((الانفجار)) العراقي ومستقبل الخليج
::cck::3079::/cck::
::introtext::
لا يوجد تردد لدى المراقبين في أن ما يسيطر على أجواء العراق هو مسار دورة جديدة من الصراع المؤدي إلى حرب طائفية معلنة أو مضمرة وصراع سياسي قاتم خطير يستبطن كل حالات التعسّر والحرب الباردة أو حرب العقوبات بين القطبين.
::/introtext::
::fulltext::
لا يوجد تردد لدى المراقبين في أن ما يسيطر على أجواء العراق هو مسار دورة جديدة من الصراع المؤدي إلى حرب طائفية معلنة أو مضمرة وصراع سياسي قاتم خطير يستبطن كل حالات التعسّر والحرب الباردة أو حرب العقوبات بين القطبين.
إن أكثر الجوانب مأساوية في هذا الالتحام الجديد أن القطبين الإقليمي والدولي يسدد كل منهما فواتيره من دماء العراق وأمنه واستقراره المنهار أصلاً، ولذلك أضحى توقع المحلل السياسي أن تكون هذه الدورة الجديدة ذات تأثير أكبر على مستقبل الخليج شبه مقطوع بها، ومنذ إعلان نتائج الانتخابات العراقية في السادس والعشرين من مارس المنصرم وإعلان نوري المالكي الانقلاب عليها ثم بدء عزف التوتر الطائفي الذي اقترن بعملية إبادة نوعية في بلدة البوصيفي جنوب بغداد ثم تفجير محيط السفارة الإيرانية وما تزامن مع عودة خطاب التقسيم الفيدرالي والحرب الطائفية لتنشط في سماء العراق من جديد، كل ذلك انعكس بالضرورة على أسئلة المستقبل الخليجي.
ولعل ما يلفت رأي المراقب والرأي العام الوطني في الخليج أن المؤسسة الرسمية فيه وبرغم الأحداث الكُبرى التي عصفت بالمنطقة لا تزال تُركّز على قضية واحدة في كل مفاصل هذه الأحداث والحروب مع صعود حالة القلق والاضطراب لديها، وهي أين ستقف الإرادة الدولية من مستقبل المنطقة الأمني والاستراتيجي؟ وأين ستقف هذه الدولة وتلك منفردة وليست مجتمعة مع شقيقاتها من هذه الرؤية التي تتصاعد اضطراباً أو هدوءاً وهي ذاتها لو دققنا في الدراسات الأمريكية وما يجري داخل إدارة أوباما بل النخبة السياسية لوجدنا أن هناك مساحة غامضة بالفعل لم تستطع حتى واشنطن حسم الأمور فيها، فضلاً عن علاقة الموقف بالحربين اللتين خاضتهما واشنطن ضد العراق وأفغانستان وقوة التموج الذي تعيشه قواتها وقوات الناتو من مفاجآت طالبان.
ويمكننا أن نضيف إلى ذلك ما يشغل إدارة أوباما من سيناريو العراق وصعود الصين وروسيا الجديدة وتقاطعات مصالحهما مع إيران ووضع المستقبل الاقتصادي لواشنطن وموقفها العالمي المتصدع وعلاقة ذلك بالأمن القومي للولايات المتحدة كرؤية مطروحة في واشنطن أصبح يتردد حولها خطاب مفاده أن إعادة تنظيم هذه الإمبراطورية لم يعد من الممكن أن يستمر مع هذا الاستنزاف، وأنه لابد من تضحيات صعبة تقدمها واشنطن لإعادة التوازن وإن أظهرت إعلامياً غير ذلك واستخدمت الرد الإعلامي كرادع لما تقدمه صورتها المهتزة، لكنّه لا يصمد أمام قواعد اللعبة الجديدة الصاعدة، وهنا يبرز الخليج مجدداً في تساؤل مشروع لِمَ لا تمّر تضحيات واشنطن فوق رأسه أو في أطرافه؟
الخليج بين نسختين
وإذا أردنا أن نتماهى بل نتطابق جدلاً مع موقف المؤسسة الرسمية في الخليج العربي في رهن مستقبل استقرارها الأمني والاستراتيجي وبالذات إعادة رسم الحدود من خلال عقيدتها التاريخية في أن الخيار الأوحد هو إعادة تشكيل الموقف بحسب رؤى الموقف الدولي رغم تراجع هذا الموقف واضطرابه الواقعي المحسوس، فإن العودة إلى هذه الفلسفة للنظام الخليجي والمقارنة بين أوضاع السابق بالحالي للوصول لأي عامل موضوعي يدعم موقف الخليج الرسمي من هذه الرؤية سيعيدان تأكيد حجم الخلل في هذا الموقف الرسمي.
فبدءاً من الحرب على العراق وانتصار واشنطن عام 1991، فقد كان الوضع مختلفاً كلياً عما يجري اليوم. فحالة الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن كوضعيتها اليوم، واستراتيجية جورج بوش الأول كانت ترتكز على مسارات لم تعد متاحة لباراك أوباما في خلاصة الحرب الأولى على العراق التي أثمرت مليارات على الاقتصاد الأمريكي وتحمّل جزءاً منها نفط الخليج. وفي حين أعلنت واشنطن أنها قطب العالم الأوحد في ذلك التاريخ فقد صعدت قوى مختلفة الآن، وفيما كان العراق محاصراً تحت السيطرة بات اليوم في قبضة طهران باعتراف الخليج الرسمي.
وانعكس ذلك بصورة كبيرة على الداخل الخليجي الذي عاش أوضاعاً صعبة حين أدارت طهران عبر العراق وعبر إعلامها ملف المظلومية والاحتقان الطائفي لتفتيت النظام الاجتماعي الخليجي مع دعم من المؤسسات الحقوقية الغربية داخل أراضيه، وأضحت بالفعل لها خواصر ليّنة في المجتمع الخليجي وصلت إلى حد تحالف حكومة خليجية مع هذه القوى وتعزيز تواصل فريقها الحكومي مع طهران في هذا السياق وهو أمرٌ لم يكن قائماً في ذلك التاريخ، بالإضافةً إلى أن الموقف الخليجي الرسمي تجاه إيران يزداد اضطرابه في ما كان موحداً أو متوافقاً عليه قبل عقدين.
إضافةً إلى أن التدافع أو التفاوض الدولي الإقليمي لا يزال مشهداً جديداً يُبشّر بمفاجآت غير سارة للخليج العربي فإن هناك تفككاً أوسع وتأثيرات أكبر في عموم المنطقة، في وقت تغيرت فيه العلاقات الخليجية عن ذلك العهد، وأضحت ملفات الخلاف تزداد داخل البيت الخليجي والتصارع السري على الوصول لرؤية تحكم كل عاصمة في مستقبل الموقف الدولي من المنطقة ومن علاقتها الإقليمية، كل ذلك مع أزمات داخلية وتعطّل الإصلاح الوطني ساهم في تأزم الموقف الشعبي القلق من المستقبل ومن تحسين أوضاعه وهو القلق الذي يسيطر على كلا قسمي النظام السياسي في المنطقة دول الهامش الديمقراطي ودول النظام الشمولي في الخليج.
أمام ذلك الاستعراض يبرز موقف عفوي من الخليج العربي وهو كيف يُنتظر أن يتحقق أي توازن يضمن له الأمن والاستقرار في هذه الوضعية؟ وكيف يستمر الإصرار على رهن مستقبله وبصورة أحادية في يد الموقف الدولي؟ فليس من المنطقي أن يعتقد البعض أن واشنطن في عهد الحسابات الدقيقة ومرحلة التشظي الجديد للعراق وإرهاصاته على المنطقة ستتردد بقبول قواعد لعبة جديدة ولو أفضى ذلك إلى صناعة خليجٍ جديد يتحتّم أن يُقضم منه حتى لا يُقضم المزيد من هيمنتها، وتبقى واشنطن في دائرة اللعبة لتعود هي لا ليعود الخليج القديم من جديد.
المواجهة الواثقة لا الموادعة
من هنا سيكون الخليج العربي في مواجهة اضطرارية مع مقتضيات المرحلة لا بد لها من حسم، ولا يمكن أن تتحقق فاعلية على الأرض ما لم تقوم على ثلاثة مسارات رئيسية: الأول هو استقلال الموقف وإدارة الملف والدخول في تحريك قواعد اللعبة الجديدة من منطق الاستقلال الذي أضحى مصلحة وليس مبدأ وحسب، وإدارة الصراع مع إيران حين تنطلق في التهدئة والتصعيد من هذا المنطق وليس من مصالح واشنطن الموسمية ستبدأ في تعزيز قواعد للأمن القومي الخليجي بعمقه العربي، وستجد الدول المركزية مساحة لإدارة هذا الصراع مع طهران أفضل بكثير من ربط الموقف بتغيرات مصالح أو حتى تصعيد الإدارة الأمريكية سواء أكان ذلك استقلالاً لمصالح واشنطن أم لتأمين غطاء أمني للصعود الإسرائيلي الأخير.
المسار الثاني ضرورة الإيمان بأن تحييد إيران وخضوعها لما ذكرناه يحتاجان إلى تقدم الخليج العربي في مواضع الصراع بحسب مصالحه المنطلقة للأمن القومي، لكن هذا التقاطع والتقدم المتواصل يحتاج أن يلتقي مع حلفاء الفكرة أو المصلحة من القوى المناهضة للمشروع الإيراني وتقاطعاته الدولية، فلا بُدّ من دعمها بالصورة الدبلوماسية السرية والإعلامية المعروفة، وهنا ينبغي التحذير من أن دعم بعض القوى الهشّة التي قد تُجيّر لاحقاً لمصلحة طهران أو تقاطعات الصفقة سيتحول إلى عبء، ولذلك فإن المراهنة على قوى الاستقلال الوطني في العراق والمنطقة هي الموقف الصحيح فهي من تستطيع أن تُغيّر في قواعد اللعبة التي تلتقي مع مصالح عروبة الخليج واستقلاله، وهذا الأمر يحتاج إلى تقريب وجهات النظر وتوحيد الموقف لدول مجلس التعاون وإن لم تُصفّ كُل ملفات الخلاف القائمة.
أما المسار الثالث، فسيبقى تعزيز الممانعة الوطنية الموحدة على أساس الهوية الجامعة والشراكة الوطنية وتنشيط الحماسة الشعبية وخاصة في الدول المركزية لتحقيق قاعدة وحدة وتفاعل تحمي المجتمع الأهلي من التداعيات الخطيرة وبالذات مواجهة ضرب التعايش والوحدة الجامعة، وحين ينخرط المجتمع ببرامج إصلاح حقيقية حقوقية ودستورية وتنموية سوف ينجذب تلقائياً للانخراط الجماعي بكل تلويناته وأطيافه، وذلك الحراك يتحول تلقائياً لتعزيز الموقف الوطني مع الدولة في مواجهة المستقبل المجهول. وأعتقد أنها قاعدة متفق عليها يحتاج إليها الخليج العربي أكثر من أي وقت مضى. كما أنك تُفكّر كيف تتقي السيل الجارف عليك أن تُصلح الخلل في منزلك قبل وصوله.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::3079::/cck::
::introtext::
لا يوجد تردد لدى المراقبين في أن ما يسيطر على أجواء العراق هو مسار دورة جديدة من الصراع المؤدي إلى حرب طائفية معلنة أو مضمرة وصراع سياسي قاتم خطير يستبطن كل حالات التعسّر والحرب الباردة أو حرب العقوبات بين القطبين.
::/introtext::
::fulltext::
لا يوجد تردد لدى المراقبين في أن ما يسيطر على أجواء العراق هو مسار دورة جديدة من الصراع المؤدي إلى حرب طائفية معلنة أو مضمرة وصراع سياسي قاتم خطير يستبطن كل حالات التعسّر والحرب الباردة أو حرب العقوبات بين القطبين.
إن أكثر الجوانب مأساوية في هذا الالتحام الجديد أن القطبين الإقليمي والدولي يسدد كل منهما فواتيره من دماء العراق وأمنه واستقراره المنهار أصلاً، ولذلك أضحى توقع المحلل السياسي أن تكون هذه الدورة الجديدة ذات تأثير أكبر على مستقبل الخليج شبه مقطوع بها، ومنذ إعلان نتائج الانتخابات العراقية في السادس والعشرين من مارس المنصرم وإعلان نوري المالكي الانقلاب عليها ثم بدء عزف التوتر الطائفي الذي اقترن بعملية إبادة نوعية في بلدة البوصيفي جنوب بغداد ثم تفجير محيط السفارة الإيرانية وما تزامن مع عودة خطاب التقسيم الفيدرالي والحرب الطائفية لتنشط في سماء العراق من جديد، كل ذلك انعكس بالضرورة على أسئلة المستقبل الخليجي.
ولعل ما يلفت رأي المراقب والرأي العام الوطني في الخليج أن المؤسسة الرسمية فيه وبرغم الأحداث الكُبرى التي عصفت بالمنطقة لا تزال تُركّز على قضية واحدة في كل مفاصل هذه الأحداث والحروب مع صعود حالة القلق والاضطراب لديها، وهي أين ستقف الإرادة الدولية من مستقبل المنطقة الأمني والاستراتيجي؟ وأين ستقف هذه الدولة وتلك منفردة وليست مجتمعة مع شقيقاتها من هذه الرؤية التي تتصاعد اضطراباً أو هدوءاً وهي ذاتها لو دققنا في الدراسات الأمريكية وما يجري داخل إدارة أوباما بل النخبة السياسية لوجدنا أن هناك مساحة غامضة بالفعل لم تستطع حتى واشنطن حسم الأمور فيها، فضلاً عن علاقة الموقف بالحربين اللتين خاضتهما واشنطن ضد العراق وأفغانستان وقوة التموج الذي تعيشه قواتها وقوات الناتو من مفاجآت طالبان.
ويمكننا أن نضيف إلى ذلك ما يشغل إدارة أوباما من سيناريو العراق وصعود الصين وروسيا الجديدة وتقاطعات مصالحهما مع إيران ووضع المستقبل الاقتصادي لواشنطن وموقفها العالمي المتصدع وعلاقة ذلك بالأمن القومي للولايات المتحدة كرؤية مطروحة في واشنطن أصبح يتردد حولها خطاب مفاده أن إعادة تنظيم هذه الإمبراطورية لم يعد من الممكن أن يستمر مع هذا الاستنزاف، وأنه لابد من تضحيات صعبة تقدمها واشنطن لإعادة التوازن وإن أظهرت إعلامياً غير ذلك واستخدمت الرد الإعلامي كرادع لما تقدمه صورتها المهتزة، لكنّه لا يصمد أمام قواعد اللعبة الجديدة الصاعدة، وهنا يبرز الخليج مجدداً في تساؤل مشروع لِمَ لا تمّر تضحيات واشنطن فوق رأسه أو في أطرافه؟
الخليج بين نسختين
وإذا أردنا أن نتماهى بل نتطابق جدلاً مع موقف المؤسسة الرسمية في الخليج العربي في رهن مستقبل استقرارها الأمني والاستراتيجي وبالذات إعادة رسم الحدود من خلال عقيدتها التاريخية في أن الخيار الأوحد هو إعادة تشكيل الموقف بحسب رؤى الموقف الدولي رغم تراجع هذا الموقف واضطرابه الواقعي المحسوس، فإن العودة إلى هذه الفلسفة للنظام الخليجي والمقارنة بين أوضاع السابق بالحالي للوصول لأي عامل موضوعي يدعم موقف الخليج الرسمي من هذه الرؤية سيعيدان تأكيد حجم الخلل في هذا الموقف الرسمي.
فبدءاً من الحرب على العراق وانتصار واشنطن عام 1991، فقد كان الوضع مختلفاً كلياً عما يجري اليوم. فحالة الولايات المتحدة الأمريكية لم تكن كوضعيتها اليوم، واستراتيجية جورج بوش الأول كانت ترتكز على مسارات لم تعد متاحة لباراك أوباما في خلاصة الحرب الأولى على العراق التي أثمرت مليارات على الاقتصاد الأمريكي وتحمّل جزءاً منها نفط الخليج. وفي حين أعلنت واشنطن أنها قطب العالم الأوحد في ذلك التاريخ فقد صعدت قوى مختلفة الآن، وفيما كان العراق محاصراً تحت السيطرة بات اليوم في قبضة طهران باعتراف الخليج الرسمي.
وانعكس ذلك بصورة كبيرة على الداخل الخليجي الذي عاش أوضاعاً صعبة حين أدارت طهران عبر العراق وعبر إعلامها ملف المظلومية والاحتقان الطائفي لتفتيت النظام الاجتماعي الخليجي مع دعم من المؤسسات الحقوقية الغربية داخل أراضيه، وأضحت بالفعل لها خواصر ليّنة في المجتمع الخليجي وصلت إلى حد تحالف حكومة خليجية مع هذه القوى وتعزيز تواصل فريقها الحكومي مع طهران في هذا السياق وهو أمرٌ لم يكن قائماً في ذلك التاريخ، بالإضافةً إلى أن الموقف الخليجي الرسمي تجاه إيران يزداد اضطرابه في ما كان موحداً أو متوافقاً عليه قبل عقدين.
إضافةً إلى أن التدافع أو التفاوض الدولي الإقليمي لا يزال مشهداً جديداً يُبشّر بمفاجآت غير سارة للخليج العربي فإن هناك تفككاً أوسع وتأثيرات أكبر في عموم المنطقة، في وقت تغيرت فيه العلاقات الخليجية عن ذلك العهد، وأضحت ملفات الخلاف تزداد داخل البيت الخليجي والتصارع السري على الوصول لرؤية تحكم كل عاصمة في مستقبل الموقف الدولي من المنطقة ومن علاقتها الإقليمية، كل ذلك مع أزمات داخلية وتعطّل الإصلاح الوطني ساهم في تأزم الموقف الشعبي القلق من المستقبل ومن تحسين أوضاعه وهو القلق الذي يسيطر على كلا قسمي النظام السياسي في المنطقة دول الهامش الديمقراطي ودول النظام الشمولي في الخليج.
أمام ذلك الاستعراض يبرز موقف عفوي من الخليج العربي وهو كيف يُنتظر أن يتحقق أي توازن يضمن له الأمن والاستقرار في هذه الوضعية؟ وكيف يستمر الإصرار على رهن مستقبله وبصورة أحادية في يد الموقف الدولي؟ فليس من المنطقي أن يعتقد البعض أن واشنطن في عهد الحسابات الدقيقة ومرحلة التشظي الجديد للعراق وإرهاصاته على المنطقة ستتردد بقبول قواعد لعبة جديدة ولو أفضى ذلك إلى صناعة خليجٍ جديد يتحتّم أن يُقضم منه حتى لا يُقضم المزيد من هيمنتها، وتبقى واشنطن في دائرة اللعبة لتعود هي لا ليعود الخليج القديم من جديد.
المواجهة الواثقة لا الموادعة
من هنا سيكون الخليج العربي في مواجهة اضطرارية مع مقتضيات المرحلة لا بد لها من حسم، ولا يمكن أن تتحقق فاعلية على الأرض ما لم تقوم على ثلاثة مسارات رئيسية: الأول هو استقلال الموقف وإدارة الملف والدخول في تحريك قواعد اللعبة الجديدة من منطق الاستقلال الذي أضحى مصلحة وليس مبدأ وحسب، وإدارة الصراع مع إيران حين تنطلق في التهدئة والتصعيد من هذا المنطق وليس من مصالح واشنطن الموسمية ستبدأ في تعزيز قواعد للأمن القومي الخليجي بعمقه العربي، وستجد الدول المركزية مساحة لإدارة هذا الصراع مع طهران أفضل بكثير من ربط الموقف بتغيرات مصالح أو حتى تصعيد الإدارة الأمريكية سواء أكان ذلك استقلالاً لمصالح واشنطن أم لتأمين غطاء أمني للصعود الإسرائيلي الأخير.
المسار الثاني ضرورة الإيمان بأن تحييد إيران وخضوعها لما ذكرناه يحتاجان إلى تقدم الخليج العربي في مواضع الصراع بحسب مصالحه المنطلقة للأمن القومي، لكن هذا التقاطع والتقدم المتواصل يحتاج أن يلتقي مع حلفاء الفكرة أو المصلحة من القوى المناهضة للمشروع الإيراني وتقاطعاته الدولية، فلا بُدّ من دعمها بالصورة الدبلوماسية السرية والإعلامية المعروفة، وهنا ينبغي التحذير من أن دعم بعض القوى الهشّة التي قد تُجيّر لاحقاً لمصلحة طهران أو تقاطعات الصفقة سيتحول إلى عبء، ولذلك فإن المراهنة على قوى الاستقلال الوطني في العراق والمنطقة هي الموقف الصحيح فهي من تستطيع أن تُغيّر في قواعد اللعبة التي تلتقي مع مصالح عروبة الخليج واستقلاله، وهذا الأمر يحتاج إلى تقريب وجهات النظر وتوحيد الموقف لدول مجلس التعاون وإن لم تُصفّ كُل ملفات الخلاف القائمة.
أما المسار الثالث، فسيبقى تعزيز الممانعة الوطنية الموحدة على أساس الهوية الجامعة والشراكة الوطنية وتنشيط الحماسة الشعبية وخاصة في الدول المركزية لتحقيق قاعدة وحدة وتفاعل تحمي المجتمع الأهلي من التداعيات الخطيرة وبالذات مواجهة ضرب التعايش والوحدة الجامعة، وحين ينخرط المجتمع ببرامج إصلاح حقيقية حقوقية ودستورية وتنموية سوف ينجذب تلقائياً للانخراط الجماعي بكل تلويناته وأطيافه، وذلك الحراك يتحول تلقائياً لتعزيز الموقف الوطني مع الدولة في مواجهة المستقبل المجهول. وأعتقد أنها قاعدة متفق عليها يحتاج إليها الخليج العربي أكثر من أي وقت مضى. كما أنك تُفكّر كيف تتقي السيل الجارف عليك أن تُصلح الخلل في منزلك قبل وصوله.
::/fulltext::
::cck::3079::/cck::
