دول الخليج وأزمة الملف النووي الإيراني
::cck::1819::/cck::
::introtext::
في الموضوع النووي الإيراني تختلف التوصيفات لتداعياته. فالأمريكيون ينظرون إليه باعتباره تحدياً للأمن الجماعي، والروس ينظرون إليه باعتباره تشتيتاً لمواقع النفوذ وتعظيم قدرات من يُخالفون الولايات المتحدة الأمريكية في سياساتها في منطقة الخليج والقوقاز بالتحديد، وأوروبا الألمانية والفرنسية والبريطانية واليابان وكوريا الجنوبية هي اليوم صدى للسياسات الأمريكية، وبالتالي لا جهد كبيراً للوصول إلى تحديد خياراتهم في ذلك الملف، والصين لا يهمها أكثر من تركها تبني اقتصادها وتغزو العالم بمنتجاتها، إنه منطق براغماتي بامتياز.
::/introtext::
::fulltext::
في الموضوع النووي الإيراني تختلف التوصيفات لتداعياته. فالأمريكيون ينظرون إليه باعتباره تحدياً للأمن الجماعي، والروس ينظرون إليه باعتباره تشتيتاً لمواقع النفوذ وتعظيم قدرات من يُخالفون الولايات المتحدة الأمريكية في سياساتها في منطقة الخليج والقوقاز بالتحديد، وأوروبا الألمانية والفرنسية والبريطانية واليابان وكوريا الجنوبية هي اليوم صدى للسياسات الأمريكية، وبالتالي لا جهد كبيراً للوصول إلى تحديد خياراتهم في ذلك الملف، والصين لا يهمها أكثر من تركها تبني اقتصادها وتغزو العالم بمنتجاتها، إنه منطق براغماتي بامتياز.
هذا هو العالم الحقيقي. وفي الأطراف يبقى الشمال الإفريقي عاجزاً عن تفسير كساده السياسي في القضايا الإقليمية ما دام جلده عربياً. ووسط القارة السمراء تتقاتل فيها الأنظمة حيناً، وتتآمر حيناً آخر، وقد لا يعنيها أكثر من أنها تطمح إلى (نُزهة سياسية) تُريح أكتافها ولا تُقلق أجيالها التي لم يتبقّ لها كثر مما مضى.
وفي أمريكا اللاتينية هناك زحاف سياسي مخيف، أنظمة حليفة للغرب تهاوت وتحوّلت إلى أنظمة يسارية ناهضة، تُساندها هبّات شعبية قادرة على الصمود في وجه الثورات البرتقالية. وبالتأكيد فإن هذه الأنظمة هي أكثر قدرة من النظام الكوبي وقادرة على الاستئساد أكثر منه، لكنها أيضاً تجيد لعبة العالم ومصالحه. وبالتالي فهي لا ترى غضاضة في أن تمتلك طهران مشروعاً نووياً ما دام ذلك يضمن لها سوقاً صناعية و(طاقيّة)، ويمنحها حيّزاً من القدرة على صدّ النفوذ الأمريكي في القارة الجنوبية.
وفي الامتداد الهامشي للمحيط الهندي وجنوب غرب إيران حيث دول الخليج، تبدو هذه المنظومة حائرة بين حِدَّة ونعومة السياسات الدولية تجاه ما يجري في الشمال والشمال الشرقي والشرق حيث إيران. فالسياسات في الولايات المتحدة وأوروبا عادة ما تجري وفقاً لمحددات متعددة، فالاستخبارات تُحسّن السياسات، وموازين القوى تُعيد صياغتها، والأحزاب تقلبها، والهزائم تكسرها، والانتصارات تُحيّرها.
اليوم دول الخليج صائرة إلى هكذا حال. هي تُدرك أنها ليست الأقوى في هذا الحوض المُعَنَّق بخمسة وأربعين كيلومتر مربع. لكنها أيضاً تعلم أنها عبارة عن منظومة تتمّ مراعاة ظروفها جيداً نتيجة لما تمتلكه من طاقة أحفورية جبّارة تهجع في جوفها. وهي أيضاً تعلم أن هذه الطاقة قد تكون في مهبّ الريح كلما تقادم الزمن. وقد أسمعها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كلاماً في هذا المجال، حيث قال إن النفط سينضب بعد ثلاثين عاماً، والغاز بعد مائة عام. ثم عَرَضَ على دول الخليج أن تشتري مفاعلات نووية (مدنية) فرنسية، وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة أول المتعاطين مع هذا العرض.
إذاً، فالموضوع لم يعد (فوبيا) نووية بالإطلاق. جميعنا يتذكّر أن الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي استضافت في الرياض قبل ثمانية أشهر اجتماعاً تشاورياً لفرقة العمل الفنية المعنية ببحث (المشروع الخليجي المشترك للطاقة النووية السلمية) ومناقشة التفاصيل المتعلقة به، ورفع التصورات الفنية والمالية حول حجم الطاقة المطلوبة من المحطات النووية وتعدادها.
إن هذا المشروع بالتأكيد لن يتم قبل مضي خمسة عشر عاماً، رغم أن التقديرات المتعلقة بإطلاق أصل المشروع لن تتجاوز العام ونصف العام، خاصة أن النقاش يدور حول آليات تدفّق الطاقة، ومديات الشبكات الخليجية المستقبلية.
وقد ترى بعض دول الخليج في مثل هذا المشروع وسيلة جيدة للتخلّص من مشكلات شُحّ الطاقة. فالبحرين مثلاً وصل نمو الطاقة فيها إلى ثمانية في المائة، بل إن البعض يزيد ذلك النمو ليصل إلى اثني عشر في المائة. وبالتالي فهي ستكون في وضع حرج جداً في بحر السنوات العشر المقبلة إذا ما استمر النمو البشري والصناعي بهذه الوتيرة، في الوقت الذي لم يتبقَّ لها من احتياطي الغاز المؤكّد سوى تسعة مليارات متر مكعب من أصل ستة عشر مليار متر مكعب، مع الأهمية أن نذكر هنا أن شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) تستهلك وحدها ثلث الغاز الذي يُنتج في البحرين، والثلث الآخر يذهب إلى المستهلكين الصناعيين الرئيسيين، والثلث المتبقي يذهب إلى الاستهلاك المدني، وتمتلك البحرين مُنتجاً كهربائياً بإجمالي يصل إلى 2525 ميغاوات بعد السحب الجزئي للاحتياطي، في حين أن الاستهلاك الأخير قد لامس الـ 2100 ميغاوات، وبالتالي فإن بقاء وتيرة النمو على حالها سيوازي معدلات الاستهلاك مع المُنتَج العام للبحرين، بالإضافة إلى مشكلات المناخ الذي سيزيد من استهلاك الطاقة بشكل مطرد، خصوصاً في ظل أوضاع مناخية كونية مُضطربة، فدولة مثل فرنسا يزيد استهلاكها للطاقة بنسبة واحد في المائة عندما تنخفض درجات الحرارة بنسبة ثلاث درجات تقريباً (راجع في هذا المجال مقالاً للكاتب منشوراً بتاريخ 19 نوفمبر 2007 في صحيفة الوسط البحرينية).
إيران اليوم تتحكم في الكثير من ملفات المنطقة في العراق ولبنان و فلسطين
إذاً، فالموضوع لم يعد موضوع امتلاك إيران للطاقة وحدها بقدر ما هو تعدد في خيارات الطاقة بالنسبة لدول الخليج. وهو بالتأكيد مُبرّر له وجاهته في برامج التنمية المستدامة والمشاريع المدنية.
لكن الحديث الذي يدور ويحمل كثيراً من الحساسية هو الموقف السياسي والأمني لهذه الدول تجاه الملف النووي الإيراني، فإيران لم تعُد تعتمد على الوسائل التقليدية في تسيير شؤونها الداخلية والإقليمية والدولية، باتت تملك كُتلة بشرية هائلة فاقت السبعين مليون نسمة، وأصبحت تزيد من طاقة إنتاجها من النفط يوماً بعد يوم. ولديها حركة تصنيع مُطردة، وهي بالأصل صاحبة امتداد جغرافي هائل.
وفي السياسة، هي اليوم تتحكّم في الكثير من ملفات المنطقة في العراق ولبنان وفلسطين، وبات المُرشّحون الأمريكيون في الانتخابات يديرون جزءاً من حملاتهم بالتعرّض للموضوع الإيراني وسبل التعامل معه سواء بالسلب أو بالإيجاب.
وهي بالإضافة إلى كل ذلك تعكف على حماية نفسها من خلال حركة تصنيع عسكرية متعاظمة في مسارات مختلفة، بدءاً من سلاح الجو إلى سلاح المدفعية والصواريخ وانتهاءً بالسلاح البحري. ويُمكن فهم العديد من الرسائل الصادرة عن مناورات عسكرية متكررة في مواقع مختلفة من الأرض الإيرانية، باتت تُعرض فيها ما تُنتجه مصانع السلاح الإيرانية.
أضِف إلى كل ذلك أنها تتماحك مع الولايات المتحدة الأمريكية في ملفات المنطقة وملفات مجاورة أخرى، بل إن الأمور وصلت إلى ذروتها بعد سقوط نظام صدام حسين، وقُبيل تقرير بيكر-هاميلتون، وهي علاقة باتت تُلهبها وتهدئها الأحداث على الأرض.
إن كل هذه الأمور جعلت من الملف النووي الإيراني أكثر سُخونة بالنسبة لدول الخليج، رغم أننا إذا حسبنا أن الموضوع النووي الإيراني قد بدأ فعلياً في عام 1984 فإن كل ما تمّ إنفاقه على البحوث والتقنية النووية ومفاعلاتها لا يتجاوز الـ 3.75 من مُجمل قيمة الصفقات العسكرية التي عقدتها دول الخليج مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. لذا فإنني أعتقد أن الموضوع لا يخرج عن موازين القوى، وأهمية التسويات الدولية في المنطقة بشأنه، لكن المهم أيضاً من كل ذلك أن يتم الالتفات إلى النواحي التالية في قراءة الموضوع:
أولاً: قراءة الخلفية القانونية للموضوع الإيراني: فإيران مُوقّعة على معاهدة إن بي تي (1968) ومعاهدة سي تي بي تي (1971) والقرار الأممي رقم 687 حول إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية. ومُوقّعة أيضاً على البروتوكول الإضافي في ديسمبر من عام 2003 بعكس ثلاث عشرة دولة نووية تتمنّع عن التوقيع على نصوصه.
ورغم توسع أعضاء النادي النووي وإلغاء واشنطن لاتفاقية (آي بي إم) حول حظر الصواريخ البالستية الموقّعة في عام 1972 ورغبتها في تنفيذ مشروعها الصاروخي (إن إم بي).فإن هذه الالتزامات كفيلة بأن تضبط العملية بشكل جيد.
ثانياً: إعمال الدبلوماسية الهادئة والوساطات في قوس الأزمات: يُمكن لدول الخليج أن تُوظّف مجتمعة علاقاتها الخارجية مع الغرب من أجل السعي إلى تهدئة العلاقات الغربية-الإيرانية المتوترة، والحدّ من استعارها. فاليمين المسيحي الذي كان متأصلاً في الإدارة الأمريكية الجمهورية كان يأخذ الأمور إلى أقصاها في علاقاته حتى مع أوروبا، وقد أثّر ذلك بشكل سلبي في أوضاع العالم ومنطقة الخليج بشكل خاص.
وربما نتذكر حجم الخلاف الذي احتدم بين الولايات المتحدة الأمريكية وكل من فرنسا الشيراكية وألمانيا الشرودرية بسبب الخلاف حول الحرب على العراق قُبيل إبريل من عام 2003. وبالتالي فإن الملف النووي الإيراني قادر على أن (يهجع) بأمان إذا ما تمّت تسوية الأمور العالقة بين طهران والغرب.
ومع مجيء إدارة ديمقراطية تنتهج سياسة خارجية داعمة إلى حدّ ما فإن الفرصة تُصبح مؤاتية لتثمير ذلك من أجل منطقة أكثر هدوءاً ستنعكس حتماً على العلاقات البينية وعلى مشروعات التنمية والاستثمار.
ثالثاً: يُمكن لدول الخليج أن تُدعّم من أسس (العلاقات الكلاسيكية) للدفع بالخيارات الأكثر براغماتية. فدول الخليج وإيران يُشكّلان مساحة مهمّة من القارة تزيد على العشرة في المائة من مساحة ضخمة قوامها أربعة وأربعين مليون كيلومتر مربع. وبالتالي فهما قادران على تقريب أنوية المصالح لتماس المنطقة بالشرق والغرب.
واليوم يوجد في الخليج أكثر من عشرة آلاف شركة إيرانية، تُدير استثمارات ومشروعات تُقدّر بثلاثين مليار دولار، وعلاقات قوية في مجال الطاقة لكل من الكويت وقطر والبحرين وعُمان ودولة الإمارات. لذا فإن الفرصة تُصبح سانحة من أجل توظيف مثل هذه العلاقات لمنع حدوث توتر في المنطقة.
كما أن ذلك من شأنه أن يُشَبّك علاقات الغرب مع إيران عبر منطقة الخليج، خصوصاً في التحويلات المالية، وقضايا الاستثمار القائمة على سماسرة إقليميين وعالميين، وهو ما تمّ مع الكثير من الشركات الأمريكية التي كانت تلتف على قانون (داماتو) والعقوبات الإيرانية-الليبية التي أقرّت في عهد إدارة بيل كلينتون.
إن المنطقة الخليجية هي بحق خاصرة جغرافية لامعة، ومحل استقطاب الكثير من القوى العظمى وحتى القوى الإقليمية الناهضة. وبالتالي فإن المحافظة على علاقات غير متوترة بين محيطها وجوارها تُصبح مهمّة لتفويت الفرصة على أي نزاع خارج على الأطر الدبلوماسية من شأنه أن يعيق ويُجمّد مشاريع التنمية والاستثمار في هذا الإقليم.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1819::/cck::
::introtext::
في الموضوع النووي الإيراني تختلف التوصيفات لتداعياته. فالأمريكيون ينظرون إليه باعتباره تحدياً للأمن الجماعي، والروس ينظرون إليه باعتباره تشتيتاً لمواقع النفوذ وتعظيم قدرات من يُخالفون الولايات المتحدة الأمريكية في سياساتها في منطقة الخليج والقوقاز بالتحديد، وأوروبا الألمانية والفرنسية والبريطانية واليابان وكوريا الجنوبية هي اليوم صدى للسياسات الأمريكية، وبالتالي لا جهد كبيراً للوصول إلى تحديد خياراتهم في ذلك الملف، والصين لا يهمها أكثر من تركها تبني اقتصادها وتغزو العالم بمنتجاتها، إنه منطق براغماتي بامتياز.
::/introtext::
::fulltext::
في الموضوع النووي الإيراني تختلف التوصيفات لتداعياته. فالأمريكيون ينظرون إليه باعتباره تحدياً للأمن الجماعي، والروس ينظرون إليه باعتباره تشتيتاً لمواقع النفوذ وتعظيم قدرات من يُخالفون الولايات المتحدة الأمريكية في سياساتها في منطقة الخليج والقوقاز بالتحديد، وأوروبا الألمانية والفرنسية والبريطانية واليابان وكوريا الجنوبية هي اليوم صدى للسياسات الأمريكية، وبالتالي لا جهد كبيراً للوصول إلى تحديد خياراتهم في ذلك الملف، والصين لا يهمها أكثر من تركها تبني اقتصادها وتغزو العالم بمنتجاتها، إنه منطق براغماتي بامتياز.
هذا هو العالم الحقيقي. وفي الأطراف يبقى الشمال الإفريقي عاجزاً عن تفسير كساده السياسي في القضايا الإقليمية ما دام جلده عربياً. ووسط القارة السمراء تتقاتل فيها الأنظمة حيناً، وتتآمر حيناً آخر، وقد لا يعنيها أكثر من أنها تطمح إلى (نُزهة سياسية) تُريح أكتافها ولا تُقلق أجيالها التي لم يتبقّ لها كثر مما مضى.
وفي أمريكا اللاتينية هناك زحاف سياسي مخيف، أنظمة حليفة للغرب تهاوت وتحوّلت إلى أنظمة يسارية ناهضة، تُساندها هبّات شعبية قادرة على الصمود في وجه الثورات البرتقالية. وبالتأكيد فإن هذه الأنظمة هي أكثر قدرة من النظام الكوبي وقادرة على الاستئساد أكثر منه، لكنها أيضاً تجيد لعبة العالم ومصالحه. وبالتالي فهي لا ترى غضاضة في أن تمتلك طهران مشروعاً نووياً ما دام ذلك يضمن لها سوقاً صناعية و(طاقيّة)، ويمنحها حيّزاً من القدرة على صدّ النفوذ الأمريكي في القارة الجنوبية.
وفي الامتداد الهامشي للمحيط الهندي وجنوب غرب إيران حيث دول الخليج، تبدو هذه المنظومة حائرة بين حِدَّة ونعومة السياسات الدولية تجاه ما يجري في الشمال والشمال الشرقي والشرق حيث إيران. فالسياسات في الولايات المتحدة وأوروبا عادة ما تجري وفقاً لمحددات متعددة، فالاستخبارات تُحسّن السياسات، وموازين القوى تُعيد صياغتها، والأحزاب تقلبها، والهزائم تكسرها، والانتصارات تُحيّرها.
اليوم دول الخليج صائرة إلى هكذا حال. هي تُدرك أنها ليست الأقوى في هذا الحوض المُعَنَّق بخمسة وأربعين كيلومتر مربع. لكنها أيضاً تعلم أنها عبارة عن منظومة تتمّ مراعاة ظروفها جيداً نتيجة لما تمتلكه من طاقة أحفورية جبّارة تهجع في جوفها. وهي أيضاً تعلم أن هذه الطاقة قد تكون في مهبّ الريح كلما تقادم الزمن. وقد أسمعها الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كلاماً في هذا المجال، حيث قال إن النفط سينضب بعد ثلاثين عاماً، والغاز بعد مائة عام. ثم عَرَضَ على دول الخليج أن تشتري مفاعلات نووية (مدنية) فرنسية، وكانت دولة الإمارات العربية المتحدة أول المتعاطين مع هذا العرض.
إذاً، فالموضوع لم يعد (فوبيا) نووية بالإطلاق. جميعنا يتذكّر أن الأمانة العامة لدول مجلس التعاون الخليجي استضافت في الرياض قبل ثمانية أشهر اجتماعاً تشاورياً لفرقة العمل الفنية المعنية ببحث (المشروع الخليجي المشترك للطاقة النووية السلمية) ومناقشة التفاصيل المتعلقة به، ورفع التصورات الفنية والمالية حول حجم الطاقة المطلوبة من المحطات النووية وتعدادها.
إن هذا المشروع بالتأكيد لن يتم قبل مضي خمسة عشر عاماً، رغم أن التقديرات المتعلقة بإطلاق أصل المشروع لن تتجاوز العام ونصف العام، خاصة أن النقاش يدور حول آليات تدفّق الطاقة، ومديات الشبكات الخليجية المستقبلية.
وقد ترى بعض دول الخليج في مثل هذا المشروع وسيلة جيدة للتخلّص من مشكلات شُحّ الطاقة. فالبحرين مثلاً وصل نمو الطاقة فيها إلى ثمانية في المائة، بل إن البعض يزيد ذلك النمو ليصل إلى اثني عشر في المائة. وبالتالي فهي ستكون في وضع حرج جداً في بحر السنوات العشر المقبلة إذا ما استمر النمو البشري والصناعي بهذه الوتيرة، في الوقت الذي لم يتبقَّ لها من احتياطي الغاز المؤكّد سوى تسعة مليارات متر مكعب من أصل ستة عشر مليار متر مكعب، مع الأهمية أن نذكر هنا أن شركة ألمنيوم البحرين (ألبا) تستهلك وحدها ثلث الغاز الذي يُنتج في البحرين، والثلث الآخر يذهب إلى المستهلكين الصناعيين الرئيسيين، والثلث المتبقي يذهب إلى الاستهلاك المدني، وتمتلك البحرين مُنتجاً كهربائياً بإجمالي يصل إلى 2525 ميغاوات بعد السحب الجزئي للاحتياطي، في حين أن الاستهلاك الأخير قد لامس الـ 2100 ميغاوات، وبالتالي فإن بقاء وتيرة النمو على حالها سيوازي معدلات الاستهلاك مع المُنتَج العام للبحرين، بالإضافة إلى مشكلات المناخ الذي سيزيد من استهلاك الطاقة بشكل مطرد، خصوصاً في ظل أوضاع مناخية كونية مُضطربة، فدولة مثل فرنسا يزيد استهلاكها للطاقة بنسبة واحد في المائة عندما تنخفض درجات الحرارة بنسبة ثلاث درجات تقريباً (راجع في هذا المجال مقالاً للكاتب منشوراً بتاريخ 19 نوفمبر 2007 في صحيفة الوسط البحرينية).
إيران اليوم تتحكم في الكثير من ملفات المنطقة في العراق ولبنان و فلسطين
إذاً، فالموضوع لم يعد موضوع امتلاك إيران للطاقة وحدها بقدر ما هو تعدد في خيارات الطاقة بالنسبة لدول الخليج. وهو بالتأكيد مُبرّر له وجاهته في برامج التنمية المستدامة والمشاريع المدنية.
لكن الحديث الذي يدور ويحمل كثيراً من الحساسية هو الموقف السياسي والأمني لهذه الدول تجاه الملف النووي الإيراني، فإيران لم تعُد تعتمد على الوسائل التقليدية في تسيير شؤونها الداخلية والإقليمية والدولية، باتت تملك كُتلة بشرية هائلة فاقت السبعين مليون نسمة، وأصبحت تزيد من طاقة إنتاجها من النفط يوماً بعد يوم. ولديها حركة تصنيع مُطردة، وهي بالأصل صاحبة امتداد جغرافي هائل.
وفي السياسة، هي اليوم تتحكّم في الكثير من ملفات المنطقة في العراق ولبنان وفلسطين، وبات المُرشّحون الأمريكيون في الانتخابات يديرون جزءاً من حملاتهم بالتعرّض للموضوع الإيراني وسبل التعامل معه سواء بالسلب أو بالإيجاب.
وهي بالإضافة إلى كل ذلك تعكف على حماية نفسها من خلال حركة تصنيع عسكرية متعاظمة في مسارات مختلفة، بدءاً من سلاح الجو إلى سلاح المدفعية والصواريخ وانتهاءً بالسلاح البحري. ويُمكن فهم العديد من الرسائل الصادرة عن مناورات عسكرية متكررة في مواقع مختلفة من الأرض الإيرانية، باتت تُعرض فيها ما تُنتجه مصانع السلاح الإيرانية.
أضِف إلى كل ذلك أنها تتماحك مع الولايات المتحدة الأمريكية في ملفات المنطقة وملفات مجاورة أخرى، بل إن الأمور وصلت إلى ذروتها بعد سقوط نظام صدام حسين، وقُبيل تقرير بيكر-هاميلتون، وهي علاقة باتت تُلهبها وتهدئها الأحداث على الأرض.
إن كل هذه الأمور جعلت من الملف النووي الإيراني أكثر سُخونة بالنسبة لدول الخليج، رغم أننا إذا حسبنا أن الموضوع النووي الإيراني قد بدأ فعلياً في عام 1984 فإن كل ما تمّ إنفاقه على البحوث والتقنية النووية ومفاعلاتها لا يتجاوز الـ 3.75 من مُجمل قيمة الصفقات العسكرية التي عقدتها دول الخليج مع الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا. لذا فإنني أعتقد أن الموضوع لا يخرج عن موازين القوى، وأهمية التسويات الدولية في المنطقة بشأنه، لكن المهم أيضاً من كل ذلك أن يتم الالتفات إلى النواحي التالية في قراءة الموضوع:
أولاً: قراءة الخلفية القانونية للموضوع الإيراني: فإيران مُوقّعة على معاهدة إن بي تي (1968) ومعاهدة سي تي بي تي (1971) والقرار الأممي رقم 687 حول إخلاء منطقة الشرق الأوسط من الأسلحة النووية. ومُوقّعة أيضاً على البروتوكول الإضافي في ديسمبر من عام 2003 بعكس ثلاث عشرة دولة نووية تتمنّع عن التوقيع على نصوصه.
ورغم توسع أعضاء النادي النووي وإلغاء واشنطن لاتفاقية (آي بي إم) حول حظر الصواريخ البالستية الموقّعة في عام 1972 ورغبتها في تنفيذ مشروعها الصاروخي (إن إم بي).فإن هذه الالتزامات كفيلة بأن تضبط العملية بشكل جيد.
ثانياً: إعمال الدبلوماسية الهادئة والوساطات في قوس الأزمات: يُمكن لدول الخليج أن تُوظّف مجتمعة علاقاتها الخارجية مع الغرب من أجل السعي إلى تهدئة العلاقات الغربية-الإيرانية المتوترة، والحدّ من استعارها. فاليمين المسيحي الذي كان متأصلاً في الإدارة الأمريكية الجمهورية كان يأخذ الأمور إلى أقصاها في علاقاته حتى مع أوروبا، وقد أثّر ذلك بشكل سلبي في أوضاع العالم ومنطقة الخليج بشكل خاص.
وربما نتذكر حجم الخلاف الذي احتدم بين الولايات المتحدة الأمريكية وكل من فرنسا الشيراكية وألمانيا الشرودرية بسبب الخلاف حول الحرب على العراق قُبيل إبريل من عام 2003. وبالتالي فإن الملف النووي الإيراني قادر على أن (يهجع) بأمان إذا ما تمّت تسوية الأمور العالقة بين طهران والغرب.
ومع مجيء إدارة ديمقراطية تنتهج سياسة خارجية داعمة إلى حدّ ما فإن الفرصة تُصبح مؤاتية لتثمير ذلك من أجل منطقة أكثر هدوءاً ستنعكس حتماً على العلاقات البينية وعلى مشروعات التنمية والاستثمار.
ثالثاً: يُمكن لدول الخليج أن تُدعّم من أسس (العلاقات الكلاسيكية) للدفع بالخيارات الأكثر براغماتية. فدول الخليج وإيران يُشكّلان مساحة مهمّة من القارة تزيد على العشرة في المائة من مساحة ضخمة قوامها أربعة وأربعين مليون كيلومتر مربع. وبالتالي فهما قادران على تقريب أنوية المصالح لتماس المنطقة بالشرق والغرب.
واليوم يوجد في الخليج أكثر من عشرة آلاف شركة إيرانية، تُدير استثمارات ومشروعات تُقدّر بثلاثين مليار دولار، وعلاقات قوية في مجال الطاقة لكل من الكويت وقطر والبحرين وعُمان ودولة الإمارات. لذا فإن الفرصة تُصبح سانحة من أجل توظيف مثل هذه العلاقات لمنع حدوث توتر في المنطقة.
كما أن ذلك من شأنه أن يُشَبّك علاقات الغرب مع إيران عبر منطقة الخليج، خصوصاً في التحويلات المالية، وقضايا الاستثمار القائمة على سماسرة إقليميين وعالميين، وهو ما تمّ مع الكثير من الشركات الأمريكية التي كانت تلتف على قانون (داماتو) والعقوبات الإيرانية-الليبية التي أقرّت في عهد إدارة بيل كلينتون.
إن المنطقة الخليجية هي بحق خاصرة جغرافية لامعة، ومحل استقطاب الكثير من القوى العظمى وحتى القوى الإقليمية الناهضة. وبالتالي فإن المحافظة على علاقات غير متوترة بين محيطها وجوارها تُصبح مهمّة لتفويت الفرصة على أي نزاع خارج على الأطر الدبلوماسية من شأنه أن يعيق ويُجمّد مشاريع التنمية والاستثمار في هذا الإقليم.
::/fulltext::
::cck::1819::/cck::
