“مشروع برنستون”.. كيف ستفكر أمريكا بسياستها في الشرق الأوسط بعد رحيل بوش؟
::cck::2773::/cck::
::introtext::
مع إقرار الرئيس الأمريكي جورج بوش لاستراتيجيته الجديدة في العراق يتساءل المراقبون هل ستكفل الآليات الجديدة التي ذهب إليها الرئيس بوش النجاح للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط؟ بل إلى أبعد من ذلك يثار التساؤل ما هو مستقبل تلك السياسات بعد رحيل الرئيس الأمريكي الذي مثّل نقطة مفصلية في سياسات بلاده في أوائل القرن الحادي والعشرين، القرن الذي أراد له المحافظون الجدد ومن لف لفهم أن يصبح قرناً أمريكياً بامتياز؟
::/introtext::
::fulltext::
مع إقرار الرئيس الأمريكي جورج بوش لاستراتيجيته الجديدة في العراق يتساءل المراقبون هل ستكفل الآليات الجديدة التي ذهب إليها الرئيس بوش النجاح للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط؟ بل إلى أبعد من ذلك يثار التساؤل ما هو مستقبل تلك السياسات بعد رحيل الرئيس الأمريكي الذي مثّل نقطة مفصلية في سياسات بلاده في أوائل القرن الحادي والعشرين، القرن الذي أراد له المحافظون الجدد ومن لف لفهم أن يصبح قرناً أمريكياً بامتياز؟
لعل تلك التساؤلات التي تشغل الشرق الأوسط وساكنيه تدور في أذهان الأمريكيين بنفس القدر لاسيما في ضوء الإخفاقات المتوالية التي منيت بها سياسات الرئيس بوش الخارجية منها والداخلية وأضحى التساؤل الذي يشغل العديد من المراكز البحثية الأمريكية الرصينة.. ماذا بعد بوش؟ وما هو مستقبل العلاقات والسياسات الأمريكية مع وتجاه بقية دول العالم؟ وكأني بهؤلاء يطرحون طرحاً غاية في الدقة والحساسية هل يمكن أن نمضي في تصور قيادتنا وريادتنا للعالم بمنطق القوة والاعتماد على الآلة العسكرية المجردة أم أن هناك خيوطاً وخطوط تتشابك فيها الدبلوماسية ويتماس فيها الاقتصاد، ويلتحم من خلالها الاجتماع العسكر؟
ومما لاشك فيه أن أهم ما يشغل كاتب ومحلل سياسي عربي بالدرجة الأولى هو وضع الشرق الأوسط والعوالم والعواصم العربية والإسلامية في هذا التصور المستقبلي.
بناء الأمن في الشرق الأوسط الكبير
والمؤكد أنه قبل التطلع إلى القراءات المستقبلية للسياسات الأمريكية كما رأتها مراكز بحثية أمريكية متميزة يجدر بنا التوقف أمام ألأوضاع القائمة والمعروفة في اللغات اللاتينية بـ (TATUS QUO) ومقارنتها لاحقاً بالأوضاع القادمة والمعروفة كذلك بال (PRO QUO).
في السادس من أكتوبر من العام الماضي كان فيليب زيليكو المستشار النافذ بوزارة الخارجية الأمريكية ضيفاً على العشاء الذي أعده معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بالعاصمة الأمريكية وهناك كانت المفاصل الرئيسية السياسية لحكومة الرئيس بوش في منطقة الشرق الأوسط الكبير تبسط على المائدة تشريحاً وتجريحاً إن جاز القول.
في تلك الليلة أفاض الرجل في الحديث عن المصادر الأساسية لعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وقد أرجع ذلك في معظمه لسيطرة الأيديولوجيات الدينية (الإسلام تحديداً) على الكثير من مقدرات الأمور إضافة إلى ما سماه الكيانات السياسية الهشة، أي الناس الذين يشكلون النخب الحاكمة في هذه الدول، كما أرجعه كذلك لنقاط الانفجار القديمة وفي مقدمتها الصراع العربي – الإسرائيلي إضافة إلى أزمة الإرهاب كعامل تآكل منطلقاً من أن الشرق الأوسط هو مورد ومنبع الإرهاب، ولم يفت المستشار المفضل اليوم في الخارجية الحديث عن مشروعات الديمقراطية التي تعثرت بسبب مقاومة الأنظمة لها والإصلاح الذي تأخر وطال انتظاره وبين هذه وتلك كانت أزمة العراق من عوامل عدم الاستقرار رغم المحاولات المتعددة لإنقاذه مما آل إليه وقبل الختام طرح الرجل رؤية بلاده لأزمة الملف النووي الإيراني والتي خلص فيه إلى ضرورة (أن نعمل سوية للوقوف في وجه إيران مع أصدقائنا العرب) وقد عرج قبل الختام على الأوضاع في لبنان وسوريا وأنهى بإسرائيل وجيرانها والآمال التي كانت تنشدها إدارة جورج بوش في قيام شرق أوسط آمن كبير.
ومن دون تطويل ممل يمكن القول إن حالة الضبابية وتضارب الرؤى كانت تجتاح كلمة (فيليب زيليكو) لا سيما أن تلك الفترة كانت تشهد صراعاً محتدماً ما بين فريقين، الأول بقيادة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس والثاني يتقدمه وزير الدفاع المستقيل دونالد رامسفيلد وهو الصراع الذي حدا بالكثير من المعلقين للقول إن إدارة الرئيس بوش تشهد صراعاً وحرباً أهلية داخلية.
ومع انتخابات الكونجرس الأخيرة وانقسام الولايات المتحدة إلى جبهتين، حكومة جمهورية وكونجرس ديمقراطي باتت هناك قناعة بأن ما تبقى للرئيس بوش من شهور في البيت الأبيض لن يكون مجدي حتى مع استخدامه لصلاحياته التي يكفلها له الدستور وحتى حال استخدامه لحق النقض على قرارات الكونجرس وفي أحسن الأحوال يمكن للكونجرس إعاقة مشروعات الرئيس وخاصة في ظل رفض الديمقراطيين للكثير من سياساته وأولها تلك الحرب الدائرة في العراق وأفغانستان، ناهيك عن انفراد الولايات المتحدة بمكافحة الإرهاب على المستوى العالمي بطرائق ربما كانت في حد ذاتها عاملاً محفزاً على زيادته دون أن يهمل الناظر للمشهد الأمريكي الدولي تبني الرئيس والعديد من أركان حكمه قناعات تجعل وتجمل الإسلام والمسلمين في بوتقة واحدة هي إلارهاب والإرهابيين.
وفي خضم هذه الضبابية المغرقة تتجلى روح أمريكا البحثية الساعية لإيجاد حلول تنتشل البلاد والعباد من وهدة الأصولية اليمينية والتقسيم المانوي للعالم بين خير مطلق وشر كامل (ومن ليس معنا فهو ضدنا) كما فعل الرئيس بوش وإدارته ومن هنا يجئ الحديث عن مشروع برنستون.
(برنستون) وإنقاذ أمريكا
يكتب جاكسون ديل (الكاتب والمحلل السياسي بـ (الواشنطن بوست) تحت عنوان السياسة الخارجية لما بعد بوش يقول إنه من المنتظر أن يحتدم السجال الذي أعيد فتحه حول العراق لشهور وربما لسنوات مقبلة وحتى لو تمخض ذلك السجال عن استراتيجية أفضل لإنقاذ أو إنهاء تلك المهمة المحاصرة فإن هناك العديد من الأسئلة المتعلقة بسياسة بوش ستظل في حاجة إلى إجابات وهو ما يفضل أن يتم مع استلام الرئيس التالي للولايات المتحدة مهام منصبه).
لكن ماذا عن تلك الأسئلة؟
هناك في واقع الأمر الكثير منها إذا نحينا أزمة المستنقع العسكري الأمريكي في كل من العراق وأفغانستان، وهناك على سبيل المثال ماذا عن التحدي والتصدي لما تراه السياسة الأمريكية اليوم العدو رقم واحد، والذي وصفه بوش أكثر من مرة بالفاشية الإسلامية، وهل ستبقى النظرة كما كانت للشيوعية في النصف الثاني من القرن المنصرم؟
ومنها أيضاً التساؤل المحير عن مشروعات الديمقراطية والإصلاح التي أطلقها الرئيس بوش مع أوائل العام 2003 والتي ما فتئت أن خبت وتوارى وهجها في أعقاب فوز عدد من التيارات الإسلامية في الانتخابات التشريعية كحال حماس في فلسطين والمكاسب التي حققها الإخوان المسلمون في مصر.
وليس آخر تلك التساؤلات مصير الأمم المتحدة لاسيما مع الدعوات التي تكررت كثيراً من رجالات الحزب الجمهوري والحركات العنصرية التي انبثقت منه والتي طالبت بطرد هذا البيت الزجاجي وسكانه من نيويورك ذلك لأنه يقف عقبة في طريق السيادة والريادة الأمريكية في العالم؟
ولعل عودة عدد من رجال الواقعية السياسية في الشهور الماضية وفي مقدمتهم جيمس بيكر الذي قاد الفريق المكلف بدراسة الأوضاع في العراق وشريكه هاملتون تدلل على قدر الحاجة الماسة اليوم للبعد عن السياسات المثالية و(الطوباوية) والاقتراب ثانية من أرض الواقع وخاصة في ضوء تسارع الأحداث وتشابك الملفات في الشرق الأوسط بين العراق وإيران وسوريا حيث الأرض تهتز والرعد يتدحرج إلى ما بعد الأفق.
وكانت هذه العودة موشراً إلى ظهور أفكار جديدة تحاول صياغة استراتيجية للقرن الحادي والعشرين يقول أنصارها إنها استراتيجية لا تتطلع إلى الوراء ولا تستلهم روح استراتيجيات ووصفات القرن العشرين الخاصة.
ومن أبرز تلك الأمثلة ما تشير إليه الـ (واشنطن بوست) أي مشروع برنستون الضخم الذي استغرق الإعداد له عامين ونصف العام وهو ثمرة تلاقح الجهود الحزبية الأمريكية بين الجمهوريين والديمقراطيين لأجل التوصل إلى استراتيجية أمريكية تتخطى مرحلتين الأولى هي الحرب الباردة وما بعدها والثانية هي مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر مع الأخذ في الاعتبار الفارق الشاسع بين المرحلتين من أبعاد سياسية واستحقاقات إنسانية واجتماعية واقتصادية.
أما المشروع فتقوم بتنفيذه كلية وودرو ويلسون للشؤون الدولية والعامة بجامعة برنستون وتترأسه آن ماري سلوتر عميدة الكلية ومعها البروفيسور جي. جون ايكنبيري أستاذ العلوم السياسية فيها والتي عقدت تسعة اجتماعات منفصلة ضمت المئات من الخبراء من كافة درجات الطيف السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لضمان تمثيل كافة الأطراف والاتجاهات والمذاهب السياسية وحتى تعود السياسة الخارجية الأمريكية معبرة عن روح الـ (MEELTING BOT ) أي بوتقة الانصهار الأمريكية كما يحلو للأمريكيين توصيف بلادهم، وفي مقدمة هؤلاء ثعلب السياسة الأمريكية في سبعينات القرن الماضي هنري كسينجر صاحب الخبرة العريضة في التفاوض مع السوفييت والصينيين ومنهم حكيم أمريكا ومستشارها للأمن القومي (زيجينو بريجنسكي) إضافة إلى وزيري الخارجية السابقين جورج شولتز ومادلين أولبرايت، وغيرهما، وهنا نجد تساؤلاً يطرح نفسه عن ماهية هذا المشروع وما هي أبعاده وعلاقاته؟
مشروع جذاب وأفكار عصرية
وقد كانت نتيجة الاجتماعات التسعة التي عقدت في الجامعة العريقة تقريراً مهماً للغاية تضمن خلاصات كفيلة بإصابة الرئيس وإدارته بالدهشة والحيرة في آن واحد غير أنها أيضاً تتضمن الكثير من القراءات الجيدة والجديدة والتي اتفق المجتمعون على أنها يمكن أن تكون قاسماً أعظم مشترك لسياسات أمريكا في الشرق الأوسط بصورة خاصة وفي العالم كله من دون شك.
فعلى سبيل المثال وفي شأن التهويل مما هو إسلامي وانسحاب لفظة (الفاشية الإسلامية) على مكافحة الإرهاب المتمسح في المسوح الدينية تقول آن ماري سلوتر إن القول بالحرب على الإسلاميين الفاشيين هو قول مغلوط وتلك الحرب بهذا التوصيف خاطئة بالقطع لأنها عبارة عن محاولة لاختزال وتبسيط عالم غير قابل للتبسيط.
وحسب ما جاء في التقرير فإن القرن الحادي والعشرين لن يقف فقط أمام تهديد واحد هو التهديد الأخضر، أي الإسلام كما حاول الكثيرون تصوير الأمر، ولكنه سيحتوي على خليط معقد من التهديدات المتنوعة والمتداخلة في الوقت نفسه والتي تتراوح ما بين الأسلحة النووية والإحماء الحراري وصعود الصين والهند كقوتين عظميين وانتشار الأوبئة وخاصة وباء إنفلونزا الطيور الذي يقول التقرير إن أحد أنواعه يمكن إذا انتشر أن يتسبب في قتل عدد من الأمريكيين يفوق ذلك الذي يمكن أن ينتج عن هجوم إرهابي.
ويفهم القارئ إذن من هذا الاستنتاج أن هناك حالة من الرفض للتمترس وراء ذهنية العداء للإسلام والمسلمين والقول بالفاشية وإلصاقها بالإسلامية وهو ما يتجلى بشكل إيجابي للغاية في تعليق مديرة المشروع وقولها إن تلك المشكلة أي الإرهاب (يجب ألا يطلق عليها أي اسم يدمجها مع الدين، لأن ذلك سيؤجج الصراع بين الحضارات ويعطي تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات الإرهابية أهمية أكثر مما يستحق والأسلوب الأمثل للمواجهة هو من خلال حملة عالمية مضادة للإرهاب).
والمؤكد أن هذا القول من الوجاهة والحنكة بمكان وتبنيه كفيل بنزع فتيل العداوات التي ترسخت في الأعوام الماضية من جراء النظر للعالم الإسلامي على أنه مورد الإرهابيين في حين امتنع هؤلاء عن القول بوجود إرهاب في شعوب تدين بديانات غير الإسلام أو لا تدين على الإطلاق بأي دين، كما في الجماعات اليابانية الإرهابية، وهو توجه يساعد سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لأن تجد لها صداقات من المعتدلين وأصحاب الحس الإنساني من كل جنس ولون.
ليس هذا فقط بل إن التقرير يضرب مثالاً آخر على قضية من القضايا التي أثارت زوابع، ما أنزل الله بها من سلطان، والمتمثلة في دمقرطة الشرق الأوسط شعوباً وحكاماً، وكأن الديمقراطية قرار فوقي يتخذ من الراعي وما على الرعية إلا التنفيذ وقد اختلطت توجهات الدمقرطة بمفاهيم الإصلاح كما تصورتها إدارة الرئيس بوش وليس لا كما تحتاجها شعوب المنطقة عن بكرة أبيها وفي هذه جميعها عرف العالم للمرة الأولى تعبير يجمع النقيضين أي تعبير (الفوضى الخلاقة) الذي شددت عليه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس لسنوات طويلة قبل أن تلزم الصمت.
وفي التقرير الصادر عن مشروع برنستون يذهب المفكرون الأمريكيون إلى القول إن الهدف سليم، أي أن المطالبة بنشر الديمقراطية في حد ذاته أمر لا تشوبه شائبة وهو قول متفق عليه غير أن المطلوب هو خلق استراتيجية أكثر تطوراً تعمل أولاً على توفير الشروط المسبقة التي تكفل نجاح الديمقراطية وعدم قصرة على الانتخابات فقط.
ومما لاشك فيه أن هذا الاستنتاج يعبر عن فهم واع لحقيقة الأوضاع في المنطقة الشرق أوسطية على وجه الخصوص والتي هي في حاجة إلى بنية تحتية (INFRASTRUCTUR) ذهنية تتضافر فيها جهود الليبراليين والمجتمع المدني ومؤسسات الدولة والمساعدات الخارجية حسنة النية على نقل البشر والحجر من مرحلة السكون والخمول وعدم المشاركة السياسية والاجتماعية إلى كيان حي واع وفاهم ومدرك لما يمثله صندوق الانتخابات كسقف للتطلعات الديمقراطية من دون إهمال مراحل كالتعليم والتثقيف والصحة والاقتصاد وحتى لا تضحى صناديق الانتخابات مثل قميص عثمان كما جرى وأسلفنا الإشارة إليه في فلسطين ومصر.
أما على صعيد الأمم المتحدة والتي طالبت حركة مثل (MOVE AMERICA FORWARD) بطردها، وأشار جون بولتون المندوب الأمريكي السابق بها إلى أن إزالة عشرة طوابق منها أمر لا يؤثر في جداوها، فقد وجد أصحاب برنستون لها بديلاً من خلال إيجاد نوع من تحالفات الديمقراطيات والتي تقوم على المعاهدات والتي لا تقبل سوى الأعضاء الذين يستوفون شروط العضوية الصارمة فقط وهذه المؤسسة الجديدة يفترض أن تعمل كقوة ذات جهد موحد ومتناسق داخل الأمم المتحدة، بل يمكنها في النهاية أن تحل محل المنظمة الأممية إذا ما فشلت الجهود الرامية إلى إصلاحها.
والشاهد أن مشروع برنستون الذي يعد حجر الزاوية لأمريكا ما بعد الحرب الباردة وما بعد سبتمبر 2001 لا يقتصر على علاقة واشنطن بالشرق الأوسط فقط، بل يتخطاها إلى رؤية دولية أوسع فهو يسعى ضمن مساعيه المتعددة إلى إجراء عملية ترميم شامل للمؤسسات الدولية التي أصابها العطن من جراء عدم جريان ماء التغيير الهادر بين ضفتيها وفي مقدمة تلك المؤسسات يأتي صندوق النقد الدولي والذي بات يشكل أداة التأديب والتهذيب في يد واشنطن تجاه العالم الخارجي والجزرة التي تستخدمها الإدارة الأمريكية للترغيب فيها، أضف إلى ذلك أن المشروع يتطلع إلى تجديد قراءة أوراق حلف الناتو ودوره في أماكن النزاعات الملتهبة قراءة تجعل منه أداة حقيقية لإقرار الأمن والسلام القائم على العدالة الاجتماعية وليس المرتكز على فوهات البنادق وأسنة الرماح كما يقال.
ولا يهمل المشروع الإشارة إلى الانتكاسة الدولية التي ساهمت واشنطن بجزء كبير فيها تجاه المناخ الدولي غداة انسحابها من معاهدة (كيوتو) للحفاظ على مناخ الأرض والذي غلّبت فيه مصالحها الصناعية على التهديدات الحقيقية التي تصيب البيئة من جراء العوادم المنبعثة من مصانعها التي قد تصيبها هي بادئ بدء من خلال ذوبان الثلوج القطبية، لذا فإن مشروع برنستون يطالب واشنطن بقيادة حملة جديدة تجابه أخطار وتغيرات البيئة الضارة.
ويبقى قبل الانصراف تساؤل لا محيص عنه.. ما هي حظوظ مثل هذا البرنامج أو المشروع من النجاح أو الفشل؟
ويختتم التقرير بالقول (إن هذه الأهداف قد تبدو مبالغا فيها، كما أنه لن يتم تحقيقها طالما ظل بوش في الحكم ولكن يمكنها مع ذلك أن تشكل أساساً سليماً لبداية جديدة لما سيأتي بعده.
والشاهد أن هناك عوامل كثيرة في تقدير كاتب هذه السطور يمكنها أن تؤثر في أفكار مشروع برنستون ونجاحه أو إخفاقه وفي مقدمتها سير الأحداث بين البيت الأبيض والكونجرس لاسيما تجاه إشكالية العراق من جهة وإزاء المواجهة الإيرانية التي لن تبقى هناك أية فرص سلمية للشرق الأوسط أو للولايات المتحدة في السنوات المقبلة حال انفجار هذا الملف عسكرياً، وبالتبعية يمكن القول إن حظوظ مقترحات برنستون ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحركات المد اليميني الأصولي الأمريكي وبصورة محددة المحافظين الجدد وأنصارهم دعاة التفرد والسياسات الأحادية في العالم وأصحاب نظرية (أمريكا أولاً وأخيراً)، فحال عودة هؤلاء تمضي مقترحات برنستون في رحلة النسيان عبر الأضابير الأكاديمية وحال إخفاقهم تصبح فضاءات الأفكار الأمريكية مفتوحة لما قاله الواقعيون من آراء يمكن أن تترجم إلى سياسات.
غير أن المؤلم في المشهد والذي يلزم الاعتراف والإقرار به أن مصائر بلدان الشرق الأوسط اليوم أضحت معلقة لا برقاب أهاليه وأبنائه بل بمصير سياسات ترسم وتحاك في غرف مظلمة وأحاديث يهمس بها همساً بعدما كان في منتصف القرن الماضي رمزاً للثورة وطريقاً للتحرر.
ومن هنا يمكننا التساؤل من قال إن الاستعمار عاد مرة أخرى في أشكال جديدة رغم نوايا مشروع برنستون؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2773::/cck::
::introtext::
مع إقرار الرئيس الأمريكي جورج بوش لاستراتيجيته الجديدة في العراق يتساءل المراقبون هل ستكفل الآليات الجديدة التي ذهب إليها الرئيس بوش النجاح للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط؟ بل إلى أبعد من ذلك يثار التساؤل ما هو مستقبل تلك السياسات بعد رحيل الرئيس الأمريكي الذي مثّل نقطة مفصلية في سياسات بلاده في أوائل القرن الحادي والعشرين، القرن الذي أراد له المحافظون الجدد ومن لف لفهم أن يصبح قرناً أمريكياً بامتياز؟
::/introtext::
::fulltext::
مع إقرار الرئيس الأمريكي جورج بوش لاستراتيجيته الجديدة في العراق يتساءل المراقبون هل ستكفل الآليات الجديدة التي ذهب إليها الرئيس بوش النجاح للسياسات الأمريكية في الشرق الأوسط؟ بل إلى أبعد من ذلك يثار التساؤل ما هو مستقبل تلك السياسات بعد رحيل الرئيس الأمريكي الذي مثّل نقطة مفصلية في سياسات بلاده في أوائل القرن الحادي والعشرين، القرن الذي أراد له المحافظون الجدد ومن لف لفهم أن يصبح قرناً أمريكياً بامتياز؟
لعل تلك التساؤلات التي تشغل الشرق الأوسط وساكنيه تدور في أذهان الأمريكيين بنفس القدر لاسيما في ضوء الإخفاقات المتوالية التي منيت بها سياسات الرئيس بوش الخارجية منها والداخلية وأضحى التساؤل الذي يشغل العديد من المراكز البحثية الأمريكية الرصينة.. ماذا بعد بوش؟ وما هو مستقبل العلاقات والسياسات الأمريكية مع وتجاه بقية دول العالم؟ وكأني بهؤلاء يطرحون طرحاً غاية في الدقة والحساسية هل يمكن أن نمضي في تصور قيادتنا وريادتنا للعالم بمنطق القوة والاعتماد على الآلة العسكرية المجردة أم أن هناك خيوطاً وخطوط تتشابك فيها الدبلوماسية ويتماس فيها الاقتصاد، ويلتحم من خلالها الاجتماع العسكر؟
ومما لاشك فيه أن أهم ما يشغل كاتب ومحلل سياسي عربي بالدرجة الأولى هو وضع الشرق الأوسط والعوالم والعواصم العربية والإسلامية في هذا التصور المستقبلي.
بناء الأمن في الشرق الأوسط الكبير
والمؤكد أنه قبل التطلع إلى القراءات المستقبلية للسياسات الأمريكية كما رأتها مراكز بحثية أمريكية متميزة يجدر بنا التوقف أمام ألأوضاع القائمة والمعروفة في اللغات اللاتينية بـ (TATUS QUO) ومقارنتها لاحقاً بالأوضاع القادمة والمعروفة كذلك بال (PRO QUO).
في السادس من أكتوبر من العام الماضي كان فيليب زيليكو المستشار النافذ بوزارة الخارجية الأمريكية ضيفاً على العشاء الذي أعده معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بالعاصمة الأمريكية وهناك كانت المفاصل الرئيسية السياسية لحكومة الرئيس بوش في منطقة الشرق الأوسط الكبير تبسط على المائدة تشريحاً وتجريحاً إن جاز القول.
في تلك الليلة أفاض الرجل في الحديث عن المصادر الأساسية لعدم الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، وقد أرجع ذلك في معظمه لسيطرة الأيديولوجيات الدينية (الإسلام تحديداً) على الكثير من مقدرات الأمور إضافة إلى ما سماه الكيانات السياسية الهشة، أي الناس الذين يشكلون النخب الحاكمة في هذه الدول، كما أرجعه كذلك لنقاط الانفجار القديمة وفي مقدمتها الصراع العربي – الإسرائيلي إضافة إلى أزمة الإرهاب كعامل تآكل منطلقاً من أن الشرق الأوسط هو مورد ومنبع الإرهاب، ولم يفت المستشار المفضل اليوم في الخارجية الحديث عن مشروعات الديمقراطية التي تعثرت بسبب مقاومة الأنظمة لها والإصلاح الذي تأخر وطال انتظاره وبين هذه وتلك كانت أزمة العراق من عوامل عدم الاستقرار رغم المحاولات المتعددة لإنقاذه مما آل إليه وقبل الختام طرح الرجل رؤية بلاده لأزمة الملف النووي الإيراني والتي خلص فيه إلى ضرورة (أن نعمل سوية للوقوف في وجه إيران مع أصدقائنا العرب) وقد عرج قبل الختام على الأوضاع في لبنان وسوريا وأنهى بإسرائيل وجيرانها والآمال التي كانت تنشدها إدارة جورج بوش في قيام شرق أوسط آمن كبير.
ومن دون تطويل ممل يمكن القول إن حالة الضبابية وتضارب الرؤى كانت تجتاح كلمة (فيليب زيليكو) لا سيما أن تلك الفترة كانت تشهد صراعاً محتدماً ما بين فريقين، الأول بقيادة وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس والثاني يتقدمه وزير الدفاع المستقيل دونالد رامسفيلد وهو الصراع الذي حدا بالكثير من المعلقين للقول إن إدارة الرئيس بوش تشهد صراعاً وحرباً أهلية داخلية.
ومع انتخابات الكونجرس الأخيرة وانقسام الولايات المتحدة إلى جبهتين، حكومة جمهورية وكونجرس ديمقراطي باتت هناك قناعة بأن ما تبقى للرئيس بوش من شهور في البيت الأبيض لن يكون مجدي حتى مع استخدامه لصلاحياته التي يكفلها له الدستور وحتى حال استخدامه لحق النقض على قرارات الكونجرس وفي أحسن الأحوال يمكن للكونجرس إعاقة مشروعات الرئيس وخاصة في ظل رفض الديمقراطيين للكثير من سياساته وأولها تلك الحرب الدائرة في العراق وأفغانستان، ناهيك عن انفراد الولايات المتحدة بمكافحة الإرهاب على المستوى العالمي بطرائق ربما كانت في حد ذاتها عاملاً محفزاً على زيادته دون أن يهمل الناظر للمشهد الأمريكي الدولي تبني الرئيس والعديد من أركان حكمه قناعات تجعل وتجمل الإسلام والمسلمين في بوتقة واحدة هي إلارهاب والإرهابيين.
وفي خضم هذه الضبابية المغرقة تتجلى روح أمريكا البحثية الساعية لإيجاد حلول تنتشل البلاد والعباد من وهدة الأصولية اليمينية والتقسيم المانوي للعالم بين خير مطلق وشر كامل (ومن ليس معنا فهو ضدنا) كما فعل الرئيس بوش وإدارته ومن هنا يجئ الحديث عن مشروع برنستون.
(برنستون) وإنقاذ أمريكا
يكتب جاكسون ديل (الكاتب والمحلل السياسي بـ (الواشنطن بوست) تحت عنوان السياسة الخارجية لما بعد بوش يقول إنه من المنتظر أن يحتدم السجال الذي أعيد فتحه حول العراق لشهور وربما لسنوات مقبلة وحتى لو تمخض ذلك السجال عن استراتيجية أفضل لإنقاذ أو إنهاء تلك المهمة المحاصرة فإن هناك العديد من الأسئلة المتعلقة بسياسة بوش ستظل في حاجة إلى إجابات وهو ما يفضل أن يتم مع استلام الرئيس التالي للولايات المتحدة مهام منصبه).
لكن ماذا عن تلك الأسئلة؟
هناك في واقع الأمر الكثير منها إذا نحينا أزمة المستنقع العسكري الأمريكي في كل من العراق وأفغانستان، وهناك على سبيل المثال ماذا عن التحدي والتصدي لما تراه السياسة الأمريكية اليوم العدو رقم واحد، والذي وصفه بوش أكثر من مرة بالفاشية الإسلامية، وهل ستبقى النظرة كما كانت للشيوعية في النصف الثاني من القرن المنصرم؟
ومنها أيضاً التساؤل المحير عن مشروعات الديمقراطية والإصلاح التي أطلقها الرئيس بوش مع أوائل العام 2003 والتي ما فتئت أن خبت وتوارى وهجها في أعقاب فوز عدد من التيارات الإسلامية في الانتخابات التشريعية كحال حماس في فلسطين والمكاسب التي حققها الإخوان المسلمون في مصر.
وليس آخر تلك التساؤلات مصير الأمم المتحدة لاسيما مع الدعوات التي تكررت كثيراً من رجالات الحزب الجمهوري والحركات العنصرية التي انبثقت منه والتي طالبت بطرد هذا البيت الزجاجي وسكانه من نيويورك ذلك لأنه يقف عقبة في طريق السيادة والريادة الأمريكية في العالم؟
ولعل عودة عدد من رجال الواقعية السياسية في الشهور الماضية وفي مقدمتهم جيمس بيكر الذي قاد الفريق المكلف بدراسة الأوضاع في العراق وشريكه هاملتون تدلل على قدر الحاجة الماسة اليوم للبعد عن السياسات المثالية و(الطوباوية) والاقتراب ثانية من أرض الواقع وخاصة في ضوء تسارع الأحداث وتشابك الملفات في الشرق الأوسط بين العراق وإيران وسوريا حيث الأرض تهتز والرعد يتدحرج إلى ما بعد الأفق.
وكانت هذه العودة موشراً إلى ظهور أفكار جديدة تحاول صياغة استراتيجية للقرن الحادي والعشرين يقول أنصارها إنها استراتيجية لا تتطلع إلى الوراء ولا تستلهم روح استراتيجيات ووصفات القرن العشرين الخاصة.
ومن أبرز تلك الأمثلة ما تشير إليه الـ (واشنطن بوست) أي مشروع برنستون الضخم الذي استغرق الإعداد له عامين ونصف العام وهو ثمرة تلاقح الجهود الحزبية الأمريكية بين الجمهوريين والديمقراطيين لأجل التوصل إلى استراتيجية أمريكية تتخطى مرحلتين الأولى هي الحرب الباردة وما بعدها والثانية هي مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر مع الأخذ في الاعتبار الفارق الشاسع بين المرحلتين من أبعاد سياسية واستحقاقات إنسانية واجتماعية واقتصادية.
أما المشروع فتقوم بتنفيذه كلية وودرو ويلسون للشؤون الدولية والعامة بجامعة برنستون وتترأسه آن ماري سلوتر عميدة الكلية ومعها البروفيسور جي. جون ايكنبيري أستاذ العلوم السياسية فيها والتي عقدت تسعة اجتماعات منفصلة ضمت المئات من الخبراء من كافة درجات الطيف السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية وذلك لضمان تمثيل كافة الأطراف والاتجاهات والمذاهب السياسية وحتى تعود السياسة الخارجية الأمريكية معبرة عن روح الـ (MEELTING BOT ) أي بوتقة الانصهار الأمريكية كما يحلو للأمريكيين توصيف بلادهم، وفي مقدمة هؤلاء ثعلب السياسة الأمريكية في سبعينات القرن الماضي هنري كسينجر صاحب الخبرة العريضة في التفاوض مع السوفييت والصينيين ومنهم حكيم أمريكا ومستشارها للأمن القومي (زيجينو بريجنسكي) إضافة إلى وزيري الخارجية السابقين جورج شولتز ومادلين أولبرايت، وغيرهما، وهنا نجد تساؤلاً يطرح نفسه عن ماهية هذا المشروع وما هي أبعاده وعلاقاته؟
مشروع جذاب وأفكار عصرية
وقد كانت نتيجة الاجتماعات التسعة التي عقدت في الجامعة العريقة تقريراً مهماً للغاية تضمن خلاصات كفيلة بإصابة الرئيس وإدارته بالدهشة والحيرة في آن واحد غير أنها أيضاً تتضمن الكثير من القراءات الجيدة والجديدة والتي اتفق المجتمعون على أنها يمكن أن تكون قاسماً أعظم مشترك لسياسات أمريكا في الشرق الأوسط بصورة خاصة وفي العالم كله من دون شك.
فعلى سبيل المثال وفي شأن التهويل مما هو إسلامي وانسحاب لفظة (الفاشية الإسلامية) على مكافحة الإرهاب المتمسح في المسوح الدينية تقول آن ماري سلوتر إن القول بالحرب على الإسلاميين الفاشيين هو قول مغلوط وتلك الحرب بهذا التوصيف خاطئة بالقطع لأنها عبارة عن محاولة لاختزال وتبسيط عالم غير قابل للتبسيط.
وحسب ما جاء في التقرير فإن القرن الحادي والعشرين لن يقف فقط أمام تهديد واحد هو التهديد الأخضر، أي الإسلام كما حاول الكثيرون تصوير الأمر، ولكنه سيحتوي على خليط معقد من التهديدات المتنوعة والمتداخلة في الوقت نفسه والتي تتراوح ما بين الأسلحة النووية والإحماء الحراري وصعود الصين والهند كقوتين عظميين وانتشار الأوبئة وخاصة وباء إنفلونزا الطيور الذي يقول التقرير إن أحد أنواعه يمكن إذا انتشر أن يتسبب في قتل عدد من الأمريكيين يفوق ذلك الذي يمكن أن ينتج عن هجوم إرهابي.
ويفهم القارئ إذن من هذا الاستنتاج أن هناك حالة من الرفض للتمترس وراء ذهنية العداء للإسلام والمسلمين والقول بالفاشية وإلصاقها بالإسلامية وهو ما يتجلى بشكل إيجابي للغاية في تعليق مديرة المشروع وقولها إن تلك المشكلة أي الإرهاب (يجب ألا يطلق عليها أي اسم يدمجها مع الدين، لأن ذلك سيؤجج الصراع بين الحضارات ويعطي تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات الإرهابية أهمية أكثر مما يستحق والأسلوب الأمثل للمواجهة هو من خلال حملة عالمية مضادة للإرهاب).
والمؤكد أن هذا القول من الوجاهة والحنكة بمكان وتبنيه كفيل بنزع فتيل العداوات التي ترسخت في الأعوام الماضية من جراء النظر للعالم الإسلامي على أنه مورد الإرهابيين في حين امتنع هؤلاء عن القول بوجود إرهاب في شعوب تدين بديانات غير الإسلام أو لا تدين على الإطلاق بأي دين، كما في الجماعات اليابانية الإرهابية، وهو توجه يساعد سياسات الولايات المتحدة في الشرق الأوسط لأن تجد لها صداقات من المعتدلين وأصحاب الحس الإنساني من كل جنس ولون.
ليس هذا فقط بل إن التقرير يضرب مثالاً آخر على قضية من القضايا التي أثارت زوابع، ما أنزل الله بها من سلطان، والمتمثلة في دمقرطة الشرق الأوسط شعوباً وحكاماً، وكأن الديمقراطية قرار فوقي يتخذ من الراعي وما على الرعية إلا التنفيذ وقد اختلطت توجهات الدمقرطة بمفاهيم الإصلاح كما تصورتها إدارة الرئيس بوش وليس لا كما تحتاجها شعوب المنطقة عن بكرة أبيها وفي هذه جميعها عرف العالم للمرة الأولى تعبير يجمع النقيضين أي تعبير (الفوضى الخلاقة) الذي شددت عليه وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس لسنوات طويلة قبل أن تلزم الصمت.
وفي التقرير الصادر عن مشروع برنستون يذهب المفكرون الأمريكيون إلى القول إن الهدف سليم، أي أن المطالبة بنشر الديمقراطية في حد ذاته أمر لا تشوبه شائبة وهو قول متفق عليه غير أن المطلوب هو خلق استراتيجية أكثر تطوراً تعمل أولاً على توفير الشروط المسبقة التي تكفل نجاح الديمقراطية وعدم قصرة على الانتخابات فقط.
ومما لاشك فيه أن هذا الاستنتاج يعبر عن فهم واع لحقيقة الأوضاع في المنطقة الشرق أوسطية على وجه الخصوص والتي هي في حاجة إلى بنية تحتية (INFRASTRUCTUR) ذهنية تتضافر فيها جهود الليبراليين والمجتمع المدني ومؤسسات الدولة والمساعدات الخارجية حسنة النية على نقل البشر والحجر من مرحلة السكون والخمول وعدم المشاركة السياسية والاجتماعية إلى كيان حي واع وفاهم ومدرك لما يمثله صندوق الانتخابات كسقف للتطلعات الديمقراطية من دون إهمال مراحل كالتعليم والتثقيف والصحة والاقتصاد وحتى لا تضحى صناديق الانتخابات مثل قميص عثمان كما جرى وأسلفنا الإشارة إليه في فلسطين ومصر.
أما على صعيد الأمم المتحدة والتي طالبت حركة مثل (MOVE AMERICA FORWARD) بطردها، وأشار جون بولتون المندوب الأمريكي السابق بها إلى أن إزالة عشرة طوابق منها أمر لا يؤثر في جداوها، فقد وجد أصحاب برنستون لها بديلاً من خلال إيجاد نوع من تحالفات الديمقراطيات والتي تقوم على المعاهدات والتي لا تقبل سوى الأعضاء الذين يستوفون شروط العضوية الصارمة فقط وهذه المؤسسة الجديدة يفترض أن تعمل كقوة ذات جهد موحد ومتناسق داخل الأمم المتحدة، بل يمكنها في النهاية أن تحل محل المنظمة الأممية إذا ما فشلت الجهود الرامية إلى إصلاحها.
والشاهد أن مشروع برنستون الذي يعد حجر الزاوية لأمريكا ما بعد الحرب الباردة وما بعد سبتمبر 2001 لا يقتصر على علاقة واشنطن بالشرق الأوسط فقط، بل يتخطاها إلى رؤية دولية أوسع فهو يسعى ضمن مساعيه المتعددة إلى إجراء عملية ترميم شامل للمؤسسات الدولية التي أصابها العطن من جراء عدم جريان ماء التغيير الهادر بين ضفتيها وفي مقدمة تلك المؤسسات يأتي صندوق النقد الدولي والذي بات يشكل أداة التأديب والتهذيب في يد واشنطن تجاه العالم الخارجي والجزرة التي تستخدمها الإدارة الأمريكية للترغيب فيها، أضف إلى ذلك أن المشروع يتطلع إلى تجديد قراءة أوراق حلف الناتو ودوره في أماكن النزاعات الملتهبة قراءة تجعل منه أداة حقيقية لإقرار الأمن والسلام القائم على العدالة الاجتماعية وليس المرتكز على فوهات البنادق وأسنة الرماح كما يقال.
ولا يهمل المشروع الإشارة إلى الانتكاسة الدولية التي ساهمت واشنطن بجزء كبير فيها تجاه المناخ الدولي غداة انسحابها من معاهدة (كيوتو) للحفاظ على مناخ الأرض والذي غلّبت فيه مصالحها الصناعية على التهديدات الحقيقية التي تصيب البيئة من جراء العوادم المنبعثة من مصانعها التي قد تصيبها هي بادئ بدء من خلال ذوبان الثلوج القطبية، لذا فإن مشروع برنستون يطالب واشنطن بقيادة حملة جديدة تجابه أخطار وتغيرات البيئة الضارة.
ويبقى قبل الانصراف تساؤل لا محيص عنه.. ما هي حظوظ مثل هذا البرنامج أو المشروع من النجاح أو الفشل؟
ويختتم التقرير بالقول (إن هذه الأهداف قد تبدو مبالغا فيها، كما أنه لن يتم تحقيقها طالما ظل بوش في الحكم ولكن يمكنها مع ذلك أن تشكل أساساً سليماً لبداية جديدة لما سيأتي بعده.
والشاهد أن هناك عوامل كثيرة في تقدير كاتب هذه السطور يمكنها أن تؤثر في أفكار مشروع برنستون ونجاحه أو إخفاقه وفي مقدمتها سير الأحداث بين البيت الأبيض والكونجرس لاسيما تجاه إشكالية العراق من جهة وإزاء المواجهة الإيرانية التي لن تبقى هناك أية فرص سلمية للشرق الأوسط أو للولايات المتحدة في السنوات المقبلة حال انفجار هذا الملف عسكرياً، وبالتبعية يمكن القول إن حظوظ مقترحات برنستون ترتبط ارتباطاً وثيقاً بحركات المد اليميني الأصولي الأمريكي وبصورة محددة المحافظين الجدد وأنصارهم دعاة التفرد والسياسات الأحادية في العالم وأصحاب نظرية (أمريكا أولاً وأخيراً)، فحال عودة هؤلاء تمضي مقترحات برنستون في رحلة النسيان عبر الأضابير الأكاديمية وحال إخفاقهم تصبح فضاءات الأفكار الأمريكية مفتوحة لما قاله الواقعيون من آراء يمكن أن تترجم إلى سياسات.
غير أن المؤلم في المشهد والذي يلزم الاعتراف والإقرار به أن مصائر بلدان الشرق الأوسط اليوم أضحت معلقة لا برقاب أهاليه وأبنائه بل بمصير سياسات ترسم وتحاك في غرف مظلمة وأحاديث يهمس بها همساً بعدما كان في منتصف القرن الماضي رمزاً للثورة وطريقاً للتحرر.
ومن هنا يمكننا التساؤل من قال إن الاستعمار عاد مرة أخرى في أشكال جديدة رغم نوايا مشروع برنستون؟
::/fulltext::
::cck::2773::/cck::
