تقييم زيادة عديد القوات الأمريكية في العراق
::cck::2468::/cck::
::introtext::
في العاشر والحادي عشر من سبتمبر 2007، أدلى القائد الأعلى للقوات الأمريكية العاملة في العراق، الجنرال ديفيد بترايوس، والسفير الأمريكي في بغداد رايان كروكر، بشهادتيهما أمام مجموعة من لجان الكونغرس الأمريكي في واشنطن (دي سي). وفي شهر إبريل وافقت إدارة الرئيس بوش تحت ضغط الأغلبية الديمقراطية في مجلسي الكونغرس على أن يقدم هذان الرجلان آخر نتائج (زيادة عديد القوات الأمريكية في العراق) الذي أقره الرئيس جورج دبليو بوش. وبموجب هذه الزيادة التي بدأت في فبراير وبلغت ذروتها في يونيو، ازداد عدد القوات الأمريكية المرابطة في العراق بواقع 28.800 جندي، وهو ما رفع قوامها إلى مستوى قياسي جديد بلغ 168 ألف جندي. في بادئ الأمر، وافقت الإدارة الأمريكية على فكرة شهادتي بتراوس وكروكر في محاولة منها لتخفيف حدة النقاش الداخلي حول التكاليف المتزايدة للالتزام الأمريكي تجاه العراق. لكن النقاش الذي دار في واشنطن خلال الأشهر التي سبقت تلك الشهادتين اتخذ منحىً تصاعدياً في حدته وطابعه الحزبي. فقد سعت الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس إلى إرغام الرئيس بوش على الالتزام بجدول زمني لإجراء تخفيض سريع في عديد القوات الأمريكية العاملة في العراق. ومع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي في الولايات المتحدة اكتسبت شهادتا بترايوس وكروكر أهمية سياسية متزايدة لأن طرفي النقاش الداخلي الأمريكي اعتبرا هاتين الشهادتين بمثابة الحدث الذي سيحسم مصير الوجود العسكري الأمريكي المستمر في العراق. ومع أن شهادتي بترايوس وكروكر فتحتا الباب أمام إجراء تخفيض محدود في القوات الأمريكية المرابطة في العراق، إلا أنهما على ما يبدو ضمنتا أيضاً وجوداً عسكرياً أمريكياً كبيراً هناك في المستقبل المنظور. وهكذا، حصلت الإدارة الأمريكية على مزيد من الوقت، وخفّت حدة النقاش السياسي الداخلي في واشنطن.
::/introtext::
::fulltext::
في العاشر والحادي عشر من سبتمبر 2007، أدلى القائد الأعلى للقوات الأمريكية العاملة في العراق، الجنرال ديفيد بترايوس، والسفير الأمريكي في بغداد رايان كروكر، بشهادتيهما أمام مجموعة من لجان الكونغرس الأمريكي في واشنطن (دي سي). وفي شهر إبريل وافقت إدارة الرئيس بوش تحت ضغط الأغلبية الديمقراطية في مجلسي الكونغرس على أن يقدم هذان الرجلان آخر نتائج (زيادة عديد القوات الأمريكية في العراق) الذي أقره الرئيس جورج بوش. وبموجب هذه الزيادة التي بدأت في فبراير وبلغت ذروتها في يونيو، ازداد عدد القوات الأمريكية المرابطة في العراق بواقع 28.800 جندي، وهو ما رفع قوامها إلى مستوى قياسي جديد بلغ 168 ألف جندي. في بادئ الأمر، وافقت الإدارة الأمريكية على فكرة شهادتي بتراوس وكروكر في محاولة منها لتخفيف حدة النقاش الداخلي حول التكاليف المتزايدة للالتزام الأمريكي تجاه العراق. لكن النقاش الذي دار في واشنطن خلال الأشهر التي سبقت تلك الشهادتين اتخذ منحىً تصاعدياً في حدته وطابعه الحزبي. فقد سعت الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس إلى إرغام الرئيس بوش على الالتزام بجدول زمني لإجراء تخفيض سريع في عديد القوات الأمريكية العاملة في العراق. ومع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي في الولايات المتحدة اكتسبت شهادتا بترايوس وكروكر أهمية سياسية متزايدة لأن طرفي النقاش الداخلي الأمريكي اعتبرا هاتين الشهادتين بمثابة الحدث الذي سيحسم مصير الوجود العسكري الأمريكي المستمر في العراق. ومع أن شهادتي بترايوس وكروكر فتحتا الباب أمام إجراء تخفيض محدود في القوات الأمريكية المرابطة في العراق، إلا أنهما على ما يبدو ضمنتا أيضاً وجوداً عسكرياً أمريكياً كبيراً هناك في المستقبل المنظور. وهكذا، حصلت الإدارة الأمريكية على مزيد من الوقت، وخفّت حدة النقاش السياسي الداخلي في واشنطن.
وكانت هناك سلسلة من التقارير الرسمية التي أسهمت في احتدام النقاش السياسي الذي سبق شهادتي بتراوس وكروكر. ففي الأسبوع الأخير من أغسطس، صدرت صيغة غير سرية لـ (تقييم الاستخبارات الوطنية لوضع العراق). كما أن (آفاق أمن العراق)، وهو تقرير جماعي شاركت في إعداده كل وكالات الاستخبارات الأمريكية، لم يكن مريحاً لأي من طرفي النقاش الأمريكي حول العراق. إذ أشار التقرير إلى حدوث (تحسن كبير ولكن غير متجانس في وضع العراق الأمني) منذ بداية تعزيز القوات الأمريكية في العراق، وهذا ما أدى إلى (الحد حالياً) من تصاعد العنف. وعلى أي حال، أشار التقرير أيضاً إلى أن زعماء العراق ظلوا (عاجزين عن حكم البلاد بفاعلية)، وأن الوضع الحرج الذي كانت تعاني منه حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي سيتفاقم، وأن العنف السياسي بين التيارات الشيعية سيتصاعد. وأخيراً، قوّض هذا التقرير الركيزة الأساسية التي قام عليها تحدي الديمقراطيين لسياسة الرئيس بوش، وذلك عبر الإشارة إلى أن تغيير مهمة قوات التحالف في العراق، الذي بات مطلباً رئيسياً للكونغرس، قد يؤدي إلى (انهيار الإنجازات الأمنية التي تحققت حتى الآن).
وتلى هذا التقرير الاستخباراتي تقرير آخر أعده مكتب المحاسبة الحكومية، أي لجنة مراقبة الأداء الحكومي التابعة للكونغرس نفسه، وتمثل هدف تقرير المكتب المذكور بتقييم التقدم الذي أحرزته الحكومة العراقية بخصوص تلبية ثمانية عشر معياراً أساسياً وضعها البيت الأبيض، ووافقت عليها الحكومة العراقية والكونغرس في عامي (2006 و2007). وكان هذا التقرير أشبه باللعنة لأنه أفاد بأن الحكومة العراقية لبت ثلاثة معايير فقط بصورة كاملة وأربعةً أخرى بصورة جزئية. وأضاف التقرير أيضاً أن الحكومة العراقية فشلت في (إنهاء سيطرة الميليشيات على الأمن المحلي) ومنع (التدخل السياسي في العمليات العسكرية)، كما أن معدلات الهجمات اليومية على المدنيين (لم تتغير بين شهري فبراير ويوليو)، ولم يتضح ما إذا كان العنف الطائفي الذي شملته بيانات التقرير ضمنياً قد تراجع أم لا.
أخيراً، كان هناك تقرير حول قوات الأمن العراقية أعدته لجنة أخرى عيّنها الكونغرس هذه المرة بقيادة قائد سلاح البحرية المتقاعد الجنرال جيمس جونز. وتضمن هذا التقرير بعض الأخبار السارة للإدارة الأمريكية، حيث أفاد بأن الجيش العراقي سيكون قادراً على تنفيذ عمليات بشكل مستقل في غضون 12-18 شهراً، وهو ما قد يؤدي إلى البدء في سحب القوات الأمريكية من العراق في مطلع عام 2008، لكن التقرير أوصى أيضاً بحل الشرطة الوطنية العراقية لأنها كانت مُخترقةً بشكل كبير من قبل الميليشيات الطائفية.
تعميم نموذج الأنبار الأمني لن يؤدي إلى تحقيق الأمن المستدام للشعب العراقي
رسائل متواضعة
وصل بترايوس وكروكر إلى واشنطن وسط هذا النقاش الذي يكتنفه الغموض والتناقض، لكن بترايوس الذي قابل الرئيس بوش في صحراء العراق قبل قدومه إلى واشنطن ببضعة أيام فقط، كان واضحاً في رسالته عندما قال (إن الأهداف العسكرية لتعزيز القوات العاملة في العراق قد أُنجزت إلى حد كبير). واستطرد قائلاً إن معدلات القتلى المدنيين من جراء كل أشكال العنف قد تراجعت بنسبة 45 في المائة في العراق ككل، وبنسبة 70 في المائة في بغداد. ثم أضاف أن هذه البيانات تعني أيضاً أن معدلات ضحايا العنف (الطائفي ـ العرقي) تراجعت في عموم العراق بنسبة 55 في المائة وفي بغداد بنسبة 80 في المائة بعدما بلغت ذروتها في ديسمبر 2006. وإذا استمر هذا النجاح، فإنه سيسمح بإجراء تخفيضات محدودة مع بداية عام 2008، ليتراجع عدد القوات الأمريكية في العراق بحلول يوليو 2008 إلى مستوى ما قبل تعزيزها تقريباً، والبالغ 130 ألف جندي وعندها سيبلغ مجمل التخفيض حوالي 38 ألف جندي.
وتمثل العنصر المركزي في شهادة بترايوس بما يُسمى (صحوة الأنبار)، أي ثورة مركز المثلث السني ضد تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وذهب الجنرال بتراوس إلى القول إن صحوة محافظة الأنبار (قد تمثل التطور الأهم خلال الشهور الثمانية الأخيرة)، لأنها ساهمت بشكل مباشر في انخفاض المعدل الشهري للهجمات التي شهدتها تلك المحافظة من 1.350 هجوماً في أكتوبر 2006 إلى حوالي 200 هجوم فقط في أغسطس 2007.
وإذا كانت شهادة بترايوس قد صيغت بهدف إعلان النجاح بكل جرأة، فإن دواعي ابتهاج كروكر كانت أقل بكثير من دواعي بترايوس، فقد أمضى كروكر جزءاً كبيراً من وقته أمام الكونغرس وهو يحاول توضيح أسباب التقدم الضئيل على الجبهة السياسية. وذهب كروكر إلى القول إن العراق يفتقر إلى زعماء من أمثال نيلسون منديلا، وفي الحقيقة لو كان هناك صدام حسين في العراق لقتل هؤلاء الزعماء، وقضى أيضاً على كل منظمة سياسية قد تهدد حكمه. ولهذا السبب، (كان لا بد لبناء عراق جديد أن يبدأ من الصفر تقريباً). وسعى كروكر إلى التقليل من شأن المعايير الرئيسية التي وضعها البيت الأبيض، وليس الحكومة العراقية. وبدلاً من الالتزام بتلك المعايير أشار كروكر إلى ما تصور أنه نجاحات. ومع أن هذه النجاحات كانت متواضعة للغاية واقتصرت على بضع مناطق عراقية، فإن كروكر ادعى بأنها أدلة واضحة على أن الشعب العراقي كان يتخلص من سنوات الدكتاتورية المركزية.
ولم يحاول السفير كروكر إنكار الدينامية الطائفية التي كانت تهيمن على مؤسسات الدولة العراقية، لكنه لمس مؤخراً (إحباطاً واضحاً في بغداد بسبب النظام الطائفي الذي استخدم لتقاسم السلطة خلال السنوات القليلة الماضية). وهذه بارقة أمل برأي كروكر الذي ادعى أيضاً أن (بذور المصالحة قد زُرعت)، لكن من دون جلبة وبعيداً عن وسائل الإعلام العالمية وعيون الكونغرس الأمريكي.
وبالنظر إلى غياب التقدم الملموس على الجبهة السياسية واستمرار العنف بمستويات مرتفعة للغاية في شتى أنحاء العراق، اتسمت كلتا الشهادتين بالتواضع الخجول والمتعمد حيال ما تم إنجازه في العراق، فضلاً عن الاعتراف بالعقبات الكأداء التي كانت تحول دون إحراز مزيد من التقدم هناك. أما العبارات الجوفاء والعجرفة والمراوغة التي كانت تتسم بها مقاربة إدارة الرئيس بوش تجاه العراق، فقد اختفت تماماً من تلك الشهادتين. وبدلاً من ذلك، حاول كل من كروكر وبترايوس اتباع أسلوب تكنوقراطي متجرد من الانتماء الحزبي. وعلى هذه الخلفية من التواضع الخجول مثلت (صحوة الأنبار) النجاح العراقي الوحيد الذي استطاع كلا الرجلين أن يشيرا إليه. وفي الحقيقة، بدأ هذا الاختراق في عام 2006، أي قبل زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق، وحدث بالدرجة الأولى بسبب أخطاء تنظيم القاعدة، وليس كنتيجة مباشرة لنجاحات السياسة الأمريكية.
وظلت البيانات المتضاربة حول مستويات العنف في العراق محل نقاش ساخن في واشنطن خلال شهري أغسطس وسبتمبر، لكن من الواضح أن مستوى العنف تراجع في بغداد منذ بداية تعزيز القوات الأمريكية في العراق، وبلغ عدد القوات المنخرطة في تنفيذ السياسة الأمريكية الجديدة في العراق ذروته في يونيو 2007. ونُشرت هذه القوات في أحياء بغداد بطريقة استهدفت بشكل خاص دوامة العنف والعنف المضاد التي أججت الحرب الأهلية العراقية طوال عام 2006. ونظراً إلى حجم القوات المنخرطة في تنفيذ السياسة الأمريكية الجديدة وطريقة انتشارها في أحياء مدينة بغداد، فإن تراجع معدلات الضحايا المدنيين ونشاط (فرق الموت) والهجمات التي كانت توقع خسائر بشرية فادحة، تطورات إيجابية ينبغي ألا تكون فاجأت حتى منتقدي السياسة الأمريكية الجديدة في العراق.
الصفقات الأمنية المحلية تمثل تهديداً مباشراً لقدرة وتماسك الدولة العراقية
صحوة الأنبار
إن وضع صحوة الأنبار في صميم سياسة الإدارة الأمريكية إشكالية أكثر تعقيداً من محتوى شهادتي بترايوس وكروكر. فقد بدأ الانقلاب على تنظيم القاعدة في غرب العراق في سبتمبر 2006. لكن قبل ذلك، وعلى مدى عامي (2005 و2006)، نجح تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين إلى حد كبير في تحويل نفسه من إطار للمجاهدين الأجانب إلى منظمة عراقية محلية، لكن هذا النجاح ما لبث أن تلاشى. فإثر تجنيد أعداد كبيرة من العراقيين في صفوفه، أصبح تنظيم القاعدة أقرب بكثير من عامة العرب السنة المقيمين في بغداد والمنطقة الشمالية الغربية من البلاد. وحينذاك، طلب أصوليو تنظيم القاعدة من هؤلاء الناس الالتزام الصارم بمذهبهم الإسلامي الأصولي، واستخدموا العنف المفرط لفرض تعاليمه على المجتمع، لكن بعض هذه التعاليم كانت متناقضة مع المذاهب الإسلامية التي يعتنقها سنة العراق. فقد فرض تنظيم القاعدة الالتزام الصارم بالامتناع عن التدخين والمعايير الجديدة للباس، كما أن نساءً عراقيات أُجبرن على القبول بالزواج من قادة للمجاهدين في إطار زيجات مدبرة مسبقاً. وهذا ما أدى بمحافظة الأنبار إلى الانقلاب على تنظيم القاعدة، حيث قاتل ملاك الأراضي الذين كانوا أقوياء في السابق والأعضاء السابقون في النظام البائد وزعماء العشائر دفاعاً عن نفوذهم ضد أولئك الذين اعتبروهم إسلاميين أصوليين (متطفلين).
وتأججت هذه الدينامية السياسية بفعل تصاعد الحرب الأهلية الطائفية وسط العراق، كما أن ردة الفعل الطائفية انتقاماً لتدمير مسجد الإمام العسكري في فبراير 2006، دلت على أن العرب السنة في العراق كانوا يتعرضون للذبح المستمر على يد فرق الموت الشيعية التابعة لجيش المهدي، والتي كانت على درجة عالية من التنظيم. وهكذا، وجد سنّة محافظة الأنبار أنفسهم في مواجهة مباشرة مع عدوين شرسين أحدهما عراقي (جيش المهدي)، والآخر عراقي إلى حد كبير (تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين)؛ فاتجهوا إلى الجيش الأمريكي باعتباره المصدر الممكن الوحيد الذي تبقى أمامهم لتلقي الدعم. وفي بادئ الأمر، كان الجيش الأمريكي يأمل في أن تؤدي صحوة الأنبار إلى نشوء قوات عراقية غير نظامية تتولى معظم المهمات القتالية ضد تنظيم القاعدة، لكن سكان الأنبار كانوا يفتقرون إلى التنظيم العسكري والتماسك الاجتماعي اللازمين لمحاربة خصومهم الذين كانوا أفضل تنظيماً وأكثر تصميماً. وفي المقابل، أثبتت (صحوة الأنبار) جدواها في توفير المعلومات الاستخبارية وتقديم الدعم المحلي للقوات الأمريكية. أما دخول الأنباريين في قتال فعال، فقد كان ممكناً فقط عندما كانوا يتلقون دعماً مباشراً من قبل الجنود وسلاح الجو الأمريكيين.

الجيش الأمريكي سيكون طرفاً في مسلسل النزاعات المحلية العنيفة
ونظراً للنجاح الذي حققته صحوة الأنبار على المدى القريب، فإنه من غير المفاجئ أن يكون الجيش الأمريكي حالياً بصدد محاولة تكرار هذه التجربة في كل أرجاء العراق سعياً إلى اكتساب حلفاء محليين سنّة، في المعركة ضد تنظيم القاعدة في محافظة ديالى وبعض أحياء بغداد، فضلاً عن السعي مؤخراً إلى توسيع هذه المقاربة لتشمل ضمان دعم الميليشيات الشيعية الناشطة في جنوب البلاد، لكن (هذه الصفقات الأمنية المحلية) تمثّل تهديداً مباشراً لقدرة وتماسك الدولة العراقية. فعبر تمويل منظمات محلية شبه عسكرية قد يساهم الجيش الأمريكي بالفعل في تعزيز أحد جوانب الحرب الأهلية المرشحة للاستمرار. وهناك خطر آخر يكمن في إمكانية أن تسهم المنظمات العسكرية التي تم تفويضها مؤخراً في إضعاف الحكومة العراقية أكثر فأكثر، وهو ما قد يزيد العراقيل التي تحد من قدرة الدولة العراقية على التفاعل مع شعبها. ومن الواضح أنه تم بالفعل إدراك هذه المشكلة، فأصبح تأسيس منظمات (أمنية محلية) يجري بالتنسيق مع لجنة المصالحة الوطنية التي أنشأتها الحكومة المركزية. لكن نظراً إلى عدم تماسك الدولة العراقية وسجلها الطائفي الخطير، فإنه لا بد من وجود شكوك عميقة في قدرة الحكومة العراقية على مواجهة التداعيات الوطنية للدينامية الطاردة لقوات الأمن العراقية النظامية، والمتمثلة في بناء قوات أمن محلية بامتياز. ويكمن الخطر الآخر المرتبط بتعميم تجربة الأنبار على بقية مناطق العراق في أن الجيش الأمريكي سيكون ببساطة طرفاً في مسلسل النزاعات المحلية العنيفة. وبالتالي، فإن تعميم نموذج الأنبار الأمني لن يؤدي إلى تحقيق الأمن المستدام للشعب العراقي، وإنما سيُسرع عملية انزلاق العراق في أتون الحرب الأهلية.
وعلى الرغم من الانقسامات العميقة في واشنطن وعلى امتداد الولايات المتحدة بشأن السياسة الأمريكية في العراق، فإن أداء بترايوس وكروكر أمام الكونغرس مثّل نجاحاً سياسياً للإدارة الأمريكية. إذ يبدو أن شهادتهما المشتركة أدت إلى كبح معارضة الكونغرس لسياسة الرئيس بوش في العراق بشكل ملحوظ. أما الإعلان عن خطط لإجراء تخفيض محدود في عديد القوات الأمريكية العاملة في العراق ـ الذي أكده بوش بعد صدوره بأيام قليلة ـ وعلى الرغم من اعتماد تلك الخطط الكبيرة على التطورات الميدانية، فقد كان إعلاناً كافياً لوقف مطالب الكونغرس بانسحاب أسرع وأكثر حزماًً. وهكذا، تركز النقاش في الدوائر السياسية في واشنطن على ما سيفعله الرئيس الأمريكي القادم الذي سيتولى مهام منصبه في يناير 2009، بتركة العراق التي سيرثها عن الرئيس بوش. ويسود الاعتقاد الآن بأن خلَف الرئيس بوش سيرث على الأقل مائة ألف جندي أمريكي منتشرين في العراق. لذا، خف الضغط المفروض على الرئيس بوش نفسه بشكل كبير، لكن التحدي الذي سيواجهه مرشحو الرئاسة القادمون أصبح أكثر تعقيداً.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::2468::/cck::
::introtext::
في العاشر والحادي عشر من سبتمبر 2007، أدلى القائد الأعلى للقوات الأمريكية العاملة في العراق، الجنرال ديفيد بترايوس، والسفير الأمريكي في بغداد رايان كروكر، بشهادتيهما أمام مجموعة من لجان الكونغرس الأمريكي في واشنطن (دي سي). وفي شهر إبريل وافقت إدارة الرئيس بوش تحت ضغط الأغلبية الديمقراطية في مجلسي الكونغرس على أن يقدم هذان الرجلان آخر نتائج (زيادة عديد القوات الأمريكية في العراق) الذي أقره الرئيس جورج دبليو بوش. وبموجب هذه الزيادة التي بدأت في فبراير وبلغت ذروتها في يونيو، ازداد عدد القوات الأمريكية المرابطة في العراق بواقع 28.800 جندي، وهو ما رفع قوامها إلى مستوى قياسي جديد بلغ 168 ألف جندي. في بادئ الأمر، وافقت الإدارة الأمريكية على فكرة شهادتي بتراوس وكروكر في محاولة منها لتخفيف حدة النقاش الداخلي حول التكاليف المتزايدة للالتزام الأمريكي تجاه العراق. لكن النقاش الذي دار في واشنطن خلال الأشهر التي سبقت تلك الشهادتين اتخذ منحىً تصاعدياً في حدته وطابعه الحزبي. فقد سعت الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس إلى إرغام الرئيس بوش على الالتزام بجدول زمني لإجراء تخفيض سريع في عديد القوات الأمريكية العاملة في العراق. ومع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي في الولايات المتحدة اكتسبت شهادتا بترايوس وكروكر أهمية سياسية متزايدة لأن طرفي النقاش الداخلي الأمريكي اعتبرا هاتين الشهادتين بمثابة الحدث الذي سيحسم مصير الوجود العسكري الأمريكي المستمر في العراق. ومع أن شهادتي بترايوس وكروكر فتحتا الباب أمام إجراء تخفيض محدود في القوات الأمريكية المرابطة في العراق، إلا أنهما على ما يبدو ضمنتا أيضاً وجوداً عسكرياً أمريكياً كبيراً هناك في المستقبل المنظور. وهكذا، حصلت الإدارة الأمريكية على مزيد من الوقت، وخفّت حدة النقاش السياسي الداخلي في واشنطن.
::/introtext::
::fulltext::
في العاشر والحادي عشر من سبتمبر 2007، أدلى القائد الأعلى للقوات الأمريكية العاملة في العراق، الجنرال ديفيد بترايوس، والسفير الأمريكي في بغداد رايان كروكر، بشهادتيهما أمام مجموعة من لجان الكونغرس الأمريكي في واشنطن (دي سي). وفي شهر إبريل وافقت إدارة الرئيس بوش تحت ضغط الأغلبية الديمقراطية في مجلسي الكونغرس على أن يقدم هذان الرجلان آخر نتائج (زيادة عديد القوات الأمريكية في العراق) الذي أقره الرئيس جورج بوش. وبموجب هذه الزيادة التي بدأت في فبراير وبلغت ذروتها في يونيو، ازداد عدد القوات الأمريكية المرابطة في العراق بواقع 28.800 جندي، وهو ما رفع قوامها إلى مستوى قياسي جديد بلغ 168 ألف جندي. في بادئ الأمر، وافقت الإدارة الأمريكية على فكرة شهادتي بتراوس وكروكر في محاولة منها لتخفيف حدة النقاش الداخلي حول التكاليف المتزايدة للالتزام الأمريكي تجاه العراق. لكن النقاش الذي دار في واشنطن خلال الأشهر التي سبقت تلك الشهادتين اتخذ منحىً تصاعدياً في حدته وطابعه الحزبي. فقد سعت الأغلبية الديمقراطية في الكونغرس إلى إرغام الرئيس بوش على الالتزام بجدول زمني لإجراء تخفيض سريع في عديد القوات الأمريكية العاملة في العراق. ومع اقتراب موعد الاستحقاق الرئاسي في الولايات المتحدة اكتسبت شهادتا بترايوس وكروكر أهمية سياسية متزايدة لأن طرفي النقاش الداخلي الأمريكي اعتبرا هاتين الشهادتين بمثابة الحدث الذي سيحسم مصير الوجود العسكري الأمريكي المستمر في العراق. ومع أن شهادتي بترايوس وكروكر فتحتا الباب أمام إجراء تخفيض محدود في القوات الأمريكية المرابطة في العراق، إلا أنهما على ما يبدو ضمنتا أيضاً وجوداً عسكرياً أمريكياً كبيراً هناك في المستقبل المنظور. وهكذا، حصلت الإدارة الأمريكية على مزيد من الوقت، وخفّت حدة النقاش السياسي الداخلي في واشنطن.
وكانت هناك سلسلة من التقارير الرسمية التي أسهمت في احتدام النقاش السياسي الذي سبق شهادتي بتراوس وكروكر. ففي الأسبوع الأخير من أغسطس، صدرت صيغة غير سرية لـ (تقييم الاستخبارات الوطنية لوضع العراق). كما أن (آفاق أمن العراق)، وهو تقرير جماعي شاركت في إعداده كل وكالات الاستخبارات الأمريكية، لم يكن مريحاً لأي من طرفي النقاش الأمريكي حول العراق. إذ أشار التقرير إلى حدوث (تحسن كبير ولكن غير متجانس في وضع العراق الأمني) منذ بداية تعزيز القوات الأمريكية في العراق، وهذا ما أدى إلى (الحد حالياً) من تصاعد العنف. وعلى أي حال، أشار التقرير أيضاً إلى أن زعماء العراق ظلوا (عاجزين عن حكم البلاد بفاعلية)، وأن الوضع الحرج الذي كانت تعاني منه حكومة رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي سيتفاقم، وأن العنف السياسي بين التيارات الشيعية سيتصاعد. وأخيراً، قوّض هذا التقرير الركيزة الأساسية التي قام عليها تحدي الديمقراطيين لسياسة الرئيس بوش، وذلك عبر الإشارة إلى أن تغيير مهمة قوات التحالف في العراق، الذي بات مطلباً رئيسياً للكونغرس، قد يؤدي إلى (انهيار الإنجازات الأمنية التي تحققت حتى الآن).
وتلى هذا التقرير الاستخباراتي تقرير آخر أعده مكتب المحاسبة الحكومية، أي لجنة مراقبة الأداء الحكومي التابعة للكونغرس نفسه، وتمثل هدف تقرير المكتب المذكور بتقييم التقدم الذي أحرزته الحكومة العراقية بخصوص تلبية ثمانية عشر معياراً أساسياً وضعها البيت الأبيض، ووافقت عليها الحكومة العراقية والكونغرس في عامي (2006 و2007). وكان هذا التقرير أشبه باللعنة لأنه أفاد بأن الحكومة العراقية لبت ثلاثة معايير فقط بصورة كاملة وأربعةً أخرى بصورة جزئية. وأضاف التقرير أيضاً أن الحكومة العراقية فشلت في (إنهاء سيطرة الميليشيات على الأمن المحلي) ومنع (التدخل السياسي في العمليات العسكرية)، كما أن معدلات الهجمات اليومية على المدنيين (لم تتغير بين شهري فبراير ويوليو)، ولم يتضح ما إذا كان العنف الطائفي الذي شملته بيانات التقرير ضمنياً قد تراجع أم لا.
أخيراً، كان هناك تقرير حول قوات الأمن العراقية أعدته لجنة أخرى عيّنها الكونغرس هذه المرة بقيادة قائد سلاح البحرية المتقاعد الجنرال جيمس جونز. وتضمن هذا التقرير بعض الأخبار السارة للإدارة الأمريكية، حيث أفاد بأن الجيش العراقي سيكون قادراً على تنفيذ عمليات بشكل مستقل في غضون 12-18 شهراً، وهو ما قد يؤدي إلى البدء في سحب القوات الأمريكية من العراق في مطلع عام 2008، لكن التقرير أوصى أيضاً بحل الشرطة الوطنية العراقية لأنها كانت مُخترقةً بشكل كبير من قبل الميليشيات الطائفية.
تعميم نموذج الأنبار الأمني لن يؤدي إلى تحقيق الأمن المستدام للشعب العراقي
رسائل متواضعة
وصل بترايوس وكروكر إلى واشنطن وسط هذا النقاش الذي يكتنفه الغموض والتناقض، لكن بترايوس الذي قابل الرئيس بوش في صحراء العراق قبل قدومه إلى واشنطن ببضعة أيام فقط، كان واضحاً في رسالته عندما قال (إن الأهداف العسكرية لتعزيز القوات العاملة في العراق قد أُنجزت إلى حد كبير). واستطرد قائلاً إن معدلات القتلى المدنيين من جراء كل أشكال العنف قد تراجعت بنسبة 45 في المائة في العراق ككل، وبنسبة 70 في المائة في بغداد. ثم أضاف أن هذه البيانات تعني أيضاً أن معدلات ضحايا العنف (الطائفي ـ العرقي) تراجعت في عموم العراق بنسبة 55 في المائة وفي بغداد بنسبة 80 في المائة بعدما بلغت ذروتها في ديسمبر 2006. وإذا استمر هذا النجاح، فإنه سيسمح بإجراء تخفيضات محدودة مع بداية عام 2008، ليتراجع عدد القوات الأمريكية في العراق بحلول يوليو 2008 إلى مستوى ما قبل تعزيزها تقريباً، والبالغ 130 ألف جندي وعندها سيبلغ مجمل التخفيض حوالي 38 ألف جندي.
وتمثل العنصر المركزي في شهادة بترايوس بما يُسمى (صحوة الأنبار)، أي ثورة مركز المثلث السني ضد تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين، وذهب الجنرال بتراوس إلى القول إن صحوة محافظة الأنبار (قد تمثل التطور الأهم خلال الشهور الثمانية الأخيرة)، لأنها ساهمت بشكل مباشر في انخفاض المعدل الشهري للهجمات التي شهدتها تلك المحافظة من 1.350 هجوماً في أكتوبر 2006 إلى حوالي 200 هجوم فقط في أغسطس 2007.
وإذا كانت شهادة بترايوس قد صيغت بهدف إعلان النجاح بكل جرأة، فإن دواعي ابتهاج كروكر كانت أقل بكثير من دواعي بترايوس، فقد أمضى كروكر جزءاً كبيراً من وقته أمام الكونغرس وهو يحاول توضيح أسباب التقدم الضئيل على الجبهة السياسية. وذهب كروكر إلى القول إن العراق يفتقر إلى زعماء من أمثال نيلسون منديلا، وفي الحقيقة لو كان هناك صدام حسين في العراق لقتل هؤلاء الزعماء، وقضى أيضاً على كل منظمة سياسية قد تهدد حكمه. ولهذا السبب، (كان لا بد لبناء عراق جديد أن يبدأ من الصفر تقريباً). وسعى كروكر إلى التقليل من شأن المعايير الرئيسية التي وضعها البيت الأبيض، وليس الحكومة العراقية. وبدلاً من الالتزام بتلك المعايير أشار كروكر إلى ما تصور أنه نجاحات. ومع أن هذه النجاحات كانت متواضعة للغاية واقتصرت على بضع مناطق عراقية، فإن كروكر ادعى بأنها أدلة واضحة على أن الشعب العراقي كان يتخلص من سنوات الدكتاتورية المركزية.
ولم يحاول السفير كروكر إنكار الدينامية الطائفية التي كانت تهيمن على مؤسسات الدولة العراقية، لكنه لمس مؤخراً (إحباطاً واضحاً في بغداد بسبب النظام الطائفي الذي استخدم لتقاسم السلطة خلال السنوات القليلة الماضية). وهذه بارقة أمل برأي كروكر الذي ادعى أيضاً أن (بذور المصالحة قد زُرعت)، لكن من دون جلبة وبعيداً عن وسائل الإعلام العالمية وعيون الكونغرس الأمريكي.
وبالنظر إلى غياب التقدم الملموس على الجبهة السياسية واستمرار العنف بمستويات مرتفعة للغاية في شتى أنحاء العراق، اتسمت كلتا الشهادتين بالتواضع الخجول والمتعمد حيال ما تم إنجازه في العراق، فضلاً عن الاعتراف بالعقبات الكأداء التي كانت تحول دون إحراز مزيد من التقدم هناك. أما العبارات الجوفاء والعجرفة والمراوغة التي كانت تتسم بها مقاربة إدارة الرئيس بوش تجاه العراق، فقد اختفت تماماً من تلك الشهادتين. وبدلاً من ذلك، حاول كل من كروكر وبترايوس اتباع أسلوب تكنوقراطي متجرد من الانتماء الحزبي. وعلى هذه الخلفية من التواضع الخجول مثلت (صحوة الأنبار) النجاح العراقي الوحيد الذي استطاع كلا الرجلين أن يشيرا إليه. وفي الحقيقة، بدأ هذا الاختراق في عام 2006، أي قبل زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق، وحدث بالدرجة الأولى بسبب أخطاء تنظيم القاعدة، وليس كنتيجة مباشرة لنجاحات السياسة الأمريكية.
وظلت البيانات المتضاربة حول مستويات العنف في العراق محل نقاش ساخن في واشنطن خلال شهري أغسطس وسبتمبر، لكن من الواضح أن مستوى العنف تراجع في بغداد منذ بداية تعزيز القوات الأمريكية في العراق، وبلغ عدد القوات المنخرطة في تنفيذ السياسة الأمريكية الجديدة في العراق ذروته في يونيو 2007. ونُشرت هذه القوات في أحياء بغداد بطريقة استهدفت بشكل خاص دوامة العنف والعنف المضاد التي أججت الحرب الأهلية العراقية طوال عام 2006. ونظراً إلى حجم القوات المنخرطة في تنفيذ السياسة الأمريكية الجديدة وطريقة انتشارها في أحياء مدينة بغداد، فإن تراجع معدلات الضحايا المدنيين ونشاط (فرق الموت) والهجمات التي كانت توقع خسائر بشرية فادحة، تطورات إيجابية ينبغي ألا تكون فاجأت حتى منتقدي السياسة الأمريكية الجديدة في العراق.
الصفقات الأمنية المحلية تمثل تهديداً مباشراً لقدرة وتماسك الدولة العراقية
صحوة الأنبار
إن وضع صحوة الأنبار في صميم سياسة الإدارة الأمريكية إشكالية أكثر تعقيداً من محتوى شهادتي بترايوس وكروكر. فقد بدأ الانقلاب على تنظيم القاعدة في غرب العراق في سبتمبر 2006. لكن قبل ذلك، وعلى مدى عامي (2005 و2006)، نجح تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين إلى حد كبير في تحويل نفسه من إطار للمجاهدين الأجانب إلى منظمة عراقية محلية، لكن هذا النجاح ما لبث أن تلاشى. فإثر تجنيد أعداد كبيرة من العراقيين في صفوفه، أصبح تنظيم القاعدة أقرب بكثير من عامة العرب السنة المقيمين في بغداد والمنطقة الشمالية الغربية من البلاد. وحينذاك، طلب أصوليو تنظيم القاعدة من هؤلاء الناس الالتزام الصارم بمذهبهم الإسلامي الأصولي، واستخدموا العنف المفرط لفرض تعاليمه على المجتمع، لكن بعض هذه التعاليم كانت متناقضة مع المذاهب الإسلامية التي يعتنقها سنة العراق. فقد فرض تنظيم القاعدة الالتزام الصارم بالامتناع عن التدخين والمعايير الجديدة للباس، كما أن نساءً عراقيات أُجبرن على القبول بالزواج من قادة للمجاهدين في إطار زيجات مدبرة مسبقاً. وهذا ما أدى بمحافظة الأنبار إلى الانقلاب على تنظيم القاعدة، حيث قاتل ملاك الأراضي الذين كانوا أقوياء في السابق والأعضاء السابقون في النظام البائد وزعماء العشائر دفاعاً عن نفوذهم ضد أولئك الذين اعتبروهم إسلاميين أصوليين (متطفلين).
وتأججت هذه الدينامية السياسية بفعل تصاعد الحرب الأهلية الطائفية وسط العراق، كما أن ردة الفعل الطائفية انتقاماً لتدمير مسجد الإمام العسكري في فبراير 2006، دلت على أن العرب السنة في العراق كانوا يتعرضون للذبح المستمر على يد فرق الموت الشيعية التابعة لجيش المهدي، والتي كانت على درجة عالية من التنظيم. وهكذا، وجد سنّة محافظة الأنبار أنفسهم في مواجهة مباشرة مع عدوين شرسين أحدهما عراقي (جيش المهدي)، والآخر عراقي إلى حد كبير (تنظيم القاعدة في بلاد الرافدين)؛ فاتجهوا إلى الجيش الأمريكي باعتباره المصدر الممكن الوحيد الذي تبقى أمامهم لتلقي الدعم. وفي بادئ الأمر، كان الجيش الأمريكي يأمل في أن تؤدي صحوة الأنبار إلى نشوء قوات عراقية غير نظامية تتولى معظم المهمات القتالية ضد تنظيم القاعدة، لكن سكان الأنبار كانوا يفتقرون إلى التنظيم العسكري والتماسك الاجتماعي اللازمين لمحاربة خصومهم الذين كانوا أفضل تنظيماً وأكثر تصميماً. وفي المقابل، أثبتت (صحوة الأنبار) جدواها في توفير المعلومات الاستخبارية وتقديم الدعم المحلي للقوات الأمريكية. أما دخول الأنباريين في قتال فعال، فقد كان ممكناً فقط عندما كانوا يتلقون دعماً مباشراً من قبل الجنود وسلاح الجو الأمريكيين.

الجيش الأمريكي سيكون طرفاً في مسلسل النزاعات المحلية العنيفة
ونظراً للنجاح الذي حققته صحوة الأنبار على المدى القريب، فإنه من غير المفاجئ أن يكون الجيش الأمريكي حالياً بصدد محاولة تكرار هذه التجربة في كل أرجاء العراق سعياً إلى اكتساب حلفاء محليين سنّة، في المعركة ضد تنظيم القاعدة في محافظة ديالى وبعض أحياء بغداد، فضلاً عن السعي مؤخراً إلى توسيع هذه المقاربة لتشمل ضمان دعم الميليشيات الشيعية الناشطة في جنوب البلاد، لكن (هذه الصفقات الأمنية المحلية) تمثّل تهديداً مباشراً لقدرة وتماسك الدولة العراقية. فعبر تمويل منظمات محلية شبه عسكرية قد يساهم الجيش الأمريكي بالفعل في تعزيز أحد جوانب الحرب الأهلية المرشحة للاستمرار. وهناك خطر آخر يكمن في إمكانية أن تسهم المنظمات العسكرية التي تم تفويضها مؤخراً في إضعاف الحكومة العراقية أكثر فأكثر، وهو ما قد يزيد العراقيل التي تحد من قدرة الدولة العراقية على التفاعل مع شعبها. ومن الواضح أنه تم بالفعل إدراك هذه المشكلة، فأصبح تأسيس منظمات (أمنية محلية) يجري بالتنسيق مع لجنة المصالحة الوطنية التي أنشأتها الحكومة المركزية. لكن نظراً إلى عدم تماسك الدولة العراقية وسجلها الطائفي الخطير، فإنه لا بد من وجود شكوك عميقة في قدرة الحكومة العراقية على مواجهة التداعيات الوطنية للدينامية الطاردة لقوات الأمن العراقية النظامية، والمتمثلة في بناء قوات أمن محلية بامتياز. ويكمن الخطر الآخر المرتبط بتعميم تجربة الأنبار على بقية مناطق العراق في أن الجيش الأمريكي سيكون ببساطة طرفاً في مسلسل النزاعات المحلية العنيفة. وبالتالي، فإن تعميم نموذج الأنبار الأمني لن يؤدي إلى تحقيق الأمن المستدام للشعب العراقي، وإنما سيُسرع عملية انزلاق العراق في أتون الحرب الأهلية.
وعلى الرغم من الانقسامات العميقة في واشنطن وعلى امتداد الولايات المتحدة بشأن السياسة الأمريكية في العراق، فإن أداء بترايوس وكروكر أمام الكونغرس مثّل نجاحاً سياسياً للإدارة الأمريكية. إذ يبدو أن شهادتهما المشتركة أدت إلى كبح معارضة الكونغرس لسياسة الرئيس بوش في العراق بشكل ملحوظ. أما الإعلان عن خطط لإجراء تخفيض محدود في عديد القوات الأمريكية العاملة في العراق ـ الذي أكده بوش بعد صدوره بأيام قليلة ـ وعلى الرغم من اعتماد تلك الخطط الكبيرة على التطورات الميدانية، فقد كان إعلاناً كافياً لوقف مطالب الكونغرس بانسحاب أسرع وأكثر حزماًً. وهكذا، تركز النقاش في الدوائر السياسية في واشنطن على ما سيفعله الرئيس الأمريكي القادم الذي سيتولى مهام منصبه في يناير 2009، بتركة العراق التي سيرثها عن الرئيس بوش. ويسود الاعتقاد الآن بأن خلَف الرئيس بوش سيرث على الأقل مائة ألف جندي أمريكي منتشرين في العراق. لذا، خف الضغط المفروض على الرئيس بوش نفسه بشكل كبير، لكن التحدي الذي سيواجهه مرشحو الرئاسة القادمون أصبح أكثر تعقيداً.
::/fulltext::
::cck::2468::/cck::
