الصين والخليج والولايات المتحدة معادلة استراتيجية
::cck::2598::/cck::
::introtext::
أعلنت جمهورية الصين الشعبية مؤخراً أنها سترفع من عدد جنودها المشاركين في قوة حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة في لبنان، إلى 1000 جندي. ويعتبر هذا الإجراء بمثابة تطور هائل، فبدلاً من أن تقوم الصين بسحب جنودها المشاركين في تلك القوة، نتيجة لحالة عدم الاستقرار التي كرسها مقتل أحدهم أثناء الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، نراها توسع من دورها الأمني في منطقة الشرق الأوسط.
::/introtext::
::fulltext::
أعلنت جمهورية الصين الشعبية مؤخراً أنها سترفع من عدد جنودها المشاركين في قوة حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة في لبنان، إلى 1000 جندي. ويعتبر هذا الإجراء بمثابة تطور هائل، فبدلاً من أن تقوم الصين بسحب جنودها المشاركين في تلك القوة، نتيجة لحالة عدم الاستقرار التي كرسها مقتل أحدهم أثناء الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، نراها توسع من دورها الأمني في منطقة الشرق الأوسط.
يطرح هذا الوضع تساؤلين: كيف ينظر الخليج بالضبط إلى الصين؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة؟
إن دول مجلس التعاون الخليجي، التي يحميها الجيش الأمريكي المتواجد في المنطقة، ترى أن سياسة واشنطن تجاه العراق فشلت؛ وأن مشروعها لإحلال الديمقراطية في الأراضي الفلسطينية كان فاتحة نصر غير متوقعة لحركة حماس؛ وأن محاولاتها لحمل إيران على وقف أنشطتها النووية فشلت رغم جهود واشنطن الحثيثة. ويرى الزعماء الخليجيون أن واشنطن قد عززت من موقف إيران وشجعتها، بقيامها بإزالة أكبر عقبتين محليتين كانتا تواجهان السياسة الخارجية الإيرانية، وهما الطالبان في أفغانستان و عراق يحكمه السنة.
وتواجه دول مجلس التعاون الخليجي عدداً من التهديدات التي لم يعد بالإمكان التعامل معها من خلال الوسائل العسكرية الأمريكية التقليدية. فالمملكة العربية السعودية، التي تعتبر أكثر حلفاء واشنطن تأثيراً في الخليج، تواجه معدلات بطالة عالية، وانتشاراً واسعاً للمتطرفين الإسلاميين السلفيين، بالإضافة إلى التحديات السياسية التي يشكلها الشيعة فيها. ويخشى عدد من دول مجلس التعاون الخليجي من انهيار العراق وصعود إيران، وهما تهديدان لا يمكن للجيش الأمريكي أن يواجههما. فهذا الجيش لا يستطيع وقف دوامة العنف في العراق ومنعها من الانتقال إلى الدول المجاورة. كما أن الضربات الجوية الأمريكية لن تكون قادرة على ردع إيران ومنعها من اللجوء إلى شن هجمات غير منسقة للانتقام من دول الخليج العربية.
وتعتبر نظرة دول الخليج الصغرى إلى ضمانات الدفاع الأمريكية أمراً حيوياً لأنه يؤثر في مسار العلاقات الخليجية- الصينية. فإذا ضعفت علاقات وروابط مجلس التعاون الخليجي مع الولايات المتحدة، فإن هذا سيجعل المنطقة مفتوحة أمام ترتيبات أمنية كاملة وجديدة تتم بالتعاون مع اللاعبين الخارجيين. ولغاية الآن، لا توفر دول مجلس التعاون الخليجي للولايات المتحدة سوى قواعد عسكرية محلية. وقد شكل الوضع المستقر لهذه القواعد دعماً رئيسياً للتدخل العسكري الذي قادته الولايات المتحدة في كل من أفغانستان والعراق، كما أنه يشكل أساساً لبقاء الولايات المتحدة في وضعية دفاعية طويلة المدى في الخليج. وتعتبر موافقة دول مجلس التعاون الخليجي على التواجد العسكري الأمريكي فيها أمراً حساساً وخطيراً، لأن واشنطن ستزيد كثيراً من اعتمادها على ذلك التواجد في ظل استمرار تدهور الوضع في العراق. ويعتبر وجود موطأ قدم للولايات المتحدة في الخليج أمراً مهماً للغاية، خاصة أن الغموض يكتنف مستقبل القواعد الأمريكية في العراق ووضع العراق نفسه وأطماع السياسة الخارجية الإيرانية.
وفي الوقت الذي لا تقدر فيه الصين على تهدئة هذه المخاوف التي تنتاب دول الخليج العربية الحليفة للولايات المتحدة، فإنها تعتبر أكبر مستورد للنفط الإيراني، مما يعطيها بعض الثقل السياسي لدى جمهورية إيران الإسلامية، وهو الأمر الذي تفتقر إليه واشنطن. وقام وزير النفط العراقي، حسين الشهرستاني بزيارة إلى بكين في أكتوبر 2006، أجرى خلالها مفاوضات لتوقيع عدد من الصفقات النفطية، وسعى إلى جذب استثمارات خارجية صينية مباشرة، وهو أمر رحبت به بكين كثيراً، ويمكنها أن تساهم فيه بسبب احتياطياتها النقدية الهائلة. فقد أعلنت الصين مؤخراً أنها تجري مباحثات لتوقيع صفقة قيمتها 1.2 مليار دولار أمريكي لتأهيل حقل الأحدب، الواقع في المنطقة الجنوبية الوسطى من العراق، كي يبدأ بإنتاج النفط الخام، كما أنها تقوم بإنشاء طريق سريع في مناطق العراق الكردية. وهكذا، فإنه في الوقت الذي لا ينظر فيه حلفاء واشنطن في المنطقة إلى الصين على أنها دولة ذات ثقل مواز للولايات المتحدة، تواصل الصين ترجمة توسعها الاقتصادي فارضةً حضوراً قوياً على أرض الواقع في المنطقة.
أما العلاقات السياسية الصينية – الشرق أوسطية الآخذة بالنمو فإنها لم تعد مجرد أفكار مطروحة؛ بل أصبحت حقيقة واقعة. ففي إبريل 2006، قام الرئيس الصيني هو جين تاو بأول زيارة رسمية له إلى المملكة العربية السعودية، بعد اجتماعات غير مثمرة كان قد عقدها مع المسؤولين في العاصمة الأمريكية واشنطن. وتأتي هذه الزيارة رداً على زيارة كان الملك عبدالله بن عبد العزيز قد قام بها إلى الصين في وقت سابق من السنة نفسها ووسط انتقادات للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، لقي الرئيس الصيني ترحيباً حاراً من قبل مجلس الشورى السعودي، وتحولت هذه الحفاوة إلى مكاسب ملموسة على الأرض؛ فقد وقع الزعيمان عدة اتفاقيات دفاعية، وأجريا مفاوضات لتوقيع عدد من صفقات الطاقة، وووضعا اللمسات النهائية على مذكرة تفاهم للتعاون الاستراتيجي أيضاً.
ويجب ألا نفاجأ بقيام بكين بتوسيع علاقاتها، فهي ترسل وبشكل دوري مدربين على الأسلحة وأطقم صيانة ومستشارين عسكريين إلى المملكة العربية السعودية، وذلك لمساعدة قوات الحرس الوطني السعودية على استخدام صواريخ (CSS-2) التي كانت الصين قد باعتها لها، وقد تم تكليف الملحق العسكري السعودي في بكين بمهمة الحفاظ على هذه العلاقات الدفاعية.
من هنا نرى أن أمام واشنطن ثلاثة خيارات للرد: الخيار الأول هو أن تتغاضى عن العلاقات الخليجية-الصينية الآخذة بالنمو. الخيار الثاني هو أن تحاول إقصاء الصين عن المنطقة لكي تعزز نفوذها السياسي. أما الخيار الثالث فهو أن تتقرب من بكين وتتشارك معها في معالجة أصعب المشكلات الأمنية في المنطقة.
وبالنسبة للخيار الأول، إذا استمرت الولايات المتحدة بسياساتها الحالية تجاه إيران والعراق، فإن دول مجلس التعاون الخليجي المؤيدة للغرب ستواصل شعورها بأن واشنطن لا تأخذ مخاوفها الشرعية في الاعتبار. ونتيجة لذلك، سيصر أصدقاء أمريكا التقليديون في المنطقة على فتح بلادهم أمام المنافسين المحتملين المهتمين بالمنطقة حقاً، كالصين تحديداً.
وبالنسبة للخيار الثاني، إن وصف علاقات مجلس التعاون الخليجي مع الصين على أنها تدخل في إطار محور معادٍ للأمريكيين سيزيد من حوافز بكين لتعميق روابطها مع روسيا وإيران، وهي دول ستكون سياسياً أقل رأفة بالمصالح الأمريكية من دول الخليج العربية، الحلفاء التقليديين لواشنطن في المنطقة. يضاف إلى ذلك، أن المسؤولين الصينيين يعلنون دائماً أنهم يتصرفون بحذر إزاء الطلبات الأمريكية من بكين، إعادة النظر في علاقاتها المتعلقة بالطاقة مع الشرق الأوسط، وخفض استهلاكها من النفط، علماً أن الولايات المتحدة تستهلك أكثر من ضعفين ونصف الضعف يومياً مما تستهلكه الصين منه، مع أن عدد سكانها لا يتجاوز ربع عدد سكان الصين.
ويبقى الخيار الثالث وهو أفضل الخيارات – أن تلجأ الولايات المتحدة إلى تفاهم استراتيجي مع الصين للتعامل مع التحديات الأمنية في الخليج، فيتقاسم الجانبان المصالح المشتركة المتمثلة في ضمان إمدادات حرة من النفط، والتخفيف من حدة التهديدات التي تتربص باستقرار المنطقة وتطوير مصادر بديلة عن الطاقة.
ويجب على الولايات المتحدة ألا تنزعج من مد يدها إلى الصين، أو أن تعتبر أن ذلك بمثابة نوع من الخضوع لبكين كون واشنطن تمتلك نفوذاً سياسياً أكبر منها في الخليج. ومع ذلك، تدرك بكين أنها لا تستطيع إقصاء الولايات المتحدة عن المنطقة، لأن 90 في المائة من وارداتهها النفطية يأتيها عبر الممرات البحرية التي تحرسها أو تسيطر عليها القوات البحرية الأمريكية، وأن العلاقات الخليجية- الصينية هي علاقات تقوم على أساس الطاقة والاقتصاد.
ومن بين إجراءات بناء الثقة التي يحتاجها العمل في إطار هذا الخيار:
• يجب على الولايات المتحدة أن تخفض من ضغط سوق الطاقة على الصين من خلال توسيع إجراءات حفظ الطاقة الخاصة بها، وزيادة استعمال المصادر البديلة عن الطاقة أيضاً.
• يجب على بكين أن تتخلى عن صفقات النفط مقابل السلاح مع حلفائها في الخليج.
• يجب على واشنطن أن تضغط على وكالة الطاقة الدولية لتقديم ضمانات لإمدادات نفط طارئة لبكين كتأمين ضد أي أزمة طاقة محتملة.
• يجب على الصين أن تقدم وعوداً بعدم الحجز على إمدادات الطاقة.
• يجب على الولايات المتحدة أن تعرض حوافز مالية موجهة على الصين لتوسيع إجراءاتها لحفظ الطاقة والاستثمار في مجال مصادر الطاقة البديلة.
إذ إن هذه المبادرات ستؤدي إلى الحد من مخاطر تقلبات السوق، كما أنها تكتسي أهمية كبيرة كونها تأتي تحديداً في ظل الغموض الذي يكتنف العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، والتوتر المتزايد بينهما في منطقة الخليج، التي تعتمد عليها اقتصادياً كل من بكين وواشنطن على حد سواء.
لقد اتخذت الصين الخطوة الأولى ومدت يدها إلى الولايات المتحدة. وهي تعمل تحديداً على تحويل سياستها الشرق أوسطية بعيداً عن إيران. فمنذ أن بدأت حدة التوتر الأمريكي -الإيراني تتصاعد في 2005، لم تقدم بكين أي تمويل تقريباً لبرنامج الطاقة المقترح مع إيران، والذي تصل تكاليفه إلى 100 مليار دولار أمريكي، رغم أن كلاً من الدولتين تعلن أن المشروع يتقدم للأمام. وأجازت الصين للوكالة الدولية للطاقة الذرية توبيخ إيران، وإحالتها إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كما قام الرئيس الصيني بزيارة إلى المملكة العربية السعودية، الحليف الأمريكي، في الوقت نفسه تقريباً. يضاف إلى ذلك أنه لم يقم بأي زيارة إلى طهران منذ أن وصل إلى سدة الرئاسة، رغم أنه يعتبر أحد أكثر زعماء العالم تنقلاً بين الدول في الوقت الحاضر، إذ إنه زار ما لا يقل عن 49 دولة منذ وصوله إلى سدة الرئاسة في الصين.
أخيراً يجب على واشنطن أن تتجاوب مع غصن الزيتون الذي حملته بكين، خاصة أن الولايات المتحدة تعثرت في العراق، وتواجه بضعة خيارات جيدة بشأن إيران. ولا يستطيع الزعماء الأمريكيون، من خلال إعادة بناء علاقة واشنطن مع الصين، الحد من إمكانية المنافسة على الطاقة مع الصين فحسب، بل تطوير نموذج للتعاون الأمني أيضاً يمكن أن تستفيد منه كل الأطراف.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2598::/cck::
::introtext::
أعلنت جمهورية الصين الشعبية مؤخراً أنها سترفع من عدد جنودها المشاركين في قوة حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة في لبنان، إلى 1000 جندي. ويعتبر هذا الإجراء بمثابة تطور هائل، فبدلاً من أن تقوم الصين بسحب جنودها المشاركين في تلك القوة، نتيجة لحالة عدم الاستقرار التي كرسها مقتل أحدهم أثناء الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، نراها توسع من دورها الأمني في منطقة الشرق الأوسط.
::/introtext::
::fulltext::
أعلنت جمهورية الصين الشعبية مؤخراً أنها سترفع من عدد جنودها المشاركين في قوة حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة في لبنان، إلى 1000 جندي. ويعتبر هذا الإجراء بمثابة تطور هائل، فبدلاً من أن تقوم الصين بسحب جنودها المشاركين في تلك القوة، نتيجة لحالة عدم الاستقرار التي كرسها مقتل أحدهم أثناء الحرب الأخيرة بين حزب الله وإسرائيل، نراها توسع من دورها الأمني في منطقة الشرق الأوسط.
يطرح هذا الوضع تساؤلين: كيف ينظر الخليج بالضبط إلى الصين؟ وماذا يعني ذلك بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية في المنطقة؟
إن دول مجلس التعاون الخليجي، التي يحميها الجيش الأمريكي المتواجد في المنطقة، ترى أن سياسة واشنطن تجاه العراق فشلت؛ وأن مشروعها لإحلال الديمقراطية في الأراضي الفلسطينية كان فاتحة نصر غير متوقعة لحركة حماس؛ وأن محاولاتها لحمل إيران على وقف أنشطتها النووية فشلت رغم جهود واشنطن الحثيثة. ويرى الزعماء الخليجيون أن واشنطن قد عززت من موقف إيران وشجعتها، بقيامها بإزالة أكبر عقبتين محليتين كانتا تواجهان السياسة الخارجية الإيرانية، وهما الطالبان في أفغانستان و عراق يحكمه السنة.
وتواجه دول مجلس التعاون الخليجي عدداً من التهديدات التي لم يعد بالإمكان التعامل معها من خلال الوسائل العسكرية الأمريكية التقليدية. فالمملكة العربية السعودية، التي تعتبر أكثر حلفاء واشنطن تأثيراً في الخليج، تواجه معدلات بطالة عالية، وانتشاراً واسعاً للمتطرفين الإسلاميين السلفيين، بالإضافة إلى التحديات السياسية التي يشكلها الشيعة فيها. ويخشى عدد من دول مجلس التعاون الخليجي من انهيار العراق وصعود إيران، وهما تهديدان لا يمكن للجيش الأمريكي أن يواجههما. فهذا الجيش لا يستطيع وقف دوامة العنف في العراق ومنعها من الانتقال إلى الدول المجاورة. كما أن الضربات الجوية الأمريكية لن تكون قادرة على ردع إيران ومنعها من اللجوء إلى شن هجمات غير منسقة للانتقام من دول الخليج العربية.
وتعتبر نظرة دول الخليج الصغرى إلى ضمانات الدفاع الأمريكية أمراً حيوياً لأنه يؤثر في مسار العلاقات الخليجية- الصينية. فإذا ضعفت علاقات وروابط مجلس التعاون الخليجي مع الولايات المتحدة، فإن هذا سيجعل المنطقة مفتوحة أمام ترتيبات أمنية كاملة وجديدة تتم بالتعاون مع اللاعبين الخارجيين. ولغاية الآن، لا توفر دول مجلس التعاون الخليجي للولايات المتحدة سوى قواعد عسكرية محلية. وقد شكل الوضع المستقر لهذه القواعد دعماً رئيسياً للتدخل العسكري الذي قادته الولايات المتحدة في كل من أفغانستان والعراق، كما أنه يشكل أساساً لبقاء الولايات المتحدة في وضعية دفاعية طويلة المدى في الخليج. وتعتبر موافقة دول مجلس التعاون الخليجي على التواجد العسكري الأمريكي فيها أمراً حساساً وخطيراً، لأن واشنطن ستزيد كثيراً من اعتمادها على ذلك التواجد في ظل استمرار تدهور الوضع في العراق. ويعتبر وجود موطأ قدم للولايات المتحدة في الخليج أمراً مهماً للغاية، خاصة أن الغموض يكتنف مستقبل القواعد الأمريكية في العراق ووضع العراق نفسه وأطماع السياسة الخارجية الإيرانية.
وفي الوقت الذي لا تقدر فيه الصين على تهدئة هذه المخاوف التي تنتاب دول الخليج العربية الحليفة للولايات المتحدة، فإنها تعتبر أكبر مستورد للنفط الإيراني، مما يعطيها بعض الثقل السياسي لدى جمهورية إيران الإسلامية، وهو الأمر الذي تفتقر إليه واشنطن. وقام وزير النفط العراقي، حسين الشهرستاني بزيارة إلى بكين في أكتوبر 2006، أجرى خلالها مفاوضات لتوقيع عدد من الصفقات النفطية، وسعى إلى جذب استثمارات خارجية صينية مباشرة، وهو أمر رحبت به بكين كثيراً، ويمكنها أن تساهم فيه بسبب احتياطياتها النقدية الهائلة. فقد أعلنت الصين مؤخراً أنها تجري مباحثات لتوقيع صفقة قيمتها 1.2 مليار دولار أمريكي لتأهيل حقل الأحدب، الواقع في المنطقة الجنوبية الوسطى من العراق، كي يبدأ بإنتاج النفط الخام، كما أنها تقوم بإنشاء طريق سريع في مناطق العراق الكردية. وهكذا، فإنه في الوقت الذي لا ينظر فيه حلفاء واشنطن في المنطقة إلى الصين على أنها دولة ذات ثقل مواز للولايات المتحدة، تواصل الصين ترجمة توسعها الاقتصادي فارضةً حضوراً قوياً على أرض الواقع في المنطقة.
أما العلاقات السياسية الصينية – الشرق أوسطية الآخذة بالنمو فإنها لم تعد مجرد أفكار مطروحة؛ بل أصبحت حقيقة واقعة. ففي إبريل 2006، قام الرئيس الصيني هو جين تاو بأول زيارة رسمية له إلى المملكة العربية السعودية، بعد اجتماعات غير مثمرة كان قد عقدها مع المسؤولين في العاصمة الأمريكية واشنطن. وتأتي هذه الزيارة رداً على زيارة كان الملك عبدالله بن عبد العزيز قد قام بها إلى الصين في وقت سابق من السنة نفسها ووسط انتقادات للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، لقي الرئيس الصيني ترحيباً حاراً من قبل مجلس الشورى السعودي، وتحولت هذه الحفاوة إلى مكاسب ملموسة على الأرض؛ فقد وقع الزعيمان عدة اتفاقيات دفاعية، وأجريا مفاوضات لتوقيع عدد من صفقات الطاقة، وووضعا اللمسات النهائية على مذكرة تفاهم للتعاون الاستراتيجي أيضاً.
ويجب ألا نفاجأ بقيام بكين بتوسيع علاقاتها، فهي ترسل وبشكل دوري مدربين على الأسلحة وأطقم صيانة ومستشارين عسكريين إلى المملكة العربية السعودية، وذلك لمساعدة قوات الحرس الوطني السعودية على استخدام صواريخ (CSS-2) التي كانت الصين قد باعتها لها، وقد تم تكليف الملحق العسكري السعودي في بكين بمهمة الحفاظ على هذه العلاقات الدفاعية.
من هنا نرى أن أمام واشنطن ثلاثة خيارات للرد: الخيار الأول هو أن تتغاضى عن العلاقات الخليجية-الصينية الآخذة بالنمو. الخيار الثاني هو أن تحاول إقصاء الصين عن المنطقة لكي تعزز نفوذها السياسي. أما الخيار الثالث فهو أن تتقرب من بكين وتتشارك معها في معالجة أصعب المشكلات الأمنية في المنطقة.
وبالنسبة للخيار الأول، إذا استمرت الولايات المتحدة بسياساتها الحالية تجاه إيران والعراق، فإن دول مجلس التعاون الخليجي المؤيدة للغرب ستواصل شعورها بأن واشنطن لا تأخذ مخاوفها الشرعية في الاعتبار. ونتيجة لذلك، سيصر أصدقاء أمريكا التقليديون في المنطقة على فتح بلادهم أمام المنافسين المحتملين المهتمين بالمنطقة حقاً، كالصين تحديداً.
وبالنسبة للخيار الثاني، إن وصف علاقات مجلس التعاون الخليجي مع الصين على أنها تدخل في إطار محور معادٍ للأمريكيين سيزيد من حوافز بكين لتعميق روابطها مع روسيا وإيران، وهي دول ستكون سياسياً أقل رأفة بالمصالح الأمريكية من دول الخليج العربية، الحلفاء التقليديين لواشنطن في المنطقة. يضاف إلى ذلك، أن المسؤولين الصينيين يعلنون دائماً أنهم يتصرفون بحذر إزاء الطلبات الأمريكية من بكين، إعادة النظر في علاقاتها المتعلقة بالطاقة مع الشرق الأوسط، وخفض استهلاكها من النفط، علماً أن الولايات المتحدة تستهلك أكثر من ضعفين ونصف الضعف يومياً مما تستهلكه الصين منه، مع أن عدد سكانها لا يتجاوز ربع عدد سكان الصين.
ويبقى الخيار الثالث وهو أفضل الخيارات – أن تلجأ الولايات المتحدة إلى تفاهم استراتيجي مع الصين للتعامل مع التحديات الأمنية في الخليج، فيتقاسم الجانبان المصالح المشتركة المتمثلة في ضمان إمدادات حرة من النفط، والتخفيف من حدة التهديدات التي تتربص باستقرار المنطقة وتطوير مصادر بديلة عن الطاقة.
ويجب على الولايات المتحدة ألا تنزعج من مد يدها إلى الصين، أو أن تعتبر أن ذلك بمثابة نوع من الخضوع لبكين كون واشنطن تمتلك نفوذاً سياسياً أكبر منها في الخليج. ومع ذلك، تدرك بكين أنها لا تستطيع إقصاء الولايات المتحدة عن المنطقة، لأن 90 في المائة من وارداتهها النفطية يأتيها عبر الممرات البحرية التي تحرسها أو تسيطر عليها القوات البحرية الأمريكية، وأن العلاقات الخليجية- الصينية هي علاقات تقوم على أساس الطاقة والاقتصاد.
ومن بين إجراءات بناء الثقة التي يحتاجها العمل في إطار هذا الخيار:
• يجب على الولايات المتحدة أن تخفض من ضغط سوق الطاقة على الصين من خلال توسيع إجراءات حفظ الطاقة الخاصة بها، وزيادة استعمال المصادر البديلة عن الطاقة أيضاً.
• يجب على بكين أن تتخلى عن صفقات النفط مقابل السلاح مع حلفائها في الخليج.
• يجب على واشنطن أن تضغط على وكالة الطاقة الدولية لتقديم ضمانات لإمدادات نفط طارئة لبكين كتأمين ضد أي أزمة طاقة محتملة.
• يجب على الصين أن تقدم وعوداً بعدم الحجز على إمدادات الطاقة.
• يجب على الولايات المتحدة أن تعرض حوافز مالية موجهة على الصين لتوسيع إجراءاتها لحفظ الطاقة والاستثمار في مجال مصادر الطاقة البديلة.
إذ إن هذه المبادرات ستؤدي إلى الحد من مخاطر تقلبات السوق، كما أنها تكتسي أهمية كبيرة كونها تأتي تحديداً في ظل الغموض الذي يكتنف العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، والتوتر المتزايد بينهما في منطقة الخليج، التي تعتمد عليها اقتصادياً كل من بكين وواشنطن على حد سواء.
لقد اتخذت الصين الخطوة الأولى ومدت يدها إلى الولايات المتحدة. وهي تعمل تحديداً على تحويل سياستها الشرق أوسطية بعيداً عن إيران. فمنذ أن بدأت حدة التوتر الأمريكي -الإيراني تتصاعد في 2005، لم تقدم بكين أي تمويل تقريباً لبرنامج الطاقة المقترح مع إيران، والذي تصل تكاليفه إلى 100 مليار دولار أمريكي، رغم أن كلاً من الدولتين تعلن أن المشروع يتقدم للأمام. وأجازت الصين للوكالة الدولية للطاقة الذرية توبيخ إيران، وإحالتها إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. كما قام الرئيس الصيني بزيارة إلى المملكة العربية السعودية، الحليف الأمريكي، في الوقت نفسه تقريباً. يضاف إلى ذلك أنه لم يقم بأي زيارة إلى طهران منذ أن وصل إلى سدة الرئاسة، رغم أنه يعتبر أحد أكثر زعماء العالم تنقلاً بين الدول في الوقت الحاضر، إذ إنه زار ما لا يقل عن 49 دولة منذ وصوله إلى سدة الرئاسة في الصين.
أخيراً يجب على واشنطن أن تتجاوب مع غصن الزيتون الذي حملته بكين، خاصة أن الولايات المتحدة تعثرت في العراق، وتواجه بضعة خيارات جيدة بشأن إيران. ولا يستطيع الزعماء الأمريكيون، من خلال إعادة بناء علاقة واشنطن مع الصين، الحد من إمكانية المنافسة على الطاقة مع الصين فحسب، بل تطوير نموذج للتعاون الأمني أيضاً يمكن أن تستفيد منه كل الأطراف.
::/fulltext::
::cck::2598::/cck::
