حـول نتائـج الفشـل فـي العـراق 1/2

::cck::2187::/cck::
::introtext::

كرر الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في الذكرى الرابعة لاحتلال العراق، وجهة نظره التي ظل يعبر عنها في كثير من الأحيان وهي أن أي انسحاب مبكر من العراق سيلحق (ضرراً هائلاً) بالأمن الأمريكي. ويعد السيناتور جون ماك كين من أشد المتحمسين لهذا الرأي، رغم أنه يفضل وصف تبعات الانسحاب بـ (الكارثية) و(المأساوية) و(القاتلة). ويبدو أن عدداً ممن ينتقدون الحرب يشككون في ذلك التقييم – فأولئك الذين يؤيدون الانسحاب الفوري لا يشكون في كارثية العملية نفسها، وإنما يرغبون عوضاً عن ذلك بالتعايش مع نتائجها الحتمية المريعة. 

::/introtext::
::fulltext::

كرر الرئيس الأمريكي جورج بوش في الذكرى الرابعة لاحتلال العراق، وجهة نظره التي ظل يعبر عنها في كثير من الأحيان وهي أن أي انسحاب مبكر من العراق سيلحق (ضرراً هائلاً) بالأمن الأمريكي. ويعد السيناتور جون ماك كين من أشد المتحمسين لهذا الرأي، رغم أنه يفضل وصف تبعات الانسحاب بـ (الكارثية) و(المأساوية) و(القاتلة). ويبدو أن عدداً ممن ينتقدون الحرب يشككون في ذلك التقييم – فأولئك الذين يؤيدون الانسحاب الفوري لا يشكون في كارثية العملية نفسها، وإنما يرغبون عوضاً عن ذلك بالتعايش مع نتائجها الحتمية المريعة.

وإذا كان هناك، في الحقيقة، من رأي واحد يوحد بين كل الحجج المختلفة حول السياسة الحالية، فإنه هذا: إذا كانت الولايات المتحدة تريد سحب قواتها من العراق، فإن المنطقة ستغرق في حالة غير مسبوقة من الفوضى والاضطرابات والعنف الدامي. فالسنة والشيعة سيدخلون في حرب إبادة طاحنة؛ وسيكون تنظيم القاعدة، الذي سيشعر بالأمان ولن تطاله يد العدالة بعد ذلك، قادراً على تجنيد الآلاف من الشباب وشن مزيد من الهجمات؛ وستنتشر الحرب في كافة أنحاء المنطقة وربما تتجاوزها، لتصل في النهاية إلى شواطئ الولايات المتحدة. وستزداد وتيرة الأعمال الإرهابية وسترتفع أسعار النفط، مما سيتسبب في كارثة إنسانية حتمية فريدة من نوعها. لا عجب إذن، أن نرى الرئيس بوش وقد ضاعف من الجهود الأمريكية لتحقيق الاستقرار في المنطقة.

ومن حسن حظ بلد على وشك الانهيار والهزيمة، أن حدوث أي من تلك الكوارث أمر مستبعد كثيراً، حتى في أعقاب أي انسحاب سريع للقوات الأمريكية منه. وهناك من الأسباب ما يجعلنا نقتنع بأن عراق ما بعد الاحتلال لن يشكل خطراً شديداً على الاستقرار الدولي كما يظن الكثير من الناس. يضاف إلى ذلك أنه حتى في حال حدوث أسوأ ما يمكن تخيله من السيناريوهات المحتملة، فإن الوضع لن يكون مزرياً إلى ذلك الحد الذي صوره لنا المتشائمون. وعلى ذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تنسحب من العراق من دون التسبب بخطر كبير لا على نفسها ولا على حلفائها أو على المنطقة. فاستمرار الاحتلال يجب ألا يكون على حساب الخوف من المستقبل.

ملخص للتوقعات المستقبلية

تستند كل خيارات السياسة المتبعة إلى التنبؤات الغيبية. فَلَوْ كنا نعتقد، على سبيل المثال، أن سقوط نظام صدام حسين كان يمكن أن ينتج ديمقراطية ناجحة متأثرة بالسوق – كأنها اليابان – خلال خمس سنوات، وبلداً يقدم مثالاً مشرقاً للمنطقة وانحسار موجة العداء للأمريكيين في العالم العربي، لكان من الممكن لخيار الدخول في الحرب أن يكون سهلاً. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إذا كنا نعتقد أيضاً أن الحرب في العراق ستخلق حالة من الضعف، وستؤدي إلى حرب عصابات استنزافية تعيد الحياة إلى نهج الأصولية، فمن كان سيؤيدها يا ترى؟ لقد كانت رؤية الرئيس بوش لمستقبل ما بعد صدام حاسمة في تحديد خياراتها التي أدت إلى وقوع الحرب. لهذا يعد تقييم التنبؤات إحدى أهم المهام التي تواجه صناع القرار.

ويمكن لمن يدرسون التنبؤات المستقبلية في الشؤون الدولية أن يعرضوا ثلاث قواعد بسيطة وعملية لمساعدة أولئك الذين يتحملون وزر اتخاذ قرارات السياسة الخارجية. وطالما أنه لا يوجد أحد معصوم من الخطأ بالطبع، فإنهم على الأقل سيساعدون على التمييز بين النتائج المحتملة وغير المحتملة، ويجب عليهم أن يمكنوا صناع السياسة من حساب المخاطر الواقعية للسياسة المتبعة. وهم متفقون جميعاً على أن ما سيحصل في العراق ربما يكون أقل كارثياً من النظرة التشاؤمية الحالية.

القاعدة الأولى وربما الأكثر وضوحاً، هي أن على صناع السياسة أن يتذكروا دائماً أن (ما لم يسبق له مثيل فهو غير محتمل أيضاً). والاحتمالات البعيدة واردة في الأحداث الدولية، لكن الماضي عموماً هو خير دليل يوجهنا نحو المستقبل. وكون الكوارث الجيو سياسية التي يتوقع المتشائمون حدوثها في أعقاب الانسحاب الأمريكي من العراق، هي غير مسبوقة في الواقع، فإن الحس العام يجب أن ينبه صناع السياسة إلى أنها غير محتملة أيضاً. ويجب أن يكون الزعماء الأمريكيون قد أدركوا قبل خمس سنوات بأن تنبؤاتهم لما يمكن أن يحصل بعد احتلال العراق – حالة من الفوضى الخلاقة الإيجابية تتسبب في قيام عدد من الديمقراطيات في الشرق الأوسط – كانت غير مسبوقة. وقد استندت السياسة المتبعة إلى إيمان لا يتزعزع لدى الرئيس بوش بالقدرة الإصلاحية للديمقراطية أكثر منها على فهم راسخ للعلاقات الدولية. لكن تحقيق النجاح فيها، مثلها مثل كل السياسات ذات الأساس الإيماني، كان سيتطلب حدوث معجزة ما؛ غير أن السياسة الدولية لسوء الحظ، لا تنطوي على معجزات إلا فيما ندر من الحالات. وهكذا نرى أن الإيمان هو الذي يتحكم مرة أخرى بتنبؤات ما بعد الانسحاب من العراق، لكن الإيمان هذه المرة هو إيمان بالفوضى وسيناريوهات أسوأ الأحوال.

القاعدة الثانية هي أن النتائج المتوقعة تكون عادة أسوأ مما يحصل على أرض الواقع. ويميل البشر إلى التركيز على أكثر السيناريوهات رعباً على حساب أكثرها احتمالاً، ويتوقعون أن تكون النتائج أسوأ بكثير مما يحدث عادة. وهذا صحيح وخاصة في الولايات المتحدة، التي هولت من المخاطر التي تتربص بالنظام العالمي لأسباب مختلفة، ولم يكن عراق ما قبل الحرب استثناءً؛ ولا حتى عراق ما بعد الحرب. وقد يتم الشعور بأهم نتائج الفشل في الولايات المتحدة في مجال السياسة الداخلية وليس في مجال الأمن القومي.

القاعدة الثالثة حول التنبؤات المستقبلية هي أن الكره الإنساني الطبيعي للهزيمة يشوه أي تقييم عقلاني للنتائج المحتملة. فلا أحد يحب الخسارة، بالطبع؛ ويقال إن سباركي أندرسون، الفيلسوف الهاوي والذي كان مديراً لفريق البيسبول لفترة طويلة، كان أول من لاحظ أن الخسارة تسبب ضعفي ما يمكن أن يسببه الفوز من شعور بالارتياح. وقد أدرك علماء النفس منذ أمد بعيد أن التفكير بالفشل يظل يطارد الإنسان بدرجة أكبر من استلهام النجاح. ويمكن أن يقع صناع السياسة في الفخ بسهولة فيتصورون أن الحرب ما هي إلا سباق إرادات، وليست ممارسة للسياسة ولكن بأساليب أخرى، وهو ما يحفز السعي إلى تحقيق النصر لأجل النصر بحد ذاته، سواء كان ذلك يخدم مصلحة البلاد أم لا. وربما تستمر الحرب بين الدول حتى لفترة طويلة بعد توقفها وذلك خدمة لمصالحها.

وطبقاً للحكمة المعمول بها حالياً، فإن هناك ثلاث كوارث رئيسية تلي الفشل عادة، هي: زيادة وتيرة الإرهاب الإسلامي، الفوضى الإقليمية والكوارث الإنسانية. ولكن، في حال كانت الملاحظات الثلاث التي ذكرناها قبل قليل صحيحة، فإن أياً من هذه النتائج الثلاث لا تبدو محتملة.

الفشل سيؤدي إلى زيادة في وتيرة الأعمال الإرهابية ضد أمريكا وحلفائها على نطاق واسع

زيادة وتيرة الإرهاب

ربما تكون الحجة الأقوى للبقاء في العراق هي أن الفشل سيؤدي إلى زيادة على نطاق واسع في وتيرة الأعمال الإرهابية ضد الولايات المتحدة وحلفائها. وهذا بالتأكيد هو أكثر سبب تستند إليه إدارة الرئيس بوش في تبريرها لاستمرار الاحتلال. ففي خطاب تولي سدة الرئاسة الذي ألقاه في الثاني والعشرين من مايو 2007 في أكاديمية خفر السواحل وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في اليوم التالي، ردد الرئيس بوش كلمة (القاعدة) 67 مرة. ومن بين التعابير التي لم يستعملها، حتى ولو لمرة واحدة، تعابير (الحرب الأهلية)، (التمرد)، (الميليشيا)، (الفدائي)، (فرق الموت)، (سني)، (شيعي) و(كردي). ورغم أنه لم يأت على ذكر (نوري) المالكي أو (مقتدى) الصدر أوكل الزعماء العراقيين الآخرين الذين لا يحملون اسم (حسين)، فقد ردد اسم (أسامة بن لادن) 14 مرة.

ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تعتبر الحرب في العراق جبهتها المركزية في (الحرب على الإرهاب)، وتريد من الشعب الأمريكي أن يعتقد بأن الانسحاب من العراق سيعزز من حركة التطرف العالمية، سواء معنوياً أو عملياً. فسيؤكد مثل هذا النصر، أولاً، ادعاء (القاعدة) المتكرر بأن الولايات المتحدة ما هي إلا (نمر من ورق) غير راغب أو غير قادر على مواصلة الحرب حتى النهاية، وهو ما سيعزز من الجهود التي تبذلها القاعدة لتجنيد عناصر جديدة معها. ثانياً، سيجد زعماء القاعدة الجدد ملجأً مناسباً لهم في العراق الذي تعمه الفوضى والاضطرابات، وهو ما من شأنه أن يوفر قاعدة آمنة لأي عدد من العمليات الإرهابية في كافة أنحاء المنطقة وحول العالم. أخيراً، سيلاحق العنف في النهاية القوات الأمريكية إلى عقر دارها وسيُنقل الجهاد إلى الولايات المتحدة – وهو اعتقاد عبر عنه الرئيس بوش عشرات المرات، ولكن بطرق مختلفة، كما أنه بات يشكل قناعة راسخة ضمن الدوائر المتشددة.

وسواء أُخذ أي من هذه الأسباب الثلاثة في الاعتبار منفرداً أو أُخذت كلها مجتمعة، فإنها لحسن الحظ لا تشكل حجة مقنعة أبداً.

المصداقية و(النمور الورقية) والجهاد

 (إن مصداقيتنا مهددة بالضياع في الشرق الأوسط. وبات عدد كبير من دول الشرق الأوسط يتساءل عما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية عازمة على مواصلة الحرب ضد الراديكاليين والمتطرفين، بغض النظر عن مرجعيتهم الدينية).

(الرئيس بوش، 24 مايو 2007)

بات أمراً شائعاً جداً أن تتم مقارنة العراق بفيتنام. ورغم أوجه الخلاف الكبيرة بين الحالتين، إلا أن هناك تشابهاً واضحاً بينهما وهو أن بعض الدوائر تعتقد أن الفشل سيوجه صفعة قوية للمصداقية الأمريكية، مع ما يترتب على ذلك من تبعات سلبية على المدى البعيد. ففيتنام نفسها لم تحظ يوماً باهتمام الولايات المتحدة، لكن أهمية الحفاظ على التزامات موثوقة أرغمت واشنطن على البقاء منشغلة بفيتنام حتى بعد فترة طويلة من اتضاح النتائج. وبالطريقة نفسها يجادل صناع سياسة اليوم بأن (القاعدة) وجدت إلهاماً عظيماً من الكوارث التي لحقت بالقوات الأمريكية في لبنان والصومال. فدعاية القاعدة في الحقيقة تتحدث عن نمط من الأحداث التي وقعت في العاصمة الصومالية مقديشو والتي صورت المعركة وكأنها نصر مجيد لقوات الإسلام، وليس على أنها قضية أحادية الجانب انطوت على تحريض جماعات من الصوماليين غير المدربين ضد نخبة جنود أقوى وأفضل جيش في العالم. ويبدو أن ما حصل في الصومال ولبنان بات جزءاً من رواية ابن لادن المغلوطة للتاريخ. فهل سيؤدي الانسحاب من العراق إلى توجيه ضربة قاصمة للدعاية التي يروجها أسامة بن لادن وغيره من الراديكاليين وتقلبها؟

هناك من الأسباب ما يدعو للاعتقاد بأن الإجابة عن هذا السؤال هي (لا)، وللتشكيك في الرأي القائل إن الحفاظ على مصداقية أمريكا سيجعلها أكثر أماناً.

أولاً، لا يبدو أن المستويات النسبية للمصداقية الأمريكية أثرت في حسابات الإرهابيين في الماضي. فقد شن الإسلاميون هجماتهم حتى في ذروة المصداقية الأمريكية، كما حصل قي أعقاب حرب الخليج الأولى الناجحة، والضربات الجوية في كوسوفو وسقوط نظام طالبان؛ وكذلك عندما كانت المصداقية عند أدنى مستوياتها، كما حصل بعد الصومال وفي خضم الجدل الدائر حالياً حول العراق. ومن غير المحتمل أن تكون (القاعدة) بحاجة لإثباتات حول عجز الولايات المتحدة كي يلهم ذلك تصرفاتها. ومن الخطأ تماماً أن نعتقد أنه لو لم يتم سحب القوات الأمريكية من لبنان أو من الصومال، لكانت القاعدة تصرفت بطريقة مختلفة على مدار التسعينات من القرن الماضي. وكي تكون هذه الحكمة التقليدية حول أهمية المصداقية في (الحرب على الإرهاب) صحيحة، فإن سلوك القاعدة وتصرفاتها كان يجب أن يكون مختلفاً لو لم تسحب الولايات المتحدة قواتها من الصومال. فإذا كانت المجموعة ستشن هجماتها بأي طريقة من الطرق – ومن المعقول جداً أن نعتقد بذلك – فإن التصورات بشأن مصداقية الولايات المتحدة لن تكون ذات أهمية خاصة. ومن المفترض أن الإسلاميين لا ينتظرون أي نصر عظيم قبل أن (يتجرأوا) على شن هجمة جديدة. فهي بكل المقاييس جريئة بما فيه الكفاية الآن. ولو كانت لدى مثل هذه المنظمات قدرة على شن الهجمات، لكان من المفترض أن تقوم بذلك ومن دون تردد، بغض النظر عن مستوى مصداقية عدوها الكبير.

الإدارة الأمريكية تعتبر الحرب في العراق جبهتها المركزية في الحرب على الإرهاب

ثانياً، من المحتمل أن تظل تصورات القاعدة للمصداقية الأمريكية ووصفها لها غير خاضعة لتأثير محاولات واشنطن السيطرة عليها. فاستراتيجية الطرف الضعيف في حالات الاختلال الشديد في موازين القوى يجب أن تستند دائماً إلى فرضية أن العناصر الأخلاقية والمعنوية ستثبت أنها حاسمة، رغم أنها قد لا تكون قادرة على تسخير كل الإمكانيات الحقيقية لربح الحرب. فعلى سبيل المثال، نظراً لافتقار المجاهدين في أفغانستان للقوة العسكرية التي تمكنهم من إجبار عدوهم على التراجع، فإنهم لجؤوا إلى إقناع مقاتليهم بأن الاتحاد السوفييتي سيثبت أنه في حيرة من أمره، وأن المقاومة لم تكن عديمة الجدوى تماماً. وبالطريقة نفسها، سيلجأ ابن لادن إلى وصف الولايات المتحدة بأنها (نمر من ورق) وإلا فإنه لن يجد من يقف إلى جانبه. ومهما كان سلوك الأقوياء في الحقيقة، فإن الضعفاء سيتهمونهم بالتردد والحيرة. ونظراً لانعدام الأمل بالنجاح بالنسبة لمجموعات المجاهدين من دون حدوث تردد وتذبذب في مواقف القوة العظمى، فإنه من غير المحتمل أن يؤدي أي مستوى من المصداقية إلى دفع هذه المجموعات لترك ذلك الاعتقاد أو الطموح.

وهل سيساعد أي انسحاب أمريكي أسامة بن لادن على إثبات ما سيقوله حتماً حول التردد الأمريكي؟ هناك احتمال بألا يكون ذلك صحيحاً، لأن القاعدة وحلفاءها لم يظهروا أبداً أي اهتمام كبير بدقة بياناتهم وتصريحاتهم. فبغض النظر عما تقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها، من المحتمل أن يلجأ ابن لادن إلى قلب الحقائق ويجادل بأن أي عمل قادم هو برهان جديد على ما يدعيه. وهناك عدد من مناطق العالم يتعاطف سكانها كثيراً مع الحجة التي تقول إن الولايات المتحدة ما هي في الحقيقة إلا (نمر من ورق)، يتسم بالضعف والفساد وانعدام الأخلاق، رغم قوتها الظاهرة. وعلى ما يبدو فإن منطقة الشرق الأوسط، حيث تجد نظريات المؤامرة في أغلب الأحيان مؤيدين لها، هي أرض خصبة لتفسيرات ابن لادن للتردد الأمريكي. بعبارة أخرى، من المحتمل ألا يكون للتصرفات الأمريكية تأثير مباشر في تفسير المصداقية الأمريكية في المنطقة أو في نتائج (الحرب على الإرهاب)، سلباً أم إيجاباً.

يبدو أن ما حصل في الصومال ولبنان بات جزءاً من رواية ابن لادن المغلوطة للتاريخ

أخيراً، من غير المحتمل أن يكون انعدام المصداقية الأمريكية لصالح ضم عناصر جديدة إلى صفوف القاعدة. فقد لا تكون الحركة الإسلامية قادرة في النهاية على توجيه دعوات الانضمام إلى صفوفها. إذ قد يتسبب إنهاء الحرب في العراق، في الحقيقة، بإلحاق الضرر بالجهود التعبوية التي تبذلها الجماعات الإرهابية، نظراً لكون الاحتلال الأمريكي يشكل إلهاماً على ما يبدو للجهاديين الجدد في كافة أنحاء المنطقة. كما أن الدعم المستمر وغير المشروط لإسرائيل (من جانب الولايات المتحدة) يزيد من إطلاق الشعارات التعبوية أكثر بكثير مما يتسبب به الانسحاب من العراق. ومن غير المنطقي أن نعتقد أن عملية تعبئة وتجنيد المتطرفين ستتحسن عندما تنسحب الولايات المتحدة من العراق، لأن الانسحاب لا يمكن أن يفيد القاعدة بدرجة أكبر مما يفيدها الوجود المستمر للقوات الأمريكية في الأراضي العربية. وإذا كانت واشنطن قلقة حقاً بشأن أعداد الإرهابيين الإسلاميين فإن أفضل ما يمكن أن تقوم به هو الانسحاب الفوري من العراق.

قد تؤدي مراجعة التاريخ إلى قليل من الارتياح والوضوح. فالعديد من المحللين أنفسهم الذين يحذرون من كوارث ما بعد العراق قالوا أيضاً إن فشل الولايات المتحدة في فيتنام سيوجه صفعة قوية إلى المصداقية الأمريكية ستكون لها نتائج مريعة. ولم تخرج وجهات نظر هنري كيسنجر على الإطلاق عن هذه القاعدة، فقد كان يرى أن الانسحاب من فيتنام سيهدد (الاستقرار السياسي لأوروبا واليابان والتطور المستقبلي للدول النامية في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا)، وسيشكل ( تهديداً أساسياً، لفترة من الزمن، لأمن الولايات المتحدة). وكان يمكن للسوفييت أن يتجرأوا على نشر الشيوعية عبر أرجاء العالم الثالث؛ وكان يمكن أيضاً لحلفاء أمريكا أن يبدأوا بالشك بمدى إخلاصنا في الوفاء بالتزاماتنا، وأن يصبحوا ضعفاء في وجه التهديد والتخويف السوفييتي؛ وكان يمكن لتلك البلدان التي تقف موقفاً محايداً أن تبدأ بالاعتقاد بأن الماركسية هي أمل المستقبل. وكذلك كان يمكن للديمقراطيات أن تنهار، وكان يمكن أخيراً للولايات المتحدة أن تُترك في حال أسوأ مما كانت عليه قبل ذلك.

إلا أن الكوارث الجيو-سياسية الدولية لم تعقب الهزيمة في فيتنام. ورغم توسع المد الشيوعي بعض الشيء في السبعينات من القرن الماضي، فإن ذلك لم يحدث إلا في البلدان التي كان لها ارتباط ضعيف بميزان القوى في فيتنام، مثل كمبوديا وأنغولا وإثيوبيا وموزامبيق. وكما أشار مفكرون من أمثال تيد هوبف وروبرت جونسون، فإن روح المغامرة السوفييتية لم تزد في السبعينات، إذ إن الأحداث التي حصلت في دول الجوار كانت مجرد ردات فعل على تغيير الفرص، مثل انهيار حكم إثيوبيا الملكي والإمبراطورية البرتغالية، وليست عجزاً من جانب الولايات المتحدة. ومن الصعب جداً أن يقتنع أحد بأن هذه الديمقراطيات الإقليمية كانت تعتمد على خسارة متوقعة للمصداقية الأمريكية. ولم يكن ما حدث هو أن الكوارث لم تعقب انهيار جنوب فيتنام فقط، وإنما نهاية الحرب الباردة بعد 14 سنة. وهكذا تثبت مخاوف أولئك الذين يتخذون القرارات المثبطة بأنه لا أساس لها على الإطلاق.

وبالكاد كانت حالة فيتنام فريدة من نوعها. وخلال الحرب الباردة، عمل أولئك الحريصون على حماية مصداقية الولايات المتحدة على دعم الخيارات الأكثر تشدداً في كل النقاشات التي كانت تدور حول السياسات المتبعة، وحذروا من النتائج غير المعقولة للفشل. هذا النمط التنبؤي يعيد نفسه ثانية في النقاشات الدائرة حول ما يجب فعله في أعقاب الكارثة في العراق. وكان وزير الدفاع الأمريكي السابق ميلفن ليرد قد حذر (من أن الحظوظ قد لا تكون أعلى بالنسبة للوجود المستمر لديمقراطيتنا الخاصة). ويخشى كيسنجر من أن يكون الانسحاب المبكر من العراق كارثياً بالنسبة لمواقف أمريكا في العالم، ومن أن (تأجيل الأعمال العسكرية سيكون قصير الأمد قبل أن تحل بنا أزمات أعظم). ونظراً لكون الهزيمة في فيتنام لم تؤد إلى أي من الكوارث المتوقعة، فربما سيكون عبء البرهان ملقى على عاتق أولئك الذين يجادلون اليوم بأن وضع العراق مختلف عن فيتنام، وأن كوارث غير مسبوقة ستعقب الفشل فيه. وعلى الأقل، ستكون الحكمة التقليدية التي تتحدث عن الكوارث الحتمية التي ستعقب الانسحاب الأمريكي من العراق بحاجة ماسة إلى إعادة النظر فيها. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::2187::/cck::
::introtext::

كرر الرئيس الأمريكي جورج دبليو بوش في الذكرى الرابعة لاحتلال العراق، وجهة نظره التي ظل يعبر عنها في كثير من الأحيان وهي أن أي انسحاب مبكر من العراق سيلحق (ضرراً هائلاً) بالأمن الأمريكي. ويعد السيناتور جون ماك كين من أشد المتحمسين لهذا الرأي، رغم أنه يفضل وصف تبعات الانسحاب بـ (الكارثية) و(المأساوية) و(القاتلة). ويبدو أن عدداً ممن ينتقدون الحرب يشككون في ذلك التقييم – فأولئك الذين يؤيدون الانسحاب الفوري لا يشكون في كارثية العملية نفسها، وإنما يرغبون عوضاً عن ذلك بالتعايش مع نتائجها الحتمية المريعة. 

::/introtext::
::fulltext::

كرر الرئيس الأمريكي جورج بوش في الذكرى الرابعة لاحتلال العراق، وجهة نظره التي ظل يعبر عنها في كثير من الأحيان وهي أن أي انسحاب مبكر من العراق سيلحق (ضرراً هائلاً) بالأمن الأمريكي. ويعد السيناتور جون ماك كين من أشد المتحمسين لهذا الرأي، رغم أنه يفضل وصف تبعات الانسحاب بـ (الكارثية) و(المأساوية) و(القاتلة). ويبدو أن عدداً ممن ينتقدون الحرب يشككون في ذلك التقييم – فأولئك الذين يؤيدون الانسحاب الفوري لا يشكون في كارثية العملية نفسها، وإنما يرغبون عوضاً عن ذلك بالتعايش مع نتائجها الحتمية المريعة.

وإذا كان هناك، في الحقيقة، من رأي واحد يوحد بين كل الحجج المختلفة حول السياسة الحالية، فإنه هذا: إذا كانت الولايات المتحدة تريد سحب قواتها من العراق، فإن المنطقة ستغرق في حالة غير مسبوقة من الفوضى والاضطرابات والعنف الدامي. فالسنة والشيعة سيدخلون في حرب إبادة طاحنة؛ وسيكون تنظيم القاعدة، الذي سيشعر بالأمان ولن تطاله يد العدالة بعد ذلك، قادراً على تجنيد الآلاف من الشباب وشن مزيد من الهجمات؛ وستنتشر الحرب في كافة أنحاء المنطقة وربما تتجاوزها، لتصل في النهاية إلى شواطئ الولايات المتحدة. وستزداد وتيرة الأعمال الإرهابية وسترتفع أسعار النفط، مما سيتسبب في كارثة إنسانية حتمية فريدة من نوعها. لا عجب إذن، أن نرى الرئيس بوش وقد ضاعف من الجهود الأمريكية لتحقيق الاستقرار في المنطقة.

ومن حسن حظ بلد على وشك الانهيار والهزيمة، أن حدوث أي من تلك الكوارث أمر مستبعد كثيراً، حتى في أعقاب أي انسحاب سريع للقوات الأمريكية منه. وهناك من الأسباب ما يجعلنا نقتنع بأن عراق ما بعد الاحتلال لن يشكل خطراً شديداً على الاستقرار الدولي كما يظن الكثير من الناس. يضاف إلى ذلك أنه حتى في حال حدوث أسوأ ما يمكن تخيله من السيناريوهات المحتملة، فإن الوضع لن يكون مزرياً إلى ذلك الحد الذي صوره لنا المتشائمون. وعلى ذلك، يمكن للولايات المتحدة أن تنسحب من العراق من دون التسبب بخطر كبير لا على نفسها ولا على حلفائها أو على المنطقة. فاستمرار الاحتلال يجب ألا يكون على حساب الخوف من المستقبل.

ملخص للتوقعات المستقبلية

تستند كل خيارات السياسة المتبعة إلى التنبؤات الغيبية. فَلَوْ كنا نعتقد، على سبيل المثال، أن سقوط نظام صدام حسين كان يمكن أن ينتج ديمقراطية ناجحة متأثرة بالسوق – كأنها اليابان – خلال خمس سنوات، وبلداً يقدم مثالاً مشرقاً للمنطقة وانحسار موجة العداء للأمريكيين في العالم العربي، لكان من الممكن لخيار الدخول في الحرب أن يكون سهلاً. هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إذا كنا نعتقد أيضاً أن الحرب في العراق ستخلق حالة من الضعف، وستؤدي إلى حرب عصابات استنزافية تعيد الحياة إلى نهج الأصولية، فمن كان سيؤيدها يا ترى؟ لقد كانت رؤية الرئيس بوش لمستقبل ما بعد صدام حاسمة في تحديد خياراتها التي أدت إلى وقوع الحرب. لهذا يعد تقييم التنبؤات إحدى أهم المهام التي تواجه صناع القرار.

ويمكن لمن يدرسون التنبؤات المستقبلية في الشؤون الدولية أن يعرضوا ثلاث قواعد بسيطة وعملية لمساعدة أولئك الذين يتحملون وزر اتخاذ قرارات السياسة الخارجية. وطالما أنه لا يوجد أحد معصوم من الخطأ بالطبع، فإنهم على الأقل سيساعدون على التمييز بين النتائج المحتملة وغير المحتملة، ويجب عليهم أن يمكنوا صناع السياسة من حساب المخاطر الواقعية للسياسة المتبعة. وهم متفقون جميعاً على أن ما سيحصل في العراق ربما يكون أقل كارثياً من النظرة التشاؤمية الحالية.

القاعدة الأولى وربما الأكثر وضوحاً، هي أن على صناع السياسة أن يتذكروا دائماً أن (ما لم يسبق له مثيل فهو غير محتمل أيضاً). والاحتمالات البعيدة واردة في الأحداث الدولية، لكن الماضي عموماً هو خير دليل يوجهنا نحو المستقبل. وكون الكوارث الجيو سياسية التي يتوقع المتشائمون حدوثها في أعقاب الانسحاب الأمريكي من العراق، هي غير مسبوقة في الواقع، فإن الحس العام يجب أن ينبه صناع السياسة إلى أنها غير محتملة أيضاً. ويجب أن يكون الزعماء الأمريكيون قد أدركوا قبل خمس سنوات بأن تنبؤاتهم لما يمكن أن يحصل بعد احتلال العراق – حالة من الفوضى الخلاقة الإيجابية تتسبب في قيام عدد من الديمقراطيات في الشرق الأوسط – كانت غير مسبوقة. وقد استندت السياسة المتبعة إلى إيمان لا يتزعزع لدى الرئيس بوش بالقدرة الإصلاحية للديمقراطية أكثر منها على فهم راسخ للعلاقات الدولية. لكن تحقيق النجاح فيها، مثلها مثل كل السياسات ذات الأساس الإيماني، كان سيتطلب حدوث معجزة ما؛ غير أن السياسة الدولية لسوء الحظ، لا تنطوي على معجزات إلا فيما ندر من الحالات. وهكذا نرى أن الإيمان هو الذي يتحكم مرة أخرى بتنبؤات ما بعد الانسحاب من العراق، لكن الإيمان هذه المرة هو إيمان بالفوضى وسيناريوهات أسوأ الأحوال.

القاعدة الثانية هي أن النتائج المتوقعة تكون عادة أسوأ مما يحصل على أرض الواقع. ويميل البشر إلى التركيز على أكثر السيناريوهات رعباً على حساب أكثرها احتمالاً، ويتوقعون أن تكون النتائج أسوأ بكثير مما يحدث عادة. وهذا صحيح وخاصة في الولايات المتحدة، التي هولت من المخاطر التي تتربص بالنظام العالمي لأسباب مختلفة، ولم يكن عراق ما قبل الحرب استثناءً؛ ولا حتى عراق ما بعد الحرب. وقد يتم الشعور بأهم نتائج الفشل في الولايات المتحدة في مجال السياسة الداخلية وليس في مجال الأمن القومي.

القاعدة الثالثة حول التنبؤات المستقبلية هي أن الكره الإنساني الطبيعي للهزيمة يشوه أي تقييم عقلاني للنتائج المحتملة. فلا أحد يحب الخسارة، بالطبع؛ ويقال إن سباركي أندرسون، الفيلسوف الهاوي والذي كان مديراً لفريق البيسبول لفترة طويلة، كان أول من لاحظ أن الخسارة تسبب ضعفي ما يمكن أن يسببه الفوز من شعور بالارتياح. وقد أدرك علماء النفس منذ أمد بعيد أن التفكير بالفشل يظل يطارد الإنسان بدرجة أكبر من استلهام النجاح. ويمكن أن يقع صناع السياسة في الفخ بسهولة فيتصورون أن الحرب ما هي إلا سباق إرادات، وليست ممارسة للسياسة ولكن بأساليب أخرى، وهو ما يحفز السعي إلى تحقيق النصر لأجل النصر بحد ذاته، سواء كان ذلك يخدم مصلحة البلاد أم لا. وربما تستمر الحرب بين الدول حتى لفترة طويلة بعد توقفها وذلك خدمة لمصالحها.

وطبقاً للحكمة المعمول بها حالياً، فإن هناك ثلاث كوارث رئيسية تلي الفشل عادة، هي: زيادة وتيرة الإرهاب الإسلامي، الفوضى الإقليمية والكوارث الإنسانية. ولكن، في حال كانت الملاحظات الثلاث التي ذكرناها قبل قليل صحيحة، فإن أياً من هذه النتائج الثلاث لا تبدو محتملة.

الفشل سيؤدي إلى زيادة في وتيرة الأعمال الإرهابية ضد أمريكا وحلفائها على نطاق واسع

زيادة وتيرة الإرهاب

ربما تكون الحجة الأقوى للبقاء في العراق هي أن الفشل سيؤدي إلى زيادة على نطاق واسع في وتيرة الأعمال الإرهابية ضد الولايات المتحدة وحلفائها. وهذا بالتأكيد هو أكثر سبب تستند إليه إدارة الرئيس بوش في تبريرها لاستمرار الاحتلال. ففي خطاب تولي سدة الرئاسة الذي ألقاه في الثاني والعشرين من مايو 2007 في أكاديمية خفر السواحل وخلال المؤتمر الصحفي الذي عقده في اليوم التالي، ردد الرئيس بوش كلمة (القاعدة) 67 مرة. ومن بين التعابير التي لم يستعملها، حتى ولو لمرة واحدة، تعابير (الحرب الأهلية)، (التمرد)، (الميليشيا)، (الفدائي)، (فرق الموت)، (سني)، (شيعي) و(كردي). ورغم أنه لم يأت على ذكر (نوري) المالكي أو (مقتدى) الصدر أوكل الزعماء العراقيين الآخرين الذين لا يحملون اسم (حسين)، فقد ردد اسم (أسامة بن لادن) 14 مرة.

ومن الواضح أن الإدارة الأمريكية تعتبر الحرب في العراق جبهتها المركزية في (الحرب على الإرهاب)، وتريد من الشعب الأمريكي أن يعتقد بأن الانسحاب من العراق سيعزز من حركة التطرف العالمية، سواء معنوياً أو عملياً. فسيؤكد مثل هذا النصر، أولاً، ادعاء (القاعدة) المتكرر بأن الولايات المتحدة ما هي إلا (نمر من ورق) غير راغب أو غير قادر على مواصلة الحرب حتى النهاية، وهو ما سيعزز من الجهود التي تبذلها القاعدة لتجنيد عناصر جديدة معها. ثانياً، سيجد زعماء القاعدة الجدد ملجأً مناسباً لهم في العراق الذي تعمه الفوضى والاضطرابات، وهو ما من شأنه أن يوفر قاعدة آمنة لأي عدد من العمليات الإرهابية في كافة أنحاء المنطقة وحول العالم. أخيراً، سيلاحق العنف في النهاية القوات الأمريكية إلى عقر دارها وسيُنقل الجهاد إلى الولايات المتحدة – وهو اعتقاد عبر عنه الرئيس بوش عشرات المرات، ولكن بطرق مختلفة، كما أنه بات يشكل قناعة راسخة ضمن الدوائر المتشددة.

وسواء أُخذ أي من هذه الأسباب الثلاثة في الاعتبار منفرداً أو أُخذت كلها مجتمعة، فإنها لحسن الحظ لا تشكل حجة مقنعة أبداً.

المصداقية و(النمور الورقية) والجهاد

 (إن مصداقيتنا مهددة بالضياع في الشرق الأوسط. وبات عدد كبير من دول الشرق الأوسط يتساءل عما إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية عازمة على مواصلة الحرب ضد الراديكاليين والمتطرفين، بغض النظر عن مرجعيتهم الدينية).

(الرئيس بوش، 24 مايو 2007)

بات أمراً شائعاً جداً أن تتم مقارنة العراق بفيتنام. ورغم أوجه الخلاف الكبيرة بين الحالتين، إلا أن هناك تشابهاً واضحاً بينهما وهو أن بعض الدوائر تعتقد أن الفشل سيوجه صفعة قوية للمصداقية الأمريكية، مع ما يترتب على ذلك من تبعات سلبية على المدى البعيد. ففيتنام نفسها لم تحظ يوماً باهتمام الولايات المتحدة، لكن أهمية الحفاظ على التزامات موثوقة أرغمت واشنطن على البقاء منشغلة بفيتنام حتى بعد فترة طويلة من اتضاح النتائج. وبالطريقة نفسها يجادل صناع سياسة اليوم بأن (القاعدة) وجدت إلهاماً عظيماً من الكوارث التي لحقت بالقوات الأمريكية في لبنان والصومال. فدعاية القاعدة في الحقيقة تتحدث عن نمط من الأحداث التي وقعت في العاصمة الصومالية مقديشو والتي صورت المعركة وكأنها نصر مجيد لقوات الإسلام، وليس على أنها قضية أحادية الجانب انطوت على تحريض جماعات من الصوماليين غير المدربين ضد نخبة جنود أقوى وأفضل جيش في العالم. ويبدو أن ما حصل في الصومال ولبنان بات جزءاً من رواية ابن لادن المغلوطة للتاريخ. فهل سيؤدي الانسحاب من العراق إلى توجيه ضربة قاصمة للدعاية التي يروجها أسامة بن لادن وغيره من الراديكاليين وتقلبها؟

هناك من الأسباب ما يدعو للاعتقاد بأن الإجابة عن هذا السؤال هي (لا)، وللتشكيك في الرأي القائل إن الحفاظ على مصداقية أمريكا سيجعلها أكثر أماناً.

أولاً، لا يبدو أن المستويات النسبية للمصداقية الأمريكية أثرت في حسابات الإرهابيين في الماضي. فقد شن الإسلاميون هجماتهم حتى في ذروة المصداقية الأمريكية، كما حصل قي أعقاب حرب الخليج الأولى الناجحة، والضربات الجوية في كوسوفو وسقوط نظام طالبان؛ وكذلك عندما كانت المصداقية عند أدنى مستوياتها، كما حصل بعد الصومال وفي خضم الجدل الدائر حالياً حول العراق. ومن غير المحتمل أن تكون (القاعدة) بحاجة لإثباتات حول عجز الولايات المتحدة كي يلهم ذلك تصرفاتها. ومن الخطأ تماماً أن نعتقد أنه لو لم يتم سحب القوات الأمريكية من لبنان أو من الصومال، لكانت القاعدة تصرفت بطريقة مختلفة على مدار التسعينات من القرن الماضي. وكي تكون هذه الحكمة التقليدية حول أهمية المصداقية في (الحرب على الإرهاب) صحيحة، فإن سلوك القاعدة وتصرفاتها كان يجب أن يكون مختلفاً لو لم تسحب الولايات المتحدة قواتها من الصومال. فإذا كانت المجموعة ستشن هجماتها بأي طريقة من الطرق – ومن المعقول جداً أن نعتقد بذلك – فإن التصورات بشأن مصداقية الولايات المتحدة لن تكون ذات أهمية خاصة. ومن المفترض أن الإسلاميين لا ينتظرون أي نصر عظيم قبل أن (يتجرأوا) على شن هجمة جديدة. فهي بكل المقاييس جريئة بما فيه الكفاية الآن. ولو كانت لدى مثل هذه المنظمات قدرة على شن الهجمات، لكان من المفترض أن تقوم بذلك ومن دون تردد، بغض النظر عن مستوى مصداقية عدوها الكبير.

الإدارة الأمريكية تعتبر الحرب في العراق جبهتها المركزية في الحرب على الإرهاب

ثانياً، من المحتمل أن تظل تصورات القاعدة للمصداقية الأمريكية ووصفها لها غير خاضعة لتأثير محاولات واشنطن السيطرة عليها. فاستراتيجية الطرف الضعيف في حالات الاختلال الشديد في موازين القوى يجب أن تستند دائماً إلى فرضية أن العناصر الأخلاقية والمعنوية ستثبت أنها حاسمة، رغم أنها قد لا تكون قادرة على تسخير كل الإمكانيات الحقيقية لربح الحرب. فعلى سبيل المثال، نظراً لافتقار المجاهدين في أفغانستان للقوة العسكرية التي تمكنهم من إجبار عدوهم على التراجع، فإنهم لجؤوا إلى إقناع مقاتليهم بأن الاتحاد السوفييتي سيثبت أنه في حيرة من أمره، وأن المقاومة لم تكن عديمة الجدوى تماماً. وبالطريقة نفسها، سيلجأ ابن لادن إلى وصف الولايات المتحدة بأنها (نمر من ورق) وإلا فإنه لن يجد من يقف إلى جانبه. ومهما كان سلوك الأقوياء في الحقيقة، فإن الضعفاء سيتهمونهم بالتردد والحيرة. ونظراً لانعدام الأمل بالنجاح بالنسبة لمجموعات المجاهدين من دون حدوث تردد وتذبذب في مواقف القوة العظمى، فإنه من غير المحتمل أن يؤدي أي مستوى من المصداقية إلى دفع هذه المجموعات لترك ذلك الاعتقاد أو الطموح.

وهل سيساعد أي انسحاب أمريكي أسامة بن لادن على إثبات ما سيقوله حتماً حول التردد الأمريكي؟ هناك احتمال بألا يكون ذلك صحيحاً، لأن القاعدة وحلفاءها لم يظهروا أبداً أي اهتمام كبير بدقة بياناتهم وتصريحاتهم. فبغض النظر عما تقوم به الولايات المتحدة وحلفاؤها، من المحتمل أن يلجأ ابن لادن إلى قلب الحقائق ويجادل بأن أي عمل قادم هو برهان جديد على ما يدعيه. وهناك عدد من مناطق العالم يتعاطف سكانها كثيراً مع الحجة التي تقول إن الولايات المتحدة ما هي في الحقيقة إلا (نمر من ورق)، يتسم بالضعف والفساد وانعدام الأخلاق، رغم قوتها الظاهرة. وعلى ما يبدو فإن منطقة الشرق الأوسط، حيث تجد نظريات المؤامرة في أغلب الأحيان مؤيدين لها، هي أرض خصبة لتفسيرات ابن لادن للتردد الأمريكي. بعبارة أخرى، من المحتمل ألا يكون للتصرفات الأمريكية تأثير مباشر في تفسير المصداقية الأمريكية في المنطقة أو في نتائج (الحرب على الإرهاب)، سلباً أم إيجاباً.

يبدو أن ما حصل في الصومال ولبنان بات جزءاً من رواية ابن لادن المغلوطة للتاريخ

أخيراً، من غير المحتمل أن يكون انعدام المصداقية الأمريكية لصالح ضم عناصر جديدة إلى صفوف القاعدة. فقد لا تكون الحركة الإسلامية قادرة في النهاية على توجيه دعوات الانضمام إلى صفوفها. إذ قد يتسبب إنهاء الحرب في العراق، في الحقيقة، بإلحاق الضرر بالجهود التعبوية التي تبذلها الجماعات الإرهابية، نظراً لكون الاحتلال الأمريكي يشكل إلهاماً على ما يبدو للجهاديين الجدد في كافة أنحاء المنطقة. كما أن الدعم المستمر وغير المشروط لإسرائيل (من جانب الولايات المتحدة) يزيد من إطلاق الشعارات التعبوية أكثر بكثير مما يتسبب به الانسحاب من العراق. ومن غير المنطقي أن نعتقد أن عملية تعبئة وتجنيد المتطرفين ستتحسن عندما تنسحب الولايات المتحدة من العراق، لأن الانسحاب لا يمكن أن يفيد القاعدة بدرجة أكبر مما يفيدها الوجود المستمر للقوات الأمريكية في الأراضي العربية. وإذا كانت واشنطن قلقة حقاً بشأن أعداد الإرهابيين الإسلاميين فإن أفضل ما يمكن أن تقوم به هو الانسحاب الفوري من العراق.

قد تؤدي مراجعة التاريخ إلى قليل من الارتياح والوضوح. فالعديد من المحللين أنفسهم الذين يحذرون من كوارث ما بعد العراق قالوا أيضاً إن فشل الولايات المتحدة في فيتنام سيوجه صفعة قوية إلى المصداقية الأمريكية ستكون لها نتائج مريعة. ولم تخرج وجهات نظر هنري كيسنجر على الإطلاق عن هذه القاعدة، فقد كان يرى أن الانسحاب من فيتنام سيهدد (الاستقرار السياسي لأوروبا واليابان والتطور المستقبلي للدول النامية في أمريكا اللاتينية وإفريقيا وآسيا)، وسيشكل ( تهديداً أساسياً، لفترة من الزمن، لأمن الولايات المتحدة). وكان يمكن للسوفييت أن يتجرأوا على نشر الشيوعية عبر أرجاء العالم الثالث؛ وكان يمكن أيضاً لحلفاء أمريكا أن يبدأوا بالشك بمدى إخلاصنا في الوفاء بالتزاماتنا، وأن يصبحوا ضعفاء في وجه التهديد والتخويف السوفييتي؛ وكان يمكن لتلك البلدان التي تقف موقفاً محايداً أن تبدأ بالاعتقاد بأن الماركسية هي أمل المستقبل. وكذلك كان يمكن للديمقراطيات أن تنهار، وكان يمكن أخيراً للولايات المتحدة أن تُترك في حال أسوأ مما كانت عليه قبل ذلك.

إلا أن الكوارث الجيو-سياسية الدولية لم تعقب الهزيمة في فيتنام. ورغم توسع المد الشيوعي بعض الشيء في السبعينات من القرن الماضي، فإن ذلك لم يحدث إلا في البلدان التي كان لها ارتباط ضعيف بميزان القوى في فيتنام، مثل كمبوديا وأنغولا وإثيوبيا وموزامبيق. وكما أشار مفكرون من أمثال تيد هوبف وروبرت جونسون، فإن روح المغامرة السوفييتية لم تزد في السبعينات، إذ إن الأحداث التي حصلت في دول الجوار كانت مجرد ردات فعل على تغيير الفرص، مثل انهيار حكم إثيوبيا الملكي والإمبراطورية البرتغالية، وليست عجزاً من جانب الولايات المتحدة. ومن الصعب جداً أن يقتنع أحد بأن هذه الديمقراطيات الإقليمية كانت تعتمد على خسارة متوقعة للمصداقية الأمريكية. ولم يكن ما حدث هو أن الكوارث لم تعقب انهيار جنوب فيتنام فقط، وإنما نهاية الحرب الباردة بعد 14 سنة. وهكذا تثبت مخاوف أولئك الذين يتخذون القرارات المثبطة بأنه لا أساس لها على الإطلاق.

وبالكاد كانت حالة فيتنام فريدة من نوعها. وخلال الحرب الباردة، عمل أولئك الحريصون على حماية مصداقية الولايات المتحدة على دعم الخيارات الأكثر تشدداً في كل النقاشات التي كانت تدور حول السياسات المتبعة، وحذروا من النتائج غير المعقولة للفشل. هذا النمط التنبؤي يعيد نفسه ثانية في النقاشات الدائرة حول ما يجب فعله في أعقاب الكارثة في العراق. وكان وزير الدفاع الأمريكي السابق ميلفن ليرد قد حذر (من أن الحظوظ قد لا تكون أعلى بالنسبة للوجود المستمر لديمقراطيتنا الخاصة). ويخشى كيسنجر من أن يكون الانسحاب المبكر من العراق كارثياً بالنسبة لمواقف أمريكا في العالم، ومن أن (تأجيل الأعمال العسكرية سيكون قصير الأمد قبل أن تحل بنا أزمات أعظم). ونظراً لكون الهزيمة في فيتنام لم تؤد إلى أي من الكوارث المتوقعة، فربما سيكون عبء البرهان ملقى على عاتق أولئك الذين يجادلون اليوم بأن وضع العراق مختلف عن فيتنام، وأن كوارث غير مسبوقة ستعقب الفشل فيه. وعلى الأقل، ستكون الحكمة التقليدية التي تتحدث عن الكوارث الحتمية التي ستعقب الانسحاب الأمريكي من العراق بحاجة ماسة إلى إعادة النظر فيها. 

::/fulltext::
::cck::2187::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *