أثر الوعي الديمقراطي في العراق على تشكيل الحكومة العراقية المقبلة
::cck::3070::/cck::
::introtext::
من المعروف أن أحد أبرز ادعاءات الولايات المتحدة لاحتلال العراق هو نشر الديمقراطية، إذ إن (تصدير الديمقراطية) كان من (الأهداف التي قالت الولايات المتحدة إنها جاءت لتحققها فيه)، على أساس أن العراق وبعد أن يصبح (واحة للديمقراطية) سيلهم تجارب الآخرين لينتشر الوعي الديمقراطي في أرجاء العالم العربي.
::/introtext::
::fulltext::
من المعروف أن أحد أبرز ادعاءات الولايات المتحدة لاحتلال العراق هو نشر الديمقراطية، إذ إن (تصدير الديمقراطية) كان من (الأهداف التي قالت الولايات المتحدة إنها جاءت لتحققها فيه)، على أساس أن العراق وبعد أن يصبح (واحة للديمقراطية) سيلهم تجارب الآخرين لينتشر الوعي الديمقراطي في أرجاء العالم العربي.
من المعلوم أيضاً أن الديمقراطية التي أرادتها الولايات المتحدة للعراق تختلف كثيراً عن الديمقراطية المتبعة في الدول المتحضرة ومنها الولايات المتحدة نفسها. إذ إن ديمقراطية الداخل الأمريكي جمعت لا فرقت، بينما ديمقراطية التصدير أثبتت فشلها لاسيما بعد الفضائح الأمريكية الكبيرة في السجون العراقية وكذلك فضائح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في السجون السرية عبر أوروبا ومناطق أخرى من العالم، حيث مارست التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان ضد متهمين لم يحاكموا ويدانوا، الأمر الذي حمل الشعوب على رفض هذه الديمقراطية حيث اتضح أنها كذبة أمريكية كبرى تخدم أهداف السياسة الأمريكية ولا تخدم الشعوب المضطهدة.
إن تقييم العملية الديمقراطية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 يتطلب مناقشة الآتي:
1- ولدت العملية السياسية منذ احتلال العراق 2003 بعملية قيصرية. كما أن المولود حمل معه علامات الوهن والمرض منذ أيامه الأولى، وهو أمر مؤكد لأن القائمة على العملية من أساسها الولايات المتحدة لتتمكن من فرض سيطرتها و(أجنداتها) على الشركاء في هذه العملية، ولتتمكن عبر ما سمته التوافق السياسي من فرض شروطها على القرارات التي ستتحكم في مصير العراق مستقبلاً.
ولو تأملنا في التجربة التاريخية لنشوء الولايات المتحدة الأمريكية، لوجدناها من أفضل التجارب العالمية في القرون المتأخرة في بناء الدولة الوطنية، والدستور الأمريكي من أكثر الدساتير العالمية الوضعية ثباتاً واستقراراً، وأكثرها قوة وهيبة. لكن الوصول إلى مثل هذه الحالة من الرقي لم يتم بسنة واحدة أو سنتين، ولم يتم عبر إقصاء الآخر أو تهميشه، بل عمل الآباء المؤسسون على صون حقوق جميع الأمريكيين-المواطنين- أياً كانت انتماءاتهم وأصولهم وأطيافهم وأعراقهم وطبقاتهم، الأمر الذي أفرز قبولاً شعبياً عاماً لمواد وبنود الدستور، وفرض استقراراً كبيراً في شكل النظام السياسي. لكن الكارثة أن الولايات المتحدة لم تعد صياغة تجربتها الدستورية الناجحة في العراق، بل إنها صدرت الأسوأ في تجربتها، فضلاً عن المحاصصة الطائفية والعرقية، وهو المشروع الأسوأ في التاريخ السياسي العراقي، فأفرزت بذلك عملية سياسية مترهلة بعيدة عن مبادئ الديمقراطية الحقة التي لا تقول بالتوافقات السياسية، بل إن رأي الأقلية يتبع رأي الأكثرية، على ألا يكون رأي الأكثرية مضراً بالمصلحة العامة للبلاد. وبالتالي فإن الولايات المتحدة لم تسمح للعراقيين بممارسة الديمقراطية الفعلية، لكنها فصّلت ديمقراطية خاصة للمقاس العراقي حسب ما يلائم أفكارها هي، وفرضت عليهم ممارستها قسراً، وكانت النتائج أننا لم نصل بعد إلى مرحلة الوعي الديمقراطي وفكرة الثقافة الوطنية الجامعة، بل لا تزال أفكار معظم الكيانات السياسية أفكاراً مشرذمة وضيقة، قائمة لخدمة مصالح أما طائفة معينة أو قومية معينة أو دين معين، وغابت عن العراق الثقافة السياسية الجامعة، أسندها في ذلك التشطير على مستوى مجلس الحكم، فضلاً عن العوامل الذاتية المرتبطة بضعف المستوى الثقافي، وتدني الخبرة السياسية للمواطن العراقي. كما أن ما عمق من المشكلة الخطاب الحزبي والرسمي، عبر التأكيد على الخصوصيات وليس الحديث عن الوطنية سوى في الدعايات الانتخابية.
وما نريد أن نصل إليه، أن آلية العملية السياسية أوصلتنا إلى حالة من التردي والتشظي على مستوى الوعي السياسي والثقافة السياسية، فبدل أن تفكر الكيانات السياسية بمصلحة الوطن كله، فضلت كثير من الكيانات الفاعلة المصالح الضيقة، والنتيجة أن الكثير من العراقيين ما زالوا لا يثقون بالعملية السياسية، ولا يتعارض مع ذلك ذهابهم إلى الانتخابات، فالذهاب جاء مقروناً بأمل التغيير، على أساس أن الانتخابات من الممكن أن تأتي بتغييرات جديدة تخرج البلاد من المصاعب المتعددة التي يعانيها والتي كان سببها الرئيسي الاحتلال الأمريكي وسياساته.
2- الديمقراطية والانتخابات في الفكر السياسي أن الديمقراطية مرتبطة بالانتخابات، فلا ديمقراطية من دون انتخابات حرة وعادلة، ولا انتخابات حرة وعادلة من دون ديمقراطية فعلية تضمن للفرد حقه الدستوري في اختيار من يمثله بكل حرية ومن دون قيود أو خوف. ومن المعلوم أن الديمقراطية هي أسبق وأشمل من الانتخابات، فلكي نصل إلى الانتخابات لا بد أن نمتلك وعياً بماهية الديمقراطية، وما هي الحقوق التي تضمنها لنا العملية الديمقراطية، وما هي الواجبات التي تترتب علينا؟ أين يمكن أن تقودنا ممارسة الديمقراطية؟ وإلى ماذا يمكن أن ترتقي بنا؟ كيف نختار ومن نختار؟ بعد ذلك تتأتى مرحلة الانتخابات، لأن إجراء الانتخابات من دون أن يكون هناك وعي ثقافي سياسي دستوري بماهيتها سيجعل منها عملية شكلية روتينية، ومن المحتمل أن تكون لها إفرازات سيئة.
المشكلة التي أوقعتنا فيها القوات المحتلة أنهم أرادوا السير بالاتجاه المعاكس، وهو أن الانتخابات ستولد الديمقراطية، أي أن الشعب يذهب لينتخب، وعندما تكتمل الانتخابات، أياً كانت نتائجها، نقول إن الديمقراطية موجودة في العراق، وإن الاحتلال وفى بوعده حينما جلب الديمقراطية، ما الدليل؟ الدليل أن العراقيين أجروا انتخابات حرة، لكن وفق أي وعي أو ثقافة سياسية؟ الجواب ليس مهماً لقوات الاحتلال بقدر ما يهمها أن تقول إنها نجحت. وللموضوعية، فإن السير بالاتجاه المعاكس لم ينجح فعلياً إلى حد الآن، نعم أن العراقيين انتخبوا، لكن لم نصل بعد إلى مرحلة الوعي الديمقراطي الحقيقي الذي يجعل منا أحراراً في اختيار المرشحين الأكفأ أياً كانت قومياتهم أو أعراقهم أو ديانتهم من دون الانجرار وراء الضاغط الخارجي المؤثر.
3- أفرزت الأوضاع الميدانية أثناء الانتخابات وبعدها حالة فريدة من نوعها في النظم السياسية ومسألة التداول السلمي للسلطة. الأحزاب الموجودة في الساحة العراقية والتي جاءت إلى السلطة بفعل التغيير بالقوة العسكرية وخدمتها الديمقراطية الأمريكية، نجد كثيراً منها رفضت نتائج الديمقراطية، وقد قبلت بها سابقاً في انتخابات مجالس المحافظات عندما كانت النتائج تخدم مصالحها، أما عندما مورست اللعبة السياسية نفسها وجاءت النتائج بما لا تهوى الأنفس فهوجمت الديمقراطية بداعي أنها ستأتي بـ (أعداء العراق) إلى السلطة. أيضاً الديمقراطية تفترض التداول السلمي للسلطة، وهو أمر يحصل في كل الدول المتحضرة، إلا أننا رأينا أن بعض الأطراف السياسية هددت باللجوء للقوة المسلحة واستخدام الجيش إذا ما رفضت مطالب تلك الأطراف، الأمر الذي إن حصل سيشكل ضربة كبرى للديمقراطية وخروجاً عن الخط المألوف، حيث إن أمريكا تكذب على العالم بأنها ثبتت ركائز الديمقراطية في العراق.
ما يتعلق بهذه المسألة أيضاً حالة غير مألوفة على صعيد عمل النظم السياسية والسلطات فيها. فالديمقراطية تفترض وجود السلطة ووجود المعارضة. لكن الأمر في العراق يبدو أنه يختلف عن ذلك، فالأطراف تريد جميعاً أن تشارك في السلطة، إذاً من سيبقى في المعارضة؟ وما قيمة الديمقراطية إذا لم تكن هناك معارضة تراقب عمل من هو موجود في السلطة وتناقشه في الأخطاء وتجبره عند الضرورة على تعديل مسار عمل الحكومة؟ يبدو أننا سنكون أمام حالة فريدة، فالكل إذا ما أصبح في الحكومة، فإن الكل أيضاً سيكون في المعارضة، أو لن تكون هناك معارضة، وهنا سنعود بالكلام من جديد حول غياب الوعي الديمقراطي لا سيما عند الكثير من الجماعات السياسية، وكذلك الحديث عن استغلال الديمقراطية للوصول إلى السلطة والتشبث فيها ورفض مسألة التنازل عنها بعد أن تصبح حقاً مكتسباً، ومن ثم يصل الشعب إلى التفكير ألف مرة قبل أن يصدق بالدعاوى الحقيقية عن هكذا ديمقراطية.
ولذلك، إذا كانت ثقة الشعب غائبة إلى حد كبير في العملية السياسية، وإذا كانت أيضاً الثقافة الديمقراطية غائبة في جانب واسع إلى الوقت الحالي، فإن هاتين النقطتين لا بد أن تؤثرا في مستقبل العملية السياسية العراقية عموماً وفي تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ذلك التشكيل الذي سيتأثر بأمور عدة من بينها:
أ- النتيجة النهائية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة من حيث الكتل الفائزة وعدد مقاعدها.
ب- مدى تقارب برامج العمل للكيانات الفائزة أو تباعدها، الأمر الذي ستفرزه نتيجة المناقشات النهائية للكتل الفائزة حول تشكيل الحكومة.
ج- طبيعة مطالب الكتل الفائزة وإمكانية تنازلها أو ثباتها على تلك المطالب، ومثال ذلك الكتلة الصدرية التي فازت بما يقارب 40 مقعداً في الانتخابات، بالتالي هي كتلة كبيرة ومهمة تستطيع فرض شروطها حول الاستئثار بوزارات معينة ومن ثم تستطيع أن تناور بالتحرك للتحالف مع هذه الكتلة أو تلك إذا ما رأت أي تحالف سيخدم مطالبها أكثر.
د- خفايا التحركات الأمريكية الداخلية ومدى تدخلها في تقرير تشكيل الحكومة القادمة، وهي تحركات لا تخفى أهميتها ودورها، سواء أكانت إيجابية أم سلبية. إن هذه المسألة مهمة جداً، وفي نظرنا تعد من المسائل المهمة التي ستقرر شكل الحكومة المقبلة، فالولايات المتحدة بوجودها ونفوذها وسطوتها وتحركاتها وضغوطها، سيكون لها دور فاعل في تحديد شكل الحكومة العراقية المقبلة. أما ما يصدر من تصريحات أمريكية بأنها لا تتدخل فهو محض هراء، وهذا الكلام له من الأسانيد الكثير، وقد تحدث بذلك إياد السامرائي رئيس البرلمان العراقي قبيل إقرار قانون الانتخابات الحالي عندما أشار إلى الضغوط الأمريكية، كما اتهمت جهات سياسية كثيرة الولايات المتحدة قبيل الانتخابات بالضغط على الحكومة العراقية وتدخلها لا سيما في قضية (اجتثاث البعث) عندما اتهمت بالتدخل في عمل هيئة المساءلة والعدالة التي اتخذت قرارات رآها الأمريكيون والأوروبيون- لا سيما المبعوث الأوروبي للعراق ستيفنسون- أنها غير قانونية وتدخل ضمن إطار التصفيات السياسية للخصوم أكثر من كونها عملية قائمة على أسس شرعية. ومن الأسانيد المهمة الأخرى ما تحدث به السفير الأمريكي الحالي كريستوفر هيل في محاضرة له في المعهد الأمريكي للسلام في 19 فبراير 2010، ونقتبس منه الآتي:
1- يتحدث السفير عن الانتخابات العراقية كأنها انتخابات ستجرى في أمريكا وليس في العراق، إذ يقول ما نصه كنت أتكلم مع رئيس الوزراء منذ بضعة أسابيع، وقلت له: تعرف، (لدينا انتخابات… بعد 30 يوماً)، وكلمة (لدينا) تربط السفير بالانتخابات بشكل مباشر.
2- يتحدث السفير عن السفارة الأمريكية في العراق ودورها ودور الموظفين الأمريكيين فيقول (هي بحق سفارة غير عادية. وسنكون موجودين هناك، السفارة الأمريكية ستبقى هناك، للمدى الطويل. والذين يقيسون مصالحنا في العراق بمقياس حجم وجود قواتنا هناك، أود أن أقول إن رأيهم ليس صائباً. لأننا مهتمون بعلاقة طويلة الأمد. وسفارتنا هناك رمز أكيد لتلك العلاقة) (وقد عملنا عملاً شاقاً مع زملائنا في الأمم المتحدة، وعملنا عملاً شاقاً مع المفوضية العليا للانتخابات من أجل إدارة تكنولوجيا الانتخابات، التي نعتقد أنها ستعمل بصورة طيبة..) (إننا نحتفظ بوجود قوي في المحافظات.. لدينا ناس يتعاملون كل يوم على المستوى المحلي..) أي أن الوجود الأمريكي في كل مكان من العراق.
3- بعد أن يستشف السفير ما سيحصل في العراق بعد الانتخابات بقوله ([بعد الانتخابات] تبدأ عملية تشكيل الحكومة الجديدة. وهذه العملية لن تكون بالعملية السهلة. وسوف تكون عملية تحتاج فيها الكتل الفائزة[ التي ستكون خمس كتل] إلى التواصل مع الائتلافات المختلفة، لتشكيل نوع من الحكومة الائتلافية) (إن عملية تشكيل الحكومة ستكون طويلة، وستؤثر أيضاً في الأمن وفي الانقسامات السياسية)، ثم يذهب إلى تقييم الفعل الأمريكي الذي يجب أن يكون بعد الانتخابات فيقول (إن هذا ليس وقت التنحي أو الانزلاق إلى حالة من التقاعس. فلابد أن تبقى الولايات المتحدة متنبهة إلى نفوذها المستمر.. وسيستمر دبلوماسيونا وجنودنا وخبراؤنا المدنيون في تطبيق القوة الأمريكية في أفضل حالاتها من الموصل إلى بغداد، ومن الأنبار إلى البصرة).
الدور الأمريكي الذي سيبقى قوياً حسب كلام السفير الأمريكي سيكون أيضاً فاعلاً ومؤثراً في مستقبل تشكيل العملية السياسية في العراق.
هـ- الملف العراقي وعلاقته بالصراع الأمريكي-الإيراني: في هذا الصدد نعتقد بقصور النظرة التي تتعامل مع الملف العراقي بمفرده، فالصحيح هو النظر للملف العراقي بصفته ملفاً من بين ملفات أخرى كثيرة عالقة بين الولايات المتحدة وإيران، لا سيما الملف النووي الإيراني وملف أفغانستان. كما أن مستقبل العملية السياسية لا بد أن يتأثر بهذه المسألة، فنعتقد أن الطرفين سيتدخلان في تشكيل الحكومة المقبلة، بل نرى ما هو أسوأ من ذلك، إذ سيستخدم العراق من الطرفين بصفته ورقة بيده، ففي حال حصول الولايات المتحدة على تنازلات إيرانية في الملفين الآخرين، فإنها ستترك لإيران القيام بدور مهم في تشكيل الحكومة المقبلة. أما إذا لم تحصل على تنازلات مرغوبة، فإنها ستعمد إلى دعم من يناوئون التحركات الإيرانية وتضيق على أولئك الذين يوافقونها الرأي. وقد نذهب لأكثر من ذلك، صواباً أو خطأ، فنقول إن شكل الحكومة المقبلة في العراق ستكون له علاقة كبيرة بحقيقة التحركات الأمريكية تجاه إيران، إذ سيكون وصول هذا الطرف أو ذاك مؤشراً إلى ما تضمره الولايات الأمريكية حقيقة لإيران وليس ادعاء.
إن هذه النقاط الخمس هي التي سيكون لها التأثير في تحديد شكل الحكومة العراقية المقبلة، والتي نؤمن أن ولادتها لن تكون سهلة والتي سندرجها تحت الاحتمالات التالية:
الاحتمال الأول: بقاء السيطرة لأحزاب التكتل الرباعي و/أو ائتلافاتها على البرلمان المقبل، وتشكيل الحكومة العراقية، مما يعني ضمناً استمرار العملية السياسية على ما هي عليه من دون أن نرى تغييرات كبيرة، ربما باستثناء صراع قد يحدث في بداية الأمر حول من سيكون رئيس الوزراء من هذه الكتلة أو تلك، أو ربما التصويت لمرشح توافقي ثالث.
هذا الاحتمال يبدو واقعياً إلى حد كبير، فبعض التكتلات الكبيرة من المستبعد أن تفترق بعد الانتخابات، بل إنها ستعمد إلى توحيد أصواتها حتى لو انقسمت إلى فرقتين كبيرتين قبل الانتخابات، لأنها من غير الممكن أن تفرط بما حققته من مكاسب، وما وصلت اليه من سيطرة وهيمنة على مجريات الوضع السياسي في العراق.
وفضلاً عن الدعم الإيراني لمثل هذا التحالف، فإن ما يدعمه أيضاً ما يمكن أن يحدث من توافق أمريكي-إيراني حول العراق وتشكيل الحكومة المقبلة، وهو توافق سيكون مشفوعاً بتنازلات إيرانية في جوانب معينة. كما أن ما يؤيد الوصول إلى مثل هذا الاحتمال اتفاق أطراف التحالف القديم حول برامجها السابقة والحفاظ على مكتسباتها، بالإضافة إلى أنها ستحظى بأغلبية مريحة تضمن لها مرور القرارات داخل المجلس التشريعي.
لكن، ما قد يحد من حصول هذا الاحتمال، إصرار كتلة ائتلاف دولة القانون على مرشحها لرئاسة الوزراء وهو رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي مع رفض الأكراد والائتلاف الوطني العراقي له، إلا إذا استجدت أمور من بينها تغيير ائتلاف دولة القانون لمرشحها، أو حصول تغييرات معينة لصالح بقاء المالكي في منصبه. وما يحد من هذا الاحتمال عدم وصول الطرفين الإيراني والأمريكي إلى اتفاقات مشتركة. ومن محددات الاحتمال أيضاً إصرار زعيم الائتلاف الوطني العراقي عمار الحكيم على مشاركة كتلة العراقية في الحكومة ورفض المشاركة في أية حكومة لا تشارك فيها العراقية.
الاحتمال الثاني: التحالف بين القائمة العراقية والأحزاب الكردية وبعض القوائم الصغيرة وكذلك الفائزين في مقاعد الأقليات، الأمر الذي سيفضي لأن تكلف العراقية بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، فيما ستكون الأطراف الباقية كلها أو جزء منها في المعارضة.
هذا الاحتمال له ما يدعمه، فإذا ما فشلت جهود المحادثات الأمريكية-الإيرانية حول الملفات الأخرى، فإن المرجح أن ينشأ تحالف بمساعدة وضغط أمريكي بين الأطراف المشار إليها أعلاه، وهو تحالف سيخدم المصالح الأمريكية باتجاه الضغط على إيران.
بيد أن لهذا الاحتمال محددات كثيرة منها أن الأكراد لن يقبلوا بالتحالف مع كتلة العراقية من دون الحصول على امتيازات واسعة في الموصل وكركوك والحصول على عدد من المناصب السيادية، وهي قضايا ستحرج وضع العراقية لدى ناخبيها، وقد تكون مقدمات لتطورات سلبية قادمة في المناطق المتنازع عليها. كما أن مطالب الأكراد بتقديم تنازلات في هذه المسائل ستقابل برفض من أطراف كبيرة من العراقية لا سيما في الموصل، الأمر الذي سيعقد من المسألة كثيراً. وما يحد أيضاً من هذا الاحتمال حاجة ائتلاف العراقية والأكراد إلى تحالف قوة كبيرة أخرى إذا ما أراد ضمان أغلبية مريحة، وبالتالي الدوران في الحلقة ذاتها، وهو ما يؤكد كلام السفير الأمريكي بأن الولايات المتحدة ستعمد إلى ائتلاف جميع الأطراف.
الاحتمال الثالث: أن تتحالف العراقية مع الأكراد مع الائتلاف الوطني العراقي، لكن هل ستقبل إيران بمثل هذا التحالف إذا ما قبلت أمريكا به، وكيف ستوزع المناصب السيادية في ظل مطالبات من الائتلاف الوطني العراقي برئاسة الوزراء، بينما ترى العراقية أنها الأحق بذلك؟
الاحتمال الرابع: أن يتشكل ائتلاف واسع يضم الأطراف الفائزة جميعاً، وهو احتمال مقبول أمريكياً، وأعتقد أنه سيكون مقبولاً إيرانياً وعربياً، مع حدوث خلافات حول منصب رئيس الوزراء وتوزيع المناصب الأخرى، لكن بمرور الوقت الذي لن يكون قصيراً ستصل الأطراف إلى حل حول تلك الخلافات، لكن بعد أن يصل التدخل الأمريكي إلى أوجه، وبعد أن تمارس ضغوطها العريضة على كل الأطراف، وربما بعد أن يعيش البلد في دوامة من العنف والعنف المضاد.
لذا فإن كل الاحتمالات واردة، ولا يمكن إسقاط أي منها، ولكل منها سلبياته وإيجابياته على الناخب العراقي وعلى العملية السياسية برمتها. ولأن لأي انطلاقة لا بد من وصول، فإن نقطة الوصول ستكون بتشكيل الحكومة المقبلة. وعند الوصول لتلك النقطة، فإننا لابد أن نمر بالنقاط التالية:
1- النقطة الأولى متعلقة بشخص رئيس الوزراء القادم. من المعروف أن رئيس الوزراء يمتلك من الصلاحيات الكثير، الأمر الذي يعني أن الكتلة التي سيكون منها صاحب هذا المنصب هي الكتلة القوية والتي ستزداد قوتها عندما يترشح منها. وما يتعلق بهذه المسألة ما يمكن أن يتمخض عنه الصراع بين القوى المختلفة لإيصال هذا المرشح أو ذاك إلى كرسي رئاسة الوزراء وامتدادات هذا الأمر وتداعياته اللاحقة. فهل ستؤدي هذه النقطة إلى صراع سياسي سيشهده العراق في المرحلة المقبلة؟
2- النقطة الثانية، أن الكتل البرلمانية الحالية عملت طوال المدة السابقة وفق قاعدة التوافق السياسي، أي أن القرارات تصدر وفقاً للتوافق السياسي بما يضمن اتفاق كافة الكتل السياسية على القرار، ليضمن اتفاق الشعب حوله، والسؤال هنا: إلى متى ستبقى قاعدة التوافق السياسي هي القاعدة المعمول بها؟ وإذا ما كانت الكتل السياسية الحالية متفقة على العمل بهذه القاعدة، فمع التغيير القادم المتوقع، هل ستعمل الكتل القادمة وفق القاعدة نفسها؟ إذا ما كان الجواب بالإيجاب فإننا قد لا نشهد تغييرات مطلوبة، وإذا ما كان الجواب بالسلب، فهل سيقود ذلك إلى حالة شديدة من الصراع بين الكتل البرلمانية؟ ولنا مثال واضح في ذلك، فعندما تخلت الكتل البرلمانية عن فكرة التوافق الكلي حول مشروع قانون الانتخابات المقبلة، وجدنا أن حالة الصراع السياسي اشتدت حينما لم تؤخذ مصلحة طرف معين في الاعتبار، إذ اقتطعت مقاعد نيابية من محافظات تتبع طرفاً معيناً ومنحت لمحافظات تتبع طرفاً آخر، الأمر الذي ولد حالة من الغليان والرفض المطلق والتهديد بالعصيان المدني، فلو كانت حالة واحدة من دون توافق أوصلت الأمور إلى هذا الحد، فكيف لنا أن نتصور أن القرارات بأجمعها ستحل من دون حالة التوافق السياسي؟
3- النقطة الثالثة: يفترض بأية عملية ديمقراطية إذا ما كانت ناجحة أن ترتقي بأحوال الدولة والمواطن. ولو أسقطنا وقائع الوضع العراقي على تقييم التجربة الديمقراطية في العراق لوجدنا العكس. قبل إعلان النتائج تبادلت الأطراف السياسية لغة التهديد والوعيد واللجوء للقوة والنزول للشارع وتهييج الجماهير. في محافظة معينة هدد محافظها أو رئيس مجلسها بالانفصال عن العراق ما لم يعاد النظر بالنتائج. وبعد أيام من إعلان النتائج ارتكبت جرائم مفجعة بحق العراقيين يندى لها جبين البشرية مع فشل عسكري في الحد من مثل تلك العمليات، 25 مدنياً عزل رجالاً ونساء جنوب بغداد أعدموا أمام منازلهم، عشرات الشهداء ومئات الجرحى في تفجيرات إجرامية ضربت العراق لا سيما بغداد، والقيادة العسكرية تقول إن الوضع الأمني (مسيطر عليه!).
أخيراً ما يمكن أن نخرج به من كل الكلام السابق، إذا كانت نتائج الديمقراطية هكذا، فإن العيش من دونها سيكون أفضل بكثير، ما لم يعاد النظر في العملية بمجملها، وما لم يقم السياسيون بالارتقاء فوق المصالح الخاصة لينظروا إلى المصلحة العامة للشعب.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3070::/cck::
::introtext::
من المعروف أن أحد أبرز ادعاءات الولايات المتحدة لاحتلال العراق هو نشر الديمقراطية، إذ إن (تصدير الديمقراطية) كان من (الأهداف التي قالت الولايات المتحدة إنها جاءت لتحققها فيه)، على أساس أن العراق وبعد أن يصبح (واحة للديمقراطية) سيلهم تجارب الآخرين لينتشر الوعي الديمقراطي في أرجاء العالم العربي.
::/introtext::
::fulltext::
من المعروف أن أحد أبرز ادعاءات الولايات المتحدة لاحتلال العراق هو نشر الديمقراطية، إذ إن (تصدير الديمقراطية) كان من (الأهداف التي قالت الولايات المتحدة إنها جاءت لتحققها فيه)، على أساس أن العراق وبعد أن يصبح (واحة للديمقراطية) سيلهم تجارب الآخرين لينتشر الوعي الديمقراطي في أرجاء العالم العربي.
من المعلوم أيضاً أن الديمقراطية التي أرادتها الولايات المتحدة للعراق تختلف كثيراً عن الديمقراطية المتبعة في الدول المتحضرة ومنها الولايات المتحدة نفسها. إذ إن ديمقراطية الداخل الأمريكي جمعت لا فرقت، بينما ديمقراطية التصدير أثبتت فشلها لاسيما بعد الفضائح الأمريكية الكبيرة في السجون العراقية وكذلك فضائح وكالة المخابرات المركزية الأمريكية في السجون السرية عبر أوروبا ومناطق أخرى من العالم، حيث مارست التعذيب وانتهاك حقوق الإنسان ضد متهمين لم يحاكموا ويدانوا، الأمر الذي حمل الشعوب على رفض هذه الديمقراطية حيث اتضح أنها كذبة أمريكية كبرى تخدم أهداف السياسة الأمريكية ولا تخدم الشعوب المضطهدة.
إن تقييم العملية الديمقراطية في العراق بعد الاحتلال الأمريكي عام 2003 يتطلب مناقشة الآتي:
1- ولدت العملية السياسية منذ احتلال العراق 2003 بعملية قيصرية. كما أن المولود حمل معه علامات الوهن والمرض منذ أيامه الأولى، وهو أمر مؤكد لأن القائمة على العملية من أساسها الولايات المتحدة لتتمكن من فرض سيطرتها و(أجنداتها) على الشركاء في هذه العملية، ولتتمكن عبر ما سمته التوافق السياسي من فرض شروطها على القرارات التي ستتحكم في مصير العراق مستقبلاً.
ولو تأملنا في التجربة التاريخية لنشوء الولايات المتحدة الأمريكية، لوجدناها من أفضل التجارب العالمية في القرون المتأخرة في بناء الدولة الوطنية، والدستور الأمريكي من أكثر الدساتير العالمية الوضعية ثباتاً واستقراراً، وأكثرها قوة وهيبة. لكن الوصول إلى مثل هذه الحالة من الرقي لم يتم بسنة واحدة أو سنتين، ولم يتم عبر إقصاء الآخر أو تهميشه، بل عمل الآباء المؤسسون على صون حقوق جميع الأمريكيين-المواطنين- أياً كانت انتماءاتهم وأصولهم وأطيافهم وأعراقهم وطبقاتهم، الأمر الذي أفرز قبولاً شعبياً عاماً لمواد وبنود الدستور، وفرض استقراراً كبيراً في شكل النظام السياسي. لكن الكارثة أن الولايات المتحدة لم تعد صياغة تجربتها الدستورية الناجحة في العراق، بل إنها صدرت الأسوأ في تجربتها، فضلاً عن المحاصصة الطائفية والعرقية، وهو المشروع الأسوأ في التاريخ السياسي العراقي، فأفرزت بذلك عملية سياسية مترهلة بعيدة عن مبادئ الديمقراطية الحقة التي لا تقول بالتوافقات السياسية، بل إن رأي الأقلية يتبع رأي الأكثرية، على ألا يكون رأي الأكثرية مضراً بالمصلحة العامة للبلاد. وبالتالي فإن الولايات المتحدة لم تسمح للعراقيين بممارسة الديمقراطية الفعلية، لكنها فصّلت ديمقراطية خاصة للمقاس العراقي حسب ما يلائم أفكارها هي، وفرضت عليهم ممارستها قسراً، وكانت النتائج أننا لم نصل بعد إلى مرحلة الوعي الديمقراطي وفكرة الثقافة الوطنية الجامعة، بل لا تزال أفكار معظم الكيانات السياسية أفكاراً مشرذمة وضيقة، قائمة لخدمة مصالح أما طائفة معينة أو قومية معينة أو دين معين، وغابت عن العراق الثقافة السياسية الجامعة، أسندها في ذلك التشطير على مستوى مجلس الحكم، فضلاً عن العوامل الذاتية المرتبطة بضعف المستوى الثقافي، وتدني الخبرة السياسية للمواطن العراقي. كما أن ما عمق من المشكلة الخطاب الحزبي والرسمي، عبر التأكيد على الخصوصيات وليس الحديث عن الوطنية سوى في الدعايات الانتخابية.
وما نريد أن نصل إليه، أن آلية العملية السياسية أوصلتنا إلى حالة من التردي والتشظي على مستوى الوعي السياسي والثقافة السياسية، فبدل أن تفكر الكيانات السياسية بمصلحة الوطن كله، فضلت كثير من الكيانات الفاعلة المصالح الضيقة، والنتيجة أن الكثير من العراقيين ما زالوا لا يثقون بالعملية السياسية، ولا يتعارض مع ذلك ذهابهم إلى الانتخابات، فالذهاب جاء مقروناً بأمل التغيير، على أساس أن الانتخابات من الممكن أن تأتي بتغييرات جديدة تخرج البلاد من المصاعب المتعددة التي يعانيها والتي كان سببها الرئيسي الاحتلال الأمريكي وسياساته.
2- الديمقراطية والانتخابات في الفكر السياسي أن الديمقراطية مرتبطة بالانتخابات، فلا ديمقراطية من دون انتخابات حرة وعادلة، ولا انتخابات حرة وعادلة من دون ديمقراطية فعلية تضمن للفرد حقه الدستوري في اختيار من يمثله بكل حرية ومن دون قيود أو خوف. ومن المعلوم أن الديمقراطية هي أسبق وأشمل من الانتخابات، فلكي نصل إلى الانتخابات لا بد أن نمتلك وعياً بماهية الديمقراطية، وما هي الحقوق التي تضمنها لنا العملية الديمقراطية، وما هي الواجبات التي تترتب علينا؟ أين يمكن أن تقودنا ممارسة الديمقراطية؟ وإلى ماذا يمكن أن ترتقي بنا؟ كيف نختار ومن نختار؟ بعد ذلك تتأتى مرحلة الانتخابات، لأن إجراء الانتخابات من دون أن يكون هناك وعي ثقافي سياسي دستوري بماهيتها سيجعل منها عملية شكلية روتينية، ومن المحتمل أن تكون لها إفرازات سيئة.
المشكلة التي أوقعتنا فيها القوات المحتلة أنهم أرادوا السير بالاتجاه المعاكس، وهو أن الانتخابات ستولد الديمقراطية، أي أن الشعب يذهب لينتخب، وعندما تكتمل الانتخابات، أياً كانت نتائجها، نقول إن الديمقراطية موجودة في العراق، وإن الاحتلال وفى بوعده حينما جلب الديمقراطية، ما الدليل؟ الدليل أن العراقيين أجروا انتخابات حرة، لكن وفق أي وعي أو ثقافة سياسية؟ الجواب ليس مهماً لقوات الاحتلال بقدر ما يهمها أن تقول إنها نجحت. وللموضوعية، فإن السير بالاتجاه المعاكس لم ينجح فعلياً إلى حد الآن، نعم أن العراقيين انتخبوا، لكن لم نصل بعد إلى مرحلة الوعي الديمقراطي الحقيقي الذي يجعل منا أحراراً في اختيار المرشحين الأكفأ أياً كانت قومياتهم أو أعراقهم أو ديانتهم من دون الانجرار وراء الضاغط الخارجي المؤثر.
3- أفرزت الأوضاع الميدانية أثناء الانتخابات وبعدها حالة فريدة من نوعها في النظم السياسية ومسألة التداول السلمي للسلطة. الأحزاب الموجودة في الساحة العراقية والتي جاءت إلى السلطة بفعل التغيير بالقوة العسكرية وخدمتها الديمقراطية الأمريكية، نجد كثيراً منها رفضت نتائج الديمقراطية، وقد قبلت بها سابقاً في انتخابات مجالس المحافظات عندما كانت النتائج تخدم مصالحها، أما عندما مورست اللعبة السياسية نفسها وجاءت النتائج بما لا تهوى الأنفس فهوجمت الديمقراطية بداعي أنها ستأتي بـ (أعداء العراق) إلى السلطة. أيضاً الديمقراطية تفترض التداول السلمي للسلطة، وهو أمر يحصل في كل الدول المتحضرة، إلا أننا رأينا أن بعض الأطراف السياسية هددت باللجوء للقوة المسلحة واستخدام الجيش إذا ما رفضت مطالب تلك الأطراف، الأمر الذي إن حصل سيشكل ضربة كبرى للديمقراطية وخروجاً عن الخط المألوف، حيث إن أمريكا تكذب على العالم بأنها ثبتت ركائز الديمقراطية في العراق.
ما يتعلق بهذه المسألة أيضاً حالة غير مألوفة على صعيد عمل النظم السياسية والسلطات فيها. فالديمقراطية تفترض وجود السلطة ووجود المعارضة. لكن الأمر في العراق يبدو أنه يختلف عن ذلك، فالأطراف تريد جميعاً أن تشارك في السلطة، إذاً من سيبقى في المعارضة؟ وما قيمة الديمقراطية إذا لم تكن هناك معارضة تراقب عمل من هو موجود في السلطة وتناقشه في الأخطاء وتجبره عند الضرورة على تعديل مسار عمل الحكومة؟ يبدو أننا سنكون أمام حالة فريدة، فالكل إذا ما أصبح في الحكومة، فإن الكل أيضاً سيكون في المعارضة، أو لن تكون هناك معارضة، وهنا سنعود بالكلام من جديد حول غياب الوعي الديمقراطي لا سيما عند الكثير من الجماعات السياسية، وكذلك الحديث عن استغلال الديمقراطية للوصول إلى السلطة والتشبث فيها ورفض مسألة التنازل عنها بعد أن تصبح حقاً مكتسباً، ومن ثم يصل الشعب إلى التفكير ألف مرة قبل أن يصدق بالدعاوى الحقيقية عن هكذا ديمقراطية.
ولذلك، إذا كانت ثقة الشعب غائبة إلى حد كبير في العملية السياسية، وإذا كانت أيضاً الثقافة الديمقراطية غائبة في جانب واسع إلى الوقت الحالي، فإن هاتين النقطتين لا بد أن تؤثرا في مستقبل العملية السياسية العراقية عموماً وفي تشكيل الحكومة العراقية المقبلة، ذلك التشكيل الذي سيتأثر بأمور عدة من بينها:
أ- النتيجة النهائية التي أفرزتها الانتخابات التشريعية الأخيرة من حيث الكتل الفائزة وعدد مقاعدها.
ب- مدى تقارب برامج العمل للكيانات الفائزة أو تباعدها، الأمر الذي ستفرزه نتيجة المناقشات النهائية للكتل الفائزة حول تشكيل الحكومة.
ج- طبيعة مطالب الكتل الفائزة وإمكانية تنازلها أو ثباتها على تلك المطالب، ومثال ذلك الكتلة الصدرية التي فازت بما يقارب 40 مقعداً في الانتخابات، بالتالي هي كتلة كبيرة ومهمة تستطيع فرض شروطها حول الاستئثار بوزارات معينة ومن ثم تستطيع أن تناور بالتحرك للتحالف مع هذه الكتلة أو تلك إذا ما رأت أي تحالف سيخدم مطالبها أكثر.
د- خفايا التحركات الأمريكية الداخلية ومدى تدخلها في تقرير تشكيل الحكومة القادمة، وهي تحركات لا تخفى أهميتها ودورها، سواء أكانت إيجابية أم سلبية. إن هذه المسألة مهمة جداً، وفي نظرنا تعد من المسائل المهمة التي ستقرر شكل الحكومة المقبلة، فالولايات المتحدة بوجودها ونفوذها وسطوتها وتحركاتها وضغوطها، سيكون لها دور فاعل في تحديد شكل الحكومة العراقية المقبلة. أما ما يصدر من تصريحات أمريكية بأنها لا تتدخل فهو محض هراء، وهذا الكلام له من الأسانيد الكثير، وقد تحدث بذلك إياد السامرائي رئيس البرلمان العراقي قبيل إقرار قانون الانتخابات الحالي عندما أشار إلى الضغوط الأمريكية، كما اتهمت جهات سياسية كثيرة الولايات المتحدة قبيل الانتخابات بالضغط على الحكومة العراقية وتدخلها لا سيما في قضية (اجتثاث البعث) عندما اتهمت بالتدخل في عمل هيئة المساءلة والعدالة التي اتخذت قرارات رآها الأمريكيون والأوروبيون- لا سيما المبعوث الأوروبي للعراق ستيفنسون- أنها غير قانونية وتدخل ضمن إطار التصفيات السياسية للخصوم أكثر من كونها عملية قائمة على أسس شرعية. ومن الأسانيد المهمة الأخرى ما تحدث به السفير الأمريكي الحالي كريستوفر هيل في محاضرة له في المعهد الأمريكي للسلام في 19 فبراير 2010، ونقتبس منه الآتي:
1- يتحدث السفير عن الانتخابات العراقية كأنها انتخابات ستجرى في أمريكا وليس في العراق، إذ يقول ما نصه كنت أتكلم مع رئيس الوزراء منذ بضعة أسابيع، وقلت له: تعرف، (لدينا انتخابات… بعد 30 يوماً)، وكلمة (لدينا) تربط السفير بالانتخابات بشكل مباشر.
2- يتحدث السفير عن السفارة الأمريكية في العراق ودورها ودور الموظفين الأمريكيين فيقول (هي بحق سفارة غير عادية. وسنكون موجودين هناك، السفارة الأمريكية ستبقى هناك، للمدى الطويل. والذين يقيسون مصالحنا في العراق بمقياس حجم وجود قواتنا هناك، أود أن أقول إن رأيهم ليس صائباً. لأننا مهتمون بعلاقة طويلة الأمد. وسفارتنا هناك رمز أكيد لتلك العلاقة) (وقد عملنا عملاً شاقاً مع زملائنا في الأمم المتحدة، وعملنا عملاً شاقاً مع المفوضية العليا للانتخابات من أجل إدارة تكنولوجيا الانتخابات، التي نعتقد أنها ستعمل بصورة طيبة..) (إننا نحتفظ بوجود قوي في المحافظات.. لدينا ناس يتعاملون كل يوم على المستوى المحلي..) أي أن الوجود الأمريكي في كل مكان من العراق.
3- بعد أن يستشف السفير ما سيحصل في العراق بعد الانتخابات بقوله ([بعد الانتخابات] تبدأ عملية تشكيل الحكومة الجديدة. وهذه العملية لن تكون بالعملية السهلة. وسوف تكون عملية تحتاج فيها الكتل الفائزة[ التي ستكون خمس كتل] إلى التواصل مع الائتلافات المختلفة، لتشكيل نوع من الحكومة الائتلافية) (إن عملية تشكيل الحكومة ستكون طويلة، وستؤثر أيضاً في الأمن وفي الانقسامات السياسية)، ثم يذهب إلى تقييم الفعل الأمريكي الذي يجب أن يكون بعد الانتخابات فيقول (إن هذا ليس وقت التنحي أو الانزلاق إلى حالة من التقاعس. فلابد أن تبقى الولايات المتحدة متنبهة إلى نفوذها المستمر.. وسيستمر دبلوماسيونا وجنودنا وخبراؤنا المدنيون في تطبيق القوة الأمريكية في أفضل حالاتها من الموصل إلى بغداد، ومن الأنبار إلى البصرة).
الدور الأمريكي الذي سيبقى قوياً حسب كلام السفير الأمريكي سيكون أيضاً فاعلاً ومؤثراً في مستقبل تشكيل العملية السياسية في العراق.
هـ- الملف العراقي وعلاقته بالصراع الأمريكي-الإيراني: في هذا الصدد نعتقد بقصور النظرة التي تتعامل مع الملف العراقي بمفرده، فالصحيح هو النظر للملف العراقي بصفته ملفاً من بين ملفات أخرى كثيرة عالقة بين الولايات المتحدة وإيران، لا سيما الملف النووي الإيراني وملف أفغانستان. كما أن مستقبل العملية السياسية لا بد أن يتأثر بهذه المسألة، فنعتقد أن الطرفين سيتدخلان في تشكيل الحكومة المقبلة، بل نرى ما هو أسوأ من ذلك، إذ سيستخدم العراق من الطرفين بصفته ورقة بيده، ففي حال حصول الولايات المتحدة على تنازلات إيرانية في الملفين الآخرين، فإنها ستترك لإيران القيام بدور مهم في تشكيل الحكومة المقبلة. أما إذا لم تحصل على تنازلات مرغوبة، فإنها ستعمد إلى دعم من يناوئون التحركات الإيرانية وتضيق على أولئك الذين يوافقونها الرأي. وقد نذهب لأكثر من ذلك، صواباً أو خطأ، فنقول إن شكل الحكومة المقبلة في العراق ستكون له علاقة كبيرة بحقيقة التحركات الأمريكية تجاه إيران، إذ سيكون وصول هذا الطرف أو ذاك مؤشراً إلى ما تضمره الولايات الأمريكية حقيقة لإيران وليس ادعاء.
إن هذه النقاط الخمس هي التي سيكون لها التأثير في تحديد شكل الحكومة العراقية المقبلة، والتي نؤمن أن ولادتها لن تكون سهلة والتي سندرجها تحت الاحتمالات التالية:
الاحتمال الأول: بقاء السيطرة لأحزاب التكتل الرباعي و/أو ائتلافاتها على البرلمان المقبل، وتشكيل الحكومة العراقية، مما يعني ضمناً استمرار العملية السياسية على ما هي عليه من دون أن نرى تغييرات كبيرة، ربما باستثناء صراع قد يحدث في بداية الأمر حول من سيكون رئيس الوزراء من هذه الكتلة أو تلك، أو ربما التصويت لمرشح توافقي ثالث.
هذا الاحتمال يبدو واقعياً إلى حد كبير، فبعض التكتلات الكبيرة من المستبعد أن تفترق بعد الانتخابات، بل إنها ستعمد إلى توحيد أصواتها حتى لو انقسمت إلى فرقتين كبيرتين قبل الانتخابات، لأنها من غير الممكن أن تفرط بما حققته من مكاسب، وما وصلت اليه من سيطرة وهيمنة على مجريات الوضع السياسي في العراق.
وفضلاً عن الدعم الإيراني لمثل هذا التحالف، فإن ما يدعمه أيضاً ما يمكن أن يحدث من توافق أمريكي-إيراني حول العراق وتشكيل الحكومة المقبلة، وهو توافق سيكون مشفوعاً بتنازلات إيرانية في جوانب معينة. كما أن ما يؤيد الوصول إلى مثل هذا الاحتمال اتفاق أطراف التحالف القديم حول برامجها السابقة والحفاظ على مكتسباتها، بالإضافة إلى أنها ستحظى بأغلبية مريحة تضمن لها مرور القرارات داخل المجلس التشريعي.
لكن، ما قد يحد من حصول هذا الاحتمال، إصرار كتلة ائتلاف دولة القانون على مرشحها لرئاسة الوزراء وهو رئيس الوزراء الحالي نوري المالكي مع رفض الأكراد والائتلاف الوطني العراقي له، إلا إذا استجدت أمور من بينها تغيير ائتلاف دولة القانون لمرشحها، أو حصول تغييرات معينة لصالح بقاء المالكي في منصبه. وما يحد من هذا الاحتمال عدم وصول الطرفين الإيراني والأمريكي إلى اتفاقات مشتركة. ومن محددات الاحتمال أيضاً إصرار زعيم الائتلاف الوطني العراقي عمار الحكيم على مشاركة كتلة العراقية في الحكومة ورفض المشاركة في أية حكومة لا تشارك فيها العراقية.
الاحتمال الثاني: التحالف بين القائمة العراقية والأحزاب الكردية وبعض القوائم الصغيرة وكذلك الفائزين في مقاعد الأقليات، الأمر الذي سيفضي لأن تكلف العراقية بتشكيل الحكومة العراقية المقبلة، فيما ستكون الأطراف الباقية كلها أو جزء منها في المعارضة.
هذا الاحتمال له ما يدعمه، فإذا ما فشلت جهود المحادثات الأمريكية-الإيرانية حول الملفات الأخرى، فإن المرجح أن ينشأ تحالف بمساعدة وضغط أمريكي بين الأطراف المشار إليها أعلاه، وهو تحالف سيخدم المصالح الأمريكية باتجاه الضغط على إيران.
بيد أن لهذا الاحتمال محددات كثيرة منها أن الأكراد لن يقبلوا بالتحالف مع كتلة العراقية من دون الحصول على امتيازات واسعة في الموصل وكركوك والحصول على عدد من المناصب السيادية، وهي قضايا ستحرج وضع العراقية لدى ناخبيها، وقد تكون مقدمات لتطورات سلبية قادمة في المناطق المتنازع عليها. كما أن مطالب الأكراد بتقديم تنازلات في هذه المسائل ستقابل برفض من أطراف كبيرة من العراقية لا سيما في الموصل، الأمر الذي سيعقد من المسألة كثيراً. وما يحد أيضاً من هذا الاحتمال حاجة ائتلاف العراقية والأكراد إلى تحالف قوة كبيرة أخرى إذا ما أراد ضمان أغلبية مريحة، وبالتالي الدوران في الحلقة ذاتها، وهو ما يؤكد كلام السفير الأمريكي بأن الولايات المتحدة ستعمد إلى ائتلاف جميع الأطراف.
الاحتمال الثالث: أن تتحالف العراقية مع الأكراد مع الائتلاف الوطني العراقي، لكن هل ستقبل إيران بمثل هذا التحالف إذا ما قبلت أمريكا به، وكيف ستوزع المناصب السيادية في ظل مطالبات من الائتلاف الوطني العراقي برئاسة الوزراء، بينما ترى العراقية أنها الأحق بذلك؟
الاحتمال الرابع: أن يتشكل ائتلاف واسع يضم الأطراف الفائزة جميعاً، وهو احتمال مقبول أمريكياً، وأعتقد أنه سيكون مقبولاً إيرانياً وعربياً، مع حدوث خلافات حول منصب رئيس الوزراء وتوزيع المناصب الأخرى، لكن بمرور الوقت الذي لن يكون قصيراً ستصل الأطراف إلى حل حول تلك الخلافات، لكن بعد أن يصل التدخل الأمريكي إلى أوجه، وبعد أن تمارس ضغوطها العريضة على كل الأطراف، وربما بعد أن يعيش البلد في دوامة من العنف والعنف المضاد.
لذا فإن كل الاحتمالات واردة، ولا يمكن إسقاط أي منها، ولكل منها سلبياته وإيجابياته على الناخب العراقي وعلى العملية السياسية برمتها. ولأن لأي انطلاقة لا بد من وصول، فإن نقطة الوصول ستكون بتشكيل الحكومة المقبلة. وعند الوصول لتلك النقطة، فإننا لابد أن نمر بالنقاط التالية:
1- النقطة الأولى متعلقة بشخص رئيس الوزراء القادم. من المعروف أن رئيس الوزراء يمتلك من الصلاحيات الكثير، الأمر الذي يعني أن الكتلة التي سيكون منها صاحب هذا المنصب هي الكتلة القوية والتي ستزداد قوتها عندما يترشح منها. وما يتعلق بهذه المسألة ما يمكن أن يتمخض عنه الصراع بين القوى المختلفة لإيصال هذا المرشح أو ذاك إلى كرسي رئاسة الوزراء وامتدادات هذا الأمر وتداعياته اللاحقة. فهل ستؤدي هذه النقطة إلى صراع سياسي سيشهده العراق في المرحلة المقبلة؟
2- النقطة الثانية، أن الكتل البرلمانية الحالية عملت طوال المدة السابقة وفق قاعدة التوافق السياسي، أي أن القرارات تصدر وفقاً للتوافق السياسي بما يضمن اتفاق كافة الكتل السياسية على القرار، ليضمن اتفاق الشعب حوله، والسؤال هنا: إلى متى ستبقى قاعدة التوافق السياسي هي القاعدة المعمول بها؟ وإذا ما كانت الكتل السياسية الحالية متفقة على العمل بهذه القاعدة، فمع التغيير القادم المتوقع، هل ستعمل الكتل القادمة وفق القاعدة نفسها؟ إذا ما كان الجواب بالإيجاب فإننا قد لا نشهد تغييرات مطلوبة، وإذا ما كان الجواب بالسلب، فهل سيقود ذلك إلى حالة شديدة من الصراع بين الكتل البرلمانية؟ ولنا مثال واضح في ذلك، فعندما تخلت الكتل البرلمانية عن فكرة التوافق الكلي حول مشروع قانون الانتخابات المقبلة، وجدنا أن حالة الصراع السياسي اشتدت حينما لم تؤخذ مصلحة طرف معين في الاعتبار، إذ اقتطعت مقاعد نيابية من محافظات تتبع طرفاً معيناً ومنحت لمحافظات تتبع طرفاً آخر، الأمر الذي ولد حالة من الغليان والرفض المطلق والتهديد بالعصيان المدني، فلو كانت حالة واحدة من دون توافق أوصلت الأمور إلى هذا الحد، فكيف لنا أن نتصور أن القرارات بأجمعها ستحل من دون حالة التوافق السياسي؟
3- النقطة الثالثة: يفترض بأية عملية ديمقراطية إذا ما كانت ناجحة أن ترتقي بأحوال الدولة والمواطن. ولو أسقطنا وقائع الوضع العراقي على تقييم التجربة الديمقراطية في العراق لوجدنا العكس. قبل إعلان النتائج تبادلت الأطراف السياسية لغة التهديد والوعيد واللجوء للقوة والنزول للشارع وتهييج الجماهير. في محافظة معينة هدد محافظها أو رئيس مجلسها بالانفصال عن العراق ما لم يعاد النظر بالنتائج. وبعد أيام من إعلان النتائج ارتكبت جرائم مفجعة بحق العراقيين يندى لها جبين البشرية مع فشل عسكري في الحد من مثل تلك العمليات، 25 مدنياً عزل رجالاً ونساء جنوب بغداد أعدموا أمام منازلهم، عشرات الشهداء ومئات الجرحى في تفجيرات إجرامية ضربت العراق لا سيما بغداد، والقيادة العسكرية تقول إن الوضع الأمني (مسيطر عليه!).
أخيراً ما يمكن أن نخرج به من كل الكلام السابق، إذا كانت نتائج الديمقراطية هكذا، فإن العيش من دونها سيكون أفضل بكثير، ما لم يعاد النظر في العملية بمجملها، وما لم يقم السياسيون بالارتقاء فوق المصالح الخاصة لينظروا إلى المصلحة العامة للشعب.
::/fulltext::
::cck::3070::/cck::
