حدود وإمكانات روسيا في محاولتها استعادة دورها ومكانتها الدولية
::cck::1872::/cck::
::introtext::
سننطلق في مقالنا هذا من عدة أحداث مهمة طبعت مؤخراً مجمل المشهد والحراك السياسي في المنطقة والعالم، ونحن هنا طبعاً لا نقلل من أهمية المشهد السياسي الداخلي/الخارجي اللبناني الذي له حضور دائم كحدث سياسي مؤثر في مجمل السياسات المرسومة للمنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
سننطلق في مقالنا هذا من عدة أحداث مهمة طبعت مؤخراً مجمل المشهد والحراك السياسي في المنطقة والعالم، ونحن هنا طبعاً لا نقلل من أهمية المشهد السياسي الداخلي/الخارجي اللبناني الذي له حضور دائم كحدث سياسي مؤثر في مجمل السياسات المرسومة للمنطقة، والأحداث هي:
1-الرفض الحازم لروسيا تمرير مشروع قرار استقلال كوسوفو في مجلس الأمن، وتهديدها الدائم باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد أي مشروع أوروبي لاستقلال إقليم كوسوفو، وقيام دولة مستقلة إلى جانب حليفتها المهزومة شر هزيمة (صربيا) التي لم تنس بعد أيام الذل والهوان في التسعينات من القرن الماضي عندما قادت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون حرباً ضروساً ضدها رداً على المجازر وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت بحق مسلمي كوسوفو كما قيل وقتها.
2-مضي روسيا قدماً في عقد اتفاقيات وإجراءات جديدة مع مختلف الدول تعزز من موقفها التفاوضي مع أوروبا وتغير قواعد اللعبة، فقد وقعت الحكومة الروسية في 13 مايو الماضي اتفاقاً مع كل من تركمانستان وكازاخستان بشأن تمرير أنبوب لنقل الغاز، وسيزيد هذا الاتفاق من حاجة الاتحاد الأوروبي لروسيا لضمان توريد الغاز إليه، حيث إن الأنبوب الجديد سيمر عبر روسيا إلى الدول الأوروبية بعكس ما كانت الدول الغربية تسعى إليه من تجنب الأراضي الروسية عند بناء هذا الأنبوب.
3-الرد السلبي للرئيس الروسي فلاديمير بوتن على محاولة الولايات المتحدة الأمريكية احتواء تصاعد الخلاف بينها وبين روسيا حول ما بات يعرف بـ (أزمة الدرع الصاروخية الأمريكية) المزمع نشرها حول روسيا من جهة الشرق والغرب، وتهديد الرئيس الروسي جدياً بالانسحاب من معاهدة ستارت2 (اتفاقية الحد من انتشار الصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى التي تم توقيعها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق في عام 1987م).
وقد جاء ذلك خلال وعقب زيارة كل من كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية و روبرت غيتس وزير الدفاع الأمريكي إلى روسيا ولقائهما السريع مع الرئيس الروسي بوتين الذي بدا في الاجتماع حازماً وحاسماً لجهة تبليغهما قراره برفض أي تعاون مع الولايات المتحدة في قضية الدرع الصاروخية. وقد استتبع الحسم الروسي حسماً أمريكياً فورياً عبر اجتماع رايس مع ممثلي حقوق الإنسان في روسيا ودعوتها روسيا لإقامة ديمقراطية حقيقية.
4- الاستعراضات العسكرية الروسية المتعددة، وإجراء وزارة الدفاع الروسية في 30 مايو 2007 تجربةً ناجحة عشية انعقاد مؤتمر الدول الثماني (G8) لإطلاق صاروخين عابرين للقارات ربما بهدف التذكير بأهمية المفاوضات حول سياسة التسلح، وإن كان الخبير الألماني غوتس نوينيك رئيس قسم أبحاث التسلح في معهد أبحاث السلام والسياسات الأمنية في جامعة هامبورغ، يؤكد أن ذلك (لا يعني أن العالم يتوجه نحو مرحلة جديدة من التسلح)، والأحاديث الدولية المتواصلة حول التعاون العسكري والاستراتيجي بين كل من روسيا من جهة، وإيران وروسيا من جهة ثانية لجهة شراء أحدث الأسلحة والتقنيات الحربية المتطورة، وسعي روسيا إلى إقامة موقع بحري متقدم لأسطولها البحري على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
5- ما انتهت إليه زيارة الرئيس بوتين إلى إيران في 15/10/2007 على هامش مشاركته في اجتماع رئاسي للدول المطلة على بحر قزوين.
استطاع بوتين فعلياً قراءة الأحداث الدولية بعين ثاقبة وعقل مدرك لحقائق الأحداث والمتغيرات الدولية
ويبدو أن الجانب الأساسي الذي ظهر من خلال تلك الزيارة – والذي أجمعت عليه آراء وتحليلات معظم الإعلاميين والمراقبين من مختلف التيارات والمشارب الفكرية- هو أنها محاولة حثيثة من جانب روسيا البوتينية الجديدة لإعادة العمل ببعض السياسات التي كانت مطبقة زمن الاتحاد السوفييتي السابق على مستوى الدور والتأثير والضغط والتهديد بهدف المحافظة على موقع هنا أو هناك في منطقة الثروات الهائلة والأزمات المتصاعدة ذات التراكيب الهلامية شديدة التعقيد، واستعادة علاقة (قديمة-جديدة) مع بلدان عربية وإسلامية مهمة وذات حجم بشري وطبيعي كبير وذات موقع جغرافي حيوي ومهم من دون مواربة وعلى المكشوف كما يقولون.

ويبدو أن هذه الزيارة ستثمر عن نتائج ميدانية كبيرة في ما يتصل بطبيعة زيادة الحجم الكمي والنوعي للتأثير الروسي فيقضايا المنطقة الاستراتيجية (ومنها أزمة العراق-حرب الأطلسي في أفغانستان-ودور إيران على الصعيد الدولي إضافة للملف النووي الإيراني المأزوم غربياً)، لا سيما أن روسيا تقيم علاقات قوية ومتعددة المجالات مع أغلب دول المنطقة وخاصة مع إيران وسوريا.
وسبق للرئيس الروسي –فيما بدا تهيئةً لذلك الدور- أن قام بجولة على كل من المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة والأردن رافقه فيها وفد كبير متعدد الاختصاصات والمهام، بحث فيها مع زعماء هذه الدول في مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والعسكرية المتصلة بالعلاقات الثنائية بين روسيا وكل منها، إضافة إلى بحث الأوضاع والعلاقات الإقليمية والدولية التي تهم الأطراف المعنية.
ويبدو كما تقول بعض الرؤى أن الهدف الأساسي من كل تلك الزيارات، والتهديدات المترافقة مع محاولة الدب الروسي نفض غبار الغفلة والنوم عنه، يكمن في تعزيز فرص نشوء شبه تحالف إقليمي ناهض للرد على السياسات الأمريكية المرسومة للمنطقة والتي أدت إلى ما أدت إليه من دمار وحروب وقتل بعد فشل تدخلاتها العسكرية والاقتصادية هنا وهناك، ورفض شعوب المنطقة الإصلاح والديمقراطية الأمريكية القادمة إليها بقوة الحديد والنار والضغوط.
وقد يقول البعض إن الحديث عن ذلك لا يزال مبكراً، وهو لون من التحليلات الرغبوية –إذا صح التعبير- التي تخلط بين المنطق العملي والعاطفة والرغبة الملحة والجامحة في النفس في حدوث مثل هذا الحدث. وصحيح أيضاً أن العالم أصبحت له نظم واستراتيجيات دولية فيما يتصل بالاعتماد المتبادل والتداخل الاقتصادي والمعلوماتي، وأصبح التنافس العالمي يتخذ أشكالاً ومضامين مختلفة عن المرحلة السابقة.
ولكن روسيا اليوم تعيش في موقع قريب جداً من قوس الأزمات الدولية، وبعضها مستعر الأوار في جوارها المباشر، كما أن لها مشكلاتها السياسية والاقتصادية مع أكثر من بلد، وهي لم تستعد بعد عافيتها الاقتصادية على الرغم من اعتمادها الكلي على تصدير الغاز والنفط والسلاح، كما أنها خسرت الكثير اقتصادياً واستراتيجياً وعسكرياً بعد مفارقة دول الاتحاد السوفييتي السابق لها طوعاً أو كرهاً.
كل هذا صحيح، ولكن يظهر أن نذر الحرب الباردة تستعر جنينياً من جديد، وها قد بدأت الأحاديث تتزايد في العالم الغربي –قبل الشرقي- حول احتمالات (عودة الحرب الباردة)، حتى إن سؤال (الحرب الباردة) إياه بات يشكل اليوم في معظم التحليلات السياسية الصادرة عن جهات غربية عنواناً عريضاً عن الحنين الروسي لأيام الحرب الباردة، ويحتل مكانةً مهمة في واجهة الاهتمام الإعلامي الدولي منذ أن انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعنف الولايات المتحدة الأمريكية لأنها تعتزم بناء درع صاروخية في التشيك وبولندا، واعتبر هذا المشروع تهديداً للأمن الروسي الداخلي.
زيارة بوتين الأخيرة لإيران تندرج في إطار المحاولات لإعادة العمل ببعض السياسات السوفييتية السابقة
انطلاقاً من ذلك ثمة شيء ما يلوح في الأفق الروسي والدولي يخص هذه الرغبة الروسية الجنينية المتعاظمة حول الدور والمكانة والقيادة والمنافسة الندية، والحنين إلى مرحلة الدولة العظمى، واستدراك الجرح النازف والهزيمة النكراء التي سبق أن لحقت بالاتحاد السوفييتي السابق، يقول الرئيس الروسي بوتين(إن انهيار الاتحاد السوفييتي كان أكبر كارثة في تاريخ روسيا).
ويبدو أن جمهورية روسيا (القيصرية! حيث يستعد القيصر الصغير بوتين للخروج من الكرملين والعودة السريعة إليه من جديد عبر آليات دستورية جديدة يحضر لها من الآن) لا تزال تعيش هاجس (الانتقالية التأسيسية) إذا صح التعبير، أي مرحلة انتقال بين الماضي والمستقبل، ولم تتحدد بعد طبيعة مساراتها المستقبلية في ما يخص دورها الإقليمي والدولي على الرغم من كل ما قيل أو يمكن يقال في شأن رفعها الصوت عالياً حول أكثر من ملف دولي، وطبيعة امتدادات أذرعها الاقتصادية والعسكرية هنا وهناك، وعلاقاتها المتشابكة مع أطراف عديدة متناقضة في السياسات والأفكار.
ولنقرأ الصورة بوضوح تدليلاً على ما قلناه.. الصورة تقول:
أ- روسيا التي قامت بسحق الشيشان ومنع استقلالها، وحذفت هذا الإقليم من الخريطة الدولية والذهنية الإسلامية.. هي نفسها التي تم الترحيب بقدومها الميمون لتصبح عضواً في المؤتمر الإسلامي!
ب- روسيا التي ساعدت أمريكا والغرب على احتلال أفغانستان والانتقام من نظام وحكم طالبان، وتغاضت بشكل أو آخر عن احتلال العراق، وإعدام صديقها صدام حسين، هي نفسها التي تحمي المارد الأصولي النووي القادم بقوة لنادي الكبار وهو إيران.
ج- روسيا التي سبق لها أن وضعت حركة (الإخوان المسلمين) والمنظمات الدائرة في فلكها على قائمة الإرهاب الدولية وطالبت بملاحقتهم دولياً، هي نفسها التي دعت واستقبلت على أرضها بترحاب زعماء حركة حماس الإسلامية، وتعاملت معهم كقادة سياسيين وكلاعبين مهمين في المنطقة المتصلة معها بمصالح وسياسات متعددة.
د- روسيا التي يشعر قادتها العسكريون وبعض السياسيين بالحنين واللوعة لإعادة صور أمجاد الاتحاد السوفييتي الكبير في طبيعة الدور والمكانة واللعبة الدولية على مسارح الحرب الباردة، هي نفسها التي تحكمها حالياً تطلعات و(مطامع امبريالية).
هـ- روسيا التي يدعي قادتها التعددية السياسية والحرية الإعلامية والديمقراطية كآلية للحكم السياسي لا يزال على رأس الحكم فيها رئيس يخاف من مقال ناقد قد يكتبه عنه صحفي مغمور هنا أوهناك.
صراع المصالح لاستعادة الدور المفقود
لا شك في أن تفعيلاً كبيراً وتسارعاً ملحوظاً حصلا على مجمل أداء السياسة الخارجية الروسية في الفترة الماضية في سياق ممارسة روسيا أدواراً متعددة على الساحة الإقليمية والدولية بدءاً من ملف المحكمة الدولية المزمع إنشاؤها لمحاكمة قتلة رفيق الحريري، إلى مقاربتها لملف إيران النووي بشكل مختلف عن مقاربة الدول والقوى الغربية له، إلى رفضها الاحتكام لمنطق القطب الواحد، وو… إلخ.
ولكن في مجمل الأحوال لا نستطيع فهم هذا الدور شبه الاستقلالي لطريقة مقاربة روسيا لأزمات المنطقة والعالم من زاوية أنّ حرباً باردة ستقع فوراً، وستمهد الطريق لحرب عسكرية بين العملاقين روسيا وأمريكا، فهذه الاستقلالية الروسية وهذا الدور الروسي الدولي المتنامي والمتعملق رويداً رويداً غير مطلقين في كل الأحوال، بل هما محددان بضوابط محلية ودولية، وينبغي ألا نتوقع منهما الوصول إلى ما كان عليه الحال أيام الاتحاد السوفييتي السابق، ليس فقط لاختلاف المقومات والإمكانات الروسية الحالية –كما ذكرنا أعلاه- عن تلك التي كانت متاحة ومتوافرة للاتحاد السوفييتي من ذي قبل، بل هناك اختلاف في أصل النظرة وأساس التقييم والحكم بين كلا الحالين. أي هناك رؤى وأفكار واستراتيجيات عمل تختلف فيها القيادات الروسية الحالية عن قيادات أيام زمان إقليمياً ودولياً، حتى لو بقي الدور الاستراتيجي للولايات المتحدة تجاه روسيا كما هو، لأن منطق سير الأمور أيام روسيا الشيوعية كان قائماً على اعتبارات وقناعات أيديولوجية استئصالية شبه تدميرية، بعيدة كل البعد عن منطق التنافس والسجال والتعاون الدولي التي تتحكم في سير مختلف الأمور والمواقع في أيامنا الراهنة.
ووضع الرئيس الروسي بوتين على رأس اهتماماته في الوقت الحاضر استمرار تفعيل التأسيس الاقتصادي لبلده، والحفاظ على استقرارها السياسي وكذلك الاقتصادي بعد حدوث الانتقال من الشيوعية إلى الرأسمالية منذ سبع عشرة سنة. وهو لا يزال يتحرك في اتجاه زيادة توظيف سياسة بلاده الخارجية مع هذا الهدف، وتكييفها لخدمة الإصلاح الاقتصادي.
وهذا ما جعل من السياسات الروسية المتخذة خارجياً غير مفهومة لدى الكثيرين في بعض الأحيان، حيث إن اعتبارات المصلحة والمنفعة الخاصة طغت على أولويات تلك السياسات الروسية. وكلما تعاظمت هذه المصالح (العسكرية منها في بيع السلاح، أو الاقتصادية منها في بناء محطات نووية وغيرها، أو السياسية منها في الوقوف السلبي ضد بعض سياسات أمريكا الخاصة بالمنطقة والعالم) ازدادت فاعلية واستقلالية الدور الروسي، وارتفعت أسهم محاولات المناورة والتأثير في الملفات المتشابكة.
وباعتقادي مهما قيل عن طبيعة الدور الروسي المتزايد أخيراً، فإن المواقف السياسية والتحركات الاقتصادية والعسكرية التي تقوم بها وترسمها وتمارسها روسيا البوتينية (نسبة لرئيسها بوتين) لا تخرج عن سياق المواجهات السياسية والدبلوماسية مهما بلغت حدتها وعلت فيها مواقف السياسيين من كل الأطراف، ولن تصل حدة الخلاف بين المتخاصمين سياسياً إلى حد المواجهة العسكرية المستبعدة بالكامل من قبل الجميع.
لقد استطاع بوتين فعلياً قراءة الأحداث الدولية بعين ثاقبة وعقل مدرك لحقائق الأحداث والمتغيرات الدولية، منطلقاً من دراسة وتقييم موضوعي لوضع وإمكانات وحدود دور بلاده إقليمياً ودولياً، رغم تباين كثير من سياساته إلى درجة التناقض أحياناً.
وجاء هذه الاستقرار السياسي والاقتصادي الروسي في عهد بوتين بعد تخبط كبير ومكلف عاشته ودفعت ثمنه روسيا إبان حكم بوريس يلتسين. وها هي روسيا اليوم تتجاوز الماضي بخطى متزنة ومتسارعة، وتحظى بموقع متقدم على المستوى الدولي، وهي من دون شك قوة كبرى يحسب لها أكثر من حساب سياسي واقتصادي وعسكري على الساحة الدولية، والفضل في ذلك يعود –كما سلف القول- إلى وجود قيادة ذات بعد رؤيوي عجنتها التجارب، وصقلتها الخبرات الدولية المتتالية، مما مكنها من إيصال بلدها إلى حالة متقدمة من النمو القومي، وتحقيق درجات متزايدة ومتراكمة باطراد من الاستقلاليةفي سياستها الخارجية في البعدين الإقليمي والدولي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1872::/cck::
::introtext::
سننطلق في مقالنا هذا من عدة أحداث مهمة طبعت مؤخراً مجمل المشهد والحراك السياسي في المنطقة والعالم، ونحن هنا طبعاً لا نقلل من أهمية المشهد السياسي الداخلي/الخارجي اللبناني الذي له حضور دائم كحدث سياسي مؤثر في مجمل السياسات المرسومة للمنطقة.
::/introtext::
::fulltext::
سننطلق في مقالنا هذا من عدة أحداث مهمة طبعت مؤخراً مجمل المشهد والحراك السياسي في المنطقة والعالم، ونحن هنا طبعاً لا نقلل من أهمية المشهد السياسي الداخلي/الخارجي اللبناني الذي له حضور دائم كحدث سياسي مؤثر في مجمل السياسات المرسومة للمنطقة، والأحداث هي:
1-الرفض الحازم لروسيا تمرير مشروع قرار استقلال كوسوفو في مجلس الأمن، وتهديدها الدائم باستخدام حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد أي مشروع أوروبي لاستقلال إقليم كوسوفو، وقيام دولة مستقلة إلى جانب حليفتها المهزومة شر هزيمة (صربيا) التي لم تنس بعد أيام الذل والهوان في التسعينات من القرن الماضي عندما قادت الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون حرباً ضروساً ضدها رداً على المجازر وانتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبت بحق مسلمي كوسوفو كما قيل وقتها.
2-مضي روسيا قدماً في عقد اتفاقيات وإجراءات جديدة مع مختلف الدول تعزز من موقفها التفاوضي مع أوروبا وتغير قواعد اللعبة، فقد وقعت الحكومة الروسية في 13 مايو الماضي اتفاقاً مع كل من تركمانستان وكازاخستان بشأن تمرير أنبوب لنقل الغاز، وسيزيد هذا الاتفاق من حاجة الاتحاد الأوروبي لروسيا لضمان توريد الغاز إليه، حيث إن الأنبوب الجديد سيمر عبر روسيا إلى الدول الأوروبية بعكس ما كانت الدول الغربية تسعى إليه من تجنب الأراضي الروسية عند بناء هذا الأنبوب.
3-الرد السلبي للرئيس الروسي فلاديمير بوتن على محاولة الولايات المتحدة الأمريكية احتواء تصاعد الخلاف بينها وبين روسيا حول ما بات يعرف بـ (أزمة الدرع الصاروخية الأمريكية) المزمع نشرها حول روسيا من جهة الشرق والغرب، وتهديد الرئيس الروسي جدياً بالانسحاب من معاهدة ستارت2 (اتفاقية الحد من انتشار الصواريخ بعيدة ومتوسطة المدى التي تم توقيعها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي السابق في عام 1987م).
وقد جاء ذلك خلال وعقب زيارة كل من كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية و روبرت غيتس وزير الدفاع الأمريكي إلى روسيا ولقائهما السريع مع الرئيس الروسي بوتين الذي بدا في الاجتماع حازماً وحاسماً لجهة تبليغهما قراره برفض أي تعاون مع الولايات المتحدة في قضية الدرع الصاروخية. وقد استتبع الحسم الروسي حسماً أمريكياً فورياً عبر اجتماع رايس مع ممثلي حقوق الإنسان في روسيا ودعوتها روسيا لإقامة ديمقراطية حقيقية.
4- الاستعراضات العسكرية الروسية المتعددة، وإجراء وزارة الدفاع الروسية في 30 مايو 2007 تجربةً ناجحة عشية انعقاد مؤتمر الدول الثماني (G8) لإطلاق صاروخين عابرين للقارات ربما بهدف التذكير بأهمية المفاوضات حول سياسة التسلح، وإن كان الخبير الألماني غوتس نوينيك رئيس قسم أبحاث التسلح في معهد أبحاث السلام والسياسات الأمنية في جامعة هامبورغ، يؤكد أن ذلك (لا يعني أن العالم يتوجه نحو مرحلة جديدة من التسلح)، والأحاديث الدولية المتواصلة حول التعاون العسكري والاستراتيجي بين كل من روسيا من جهة، وإيران وروسيا من جهة ثانية لجهة شراء أحدث الأسلحة والتقنيات الحربية المتطورة، وسعي روسيا إلى إقامة موقع بحري متقدم لأسطولها البحري على شواطئ البحر الأبيض المتوسط.
5- ما انتهت إليه زيارة الرئيس بوتين إلى إيران في 15/10/2007 على هامش مشاركته في اجتماع رئاسي للدول المطلة على بحر قزوين.
استطاع بوتين فعلياً قراءة الأحداث الدولية بعين ثاقبة وعقل مدرك لحقائق الأحداث والمتغيرات الدولية
ويبدو أن الجانب الأساسي الذي ظهر من خلال تلك الزيارة – والذي أجمعت عليه آراء وتحليلات معظم الإعلاميين والمراقبين من مختلف التيارات والمشارب الفكرية- هو أنها محاولة حثيثة من جانب روسيا البوتينية الجديدة لإعادة العمل ببعض السياسات التي كانت مطبقة زمن الاتحاد السوفييتي السابق على مستوى الدور والتأثير والضغط والتهديد بهدف المحافظة على موقع هنا أو هناك في منطقة الثروات الهائلة والأزمات المتصاعدة ذات التراكيب الهلامية شديدة التعقيد، واستعادة علاقة (قديمة-جديدة) مع بلدان عربية وإسلامية مهمة وذات حجم بشري وطبيعي كبير وذات موقع جغرافي حيوي ومهم من دون مواربة وعلى المكشوف كما يقولون.

ويبدو أن هذه الزيارة ستثمر عن نتائج ميدانية كبيرة في ما يتصل بطبيعة زيادة الحجم الكمي والنوعي للتأثير الروسي فيقضايا المنطقة الاستراتيجية (ومنها أزمة العراق-حرب الأطلسي في أفغانستان-ودور إيران على الصعيد الدولي إضافة للملف النووي الإيراني المأزوم غربياً)، لا سيما أن روسيا تقيم علاقات قوية ومتعددة المجالات مع أغلب دول المنطقة وخاصة مع إيران وسوريا.
وسبق للرئيس الروسي –فيما بدا تهيئةً لذلك الدور- أن قام بجولة على كل من المملكة العربية السعودية وقطر ودولة الإمارات العربية المتحدة والأردن رافقه فيها وفد كبير متعدد الاختصاصات والمهام، بحث فيها مع زعماء هذه الدول في مختلف القضايا السياسية والاقتصادية والعسكرية المتصلة بالعلاقات الثنائية بين روسيا وكل منها، إضافة إلى بحث الأوضاع والعلاقات الإقليمية والدولية التي تهم الأطراف المعنية.
ويبدو كما تقول بعض الرؤى أن الهدف الأساسي من كل تلك الزيارات، والتهديدات المترافقة مع محاولة الدب الروسي نفض غبار الغفلة والنوم عنه، يكمن في تعزيز فرص نشوء شبه تحالف إقليمي ناهض للرد على السياسات الأمريكية المرسومة للمنطقة والتي أدت إلى ما أدت إليه من دمار وحروب وقتل بعد فشل تدخلاتها العسكرية والاقتصادية هنا وهناك، ورفض شعوب المنطقة الإصلاح والديمقراطية الأمريكية القادمة إليها بقوة الحديد والنار والضغوط.
وقد يقول البعض إن الحديث عن ذلك لا يزال مبكراً، وهو لون من التحليلات الرغبوية –إذا صح التعبير- التي تخلط بين المنطق العملي والعاطفة والرغبة الملحة والجامحة في النفس في حدوث مثل هذا الحدث. وصحيح أيضاً أن العالم أصبحت له نظم واستراتيجيات دولية فيما يتصل بالاعتماد المتبادل والتداخل الاقتصادي والمعلوماتي، وأصبح التنافس العالمي يتخذ أشكالاً ومضامين مختلفة عن المرحلة السابقة.
ولكن روسيا اليوم تعيش في موقع قريب جداً من قوس الأزمات الدولية، وبعضها مستعر الأوار في جوارها المباشر، كما أن لها مشكلاتها السياسية والاقتصادية مع أكثر من بلد، وهي لم تستعد بعد عافيتها الاقتصادية على الرغم من اعتمادها الكلي على تصدير الغاز والنفط والسلاح، كما أنها خسرت الكثير اقتصادياً واستراتيجياً وعسكرياً بعد مفارقة دول الاتحاد السوفييتي السابق لها طوعاً أو كرهاً.
كل هذا صحيح، ولكن يظهر أن نذر الحرب الباردة تستعر جنينياً من جديد، وها قد بدأت الأحاديث تتزايد في العالم الغربي –قبل الشرقي- حول احتمالات (عودة الحرب الباردة)، حتى إن سؤال (الحرب الباردة) إياه بات يشكل اليوم في معظم التحليلات السياسية الصادرة عن جهات غربية عنواناً عريضاً عن الحنين الروسي لأيام الحرب الباردة، ويحتل مكانةً مهمة في واجهة الاهتمام الإعلامي الدولي منذ أن انتقد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بعنف الولايات المتحدة الأمريكية لأنها تعتزم بناء درع صاروخية في التشيك وبولندا، واعتبر هذا المشروع تهديداً للأمن الروسي الداخلي.
زيارة بوتين الأخيرة لإيران تندرج في إطار المحاولات لإعادة العمل ببعض السياسات السوفييتية السابقة
انطلاقاً من ذلك ثمة شيء ما يلوح في الأفق الروسي والدولي يخص هذه الرغبة الروسية الجنينية المتعاظمة حول الدور والمكانة والقيادة والمنافسة الندية، والحنين إلى مرحلة الدولة العظمى، واستدراك الجرح النازف والهزيمة النكراء التي سبق أن لحقت بالاتحاد السوفييتي السابق، يقول الرئيس الروسي بوتين(إن انهيار الاتحاد السوفييتي كان أكبر كارثة في تاريخ روسيا).
ويبدو أن جمهورية روسيا (القيصرية! حيث يستعد القيصر الصغير بوتين للخروج من الكرملين والعودة السريعة إليه من جديد عبر آليات دستورية جديدة يحضر لها من الآن) لا تزال تعيش هاجس (الانتقالية التأسيسية) إذا صح التعبير، أي مرحلة انتقال بين الماضي والمستقبل، ولم تتحدد بعد طبيعة مساراتها المستقبلية في ما يخص دورها الإقليمي والدولي على الرغم من كل ما قيل أو يمكن يقال في شأن رفعها الصوت عالياً حول أكثر من ملف دولي، وطبيعة امتدادات أذرعها الاقتصادية والعسكرية هنا وهناك، وعلاقاتها المتشابكة مع أطراف عديدة متناقضة في السياسات والأفكار.
ولنقرأ الصورة بوضوح تدليلاً على ما قلناه.. الصورة تقول:
أ- روسيا التي قامت بسحق الشيشان ومنع استقلالها، وحذفت هذا الإقليم من الخريطة الدولية والذهنية الإسلامية.. هي نفسها التي تم الترحيب بقدومها الميمون لتصبح عضواً في المؤتمر الإسلامي!
ب- روسيا التي ساعدت أمريكا والغرب على احتلال أفغانستان والانتقام من نظام وحكم طالبان، وتغاضت بشكل أو آخر عن احتلال العراق، وإعدام صديقها صدام حسين، هي نفسها التي تحمي المارد الأصولي النووي القادم بقوة لنادي الكبار وهو إيران.
ج- روسيا التي سبق لها أن وضعت حركة (الإخوان المسلمين) والمنظمات الدائرة في فلكها على قائمة الإرهاب الدولية وطالبت بملاحقتهم دولياً، هي نفسها التي دعت واستقبلت على أرضها بترحاب زعماء حركة حماس الإسلامية، وتعاملت معهم كقادة سياسيين وكلاعبين مهمين في المنطقة المتصلة معها بمصالح وسياسات متعددة.
د- روسيا التي يشعر قادتها العسكريون وبعض السياسيين بالحنين واللوعة لإعادة صور أمجاد الاتحاد السوفييتي الكبير في طبيعة الدور والمكانة واللعبة الدولية على مسارح الحرب الباردة، هي نفسها التي تحكمها حالياً تطلعات و(مطامع امبريالية).
هـ- روسيا التي يدعي قادتها التعددية السياسية والحرية الإعلامية والديمقراطية كآلية للحكم السياسي لا يزال على رأس الحكم فيها رئيس يخاف من مقال ناقد قد يكتبه عنه صحفي مغمور هنا أوهناك.
صراع المصالح لاستعادة الدور المفقود
لا شك في أن تفعيلاً كبيراً وتسارعاً ملحوظاً حصلا على مجمل أداء السياسة الخارجية الروسية في الفترة الماضية في سياق ممارسة روسيا أدواراً متعددة على الساحة الإقليمية والدولية بدءاً من ملف المحكمة الدولية المزمع إنشاؤها لمحاكمة قتلة رفيق الحريري، إلى مقاربتها لملف إيران النووي بشكل مختلف عن مقاربة الدول والقوى الغربية له، إلى رفضها الاحتكام لمنطق القطب الواحد، وو… إلخ.
ولكن في مجمل الأحوال لا نستطيع فهم هذا الدور شبه الاستقلالي لطريقة مقاربة روسيا لأزمات المنطقة والعالم من زاوية أنّ حرباً باردة ستقع فوراً، وستمهد الطريق لحرب عسكرية بين العملاقين روسيا وأمريكا، فهذه الاستقلالية الروسية وهذا الدور الروسي الدولي المتنامي والمتعملق رويداً رويداً غير مطلقين في كل الأحوال، بل هما محددان بضوابط محلية ودولية، وينبغي ألا نتوقع منهما الوصول إلى ما كان عليه الحال أيام الاتحاد السوفييتي السابق، ليس فقط لاختلاف المقومات والإمكانات الروسية الحالية –كما ذكرنا أعلاه- عن تلك التي كانت متاحة ومتوافرة للاتحاد السوفييتي من ذي قبل، بل هناك اختلاف في أصل النظرة وأساس التقييم والحكم بين كلا الحالين. أي هناك رؤى وأفكار واستراتيجيات عمل تختلف فيها القيادات الروسية الحالية عن قيادات أيام زمان إقليمياً ودولياً، حتى لو بقي الدور الاستراتيجي للولايات المتحدة تجاه روسيا كما هو، لأن منطق سير الأمور أيام روسيا الشيوعية كان قائماً على اعتبارات وقناعات أيديولوجية استئصالية شبه تدميرية، بعيدة كل البعد عن منطق التنافس والسجال والتعاون الدولي التي تتحكم في سير مختلف الأمور والمواقع في أيامنا الراهنة.
ووضع الرئيس الروسي بوتين على رأس اهتماماته في الوقت الحاضر استمرار تفعيل التأسيس الاقتصادي لبلده، والحفاظ على استقرارها السياسي وكذلك الاقتصادي بعد حدوث الانتقال من الشيوعية إلى الرأسمالية منذ سبع عشرة سنة. وهو لا يزال يتحرك في اتجاه زيادة توظيف سياسة بلاده الخارجية مع هذا الهدف، وتكييفها لخدمة الإصلاح الاقتصادي.
وهذا ما جعل من السياسات الروسية المتخذة خارجياً غير مفهومة لدى الكثيرين في بعض الأحيان، حيث إن اعتبارات المصلحة والمنفعة الخاصة طغت على أولويات تلك السياسات الروسية. وكلما تعاظمت هذه المصالح (العسكرية منها في بيع السلاح، أو الاقتصادية منها في بناء محطات نووية وغيرها، أو السياسية منها في الوقوف السلبي ضد بعض سياسات أمريكا الخاصة بالمنطقة والعالم) ازدادت فاعلية واستقلالية الدور الروسي، وارتفعت أسهم محاولات المناورة والتأثير في الملفات المتشابكة.
وباعتقادي مهما قيل عن طبيعة الدور الروسي المتزايد أخيراً، فإن المواقف السياسية والتحركات الاقتصادية والعسكرية التي تقوم بها وترسمها وتمارسها روسيا البوتينية (نسبة لرئيسها بوتين) لا تخرج عن سياق المواجهات السياسية والدبلوماسية مهما بلغت حدتها وعلت فيها مواقف السياسيين من كل الأطراف، ولن تصل حدة الخلاف بين المتخاصمين سياسياً إلى حد المواجهة العسكرية المستبعدة بالكامل من قبل الجميع.
لقد استطاع بوتين فعلياً قراءة الأحداث الدولية بعين ثاقبة وعقل مدرك لحقائق الأحداث والمتغيرات الدولية، منطلقاً من دراسة وتقييم موضوعي لوضع وإمكانات وحدود دور بلاده إقليمياً ودولياً، رغم تباين كثير من سياساته إلى درجة التناقض أحياناً.
وجاء هذه الاستقرار السياسي والاقتصادي الروسي في عهد بوتين بعد تخبط كبير ومكلف عاشته ودفعت ثمنه روسيا إبان حكم بوريس يلتسين. وها هي روسيا اليوم تتجاوز الماضي بخطى متزنة ومتسارعة، وتحظى بموقع متقدم على المستوى الدولي، وهي من دون شك قوة كبرى يحسب لها أكثر من حساب سياسي واقتصادي وعسكري على الساحة الدولية، والفضل في ذلك يعود –كما سلف القول- إلى وجود قيادة ذات بعد رؤيوي عجنتها التجارب، وصقلتها الخبرات الدولية المتتالية، مما مكنها من إيصال بلدها إلى حالة متقدمة من النمو القومي، وتحقيق درجات متزايدة ومتراكمة باطراد من الاستقلاليةفي سياستها الخارجية في البعدين الإقليمي والدولي.
::/fulltext::
::cck::1872::/cck::
