرفع من وتيرة التعبئة الشعبية ومؤسسات الوقاية المدنية وكيفية مجابهة المواطنين لحالات هجوم بيوكيماوي).
ب- عرض مشاريع الديمقراطية والانفتاح كبدائل من شأنها مقاومة الإرهاب، وفي سبيل ذلك أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية العديد من عائلات ضحايا 11 سبتمبر إلى أفغانستان لمقابلة عائلات أفغانية ضحايا الحرب الأهلية، وهو ما خلف أثرا بالغا على الساحة الداخلية.
ج- بالمقابل تمحور الموضوع الأخير حول الشباب، غير مقتصر على الشباب الأمريكي وإنما وجه ذلك للشباب العربي المسلم بخاصة النظام التربوي الموجود في عدد من البلدان العربية.
وللقيام بأعباء ذلك، تم تجنيد موارد ما يطلق عليه في أمريكا ” الدبلوماسية العمومية” بالمقارنة مع الدبلوماسية التقليدية، وهي موجهة إلى منابر غير حكومية ومنظمات المجتمع المدني على الرغم من أنها تعمل بواسطة الشبكة الدبلوماسية والقنصلية في الخارج. إذ تقوم بتوزيع منشورات وعرض شرائط فيديو وإقامة معارض وندوات ومؤتمرات، ( فمثلا أُقيم معرض صور كبير في باريس بتاريخ 11 سبتمبر 2002 لحادث 11 سبتمبر 2001، كانت غايته كسب الفرنسيين).
والدبلوماسية العمومية هذه ليست جديدة تاريخياً، إذ أنشأ الرئيس إيزنهاور وكالة إعلام الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1953، وهي إحدى أبرز هذه المنظمات المختصة في هذا الميدان، وهي على علاقة وطيدة بوزارة الخارجية الأمريكية.
وفي الإطار نفسه هناك إذاعة ” صوت أمريكا” الذي بدأت البث منذ سنة 1942، بحيث تقدم 660 ساعة من البرامج اليومية وعبر 55 لغة. ولقد طُرِحت إعادة تفعيل هذه القنوات واستخدام وسائلها في مكافحة الإرهاب في كواليس الكونغرس، تماما كما حدث سابقا مع الشيوعية ومناهضة الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية. إذ تم بالفعل تفعيل ذلك بعد 11 سبتمبر، وأصبحت تتمتع بموارد جديدة وضعت كلها في خدمة مصالح الولايات المتحدة، كما يتم الدفاع عنها من منظور الإدارة الحالية، غير أن تجنيد السياسة الإعلامية الأمريكية لوسائل غير شفافة عرضها لانتقادات كثيرة من لدن المنظمات غير الحكومية، بحيث وقع الكشف عن مخطط سري تمت برمجته في استراتيجية التواصل والإعلام الأمريكية الرسمية، يقوم على تجهيز برامج وتقديم معلومات كاذبة وحبك سيناريوهات زائفة بغاية تقديمها للوسائط الإعلامية الأجنبية من طرف”مكتب الدعاية والتأثير الاستراتيجي” التابع للبنتاغون.
وتم تأسيس هذا المركز مباشرة بعد 11 سبتمبر 2001 للتعريف بمواقف ورؤى الإدارة الأمريكية في العالم العربي والإسلامي والبحث عن مساندة داخله وللتأثير في نخبه المحلية، وأيضاً الرد على الحركات السلمية المناهضة للحرب ومنع وصول تأثيرها للرأي العام الأمريكي. إذ يمكن اعتبار أبرز وحداته التابعة لهذه المنظمة وحدة قيادية متخصصة بالحرب النفسية والدعاية الأيديولوجية والرد والرد المضاد.
وبموازاة هذه الجهود المتزامنة في كل من الإعلام العمومي والشبه العمومي اختارت الإدارة الأمريكية لأول مرة تجنيد مواطنين أمريكيين في استراتيجية إعلامية داخلية، استعملتهم في الإشهار والإعلانات، بحيث لوحظ أن موادها كانت تحمل نبرة دراماتيكية وتهويلا مفتعلا ومثيرا في الوقت نفسه استغل الصدمة التي خلقتها أحداث 11 سبتمبر 2001 إلى أبعد حد، غايته دفع الجميع وراء سياسة الرئيس بوش وفريقه من المحافظين الجدد، بحجة دقة المرحلة التي تقتضي التجنيد الكامل وراء الإدارة الأمريكية لمحاربة الإرهاب.
وذلك ما يمكن معاينته في فبراير 2003 من دعوة المسؤول الأول عن المديرية الوطنية للأمن الداخلي، توم بريدج للأمريكيين باتخاذهم إجراءات احتياطية واحترازية تقيهم في الوقت المناسب من مضاعفات هجوم إرهابي: كالتوفر على حقيبة طبية في المنزل وإعداد لائحة بأسماء قريبة منهم يتم الاتصال بهم في حالة حدوث مكروه، كما الاستعداد الكامل لتتبع وتنفيذ ما يأتي عبر مصادر الإعلام والقنوات الرسمية.
وفي هذا السياق المحموم لم يكن من بد أن يصبح الرأي العام الأمريكي مشدوها ومتوترا وقلقا، لا سيما أن توم بريدج ظل يؤكد أن السخرية التي كانت تلحق دعوة المسؤولين سابقًا من تخزين المواد الغذائية والخيم وسائر الاحتياطات الأخرى أصبحت في خبر كان. غير أنه أضاف في الوقت نفسه أن ذلك التخزين إذا لم يعد اليوم ضروريا، فإن الخيم وسيلة ناجعة للانعزال داخلها في غرفة إذا تم هجوم بيوكيماوي.
سيناريوهات: من ألوان إشارات المرور إلى ألوان مكافحة الإرهاب
يمكن معاينة ذلك من خلال الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية عبر نظام رمزي مثير للانتباه، بحيث تم تكييف درجة الخطر عبر نظام من الألوان يقترب من ألوان إشارات المرور. ففي 20 مايو 2003، رفعت الولايات المتحدة من سقف الإنذار من: ” أصفر” (عال) إلى مستوى اللون ” البرتقالي” (عال جدا) بالقياس إلى احتمالات وقوع هجمات على الأراضي الأمريكية. وهو ما يتطلب التنسيق بين جميع المصالح المختصة واتخاذ احتياطات استثنائية حول المرافق العمومية. بالمقابل تم وضع اللون “الأخضر” للإشارة إلى درجة ضعيفة من الإنذار، كما أن اللون الأزرق وضع بغاية رفع درجة الانتباه والحذر الذي يتحتم فيه إبلاغ المواطنين بما يجري. أما اللون الأحمر فيعني حالة شبيهة بالطوارئ وإغلاق الإدارات والمؤسسات العمومية والحد من تحركات المواطنين في أماكن معينة.
وهو ما حدث بالفعل للمرة الرابعة على التوالي خلال خمسة عشر شهرا من قبل نائبة مدير الأمن الوطني أسا هيتشينسن التي حزب الله بررت رفع سقف الإنذار إلى اللون البرتقالي بوقوع هجمات إرهابية في كل من المغرب (16 مايو) والسعودية، ونظرا للتقارير المرفوعة من أجهزة المخابرات التي أكدت تصاعد نسبة الاتصالات بين حركات إرهابية عبر شبكة الانترنت مفادها عزم هذه الأخيرة القيام بهجوم على الأراضي الأمريكية.
وللتعليق على نظام هذه التدابير الإنذارية، يمكن معاينة أهميتها من الناحية التواصلية:
– استعمال اللونين الأحمر والأخضر على شاكلة نظام إشارات المرور، وهو مفهوم رمزي جد مبسط وفعال في الوعي الجمعي لدى المواطنين.
– تحديد مستويات الخطر وبالتالي إعداد السكان لتهديدات خطيرة محتملة.
– عقلنة مستويات الإعداد لمواجهة الاحتمالات كافة، ما يغذي لدى المواطنين الشعور بأن الدولة والحكومة ذات كفاءة ومقدرة على مواجهة الإرهاب بتتبعه درجة خطورته خطوة بخطوة. وبالتالي تقديم المعلومات الضرورية والمطلوبة طبقا لذلك.
– وأخيراً، غاية نظام الإنذار من هذا النوع هي إذكاء الإحساس لدى المواطنين بالانتباه إلى الحركات المشبوهة والتبليغ عنها، والاستعداد لانتظار حدث بالغ الخطورة.
وإجمالا، يمكن اعتبار هذا النظام شيئاً جديداً في السياسة الإعلامية الوطنية ويستحق المتابعة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2507::/cck::
::introtext::
في ميدان الدعاية والدعاية المضادة تحتل مصطلحات ومفاهيم السياسات الإعلامية أهمية كبرى، فهي بمثابة رأس الحربة لاقتحام موانع العدو الرمزية والثقافية والأيديولوجية وتجريده من كل مصداقية وتعريته وتشويه صورته للنيل منه. وفي هذا الشد والجذب قلَّما تلجأ أطراف الصراع إلى اختراع مفاهيم ومصطلحات جديدة، بل تعمد في الغالب إلى سرقتها من الخصم وتحويرها بما يناسب مصالحها وواقع الحال.
::/introtext::
::fulltext::
في ميدان الدعاية والدعاية المضادة تحتل مصطلحات ومفاهيم السياسات الإعلامية أهمية كبرى، فهي بمثابة رأس الحربة لاقتحام موانع العدو الرمزية والثقافية والأيديولوجية وتجريده من كل مصداقية وتعريته وتشويه صورته للنيل منه. وفي هذا الشد والجذب قلَّما تلجأ أطراف الصراع إلى اختراع مفاهيم ومصطلحات جديدة، بل تعمد في الغالب إلى سرقتها من الخصم وتحويرها بما يناسب مصالحها وواقع الحال.
والأمثلة التاريخية في هذا الباب كثيرة، فمع تشكُّل فضاءات الرأي العام وتأسيس الدولة الحديثة تم استخدام شعارات المطالبة بحكومة وأجهزة تمثيلية منتخبة أثناء القرن الثامن عشر من طرف البورجوازية في صراعها مع الإقطاع والملكيات القائمة، وتم السطو عليها من طرف عامة الشعب بعد ثورة 1789 ضد البورجوازية، ثم ما لبث أن استعملها الاشتراكيون بدورهم لصالح الطبقة العاملة ضد الرأسمال.
وما نشهده اليوم في ميدان العلاقات الدولية بين الشمال والجنوب يقترب من ذلك كثيرا، فمفاهيم ومصطلحات: “الإرهابيون” و”الدول المارقة” و”محور الشر” بمثابة مفاهيم ومصطلحات إعلامية تشي أيضا بتصورات جيوسياسية وجيواستراتيجية للعلاقات الدولية، بحيث وُضِعت في الخانة المضادة لمصطلحات “محور الخير” و”الدول الديمقراطية” و”دعاة السلم والاستقرار العالميين”، ما دامت القوى العظمى جعلت منها “حقائق” و”ماركات مسجلة” في جميع بقاع العالم، توزعها الصحف الدولية والمجلات والقنوات الفضائية وتعقد من أجلها الندوات واللقاءات وتحشد لها الجموع والمنابر.
– نموذج الولايات المتحدة الأمريكية
يبدو من الأهمية بمكان تحليل تفاعلات الرأي الأمريكية مع الخطاب السياسي لقادة البيت الأبيض، ومعرفة الأسس التي تقوم عليها سياسة التواصل العمومية، بخاصة في موضوع مكافحة الإرهاب. ثم كيف تتم تعبئة الرأي العام الوطني والدولي وصياغة مفاهيمه ومصطلحاته بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.
فمجمل الخطب الملقاة ومختلف فنون عرض الواقع السياسي تحتل أهمية كبيرة، لأن أية دولة ديمقراطية هي فاعل اجتماعي بالأساس يحتم عليه التجاوب سلبا أم إيجابا مع باقي الفاعلين السياسيين وأرباب المصالح والجماعات العنيفة، لأن الطبيعة تخشى الفراغ. ولكي تستطيع الدولة احتواء الجميع، فهي دائما ما تهيئ استراتيجيات للتواصل على قدر من البساطة حتى يستوعبها القاصي والداني، وأول ذلك الإعلام الذي يغطي ما هو كائن.
ويحتد الأمر عندما يصبح الأمر متعلقا بقضايا شائكة كالإرهاب وكيفية الرد عليه، لأن هذه الدبلوماسية الإعلامية، إن صح التعبير، جد ساسة، ويمكن أن تصيب الهدف أو تتعثر، مما يعني خسائر كبيرة وعلى جميع الجبهات. ولتفادي ذلك تم اللجوء إلى شعار وحيد: “إما معنا أو مع الإرهابيين”، بحيث يمكن رصد ذلك من أشكال سياستها المتبعة في ثلاثة محاور رئيسية:
أ- تبني استراتيجيات التهويل.
ب- التعبئة الجماهيرية.
ت- رد أمني وعسكري وإعلامي.
فالتهويل من أي هجوم أو اعتداء إرهابي غالبا ما يثير ويشد الأنظار وتحقق من خلاله برامج وتعليقات الشركات الإعلامية أكبر الإيرادات وأرقاما قياسية من المشاهدين، ومن خلاله أيضا تشحن النفوس وتتم تعبئتها بالدعوة إلى الوحدة الوطنية والالتفاف حول القيادة السياسية، ما يسمح للدولة بالظهور بمظهر الراعي الأمين لمصالح المجتمع.
فموضوع الإرهاب منذ سنة 1999 أصبح أحد المواضيع المتكررة في القنوات التلفزيونية، ومنذ 11 سبتمبر 2001 بلغ حجم برامجه والتعليقات والمقابلات والتغطيات المعدة له أرقاما خيالية، كما يلاحظ في هذا الباب حالة التبعية التي عليها المؤسسات الإعلامية الخاصة أمام الإدارة الأمريكية للحصول على مصادر الخبر والسماح لها برصد وتقديم برامجها من مسرح العمليات، من دون أن ننسى تداخل المصالح بين القطاع العام والخاص.
ثم التلويح أحياناً باتخاذ إجراءات عقابية وجزائية على المؤسسات التي تحيد عن وجهة النظر الرسمية، ما يمكن السلطات بفرض مضمون ما يقال بعد أن يتم التمهيد له عن طريق إعداد النفوس له بطريقة ضمنية. ويكفي الرجوع إلى طبيعة التغطية للمواضيع الوطنية وللإرهاب في سنة 1999 بالنسبة للبرامج والربورتاجات عبر الأجهزة السمعية والبصرية والمكتوبة، لتتبين الحظوة المتزايدة لهذا الموضوع، حتى اعتبره البعض صناعة رابحة منذ نهاية الألفية الثانية.
وبهذا الصدد يلاحظ أن الرأي العام الأمريكي غالبا ما يلتف حول قيادته السياسية ورؤسائه في فترة الأزمات الكبرى، أو أمام أحداث خطرة تهدد مصالح الوطن العليا، مقدما دعمه للعمليات العسكرية التي تتخذ في هذا السياق، بحيث يصور هذا الالتفاف على أنه التفاف حول “العلم الوطني” وبمثابة واجب قومي وعقد التزام بين أوسع فئاته وشرائحه. ولنتساءل كيف تم ذلك؟ ويمكن التأكد عبر العديد من الدراسات الميدانية، أن البيت الأبيض يمارس تأثيراً لا بأس به على الوسائط الإعلامية في الأزمات والأحداث الكبرى، بخاصة منها التلفزيونية من خلال ظهوره بين الفينة والأخرى على شاشاتها أو من خلال مخاطبته مباشرة للرأي العام. أو من خلال إرسال صحفيين معتمدين يرافقون الجيش الأمريكي في عملياته. وهذا التأثير يقلل أحياناً من حدة انتقادات المعارضة السياسية للإدارة، ويلجمها أحيانا أخرى.
فحملات الشجب والتنديد التي مورست على الرئيس بوش لم تنجح في مسعاها، وكانت جد محدودة في وقعها وتأثيرها الإعلامي، ولم يتسن لها الذيوع والانتشار، بل انقلبت غالباً على أصحابها الذين وجدوا أنفسهم في موقع حرج ومدان من الرأي العام الذي لم يفهم تخلفهم عن الإجماع الوطني في هذه الظروف، إذ نظمت حملات هوجاء على الذين دعوا إلى “فهم عقلاني” لأحداث 11 سبتمبر 2001 واتهموا بخواء وغباء غير اعتيادي عندما رفضوا اختزال الحدث في الحاجة الملحة للأمن باسم مشروعية الحرب على الإرهاب. وبعد أيام قليلة حذر جون أشكروفت وكوندوليزا رايس الشبكات الإعلامية من مغبة بث أشرطة ابن لادن، ما اعتبره العديد من المثقفين مساً بحق المواطن في الحصول على معلومات أخرى غير تلك التي تعمل الإدارة على بثها.
ويعلق ستيفن فيبر أستاذ العلوم السياسية في جامعة بركلي في شهرية كاليفورنيا نوفمبر 2002: “أول شيء لاحظته كان في المكتبات، ففي 12 سبتمبر أخليت الرفوف من الكتب التي تتناول الإسلام والسياسة الخارجية الأمريكية والعراق وأفغانستان. إذ كان هناك نقاش مهم لاستكناه دور الوجود الأمريكي في العالم الذي أفرز وضعا مكّن حركات مثل “القاعدة” أن تنمو وتزدهر فيه”.
وإذا كان غاية هذا السؤال أن يبين كيف تنمو الطحالب في الماء العكر، فإن ذلك لم يستمر طويلا، بحيث تم تحوير النقاش وتغيير مساره وأصبح: ما هي بواعث الخلل في العالم الإسلامي وأسباب فشله في تحقيق الديمقراطية والتحديث والتنوير، وأصبح موردا لصناعة وتفريخ الإرهاب والتعصب؟
فالكشف عن أسباب الإرهاب وبواعثه لم يعد شيئا مقبولا، بل ربما يسلط الضوء على مسؤولية السياسة الأمريكية في العالم، بخاصة أنه يعرض للمساءلة سياسة استمرت منذ روزفلت إلى بوش، قوامها:
“ماطِل، ابق كافة الاختيارات مفتوحة، أطلق وعودا في العلن ووعودا مناقضة لها في الخفاء وفي الكواليس الخاصة”. ستون عاما من شاكلة هذه الوعود طبعت العلاقات مع العرب، فحصلت الولايات المتحدة الأمريكية على نفطهم وعائداتها وأقامت إسرائيل دولتها.. وما زال الفلسطينيون ينتظرون دولتهم.. والسعوديون تنميتهم.. وكل العرب أحلام جنة التقدم الموعودة. .. ستون عاما مرت، ولم يعد هناك حتى من إمكانية موضوعية لنقاش طبيعة العلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، ومن تجرأ كان نصيبه الاتهام بالعداء للسامية.
وقبل الكشف عن الأواليات الإعلامية التي مارست تأثيرها الكبير في ذلك، قيل قبل ذلك إن الثقافة السائدة لدى المجتمع الأمريكي وفئاته، غالبا ما تفضل أن تقف صفا واحدا في الأزمات الحادة، ولا تقبل بالانتقادات والاعتراضات بينها ولا بالمنتقدين وسطها عندما يجتاز الوطن محنة مستعصية.
ومن تبعات ذلك، أن الصحفيين بدورهم خفت حدة انتقاداتهم ووجدوا أنفسهم مجبرين على تغيير مواقفهم بعد 11 سبتمبر: “بحيث وجد الإعلام نفسه يلوك صمتا رهيبا حول العديد من القضايا الأساسية، عاجزا عن أن ينخرط بجدية في نقاش يوضح للرأي العام البواعث والرهانات التي توجه سياسة الإدارة الأمريكية، بل وجد الصحفيون أنفسهم يكررون للرأي العام أقوال الرئيس وتصريحاته على علاتها ومن دون تمحيص، ما ضخم إلى حد كبير من مصداقيته”.
بطبيعة الحال إذا كان من الصعب جداً فهم جميع الأسباب المؤدية لهذا الانقلاب في رأي عام وأنتلجنسيا وصحافة معروفة عنها جديتها المهنية وعمق التحقيقات التي تقوم بها وانتقاداتها الجدية، فإن ذلك يمكن أن تعزى بعض أسبابه إلى حالة الاستنفار والتعبئة العامة التي ألقت بظلالها على المجتمع برمته بعد 11 سبتمبر، وما صاحب ذلك من الإحساس بالخطر والتهديد في عقر الدار، مما قوبل برد فعل مضاد تمثل في ازدياد عدد الأعلام الوطنية فوق البنايات وحاملي الفانيلات والقبعات والرموز الأمريكية إذكاء للحماسة والتحدي لتعبئة الرأي العام وتقوية النزعة والحس الوطنيين. وأيا كانت قوة هذه الأسباب والعوامل مجتمعة أو متفرقة، فلقد تفاعلت بقدر أو بآخر لتؤدي إلى ما أدت إليه.
غير أنه ما يهمنا هو توضيح الأواليات الإعلامية والصحفية واستراتيجيات التواصل التي ساهمت في بلورة هذا الدعم الكبير للسياسة الحكومية:
– أولاً: إن الدوائر المختصة في صنع الرأي العام والتأثير فيه عبر الوسائط السمعية والبصرية قدمت في برامجها إطارا تأويليا أحاديا يقوم على منطق الحجة غير المباشرة الذي تبقى حيثياته فرضية وحجته معلقة، بحيث تم التركيز مثلا: “إن صدام حسين يملك أسلحة دمار شامل، وبالتالي يمكن أن يقدمها للإرهابيين الذين بدورهم لن يتورعوا عن استخدامها ضد الولايات المتحدة الأمريكية”.
إذاً فأي انتظار هو مجازفة كبيرة لأن العدو قد يضرب في كل آن وحين! مادامت الفرضية الأولى تفتح الباب للفرضية الثانية ميكانيكيا وتهيئ العقول والقلوب لتقبلها من دون تمحيص، خاصة أن سياسة التريث اعتبرت مجازفة قد تفتح المجال لاحتمال آخر أخطر: الخاص بإمكانية تفويتها أو حصول الحركات الإرهابية عليها. وبالتالي حدوث هجوم بيوكيماوي أفظع وأهول من الهجوم الأول! فالإدارة الأمريكية شخصت حاكم العراق بوصفه الشرير، ومن ثم أصبحت كل التساؤلات حول ما إذا كان يمتلك أسلحة دمار شامل، وهل سيستعملها إذا ما هوجم وهل ذلك سبب للخوف منه؟ وبين هذا وذاك، لم يترك الرئيس بوش مجالا للتردد، لأنه قال إنه سيهاجم العراق.. وسيفعلها أبى من أبى وشاء ومن شاء. وعلى الرئيس العراقي أن يرحل طوعا أو كراهية.
ومن ثم أصبح الرأي العام متعودا على استهلاك يومي بأن الحرب قدر لا مفر منه، ما دامت سياسة الاحتواء مع النظام العراقي لم تثمر.. وأنه قادر على صناعة غاز الإعصار والأنتراكس، كما قد ينجح في تطوير أسلحة ترفع من تكلفة أي حرب تعلن عليه. بالإضافة إلى ذلك، ماذا ينتظر من نظام يمارس التنكيل بمواطنيه وأعلن الحرب على جاريه مرتين؟ وماذا ينتظر من نظام يمارس الاستبداد صباح مساء؟ وهل السيادة تمنح الحصانة على هذه الجرائم؟
وما يستشف من القصد والهدف الذي يوجه هذه المقولة إعداد الرأي الأمريكي بصفة عامة والذهنية النفسية للمواطن بصفة خاصة للربط بين السَبب والمسبِب دونما انتظار لمعرفة الحقيقة، ومن ثم تقبُّل أحكام وخطط ما تعتزم الإدارة مباشرته من سياسات كوقاية للشعب الأمريكي. وهي الترجمة الانعكاسية الشرطية لتبرير أية حرب وقائية أو استباقية.
فأي تقويم أخلاقي لا يجدي النفع ومضيعة للوقت.. ولا خوف على العالم في أسبوعية ” ستاندارد ويكلي” يونيو 2002 لسان صقور المحافظين الجدد: “لأننا ندير سطوة حميدة على نحو فريد. وليس هذا مجرد نرجسية احتفائية بالنفس، بل حقيقة تتمظهر في الطريقة التي يرحب بها الآخرون بقوتنا”.
وإذا رجعنا إلى حصيلة سبر الآراء في بداية الحرب الأمريكية على العراق، فإن مؤسسة (Knight- Ridder) قامت باستجواب للعديد من الأمريكيين: كشفت أن 51% بالمئة منهم يظنون أن العراقيون كانوا من بين منفذي عملية الهجوم في 11 سبتمبر 2001، وهذا ما تعتبره جريدة “هيرالد تريبيون” الدولية (24-25 مايو 2003) غير صحيح بالمرة.
غير أن ما يهمنا كيف كان المستجوبون متأكدين وواثقين بذلك تماما وهو ما يسترعي الانتباه والقلق في آن واحد، بحيث يمكن اعتباره علامة عن ربط شبه فوري وميكانيكي تمت إقامته بين أيقونات الشر: ” صدام حسين ” و” أسامة بن لادن ” من طرف الإدارة الأمريكية في البنيات الذهنية والنفسية من دون تقديم حجة على هذه العلاقة بينهما إلى اليوم.
إذ تم صنع هذا التركيب عبر “بلاغة” الأزمة والتهويل التي أحاطت بما بعد 11 سبتمبر 2001 عند الإدارة الأمريكية. ويرجع بالأساس إلى كيفية صنع الواقع وإخراجه وتعليبه بمقاسات معينة في خطاب القيادات السياسية الأمريكية، وكيف يتم تصوير ذلك الواقع وإعادة تشكيله وإخراجه في سيناريوهات تتكفل بتسويقها وإذاعتها الوسائط الإعلامية. ويكفي القول إن نسبة كبيرة من الأمريكيين بعد إعلان الحرب على بغداد كانت تظن أن العراقيين متورطون في 11 سبتمبر وكانوا من بين المنفذين للاعتداء!
– ثانياً: إن إطلاق العنان لهواجس الرأي العام باللجوء إلى الذاكرة الجمعية، عبر وقائع وأحداث وقعت في الماضي وخلّفت بصمات في وعي الجماهير التاريخي، كما حدث من خلال الربط الآلي الذي حصل بين اعتداء بيرل هاربر 1941 في المحيط الهادي وأحداث 11 سبتمبر 2001 في نيويورك.
فعدم الربط بين بيرل هاربر و 11 سبتمبر، يعني التنكر لضرورة الرد القوي والحاسم، كما فعلت الولايات المتحدة الأمريكية مع اليابان في الحرب العالمية الثانية. وبالتالي لا يجد المعترض، أيا كان، مكانا له في الذاكرة الجمعية وفي التاريخ الوطني، مثله مثل الطير الذي يغرد وحده خارج السرب!
ويتبادر من العنصرين أنهما وضعا بغاية ربط التلقي الجماهيري بفهم وحيد تعْمل الإدارة الأمريكية على ترسيخه وتمريره إلى الأذهان:
– إعلان الحرب دون انتظار بخاصة ما عرف بالحرب الاستباقية والوقائية التي أطلقها ممثل الولايات المتحدة الأمريكية في مجلس الأمن السفير نيجروبونتي (المدير الحالي لوكالة المخابرات الأمريكية)، لأن الانتظار قد يمنح العدو فرصة تعويم الحدث في أحداث أخرى أو القيام بمهاجمة المصالح الأمريكية في مواقع أخرى، مما يصب في التمهيد لتقبل دون نقاش ما تريد الإدارة الأمريكية تنفيذه وما تعتزم القيام به.
ومن تداعياته أن الصحفيين وجدوا أنفسهم في حالة ممارسة رقابة ذاتية تلقائية. إذ كان من الصعب جدا عليهم الاعتراض على فرضية أن صدام لا يمتلك أسلحة دمار شامل، ومن ثم حتى التشكيك فيها، بحيث إن قبول الفرضية الأولى يؤدي لزاما لتقبل الفرضية الثانية (حصول الحركات الإرهابية عليها) مادام ذلك وارداً ويستسيغ قبوله في تلك الظروف المتشنجة وحالات الاستنفار المضروبة. فالربط الذي تم يساوي بين المستبد والإرهابي لأنهما عملة واحدة في هذه البلاغة المزدوجة، وهو ما ُروج له عبر عدة منابر ودوائر قريبة من البيت الأبيض.
بهذه الأواليات الإعلامية المدروسة وجهت الإدارة الأمريكية الرأي العام، بل أجادت رسم الطريق الذي سيسير فيه ما دامت قد صاغت الإطار الرمزي الذي سيفكر به ومن خلاله. وكيفما كانت الحال، فالسياسة العمومية في ميدان الإعلام من هذا القبيل رسمت بعناية فائقة حدود التأويلات المتاحة في إطار واحد ووحيد يمتلك مفاتيحه الدوائر الخبيرة في الإعلام لدى البيت الأبيض.
وبالعودة إلى حرب الخليج الأولى التي أسالت حبرا كثيرا، يمكن الوقوف على أهم الخصائص المستعملة في الخطاب الإعلامي استراتيجيات التواصل، بحيث نلاحظ أنها انتقلت اليوم إلى مجال مكافحة الإرهاب وتم استعمالها أيضا ضد العراق سنة 2003 وفي أفغانستان. إذ يعتبر العديد من الباحثين أن اللغة التقنية المستعملة في هذه العمليات شكلت إطارا مفاهيميا، من الصعب على الصحفيين التنصل منه.
فهذا الإطار عمل على عسكرة الخطاب الصحفي وحشره بالمصطلحات التقنية العسكرية، بما أفرغه من أية محاولة للتعرف إلى خباياه أو خوض أي نقاش جدي ومسؤول حول طبيعة تلك العمليات ومدى احترامها للمواثيق والقواعد الجاري بها العمل في الحروب. ففي الوقت الذي كان يتم العصف بالبنيات التحتية لشعب وإرجاعه خمسين سنة إلى الوراء، كان الحديث يتم على “ضربات جراحية” والدقة والنجاعة والفعالية في إصابة الأهداف، كأن شيئا لم يقع.
وبإيجاز شديد، عندما كان الحديث يجري على “ضربات جراحية”، و”حرب نظيفة في غاية الدقة” و”حرب من دون خسائر في أرواح المدنيين” كانت غاية هذه المصطلحات والمفاهيم منع أي نقاش أو جدل حول أسباب هذه الحرب وتداعياتها ونتائجها، بل إن مجرد الحديث بلغة رقمية وحسابية وحيادية يجعل من ذلك كله غير ذي جدوى ولا يترك فرصة زمنية أو يوفر ظرفا لنقاش جدي حول ذلك، مادامت الحرب خاطفة وموجهة وجراحية لاستئصال الورم الخبيث فحسب، معتمدة على أحدث الوسائل وأنجعها، علاوة على استعمال مصطلحات علمية وتكنوطبية وتقانية حسابية وجافة من جهة، واللجوء إلى استخدام المجاز كناية عما يقع من جهة أخرى، بخاصة من طرف الخبراء ومن الصحفيين، نزع عن الحرب صبغتها الدرامية وغطى على طبيعة القوى المتحاربة غير المتكافئة. بل جرد المشاهدين من أي إحساس وانفعال أو تعاطف لأن ذلك يتم عرضه وتصويره ونقله بالتحكم بالصور المعروضة والتعليقات على نحو يوهم المشاهد بأنه هو الآخر في قلب الأحداث و”شاهد عيان” على مسرح الأحداث بصفة مباشرة وفورية.
فبنية الجمل في هذه التعليقات وشكل الصور المقدمة تفوقان أهمية الشرح المقدم نفسه، بحيث من السهل جدا تقديم متابعة صحفية لهجوم من دون التركيز على صاحبه ومضاعفاته، وهو ما يتأتى من عرض صور ناطقة تقوم مقام التحقيق الصحفي، أو من خلال تعليقات مبتسرة وغارقة في العمومية: “تم القيام بهجوم ناجح” أو “أصابت أهدافها ولم تخلف أضرارا مدنية”، وهي تعليقات أخف وطأة من تعليق مشابه يركز على طبيعة الهجوم وحجم الضحايا والخسائر، أو الأضرار الجانبية المصاحبة له.
ولعل استخدام صيغة الغائب والفعل المبني للمجهول صيغ مناسبة لحمل المشاهد أو السامع على تبنِّي فهم دون آخر، فمثلا القول: “القراصنة يحتجزون ثلاثة أمريكيين”، صيغة أسلوبية الغاية منها التركيز على الفاعل وبالتالي الإرهابيين، بالمقابل لا يحتل الركاب إلا موقعاً دنيوياً مجرداً من أي فعل. أما إذا قيل: “ثلاثة ركاب يوجدون بالطائرة المختطفة” فستجعل من الركاب الأمريكيين الثلاثة محور التركيز والانتباه وفي الواجهة، في حين يحتل فعل القرصنة درجة أقل. فاللعب بالكلام والأفعال السردية من شأنهما أن يحورا واقع الحقيقة ويحملا مضموناً بعينه دون آخر. أي واقع جديد يتم تسطيره وإعادة صياغته من نموذج الواقع الذي تم تحويره.
وإذا كانت الوسائط الإعلامية السمعية والبصرية بمقدورها اللجوء إلى مصادر أخرى لتنوير الرأي العام، بحيث تقدم الرأي والرأي المضاد ما يجعلها أكثر إقناعا وأكثر مصداقية، فإنه منذ حرب الخليج الأولى تم فرض المراقبة الصارمة على مصادر الخبر، بحيث لم تعد من وسيلة للحصول عليها خارج قنوات البنتاغون، مما حدا بالباحثين بمؤسسة (Grannett Foundation Media Center) أن يعتبروا أن النظام المعتمد: “ساهم في إشعال فتيل التنافس بين المراسلين الصحفيين عوض تعاونهم، كما عمل على مركزة المعلومات بيد البنتاغون وحده، ما أضفى طابعا أحاديا على جل المراسلات الصحفية”. الأمر الذي حدا ببعض الصحفيين الأمريكيين اعتبار لقاءات البنتاغون الصحفية بمثابة ” آلات للخداع الإعلامي.
وبتتبع مجرى الأحداث، سنرى كيف حاولت الإدارة الأمريكية اتباع النهج نفسه في “الحرب ضد الإرهاب” في أفغانستان وضد النظام الحاكم في العراق، بغية تحقيق نفس النجاعة والنجاح والفعالية والتحييد كما في حرب الخليج الأولى من ضبط للمعلومات وتكييف لها وتوزيعها وفق وقت معلوم.
وإثر هجومها على أفغانستان، حاولت إدارة بوش التحكم بحمولة الأخبار الصادرة عن الوكالات الإعلامية الأمريكية، عندما كانت حركة طالبان تحاول التحكم هي أيضاً بالأخبار الخارجة من أفغانستان. إلا أن قناة الجزيرة ظهرت بمظهر المصدر الوحيد للإعلام البديل من داخل مسرح العمليات، بحيث أصبح الإعلام في هذه الجولة بمثابة طريدة يتنازعها ذئبان، غير أن الذي اختطف المعادلة الإخبارية لصالحه بوصفه المصدر الأساسي للأخبار، مثلته قناة الجزيرة.
وهو ما تم رصده على التو بعد حادث 11 سبتمبر 2001، إذ بدأت هذه القناة بعملية موازية للعمليات العسكرية الأمريكية بتغطية إعلامية مع بث صور ومشاهد لوقائع وأحداث مختلفة من أفغانستان، وهو ما تحقق لها عبر وسائلها اللوجستية وعلاقتها الثقافية واللغوية التي نسجتها بينها وبين الفاعلين مباشرة هناك على أرض الحدث ومع المناطق المعنية بالعمليات العسكرية الأمريكية المتعلقة بالإرهاب.
إذ استطاعت قناة الجزيرة أكثر من غيرها أن تقدم بديلاً إعلامياً ببث صور وتعليقات ومشاهد كانت الولايات المتحدة الأمريكية تعمل على صياغتها بما يناسب مصالحها، بل لم يسلم منها هذه المرة حتى المشاهد الأمريكي المسلم. وباللجوء إلى تقنية التغطية المباشرة التي تيسرها الوسائط التقنية المعاصرة، كما بثها لشرائط فيديو أو شرائط مسجلة لزعماء القاعدة ـ بخاصة أسامة بن لادن و أيمن الظواهري ـ قلبت المعادلة الإعلامية، إذ وجدت المصادر الإعلامية الدولية مصدرين للخبر ولم تعد تحت رحمة وسيلة واحدة منها.
ومن ثم كان على الولايات المتحدة الأمريكية أن تجابه هذا الوضع الجديد، ما دفعها لتغيير استراتيجيتها الإعلامية وتطلب منها الأمر مهمة مزدوجة: الرد في الوقت نفسه على ابن لادن وقيادة حركة طالبان اللذين أصبحا يخاطبان الرأي العام العالمي مباشرة وعدم ترك الساحة الإعلامية فارغة ومن دون مجيب عن الادعاءات المطروحة، وإيجاد مُسوّغات ومبررات معقولة لما يقوم بها جنودها على مسرح الأحداث، واضعة في الحسبان ما تقدمه القناة المنافسة من تحقيقات ميدانية من عين المكان، خوفا من أن تفقد المصداقية وبالتالي المعركة الإعلامية.
كل ذلك أحدث قلقا وامتعاضا كبيرا لدى الدوائر المسؤولة، بخاصة لما عرضت قناة الجزيرة في منتصف مايو 2003 شريطا صوتيا نُسِب لأيمن الظواهري يدعوا من خلاله المسلمون الى القيام بهجومات “على السفارات الأمريكية والبريطانية والاسترالية والنرويجية وضرب مصالحهم ووسائل النقل الجوي التابعة لهم وموظفيها”.
بالإضافة إلى ذلك، دعا للنيل من اليهود والحكومات العربية التي تدعم الولايات المتحدة الأمريكية في حربها ضد نظام صدام حسين المخلوع. مما دفع بالولايات المتحدة الأمريكية للاحتجاج على الجزيرة، معتبرة ذلك التسجيل الصوتي ” قدحا شنيعا” وباعثا على الحقد والكراهية، داعية الوكالات والقنوات الإعلامية التفكير مرتين قبل أن تعرض هذه الدعايات السامة بدورها. (هيرالد تريبيون الدولية، 22 مايو 2003).
وخلال العمليات العسكرية الأمريكية في أفغانستان، قامت قناة الجزيرة أساسا بتقديم أخبار بديلة عن الرؤية الإعلامية الأمريكية وبمنظور مختلف وأسئلة غير اعتيادية حتى ذلك الوقت. مما أهلها على الأقل في المدى القصير أن تحظى بمتابعة مشاهدين من الدول العربية واهتمام ساكنيها ( ما بين 40-60 مليون مشاهد يوميا) الذين كانوا إلى حد قريب تحت تأثير إعلام وطني تتحكم به الأنظمة الحاكمة وإما تابع للدولة.
ويكفي الوقوف على موقف قناة الجزيرة من مصطلح “الإرهاب” ذاته، لنتبين وبصفة كلية تمايزها عن قناة (سي.إن.إن) الأمريكية. فأحمد الشيخ أحد مسؤوليها قرر عدم استعمال مصطلح “الإرهاب” إلا عندما كان صحفيوه في مقابلة مع الأمريكيين لشرح وجهة نظرهم ونقلها للمشاهد العربي. وما عدا ذلك كان التوجه الرسمي للقناة يتفادى أي استعمال لهذا المفهوم الذي يلفه في نظرها كثير من الغموض.
وهذا الاعتقاد القوي يضاف إليه توجهها لمنطقة عربية موضوعة ديانتها في قفص الاتهام، ومحاولتها عرض الإشكاليات والقضايا المعروضة من وجهة نظر مشرقية أو شرق أوسطية بعيدة عن منظور وعدسات الغرب. مما حدا بها أحيانا إلى عرض وثائق وأدبيات تنظيم القاعدة (أكتوبر 2001)، ثم دعوة خبراء أمريكيين للتعليق عليها، مما جعلها تعرض باستمرار عروضا مثيرة جعلت من هيئاتها الإعلامية قبلة العديد من المحللين ومحط اهتمام العديد من المحطات الدولية. الأمر الذي أجبر الإدارة الأمريكية على تغيير استراتيجيتها الإعلامية، ودفع ذلك شخصيات نافذة إلى التردد أكثر من مرة على المحطات الفضائية لقطع الطريق على ابن لادن إعلاميا والرد عليه بتفنيد آرائه، كما فعل دونالد رامسفيلد مراراً وتكراراً .
ولقد ازداد هذا الوقع عندما عمدت قناة الجزيرة إلى تقديم صور ومشاهد بديلة لا تقدمها الفضائيات الأمريكية وما يقدمه البنتاغون لوسائل الإعلام، منها على وجه الخصوص تلك التي كان يحاول منع وصولها للرأي العام. وغداة ذلك طلبت الإدارة الأمريكية من قطر التدخل للجم القناة العربية المستقلة، بحيث لم يحدث ذلك لأول مرة، خاصة بعد أن طلبت ذلك بعض الدول العربية التي تذمرت في ما مضى من سياستها الإعلامية (المغرب والجزائر والمملكة العربية السعودية ومصر والكويت) أيضا.
وأمام هذه الديناميكية البالغة في المنطقة، تحركت العديد من المصالح العربية والإيرانية لخلق عدة قنوات فضائية خاصة بها مع اندلاع الحرب ضد العراق في سنة 2003، رغبة منها في محاكاة عمل قناة الجزيرة، ومنها إمداد قناة أبو ظبي وقناة العربية بموارد مالية إضافية وسياسة إعلامية جديدة. وتحسبا للتدخل الأمريكي في العراق، بادرت طهران لإنشاء قناة الأهرام ـ العالم الموجهة للطائفة الشيعية في جنوب العراق.
وعموما يمكن القول إنه منذ تأسيس حزب الله قناة “المنار” (1991) أصبح للرأي العام العربي عدة قنوات ومصادر إعلامية خاصة به وقريبة منه ثقافيا، ذات قدرة على تغيير التمثلات الإعلامية الغربية المرتبطة بأحداث الإرهاب بصفة عامة، وما يجري في الشرق الأوسط وديار الإسلام بخاصة. فهذه القناة مثلا موجهة بالساتل إلى ما يقرب 200 مليون مشاهد محتمل، تبث على مدار 18 ساعة وتقدم مثلا برنامجا أسبوعيا عن كرة القدم الأوروبية وسلسلة وثائقية “إرهابيون” تقدم مسحا شاملا للاعتداءات والجرائم التي تقترفها الصهيونية ضد العرب والمسلمين منذ بداية احتلال فلسطين، ثم يحلل البرامج الإسرائيلية وطريقتها في عرض الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، كما تقدم برنامجاً سياسياً منقولاً على الهواء مباشرة يربط الاتصال بالمشاهدين عبر الهاتف، إلى جانب برامج ثقافية وترفيهية للأطفال ودروس الوعظ الديني.
كل ذلك أرغم الولايات المتحدة الأمريكية على البحث عن استراتيجية جديدة تحد بها من تأثير بعض تلك القنوات:
– عدم ترك المجال لهذه القنوات، بحيث سعت إلى إحداث قناة باللغة العربية تبث برامج موضوعة خصيصا للمشاهد العربي.
– تأسيس مصادر إعلامية وفرق أبحاث تبحث في موضوعات برامج تلك القنوات، كما حاولت أيضا تسويغ مشاهد وبرامج جديدة غير متمركزة على الولايات المتحدة وعلى الغرب عموما في محاولة منها لشد اهتمام المشاهد العربي ليسهل تقبلها وهضمها من ذلك الجمهور.
الإدارة الأمريكية وسياستها الإعلامية بعد 11 سبتمبر
بعد 11 سبتمبر 2001، طورت الولايات المتحدة الأمريكية استراتيجية إعلامية وتواصلية قائمة على ثلاثة موضوعات رئيسية، أخذت على عاتقها نشر وشرح رؤيتها لمكافحة الإرهاب:
أ- اختصت الأولى منها بالارتباط الشديد بالقيم الأمريكية التي توحد بين مكونات الشعب الأمريكي، بحيث كان الهدف تعبئة الرأي العام الأمريكي باستعمال وسائل عادية ( التهويل من الخطر الإرهابي، إعلانات شبه يومية وإشهار متكرر وبيانات إنذار تصب كلها في الرفع من وتيرة التعبئة الشعبية ومؤسسات الوقاية المدنية وكيفية مجابهة المواطنين لحالات هجوم بيوكيماوي).
ب- عرض مشاريع الديمقراطية والانفتاح كبدائل من شأنها مقاومة الإرهاب، وفي سبيل ذلك أرسلت الولايات المتحدة الأمريكية العديد من عائلات ضحايا 11 سبتمبر إلى أفغانستان لمقابلة عائلات أفغانية ضحايا الحرب الأهلية، وهو ما خلف أثرا بالغا على الساحة الداخلية.
ج- بالمقابل تمحور الموضوع الأخير حول الشباب، غير مقتصر على الشباب الأمريكي وإنما وجه ذلك للشباب العربي المسلم بخاصة النظام التربوي الموجود في عدد من البلدان العربية.
وللقيام بأعباء ذلك، تم تجنيد موارد ما يطلق عليه في أمريكا ” الدبلوماسية العمومية” بالمقارنة مع الدبلوماسية التقليدية، وهي موجهة إلى منابر غير حكومية ومنظمات المجتمع المدني على الرغم من أنها تعمل بواسطة الشبكة الدبلوماسية والقنصلية في الخارج. إذ تقوم بتوزيع منشورات وعرض شرائط فيديو وإقامة معارض وندوات ومؤتمرات، ( فمثلا أُقيم معرض صور كبير في باريس بتاريخ 11 سبتمبر 2002 لحادث 11 سبتمبر 2001، كانت غايته كسب الفرنسيين).
والدبلوماسية العمومية هذه ليست جديدة تاريخياً، إذ أنشأ الرئيس إيزنهاور وكالة إعلام الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1953، وهي إحدى أبرز هذه المنظمات المختصة في هذا الميدان، وهي على علاقة وطيدة بوزارة الخارجية الأمريكية.
وفي الإطار نفسه هناك إذاعة ” صوت أمريكا” الذي بدأت البث منذ سنة 1942، بحيث تقدم 660 ساعة من البرامج اليومية وعبر 55 لغة. ولقد طُرِحت إعادة تفعيل هذه القنوات واستخدام وسائلها في مكافحة الإرهاب في كواليس الكونغرس، تماما كما حدث سابقا مع الشيوعية ومناهضة الاتحاد السوفييتي والكتلة الشرقية. إذ تم بالفعل تفعيل ذلك بعد 11 سبتمبر، وأصبحت تتمتع بموارد جديدة وضعت كلها في خدمة مصالح الولايات المتحدة، كما يتم الدفاع عنها من منظور الإدارة الحالية، غير أن تجنيد السياسة الإعلامية الأمريكية لوسائل غير شفافة عرضها لانتقادات كثيرة من لدن المنظمات غير الحكومية، بحيث وقع الكشف عن مخطط سري تمت برمجته في استراتيجية التواصل والإعلام الأمريكية الرسمية، يقوم على تجهيز برامج وتقديم معلومات كاذبة وحبك سيناريوهات زائفة بغاية تقديمها للوسائط الإعلامية الأجنبية من طرف”مكتب الدعاية والتأثير الاستراتيجي” التابع للبنتاغون.
وتم تأسيس هذا المركز مباشرة بعد 11 سبتمبر 2001 للتعريف بمواقف ورؤى الإدارة الأمريكية في العالم العربي والإسلامي والبحث عن مساندة داخله وللتأثير في نخبه المحلية، وأيضاً الرد على الحركات السلمية المناهضة للحرب ومنع وصول تأثيرها للرأي العام الأمريكي. إذ يمكن اعتبار أبرز وحداته التابعة لهذه المنظمة وحدة قيادية متخصصة بالحرب النفسية والدعاية الأيديولوجية والرد والرد المضاد.
وبموازاة هذه الجهود المتزامنة في كل من الإعلام العمومي والشبه العمومي اختارت الإدارة الأمريكية لأول مرة تجنيد مواطنين أمريكيين في استراتيجية إعلامية داخلية، استعملتهم في الإشهار والإعلانات، بحيث لوحظ أن موادها كانت تحمل نبرة دراماتيكية وتهويلا مفتعلا ومثيرا في الوقت نفسه استغل الصدمة التي خلقتها أحداث 11 سبتمبر 2001 إلى أبعد حد، غايته دفع الجميع وراء سياسة الرئيس بوش وفريقه من المحافظين الجدد، بحجة دقة المرحلة التي تقتضي التجنيد الكامل وراء الإدارة الأمريكية لمحاربة الإرهاب.
وذلك ما يمكن معاينته في فبراير 2003 من دعوة المسؤول الأول عن المديرية الوطنية للأمن الداخلي، توم بريدج للأمريكيين باتخاذهم إجراءات احتياطية واحترازية تقيهم في الوقت المناسب من مضاعفات هجوم إرهابي: كالتوفر على حقيبة طبية في المنزل وإعداد لائحة بأسماء قريبة منهم يتم الاتصال بهم في حالة حدوث مكروه، كما الاستعداد الكامل لتتبع وتنفيذ ما يأتي عبر مصادر الإعلام والقنوات الرسمية.
وفي هذا السياق المحموم لم يكن من بد أن يصبح الرأي العام الأمريكي مشدوها ومتوترا وقلقا، لا سيما أن توم بريدج ظل يؤكد أن السخرية التي كانت تلحق دعوة المسؤولين سابقًا من تخزين المواد الغذائية والخيم وسائر الاحتياطات الأخرى أصبحت في خبر كان. غير أنه أضاف في الوقت نفسه أن ذلك التخزين إذا لم يعد اليوم ضروريا، فإن الخيم وسيلة ناجعة للانعزال داخلها في غرفة إذا تم هجوم بيوكيماوي.
سيناريوهات: من ألوان إشارات المرور إلى ألوان مكافحة الإرهاب
يمكن معاينة ذلك من خلال الإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية عبر نظام رمزي مثير للانتباه، بحيث تم تكييف درجة الخطر عبر نظام من الألوان يقترب من ألوان إشارات المرور. ففي 20 مايو 2003، رفعت الولايات المتحدة من سقف الإنذار من: ” أصفر” (عال) إلى مستوى اللون ” البرتقالي” (عال جدا) بالقياس إلى احتمالات وقوع هجمات على الأراضي الأمريكية. وهو ما يتطلب التنسيق بين جميع المصالح المختصة واتخاذ احتياطات استثنائية حول المرافق العمومية. بالمقابل تم وضع اللون “الأخضر” للإشارة إلى درجة ضعيفة من الإنذار، كما أن اللون الأزرق وضع بغاية رفع درجة الانتباه والحذر الذي يتحتم فيه إبلاغ المواطنين بما يجري. أما اللون الأحمر فيعني حالة شبيهة بالطوارئ وإغلاق الإدارات والمؤسسات العمومية والحد من تحركات المواطنين في أماكن معينة.
وهو ما حدث بالفعل للمرة الرابعة على التوالي خلال خمسة عشر شهرا من قبل نائبة مدير الأمن الوطني أسا هيتشينسن التي حزب الله بررت رفع سقف الإنذار إلى اللون البرتقالي بوقوع هجمات إرهابية في كل من المغرب (16 مايو) والسعودية، ونظرا للتقارير المرفوعة من أجهزة المخابرات التي أكدت تصاعد نسبة الاتصالات بين حركات إرهابية عبر شبكة الانترنت مفادها عزم هذه الأخيرة القيام بهجوم على الأراضي الأمريكية.
وللتعليق على نظام هذه التدابير الإنذارية، يمكن معاينة أهميتها من الناحية التواصلية:
– استعمال اللونين الأحمر والأخضر على شاكلة نظام إشارات المرور، وهو مفهوم رمزي جد مبسط وفعال في الوعي الجمعي لدى المواطنين.
– تحديد مستويات الخطر وبالتالي إعداد السكان لتهديدات خطيرة محتملة.
– عقلنة مستويات الإعداد لمواجهة الاحتمالات كافة، ما يغذي لدى المواطنين الشعور بأن الدولة والحكومة ذات كفاءة ومقدرة على مواجهة الإرهاب بتتبعه درجة خطورته خطوة بخطوة. وبالتالي تقديم المعلومات الضرورية والمطلوبة طبقا لذلك.
– وأخيراً، غاية نظام الإنذار من هذا النوع هي إذكاء الإحساس لدى المواطنين بالانتباه إلى الحركات المشبوهة والتبليغ عنها، والاستعداد لانتظار حدث بالغ الخطورة.
وإجمالا، يمكن اعتبار هذا النظام شيئاً جديداً في السياسة الإعلامية الوطنية ويستحق المتابعة.
::/fulltext::
::cck::2507::/cck::
