القوى الدافعة للسياسة الروسية في الشرق الأوسط
::cck::1876::/cck::
::introtext::
بالنظر إلى طبيعة السياسة الروسية في منطقة الشرق الأوسط، ما هي القوى التي تدفع هذه السياسة وإلى أي غاية؟ حيث من السهل تحديد وحصر مؤشرات طفرة النشاط الروسي الحديث في هذه المنطقة من خلال المبادرات الروسية الأخيرة .
::/introtext::
::fulltext::
بالنظر إلى طبيعة السياسة الروسية في منطقة الشرق الأوسط، ما هي القوى التي تدفع هذه السياسة وإلى أي غاية؟ حيث من السهل تحديد وحصر مؤشرات طفرة النشاط الروسي الحديث في هذه المنطقة من خلال المبادرات الروسية الأخيرة التالية:
* لقد باعت روسيا أسلحة تقليدية إلى سوريا وإيران وعرضت بيع مثل هذه الأسلحة على دول أخرى بما فيها الأردن، ومن شبه المؤكد أن أسلحة روسية الصنع وقعت أيضاً في أيدي حزب الله.
* لا تزال روسيا تدافع عن إيران ضد الاتحاد الأوروبي وواشنطن، وتعارض فرض عقوبات قاسية عليها بسبب ما يُفترض على نطاق واسع أنه بناء قنبلة نووية. وعلى الرغم من أن موسكو تؤخر إنجاز مفاعل بوشهر وتعارض رسمياً تحول إيران إلى قوة نووية، إلا أنها لا تزال تدافع عن طهران علناً وسياسياً مع أن نخباً روسية عديدة تشك في أن إيران تسعى إلى تطوير سلاح نووي.
* لكن في الوقت نفسه، عرضت موسكو أيضاً على عدد من الدول العربية، بما فيها تلك الدول الخليجية المجاورة لإيران، مفاعلات نووية كوسيلة للحصول على الطاقة النووية؛ وهو مطلب عربي يُعزى سببه الرئيسي إلى مخاوف دول الجوار الإيراني من نوايا إيران.
موسكو تسهم عن سابق علم في عدم استقرار المثلث (السوري ـ اللبناني ـ الإسرائيلي)
* دعمت روسيا سوريا بثبات ضد جهود الأمم المتحدة للتحقيق مع دمشق بشأن دورها المزعوم في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري .
* تدعو روسيا أيضاً إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية، ولكنها تواصل تعاملها المنفتح مع حركة حماس حتى عندما تدعو إلى عقد مفاوضات بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الوطنية الفلسطينية، التي يرأسها منافس حركة حماس محمود عباس . وحديثاً، تقدمت روسيا باقتراح (سوفييتي قديم) يقضي بعقد مؤتمر دولي كبير لمعالجة كل قضايا هذه المنطقة. في الوقت ذاته، تُزود موسكو سوريا بالأسلحة التي تُمكنها من مواجهة إسرائيل وهي تعلم كذلك أن بعض هذه الأسلحة يذهب إلى حزب الله. وهكذا، تسهم موسكو عن سابق علم في عدم استقرار المثلث السوري ـ اللبناني ـ الإسرائيلي الذي يفيد إيران أيضاً بالنظر إلى تحالفها الوثيق مع سوريا.
* عززت روسيا اتصالاتها مؤخراً مع أجهزة الأمن الفلسطينية، ويُفترض أنها جندت عدداً من عناصر تلك الأجهزة أو اخترقتها. ومن الواضح أن أحد أهداف هذا التحرك هو ضمان صوت ونفوذ دائمين داخل تلك الأجهزة والحركة الفلسطينية ككل.
* أيدت روسيا فكرة تشكيل منظمة احتكارية للغاز (على غرار أوبك) قد تنضم إليها إيران وقطر والمملكة العربية السعودية والجزائر. وسافر الرئيس فلاديمير بوتن إلى منطقة الخليج بهدف الترويج لهذه الفكرة.
* دعت البحرية الروسية إلى إعادة بناء القوة البحرية السوفييتية المتوسطية القديمة التي كانت تعمل بصورة دائمة في شرق البحر الأبيض المتوسط. وضمن هذا السياق عادت قاعدة طرطوس السورية إلى الظهور مجدداً في الاستراتيجية الروسية المستقبلية.
* دعت روسيا واشنطن مؤخراً إلى تحديد موعد نهائي لمغادرة العراق. ومن منظور أوسع، تنسجم هذه الدعوة مع جهود روسيا لتعزيز دور الأمم المتحدة في العراق والحد من قدرة أمريكا على التصرف بشكل أحادي هناك أو الحفاظ على وجود عسكري لفترة إضافية طويلة في العراق؛ إذ يبدو حالياً أن واشنطن تميل إلى هذا النهج في العراق.
روسيا أوضحت علناً أنها تعارض بشدة أي سياسة أو خطاب سياسي يدعو إلى نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط
* أخيراً، أوضحت روسيا علناً أنها تعارض بشدة أي سياسة أو خطاب سياسي يدعو إلى نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط (لأن السياسة الأمريكية في هذا الشأن أصبحت تقتصر عملياً على الجانب الخطابي).
ومع أن كل واحدة من هذه المبادرات قد تنسجم بحد ذاتها مع الخطوط العريضة لسياسة متماسكة، إلا أنها كلها تنطوي على تناقضات جوهرية. ففي الوقت الذي تعارض فيه موسكو انتشار الأسلحة النووية نجد أنها رفضت حتى اللحظة فعل أي شيء يُذكَر لوقف إيران عند حدها أو إرغامها على الامتثال لإرادة المجتمع الدولي، وعرضت التقنية النووية على العديد من دول المنطقة. ورغم صداقة روسيا لإيران، عرضت موسكو أسلحة ومفاعلات على منافسي إيران المحتملين. ولئن ادعت روسيا تأييدها للسلام والاستقرار داخل إسرائيل وفي محيطها، فإنها تتساهل أيضاً مع تلك القوى التي قد تشعل نزاعاً مسلحاً جديداً هناك.
موسكو دعت واشنطن إلى مغادرة العراق من دون أي خطة لحقبة ما بعد الانسحاب
ورغم عدم مساهمتها في حل مسألة العراق، فإنها دعت واشنطن لمغادرة العراق من دون أي خطة لحقبة ما بعد الانسحاب. وهكذا، تبدو روسيا وكأنها تريد ممارسة النفوذ وتحقيق المكاسب في الشرق الأوسط، ولكن ما هو الغرض من وراء ذلك؟ وهل لدى روسيا أي فكرة عن الصورة التي تريدها لمنطقة الشرق الأوسط، أي هل لديها رؤية لمستقبل هذه المنطقة؟ إن الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها أن نحل التناقضات الواضحة والمسائل العالقة في السياسة الخارجية الروسية هي إدراكنا لحقيقة أن سياسة روسيا تجاه منطقة الشرق الأوسط، تخدم الأهداف الاستراتيجية للسياسة الخارجية الروسية، ولا تخدم أي رؤية لنظام إقليمي شرق أوسطي جديد؛ بل إن موسكو لا تنظر إلى سياساتها في الشرق الأوسط كأداة لبناء مثل هذا النظام الإقليمي، وإنما كوسيلة لخدمة مصالحها الاستراتيجية الحيوية. بعبارة أخرى، يبدو أن موسكو تستغل منطقة الشرق الأوسط لتنفيذ استراتيجية سياستها الخارجية وقد اتبعت في المنطقة السياسات المذكورة أعلاه لتسهيل مسعاها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
ومن الواضح أن تلك الأهداف تتمثل في تقليص النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط وتقديم روسيا باستمرار كقوة عظمى يجب أن تُستشار بشأن أحداث وتطورات هذه المنطقة، التي تعتقد روسيا ـ كما اعتقد الاتحاد السوفييتي من قبلها ـ بأنها منطقة قريبة من حدودها (حتى الجديدة منها التي ظهرت بعد عام 1991) ولها فيها مصالح حيوية. وفي ضوء هذه الأهداف التي تسعى روسيا إلى تحقيقها من خلال سياستها تجاه الشرق الأوسط، يتضح أنه ليس هناك أي سبب قوي قد يدفع موسكو إلى الاهتمام بتطوير أو تبني أي رؤية لنظام مستقبلي في الشرق الأوسط. وأهم ما يعني روسيا في الشرق الأوسط هو الاعتراف بمكانتها ونفوذها هناك وضمان دورها الدائم في كل أحداث المنطقة مع تقليص أو تقييد أو حتى تقويض التفرد الأمريكي في المنطقة؛ أي قدرة الولايات المتحدة على فرض قوتها العسكرية على المنطقة، حيث إن عدم الاستقرار القابل للمعالجة ـ والذي قد يكون في أي حال من الأحوال أقصى ما يمكن للمرء أن يصبو إليه نظراً لكثرة الأخطار المحدقة بالشرق الأوسط المعاصر ـ أمر يناسب روسيا كثيراً لأنه يخلق ظروفاً ملائمة لتعزيز حضورها ونفوذها في المنطقة ولاستخدام أسلحتها الرئيسية في سياستها الخارجية ومجالي الطاقة ومبيعات الأسلحة.
ولطالما كانت روسيا واضحة في رفضها الانجرار إلى ما تُسميه بـ (حرب الحضارات ضد الإسلام) مع أن هذه الحرب ليست بالتأكيد سياسة أمريكية. لذا، فإن نظرة روسيا إلى السياسة الأمريكية في هذه المنطقة مشوهة وأحادية الجانب إلى حد ما. وانسجاماً مع هذه النظرة تُحاج موسكو أيضاً، شأنها شأن العديد من النقاد الأمريكيين، بأن سياسة الحرية التي تتبعها إدارة الرئيس بوش في الشرق الأوسط قد أسيء فهمها وأنها خطرة أيضاً لأنها قد تُسهل وصول الأصوليين الإسلاميين إلى السلطة، لكن هذه الحجة تعكس أيضاً مناهضة موسكو الواضحة لأي فكرة تقضي بتوسيع نطاق الديمقراطية في الشرق الأوسط أو أي مكان آخر، لأنها تخشى انعكاسات مثل هذا التحول على داخل ومحيط رابطة كمنويلث الدول المستقلة وحتى على روسيا نفسها.
لذا، ومن أجل تحقيق مصلحتها في الحصول على الاعتراف بأنها طرف مهم في الشرق الأوسط ولإحباط طموحات السياسة الأمريكية هناك، تسعى روسيا جاهدة إلى بناء تحالفات تكتيكية مع الدول العربية والتعامل مع إسرائيل حتى إن كانت محصلةُ هذه العلاقات التكتيكية استراتيجيةً غير منسجمة مع الواقع الإقليمي، وأكثر ما يعني روسيا في هذه الاستراتيجية هو استمرار لعبة التعامل معها كطرف دولي مُتنفذ في المنطقة وضمان عدم إنهاء أو انتهاء هذه اللعبة عند أي نقطة بعينها. وطالما استمر هذا النوع من عدم الاستقرار القابل للمعالجة من دون نشوب حروب جديدة أو تسجيل حالات انتشار للأسلحة النووية، ستكون موسكو سعيدة باستغلال هذه المبادرات والتكتيكات ودبلوماسيتها كقوة عظمى ومناوراتها في أروقة الأمم المتحدة ومبيعات الأسلحة وموارد الطاقة وقدراتها الاقتصادية، من أجل منع الولايات المتحدة من تنظيم كتلة موالية لها في المنطقة.
من الواضح أن الدولة الرئيسية بالنسبة إلى روسيا في هذه السياسة والاستراتيجية هي إيران بسبب مساحتها الجغرافية وعدد سكانها ومواردها من الطاقة ومدى قدرتها الإقليمية على إسقاط قوتها العسكرية، فضلاً عن قدرتها على جعل الحياة صعبة في القوقاز وآسيا الوسطى إن قررت القيام بذلك. وفي الحقيقة، كان الدبلوماسيون الروس واضحين وصريحين للغاية في شرح أسباب النظر إلى إيران واتخاذها بالفعل على مدى عقد من الزمن شريك روسيا الرئيسي في منطقة الخليج، إن لم يكن في الشرق الأوسط برمته. ومع إيران تأتي سوريا التي هي شريكة إيران ودولة تستورد الأسلحة من روسيا. وفي الواقع تباع هذه الأسلحة حالياً بالدين إلى سوريا التي شطبت موسكو ديونها السابقة في سياق عودتها الواضحة إلى النموذج السوفييتي القديم لبيع الأسلحة بالدين، على الرغم من ادعاءات موسكو المتكررة بأنها لن تورط نفسها في مثل هذه الممارسات التي لا تستطيع أن تتحمل أعباءها. وفي ظل الحديث عن صفقات مماثلة مع الجزائر، يبدو المثال السوري مجرد سابقة قابلة للتكرار.
وهكذا، يمكن القول إن روسيا تسعى جاهدةً إلى بناء شراكات تكتيكية، بل واستراتيجية في حالة إيران – سوريا، من أجل إضعاف النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط وإرغام واشنطن على المرور عبر مجلس الأمن الدولي (وبالتالي عبر موسكو) قبل القيام بأي عمل في المنطقة. وتتراوح هذه الشراكات من محاولات ضمان التشاور مع روسيا والإصغاء إلى صوتها قبل إطلاق أي تحرك ذي مغزى على صعيد القضايا الفلسطينية ـ الإسرائيلية أو الإسرائيلية ـ السورية ـ اللبنانية وملف إيران النووي وفي ما يتعلق بأي جهد يُبذل لإدارة أسعار الغاز. وبخصوص النقطة الأخيرة، ربما لن يكون من الضروري أو المجدي تأسيس منظمة رسمية للغاز على غرار منظمة أوبك. وبدلاً من ذلك، قد يكفي روسيا استحداث هيكلية لإدارة أسعار الغاز الطبيعي تهيمن عليها من أجل الاحتفاظ بسيطرتها على غاز آسيا الوسطى والتأسيس لتأثير دائم في برامج الغاز بدول الخليج. وتسعى روسيا أيضاً للحصول على تعاملات وأسواق اقتصادية دائمة في دول الخليج والشرق الأوسط الموسع في مجالات مثل بيع الأسلحة وتقنيات الطاقة النووية من أجل موازنة قوة صديقتها إيران وإرغامها على الاعتماد دائماً على موسكو لضمان أمنها.
ومما لا شك فيه أن أياً من هذه المناورات التكتيكية لا تعكس أي رؤية مستقبلية لمنطقة الشرق الأوسط عدا ضمان عدم خروجها على السيطرة ومنع انزلاقها في حرب جديدة. لكن بكل صراحة، أصبح من الواضح اليوم أن مصالح روسيا تتعارض مع أي تحرك بقيادة غربية نحو حل أي نزاع في الشرق الأوسط أو إحداث أي تحول داخلي للدول العربية نحو الديمقراطية. وكذلك الأمر، تبدو روسيا معنيةً بإعادة إحياء جبهة رفض مماثلة لتلك التي كانت قائمةً في الشرق الأوسط من أواخر السبعينات إلى أواخر الثمانينات، وذلك عبر بناء كتلة مناهضة لواشنطن وسياساتها في الشرق الأوسط تضم إيران والعراق وسوريا وترعاها روسيا نفسها، فلقد نشأت هذه الفكرة في عهد بريجنيف. غير أن دعم روسيا لإيران وسوريا ومحاولتها الاضطلاع بدور مناهض لأمريكا في العراق يؤشران إلى أن هذه الفكرة لا تزال تغري موسكو، لكن على الرغم مما نشهده من تحرك كبير ونشاط متواصل من جانب موسكو لتعزيز موقعها في المنطقة عبر إطلاق العديد من المبادرات، إلا أن أياً من هذه المبادرات لا تتطلع إلى بناء شرق أوسط جديد، ولا تدعم أي تطور نحو تحقيق مثل هذه النتيجة.
فبالنسبة إلى موسكو، لا يكمن جوهر أهمية منطقة الشرق الأوسط في المساهمة الإيجابية التي يُمكنها تقديمها للعالم أو للشعب الروسي نفسه في آخر المطاف، وإنما يكمن في كيفية استخدام المنطقة لتقويض قدرة أمريكا على ممارسة قوتها العسكرية هناك. ولا يخفى على أحد أن مثل هذا التوجه لا يُمثل أي مقاربة لحفظ الاستقرار المستقبلي في المنطقة. لذا، فإن أولئك الذين يأملون في أن تكون موسكو بديلاً أفضل من واشنطن سيخيب أملهم ثانيةً، إن لم يغضبوا بالفعل من لجوء روسيا المستمر إلى الرؤى والممارسات التقليدية للقوى العظمى التي طالما سعت إلى استخدام الشرق الأوسط وشعوبه لتحقيق مآربها الخاصة ومصالحها الاستراتيجية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1876::/cck::
::introtext::
بالنظر إلى طبيعة السياسة الروسية في منطقة الشرق الأوسط، ما هي القوى التي تدفع هذه السياسة وإلى أي غاية؟ حيث من السهل تحديد وحصر مؤشرات طفرة النشاط الروسي الحديث في هذه المنطقة من خلال المبادرات الروسية الأخيرة .
::/introtext::
::fulltext::
بالنظر إلى طبيعة السياسة الروسية في منطقة الشرق الأوسط، ما هي القوى التي تدفع هذه السياسة وإلى أي غاية؟ حيث من السهل تحديد وحصر مؤشرات طفرة النشاط الروسي الحديث في هذه المنطقة من خلال المبادرات الروسية الأخيرة التالية:
* لقد باعت روسيا أسلحة تقليدية إلى سوريا وإيران وعرضت بيع مثل هذه الأسلحة على دول أخرى بما فيها الأردن، ومن شبه المؤكد أن أسلحة روسية الصنع وقعت أيضاً في أيدي حزب الله.
* لا تزال روسيا تدافع عن إيران ضد الاتحاد الأوروبي وواشنطن، وتعارض فرض عقوبات قاسية عليها بسبب ما يُفترض على نطاق واسع أنه بناء قنبلة نووية. وعلى الرغم من أن موسكو تؤخر إنجاز مفاعل بوشهر وتعارض رسمياً تحول إيران إلى قوة نووية، إلا أنها لا تزال تدافع عن طهران علناً وسياسياً مع أن نخباً روسية عديدة تشك في أن إيران تسعى إلى تطوير سلاح نووي.
* لكن في الوقت نفسه، عرضت موسكو أيضاً على عدد من الدول العربية، بما فيها تلك الدول الخليجية المجاورة لإيران، مفاعلات نووية كوسيلة للحصول على الطاقة النووية؛ وهو مطلب عربي يُعزى سببه الرئيسي إلى مخاوف دول الجوار الإيراني من نوايا إيران.
موسكو تسهم عن سابق علم في عدم استقرار المثلث (السوري ـ اللبناني ـ الإسرائيلي)
* دعمت روسيا سوريا بثبات ضد جهود الأمم المتحدة للتحقيق مع دمشق بشأن دورها المزعوم في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري .
* تدعو روسيا أيضاً إلى الوحدة الوطنية الفلسطينية، ولكنها تواصل تعاملها المنفتح مع حركة حماس حتى عندما تدعو إلى عقد مفاوضات بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الوطنية الفلسطينية، التي يرأسها منافس حركة حماس محمود عباس . وحديثاً، تقدمت روسيا باقتراح (سوفييتي قديم) يقضي بعقد مؤتمر دولي كبير لمعالجة كل قضايا هذه المنطقة. في الوقت ذاته، تُزود موسكو سوريا بالأسلحة التي تُمكنها من مواجهة إسرائيل وهي تعلم كذلك أن بعض هذه الأسلحة يذهب إلى حزب الله. وهكذا، تسهم موسكو عن سابق علم في عدم استقرار المثلث السوري ـ اللبناني ـ الإسرائيلي الذي يفيد إيران أيضاً بالنظر إلى تحالفها الوثيق مع سوريا.
* عززت روسيا اتصالاتها مؤخراً مع أجهزة الأمن الفلسطينية، ويُفترض أنها جندت عدداً من عناصر تلك الأجهزة أو اخترقتها. ومن الواضح أن أحد أهداف هذا التحرك هو ضمان صوت ونفوذ دائمين داخل تلك الأجهزة والحركة الفلسطينية ككل.
* أيدت روسيا فكرة تشكيل منظمة احتكارية للغاز (على غرار أوبك) قد تنضم إليها إيران وقطر والمملكة العربية السعودية والجزائر. وسافر الرئيس فلاديمير بوتن إلى منطقة الخليج بهدف الترويج لهذه الفكرة.
* دعت البحرية الروسية إلى إعادة بناء القوة البحرية السوفييتية المتوسطية القديمة التي كانت تعمل بصورة دائمة في شرق البحر الأبيض المتوسط. وضمن هذا السياق عادت قاعدة طرطوس السورية إلى الظهور مجدداً في الاستراتيجية الروسية المستقبلية.
* دعت روسيا واشنطن مؤخراً إلى تحديد موعد نهائي لمغادرة العراق. ومن منظور أوسع، تنسجم هذه الدعوة مع جهود روسيا لتعزيز دور الأمم المتحدة في العراق والحد من قدرة أمريكا على التصرف بشكل أحادي هناك أو الحفاظ على وجود عسكري لفترة إضافية طويلة في العراق؛ إذ يبدو حالياً أن واشنطن تميل إلى هذا النهج في العراق.
روسيا أوضحت علناً أنها تعارض بشدة أي سياسة أو خطاب سياسي يدعو إلى نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط
* أخيراً، أوضحت روسيا علناً أنها تعارض بشدة أي سياسة أو خطاب سياسي يدعو إلى نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط (لأن السياسة الأمريكية في هذا الشأن أصبحت تقتصر عملياً على الجانب الخطابي).
ومع أن كل واحدة من هذه المبادرات قد تنسجم بحد ذاتها مع الخطوط العريضة لسياسة متماسكة، إلا أنها كلها تنطوي على تناقضات جوهرية. ففي الوقت الذي تعارض فيه موسكو انتشار الأسلحة النووية نجد أنها رفضت حتى اللحظة فعل أي شيء يُذكَر لوقف إيران عند حدها أو إرغامها على الامتثال لإرادة المجتمع الدولي، وعرضت التقنية النووية على العديد من دول المنطقة. ورغم صداقة روسيا لإيران، عرضت موسكو أسلحة ومفاعلات على منافسي إيران المحتملين. ولئن ادعت روسيا تأييدها للسلام والاستقرار داخل إسرائيل وفي محيطها، فإنها تتساهل أيضاً مع تلك القوى التي قد تشعل نزاعاً مسلحاً جديداً هناك.
موسكو دعت واشنطن إلى مغادرة العراق من دون أي خطة لحقبة ما بعد الانسحاب
ورغم عدم مساهمتها في حل مسألة العراق، فإنها دعت واشنطن لمغادرة العراق من دون أي خطة لحقبة ما بعد الانسحاب. وهكذا، تبدو روسيا وكأنها تريد ممارسة النفوذ وتحقيق المكاسب في الشرق الأوسط، ولكن ما هو الغرض من وراء ذلك؟ وهل لدى روسيا أي فكرة عن الصورة التي تريدها لمنطقة الشرق الأوسط، أي هل لديها رؤية لمستقبل هذه المنطقة؟ إن الطريقة الوحيدة التي يمكننا من خلالها أن نحل التناقضات الواضحة والمسائل العالقة في السياسة الخارجية الروسية هي إدراكنا لحقيقة أن سياسة روسيا تجاه منطقة الشرق الأوسط، تخدم الأهداف الاستراتيجية للسياسة الخارجية الروسية، ولا تخدم أي رؤية لنظام إقليمي شرق أوسطي جديد؛ بل إن موسكو لا تنظر إلى سياساتها في الشرق الأوسط كأداة لبناء مثل هذا النظام الإقليمي، وإنما كوسيلة لخدمة مصالحها الاستراتيجية الحيوية. بعبارة أخرى، يبدو أن موسكو تستغل منطقة الشرق الأوسط لتنفيذ استراتيجية سياستها الخارجية وقد اتبعت في المنطقة السياسات المذكورة أعلاه لتسهيل مسعاها لتحقيق أهدافها الاستراتيجية.
ومن الواضح أن تلك الأهداف تتمثل في تقليص النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط وتقديم روسيا باستمرار كقوة عظمى يجب أن تُستشار بشأن أحداث وتطورات هذه المنطقة، التي تعتقد روسيا ـ كما اعتقد الاتحاد السوفييتي من قبلها ـ بأنها منطقة قريبة من حدودها (حتى الجديدة منها التي ظهرت بعد عام 1991) ولها فيها مصالح حيوية. وفي ضوء هذه الأهداف التي تسعى روسيا إلى تحقيقها من خلال سياستها تجاه الشرق الأوسط، يتضح أنه ليس هناك أي سبب قوي قد يدفع موسكو إلى الاهتمام بتطوير أو تبني أي رؤية لنظام مستقبلي في الشرق الأوسط. وأهم ما يعني روسيا في الشرق الأوسط هو الاعتراف بمكانتها ونفوذها هناك وضمان دورها الدائم في كل أحداث المنطقة مع تقليص أو تقييد أو حتى تقويض التفرد الأمريكي في المنطقة؛ أي قدرة الولايات المتحدة على فرض قوتها العسكرية على المنطقة، حيث إن عدم الاستقرار القابل للمعالجة ـ والذي قد يكون في أي حال من الأحوال أقصى ما يمكن للمرء أن يصبو إليه نظراً لكثرة الأخطار المحدقة بالشرق الأوسط المعاصر ـ أمر يناسب روسيا كثيراً لأنه يخلق ظروفاً ملائمة لتعزيز حضورها ونفوذها في المنطقة ولاستخدام أسلحتها الرئيسية في سياستها الخارجية ومجالي الطاقة ومبيعات الأسلحة.
ولطالما كانت روسيا واضحة في رفضها الانجرار إلى ما تُسميه بـ (حرب الحضارات ضد الإسلام) مع أن هذه الحرب ليست بالتأكيد سياسة أمريكية. لذا، فإن نظرة روسيا إلى السياسة الأمريكية في هذه المنطقة مشوهة وأحادية الجانب إلى حد ما. وانسجاماً مع هذه النظرة تُحاج موسكو أيضاً، شأنها شأن العديد من النقاد الأمريكيين، بأن سياسة الحرية التي تتبعها إدارة الرئيس بوش في الشرق الأوسط قد أسيء فهمها وأنها خطرة أيضاً لأنها قد تُسهل وصول الأصوليين الإسلاميين إلى السلطة، لكن هذه الحجة تعكس أيضاً مناهضة موسكو الواضحة لأي فكرة تقضي بتوسيع نطاق الديمقراطية في الشرق الأوسط أو أي مكان آخر، لأنها تخشى انعكاسات مثل هذا التحول على داخل ومحيط رابطة كمنويلث الدول المستقلة وحتى على روسيا نفسها.
لذا، ومن أجل تحقيق مصلحتها في الحصول على الاعتراف بأنها طرف مهم في الشرق الأوسط ولإحباط طموحات السياسة الأمريكية هناك، تسعى روسيا جاهدة إلى بناء تحالفات تكتيكية مع الدول العربية والتعامل مع إسرائيل حتى إن كانت محصلةُ هذه العلاقات التكتيكية استراتيجيةً غير منسجمة مع الواقع الإقليمي، وأكثر ما يعني روسيا في هذه الاستراتيجية هو استمرار لعبة التعامل معها كطرف دولي مُتنفذ في المنطقة وضمان عدم إنهاء أو انتهاء هذه اللعبة عند أي نقطة بعينها. وطالما استمر هذا النوع من عدم الاستقرار القابل للمعالجة من دون نشوب حروب جديدة أو تسجيل حالات انتشار للأسلحة النووية، ستكون موسكو سعيدة باستغلال هذه المبادرات والتكتيكات ودبلوماسيتها كقوة عظمى ومناوراتها في أروقة الأمم المتحدة ومبيعات الأسلحة وموارد الطاقة وقدراتها الاقتصادية، من أجل منع الولايات المتحدة من تنظيم كتلة موالية لها في المنطقة.
من الواضح أن الدولة الرئيسية بالنسبة إلى روسيا في هذه السياسة والاستراتيجية هي إيران بسبب مساحتها الجغرافية وعدد سكانها ومواردها من الطاقة ومدى قدرتها الإقليمية على إسقاط قوتها العسكرية، فضلاً عن قدرتها على جعل الحياة صعبة في القوقاز وآسيا الوسطى إن قررت القيام بذلك. وفي الحقيقة، كان الدبلوماسيون الروس واضحين وصريحين للغاية في شرح أسباب النظر إلى إيران واتخاذها بالفعل على مدى عقد من الزمن شريك روسيا الرئيسي في منطقة الخليج، إن لم يكن في الشرق الأوسط برمته. ومع إيران تأتي سوريا التي هي شريكة إيران ودولة تستورد الأسلحة من روسيا. وفي الواقع تباع هذه الأسلحة حالياً بالدين إلى سوريا التي شطبت موسكو ديونها السابقة في سياق عودتها الواضحة إلى النموذج السوفييتي القديم لبيع الأسلحة بالدين، على الرغم من ادعاءات موسكو المتكررة بأنها لن تورط نفسها في مثل هذه الممارسات التي لا تستطيع أن تتحمل أعباءها. وفي ظل الحديث عن صفقات مماثلة مع الجزائر، يبدو المثال السوري مجرد سابقة قابلة للتكرار.
وهكذا، يمكن القول إن روسيا تسعى جاهدةً إلى بناء شراكات تكتيكية، بل واستراتيجية في حالة إيران – سوريا، من أجل إضعاف النفوذ الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط وإرغام واشنطن على المرور عبر مجلس الأمن الدولي (وبالتالي عبر موسكو) قبل القيام بأي عمل في المنطقة. وتتراوح هذه الشراكات من محاولات ضمان التشاور مع روسيا والإصغاء إلى صوتها قبل إطلاق أي تحرك ذي مغزى على صعيد القضايا الفلسطينية ـ الإسرائيلية أو الإسرائيلية ـ السورية ـ اللبنانية وملف إيران النووي وفي ما يتعلق بأي جهد يُبذل لإدارة أسعار الغاز. وبخصوص النقطة الأخيرة، ربما لن يكون من الضروري أو المجدي تأسيس منظمة رسمية للغاز على غرار منظمة أوبك. وبدلاً من ذلك، قد يكفي روسيا استحداث هيكلية لإدارة أسعار الغاز الطبيعي تهيمن عليها من أجل الاحتفاظ بسيطرتها على غاز آسيا الوسطى والتأسيس لتأثير دائم في برامج الغاز بدول الخليج. وتسعى روسيا أيضاً للحصول على تعاملات وأسواق اقتصادية دائمة في دول الخليج والشرق الأوسط الموسع في مجالات مثل بيع الأسلحة وتقنيات الطاقة النووية من أجل موازنة قوة صديقتها إيران وإرغامها على الاعتماد دائماً على موسكو لضمان أمنها.
ومما لا شك فيه أن أياً من هذه المناورات التكتيكية لا تعكس أي رؤية مستقبلية لمنطقة الشرق الأوسط عدا ضمان عدم خروجها على السيطرة ومنع انزلاقها في حرب جديدة. لكن بكل صراحة، أصبح من الواضح اليوم أن مصالح روسيا تتعارض مع أي تحرك بقيادة غربية نحو حل أي نزاع في الشرق الأوسط أو إحداث أي تحول داخلي للدول العربية نحو الديمقراطية. وكذلك الأمر، تبدو روسيا معنيةً بإعادة إحياء جبهة رفض مماثلة لتلك التي كانت قائمةً في الشرق الأوسط من أواخر السبعينات إلى أواخر الثمانينات، وذلك عبر بناء كتلة مناهضة لواشنطن وسياساتها في الشرق الأوسط تضم إيران والعراق وسوريا وترعاها روسيا نفسها، فلقد نشأت هذه الفكرة في عهد بريجنيف. غير أن دعم روسيا لإيران وسوريا ومحاولتها الاضطلاع بدور مناهض لأمريكا في العراق يؤشران إلى أن هذه الفكرة لا تزال تغري موسكو، لكن على الرغم مما نشهده من تحرك كبير ونشاط متواصل من جانب موسكو لتعزيز موقعها في المنطقة عبر إطلاق العديد من المبادرات، إلا أن أياً من هذه المبادرات لا تتطلع إلى بناء شرق أوسط جديد، ولا تدعم أي تطور نحو تحقيق مثل هذه النتيجة.
فبالنسبة إلى موسكو، لا يكمن جوهر أهمية منطقة الشرق الأوسط في المساهمة الإيجابية التي يُمكنها تقديمها للعالم أو للشعب الروسي نفسه في آخر المطاف، وإنما يكمن في كيفية استخدام المنطقة لتقويض قدرة أمريكا على ممارسة قوتها العسكرية هناك. ولا يخفى على أحد أن مثل هذا التوجه لا يُمثل أي مقاربة لحفظ الاستقرار المستقبلي في المنطقة. لذا، فإن أولئك الذين يأملون في أن تكون موسكو بديلاً أفضل من واشنطن سيخيب أملهم ثانيةً، إن لم يغضبوا بالفعل من لجوء روسيا المستمر إلى الرؤى والممارسات التقليدية للقوى العظمى التي طالما سعت إلى استخدام الشرق الأوسط وشعوبه لتحقيق مآربها الخاصة ومصالحها الاستراتيجية.
::/fulltext::
::cck::1876::/cck::
