استراتيجية الانسحاب الأمريكي من العراق.. بين الثابت والمتغير
::cck::1174::/cck::
::introtext::
في شهر مايو من عام 2003 ارتدى جورج ووكر بوش بزة عسكرية وصعد على ظهر بارجة أمريكية ليعلن انتهاء العمليات العسكرية في العراق، وكان الرئيس الأمريكي آنذاك يعلم يقيناً أن الأمر لم يستتب لقواته، وأنه كان عليها أن تتلقى الكثير من الضربات الموجعة، إلا أنه قال ما أحب الأمريكيون سماعه، من أن جيوشهم الغازية قد انتصرت وأن العصر الأمريكي قادم لا محالة، بل إن بوش ومسؤولين آخرين في إدارته، رفعوا العصي وباتوا يهددون دول الجوار العراقي وخاصة سوريا وإيران بأنهم على لائحة الضربات المقبلة.
::/introtext::
::fulltext::
في شهر مايو من عام 2003 ارتدى جورج ووكر بوش بزة عسكرية وصعد على ظهر بارجة أمريكية ليعلن انتهاء العمليات العسكرية في العراق، وكان الرئيس الأمريكي آنذاك يعلم يقيناً أن الأمر لم يستتب لقواته، وأنه كان عليها أن تتلقى الكثير من الضربات الموجعة، إلا أنه قال ما أحب الأمريكيون سماعه، من أن جيوشهم الغازية قد انتصرت وأن العصر الأمريكي قادم لا محالة، بل إن بوش ومسؤولين آخرين في إدارته، رفعوا العصي وباتوا يهددون دول الجوار العراقي وخاصة سوريا وإيران بأنهم على لائحة الضربات المقبلة.
خرج الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعد ذلك بسبع سنوات ليعلن على الملأ في أغسطس 2010 انتهاء المهمة العسكرية الأمريكية في العراق، وهو يعلم أن قواته لم تنسحب حقاً، وأن مهمتها لم تنته في العراق، وأن الديمقراطية التي تحدثوا عنها كانت محض سراب، فالعراق في ظل الوجود الأمريكي لم يتحول إلى واحة للديمقراطية، كما أن غنائم الحرب لم تصل كاملة إلى جيوب الأمريكيين، بل إن الديون التي أثقلت كاهل الميزانية الأمريكية أثقلت المواطن الأمريكي بأزمة خانقة امتدت لتشمل العالم كله. أوباما أسمع الأمريكيين ما يحبون أن يسمعوا، لكنه لم يقل الحقيقة.
والمتفحص لما جاء في الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق، والتي أبرمت في أواخر عام 2008 في نهاية رئاسة جورج ووكر بوش وأعلنت إدارة باراك أوباما الالتزام بها، يجد أن قضية الانسحاب الأمريكي من العراق، ليست بالوضوح الكافي، بل إن فيها الكثير من الغموض والمفاهيم التي تفسر على وجوه عدّة، كما أن فيها الكثير من الحرص على ضمان المصالح الأمريكية التي ترسخت في العراق.
لقد جاء الإعلان عن الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق تعبيراً واضحاً عن وجود خلل ما، فالمحتلون لم يخفوا رغبتهم في احتلال دائم لهذا البلد، منطلقين من أن احتلال العراق ليس هدفاً بحد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق استراتيجية طموحة، تنشر من خلالها الولايات المتحدة الديمقراطية في المنطقة العربية والعالم كله، في وصفة استراتيجية سحرية شاملة، حتى إن الغرور الأمريكي أتاح لكبار المسؤولين في تلك الدولة العظمى التصديق بهذه الأكذوبة التي صنعتها دوائر المخابرات ووسائل الإعلام ومراكز الأبحاث وأوعية الأفكار، فباتوا يتحدثون عن رسالة دينية تدعوهم لإنقاذ العالم عبر قيادته نحو الحرية.
لكن الاسئلة باتت تطرح كثيراً خلال السنوات الماضية في داخل الولايات المتحدة وخارجها حول جدوى الحرب في العراق، والوجود الكثيف للقوات الأمريكية وما يستتبعه من خسائر في صفوف تلك القوات في ساحة ملتهبة. وبات الكثيرون يطالبون الحكومة بتقديم إجابات عن المهلة الزمنية لبقاء تلك القوات وتقديم كشوفات مالية عن الخسائر والمكاسب، وتحديد الهدف النهائي من بقاء تلك القوات في العراق بعد أن اتضح زيف مبررات الاحتلال، وتأكد إخفاق المشروع الديمقراطي، وباتت المنظمات الإرهابية أكثر تنظيماً ونشاطاً وتعمل في ساحات متسعة، وبعد أن خسرت الولايات المتحدة الكثير من سمعتها وهيبتها بل حتى دورها القيادي في العالم، ومواقع تأثيرها حتى على أقرب جيرانها.
ولم يكن قرار الانسحاب بداية التراجع، بل إن ممانعة دول المنطقة العربية وما جاورها والكثير من دول العالم للتعاطي مع قرار الديمقراطية، الأساس المعلن للمشروع الأمريكي لقيادة العالم الجديد كانت أسبق. ولم تستطع الثورات الملونة في شرق أوروبا والعراق ومصر وإيران أن تحقق نجاحاً للبرنامج الأمريكي، والفوضى الخلاقة التي نادت بها إدارة الرئيس السابق جورج ووكر بوش، تحولت إلى معول هدم لسمعة الولايات المتحدة، ومشروعها الاستراتيجي، بينما خلفت في مواقع التنفيذ دولاً باتت تقترب من تصنيف الدول الفاشلة كما هي الحال مع العراق، إذ يئن تحت وطأة الإرهاب والفقر والفساد والتشرذم السياسي، بينما تعرض الفضائيات صور انسحاب الجنود الأمريكيين في عملية استعراضية فاضحة.
إن سحب أعداد محدودة من القوات الأمريكية، والادعاء بأن من تبقى منهم سيقومون بمهمات التدريب، لم يصمدا أمام انكشاف حالات التدخل للقوات الأمريكية في العديد من العمليات التي قيل إن الجيش العراقي قام بها ضد العناصر الإرهابية، بل إن هجوماً وقع على وزارة الدفاع العراقية كشفت الأنباء أنه أحبط من قبل العسكريين الأمريكيين، مما قاد الجنرال أوديرنو القائد الأمريكي في العراق إلى الحديث عن دور إضافي للقوات المتبقية وهو دعم الحكومة العراقية في الحرب على الإرهاب، وأن هذا الدور غير محدد بزمان أو مكان. كما أن الإبقاء على أربع وتسعين قاعدة للقوات الأمريكية موزعة على الأراضي العراقية لا يستقيم مع وضع قوة ذات مهمات محدودة،وأن إحلال قوات مدربة بصفة شركات أمنية متخصصة يجعل الأمر مجرد استبدال مظاهر بأخرى، كما أن ما سمي عملية إعادة إعمار من قبل القوات الأمريكية خلال السنوات الماضية تركز بشكل كبير على البنية التحتية في مجال الاتصالات، مما يعني أن العراق أصبح أكبر قاعدة للتجسس في المنطقة وربما في العالم كله.
إذاً هل الانسحاب مجرد عمل تكتيكي في إطار الاستراتيجية الأمريكية، أم أنه مجرد خدعة، وإيحاء بأن الولايات المتحدة كفت يدها عن الشعب العراقي، وأن العراق استعاد سيادته أخيراً. صحيح أن التكتيك يخدم الاستراتيجية بأساليب مختلفة، لكن الإيحاء بالانسحاب ليس تكتيكاً، كما أن الكذب وتزييف الحقائق أصبحا سمة تميز السلوك السياسي الأمريكي، وما زال العالم يستذكر سلسلة الأكاذيب التي أشاعتها الإدارة الأمريكية لاستغفال المواطن الأمريكي في الداخل والعالم كله، عندما تحدثوا أمام الأمم المتحدة عن أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق، وقدرته على إيذاء العالم كله، وإيوائه لعناصر (القاعدة) وما إلى ذلك. ورغم أن الأغلبية كشفوا الأكذوبة إلا أن أحداً لم يستطع آنذاك كبح جماح الولايات المتحدة وإصرارها على احتلال العراق،بل إن الممانعة العالمية الخجولة لعملية الغزو انتهت بالتصالح حول اقتسام الغنائم. والآن تتحدث الولايات المتحدة في استراتيجيتها لعام 2010 عن رغبة في التعاون مع دول العالم لمواجهة المخاطر الحقيقية التي تهدد البيئة والمناخ والكوارث والأمراض،وتحول الإرهاب إلى إحدى الأولويات وليس الأولوية المطلقة، كما كان سابقاً،لكن هذه الاستراتيجية تحدثت للمرة الأولى عن الاهتمام بعوائل الجنود الأمريكيين والمصابين في حروب القرن الجديد بعد أن طفت هذه القضية على السطح وما عاد ممكناً تجاهل الخسائر البشرية للمغامرات العسكرية.
حتى إن الرئيس أوباما قرر أن يشمل أفغانستان باستراتيجية الانسحاب، وبالتأكيد بطريقة الإيهام كما حدث في العراق. وإلا فما معنى استمرار التصاعد في الميزانية العسكرية الأمريكية لعام 2011، بعد ما كشفت المصادر الأمريكية نفسها أن الحرب في العراق كانت تستنفد 80% من المبالغ المخصصة للحرب في أفغانستان والعراق، إذا ما علمنا أن الولايات المتحدة عقدت صفقة ضخمة مع حكومة العراق لبيعها مخلفات القوات المنسحبة من دبابات وأسلحة خفيفة وطائرات وذخائر، كما أن إبقاء العسكريين الأمريكيين بصفة مدربين يعني أن تتكفل الدولة العراقية بكل نفقاتهم فهم أصبحوا ضيوفاً ولم يعودوا محتلين.
إن ما يؤكد عملية التضليل هذه أن هناك حقيقة لا بد من التعامل معها وهي أن مشكلات المنطقة معقدة، وأن الاحتلال الأمريكي للعراق زادها تعقيداً، وأن الخلل الذي أحدثه الوجود الأمريكي في توازنات المنطقة شمل التدخل في جغرافيتها وتاريخها، وأصبحت مهددة بالتقسيم إلى دويلات عدة بعد أن كانت دولاً مستقلة، والأمر يشمل العراق وسوريا ولبنان قبل غيرها، والانسحاب من العراق بات مطلوباً لكي تتمكن الولايات المتحدة من مواصلة الحرب في أفغانستان وباكستان.
وفي الوقت ذاته يتطلب تعاملاً خاصاً مع إيران، وإذا ما تهادنت الإدارة الأمريكية مع إيران فستغضب إسرائيل، وتعرقل المحاولات الأمريكية لتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي، إلا إذا حرصت الولايات المتحدة على تقديم ترضية مناسبة من صفقات الأسلحة والحصول على ضمانات بأن إيران لن تتوصل إلى صنع قنبلة نووية، وأن سوريا وإيران لن تدعما حماس أو حزب الله. أما الدول الصديقة للولايات المتحدة في المنطقة فسيقلقها الانسحاب وستطالب بصفقات سلاح إضافية، مما يعني جلب أموال تدعم الاقتصاد الأمريكي المنهك. وفي الوقت ذاته فإن الخلل الاستراتيجي في المنطقة أغرى دولاً أخرى مثل تركيا لاستعادة إرثها الإمبراطوري والتأسيس لدور إقليمي قائد، وهو أمر تراه إيران حقاً لها، بعد أن أدى احتلال العراق وأفغانستان إلى تخليص إيران من ألد أعدائها.
أي أن المطلوب رسم استراتيجية شاملة لمعالجة مشكلات الإدارة الأمريكية في هذه المنطقة، بمعنى أن الدبلوماسية التي دعا أوباما إلى تغليبها في هذه المرحلة مطالبة بجهد كبير، وهو ما يفسر توجه الإدارة الأمريكية نحو تعيين مبعوثين رئاسيين إلى مناطق التوتر، كما هي الحال مع تعيين ريتشارد هولبروك مبعوثاًخاصاً إلى كل من أفغانستان وباكستان، بوصفهما جبهة متداخلة في ما يسمى الحرب الأمريكية علىالإرهاب والتطرف، وعيّن جورج ميتشل مبعوثاً إلى المنطقة العربية في إطار الصراع العربي-الصهيوني.
كما أن تأكيد وزيرةالخارجية هيلاري كلينتون على حاجة الولايات المتحدة إلى اعتماداستراتيجية (القوة الذكية) أو ما يطلق عليها الكاتب الأمريكي جوزيف ناي (القوة الناعمة) ، التي تمكن الإدارة الأمريكية من استخدام مختلف المقدرات الدبلوماسيةوالثقافية والقضائية لتهدئة المخاوف التي أشاعتها الإدارة السابقة حين أشاعت مفاهيم الحرب الاستباقية واستخدام العسكر لمواجهة الممانعة لهيمنة الولايات المتحدة على الشوؤن الدولية، يشير إلى أن الدبلوماسية باتت الآن تتقدم على لغة الحرب، وإن ظاهرياً، حتى تلتقط الولايات المتحدة أنفاسها، وتطمئن مخاوف العالم الذي ملّ الحديث الحماسي والتحريضي للإدارات الأمريكية المتعاقبة.
وعند تحديد الأولويات نجد أن إدارة أوباما أكدت في وقت مبكر أن الوضع في باكستان وأفغانستان يحظى بالأولوية، لذا فإن الملف العراقي الذي كان أكثر ما يقلق الإدارة الأمريكية السابقة بات مرشحاً ليكون في مرتبة أدنى في سلم الأولويات وكذلك الملف النووي الإيراني. وليس السبب في ذلك قناعات الإدارة الجديدة، بل إن الأزمة المالية التي تعاني منها الولايات المتحدة تفرض عليها ترشيد استخدام القوة العسكرية، وتخفيض الإنفاق على المغامرات الخارجية. لذا تحرص إدارة أوباما على تأكيد قضية انسحاب قواتها من العراق اضطراراً لإرضاء الداخل الأمريكي، وليس التزاماً بما جاء في الاتفاقية الموقعة مع الحكومة العراقية، ومن المتوقع أن تكون الممانعة لهذا الإجراء غير معلنة بحيث تستبقي بعض القوات تحت ذريعة التحسب من وقوع العراق في الفوضى أو لحماية المصالح والشركات والدبلوماسيين العاملين فيه، أو أن يتم ذلك بطلب من الحكومة العراقية، وكذلك فإن التهديد باستخدام القوة ضد إيران خفت حدته كثيراً.
وهكذا ولأن إدارة أوباما رفعت شعار التغيير فقد كان عليها إيجاد مقاربة جديدة لموضوع مكافحة الإرهاب بحيث تصبح جزءاً من السياسة الأمريكية في المنطقة وليس المحرك الأساسي لهذه السياسة. والنظر إليها في سياق السياسات والمصالح الأخرى للولايات المتحدة، فنشاطات مكافحة الإرهاب لا تتم في فراغ، وإنما في سياق مصالح وسياسات أخرى للولايات المتحدة. ويبدو ذلك من خلال محاولات أوباما مغازلة الدول الإسلامية والحديث باستفاضة عن عدم الربط بين الإسلام والإرهاب، وكذلك مساعي إدارته لإيجاد أطر ومقاربات جديدة مع دول المنطقة التي تعدها الإدارة الأمريكية معتدلة للتعاون في هذا المجال. لقد كانت وراء تراجع الهيمنة الأمريكية عوامل عدة إلا أن التفاعل بين عاملي المغامرات العسكرية والديون كان السبب الرئيسي في هذا الموقف.
كما توصلمعدوتقريرجامع صدرعنأعلىمؤسسةاستخباراتيةأمريكية )مجلسالاستخباراتالقومي)إلىخلاصةمفادها: أن الولاياتالمتحدةلنتستطيع أن تجمعبيننهجالحروبالمستمرةوالتفوقالاقتصاديفي آن معاً. التقريرالذيحاولاستشرافالمستقبل،والذيأعدبناءعلىطلبمنالرئيسالأمريكيباراكأوباما،يذكربحقيقة أن الحربوالديونكانتاالعاملالرئيسيوراءانهيارأعتىالإمبراطورياتفيالتاريخ،قديمهاوحديثها،وما يصدقعلىالإمبراطوريةالرومانيةحدثفيبريطانيافيأعقابالحربالعالميةالثانية،بينماانهارالاتحادالسوفييتيالذيكاننداًللولاياتالمتحدةبعد أن استنزفته سباقاتالتسلحوالحربفيأفغانستان.
ولأن الولاياتالمتحدة ليست استثناء من قوانين التاريخ فإنها لا تستطيعالإفلاتمنهذهالاستحقاقات،خاصةبعد أن ورطتنفسهابحربينمتزامنتينفيأفغانستانوالعراق،وكانالإنفاقعلىهاتينالحربينيتمعبرالديون،ربمااعتقاداًمنالساسةالأمريكيينبأنهمسيجنونغنائممنالحربينتعوضخسائرهم،إلا أن غرورالقوةوالتفوقالاقتصاديأوقعهمفيأخطاءقاتلة،قديكونثمنهاالتضحيةبالدورالعالميوالهيمنةوالقبولبتقديمالكثيرمنالتنازلات.
إن تبدلاًفيواقعالقيادةالأمريكيةمرجححدوثهنتيجةلأسبابعديدةمنهاالأزمة الماليةالتيتمربها الولاياتالمتحدةالأمريكية، وأنهذهالأزمة بدأتتمسملامحأساسيةللقوةالأمريكية بشقيهاالماديوالقيميوالتييمكنتلخيصهابأن الولاياتالمتحدةلمتراعالفرقبينطموحاتهاومواردها، وأنهذاالخلليستتبعهانهيارالأسسالفلسفيةوالماديةللنظامالرأسماليالذيتقوده،كمايمكن أن تساعدخصومهاعلىاقتطاعالكثيرمنمكامنهيبتهاالدوليةممايضطرهاإلىالقبولبعالممتعددالقوى،والتغاضيعنأطروحةالقرنالأمريكيالجديد.
لقد استنفدت المغامرات العسكرية وفي مقدمتها احتلال أفغانستان والعراق، الكثير من مكامن القوة العسكرية والمالية، بينما كشفت الأزمة المالية التي شهدتها السنوات الأخيرة من هذا العقد عن خلل فاضح في أساس البناء الاقتصادي للدولة الأمريكية، واستدعتها لطلب الدعم والمساندة من دول كانت تنظر إليها بعنجهية كما هي الحال مع الاقتصادات الناشئة وفي مقدمتها الدولة الصينية ودول الخليج العربية.
وعموماً فإن التغيير في بعض توجهات السياسة الأمريكية لا يعني تغييراً في الثوابت، بل هو محاولة لاستعادة التوازن في علاقات الولايات المتحدة مع العالم وترميم الثقة وتخفيف حدة التوتر لضمان المصالح الأمريكية في العالم كله وليس في هذه المنطقة فحسب.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1174::/cck::
::introtext::
في شهر مايو من عام 2003 ارتدى جورج ووكر بوش بزة عسكرية وصعد على ظهر بارجة أمريكية ليعلن انتهاء العمليات العسكرية في العراق، وكان الرئيس الأمريكي آنذاك يعلم يقيناً أن الأمر لم يستتب لقواته، وأنه كان عليها أن تتلقى الكثير من الضربات الموجعة، إلا أنه قال ما أحب الأمريكيون سماعه، من أن جيوشهم الغازية قد انتصرت وأن العصر الأمريكي قادم لا محالة، بل إن بوش ومسؤولين آخرين في إدارته، رفعوا العصي وباتوا يهددون دول الجوار العراقي وخاصة سوريا وإيران بأنهم على لائحة الضربات المقبلة.
::/introtext::
::fulltext::
في شهر مايو من عام 2003 ارتدى جورج ووكر بوش بزة عسكرية وصعد على ظهر بارجة أمريكية ليعلن انتهاء العمليات العسكرية في العراق، وكان الرئيس الأمريكي آنذاك يعلم يقيناً أن الأمر لم يستتب لقواته، وأنه كان عليها أن تتلقى الكثير من الضربات الموجعة، إلا أنه قال ما أحب الأمريكيون سماعه، من أن جيوشهم الغازية قد انتصرت وأن العصر الأمريكي قادم لا محالة، بل إن بوش ومسؤولين آخرين في إدارته، رفعوا العصي وباتوا يهددون دول الجوار العراقي وخاصة سوريا وإيران بأنهم على لائحة الضربات المقبلة.
خرج الرئيس الأمريكي باراك أوباما بعد ذلك بسبع سنوات ليعلن على الملأ في أغسطس 2010 انتهاء المهمة العسكرية الأمريكية في العراق، وهو يعلم أن قواته لم تنسحب حقاً، وأن مهمتها لم تنته في العراق، وأن الديمقراطية التي تحدثوا عنها كانت محض سراب، فالعراق في ظل الوجود الأمريكي لم يتحول إلى واحة للديمقراطية، كما أن غنائم الحرب لم تصل كاملة إلى جيوب الأمريكيين، بل إن الديون التي أثقلت كاهل الميزانية الأمريكية أثقلت المواطن الأمريكي بأزمة خانقة امتدت لتشمل العالم كله. أوباما أسمع الأمريكيين ما يحبون أن يسمعوا، لكنه لم يقل الحقيقة.
والمتفحص لما جاء في الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق، والتي أبرمت في أواخر عام 2008 في نهاية رئاسة جورج ووكر بوش وأعلنت إدارة باراك أوباما الالتزام بها، يجد أن قضية الانسحاب الأمريكي من العراق، ليست بالوضوح الكافي، بل إن فيها الكثير من الغموض والمفاهيم التي تفسر على وجوه عدّة، كما أن فيها الكثير من الحرص على ضمان المصالح الأمريكية التي ترسخت في العراق.
لقد جاء الإعلان عن الانسحاب العسكري الأمريكي من العراق تعبيراً واضحاً عن وجود خلل ما، فالمحتلون لم يخفوا رغبتهم في احتلال دائم لهذا البلد، منطلقين من أن احتلال العراق ليس هدفاً بحد ذاته، وإنما وسيلة لتحقيق استراتيجية طموحة، تنشر من خلالها الولايات المتحدة الديمقراطية في المنطقة العربية والعالم كله، في وصفة استراتيجية سحرية شاملة، حتى إن الغرور الأمريكي أتاح لكبار المسؤولين في تلك الدولة العظمى التصديق بهذه الأكذوبة التي صنعتها دوائر المخابرات ووسائل الإعلام ومراكز الأبحاث وأوعية الأفكار، فباتوا يتحدثون عن رسالة دينية تدعوهم لإنقاذ العالم عبر قيادته نحو الحرية.
لكن الاسئلة باتت تطرح كثيراً خلال السنوات الماضية في داخل الولايات المتحدة وخارجها حول جدوى الحرب في العراق، والوجود الكثيف للقوات الأمريكية وما يستتبعه من خسائر في صفوف تلك القوات في ساحة ملتهبة. وبات الكثيرون يطالبون الحكومة بتقديم إجابات عن المهلة الزمنية لبقاء تلك القوات وتقديم كشوفات مالية عن الخسائر والمكاسب، وتحديد الهدف النهائي من بقاء تلك القوات في العراق بعد أن اتضح زيف مبررات الاحتلال، وتأكد إخفاق المشروع الديمقراطي، وباتت المنظمات الإرهابية أكثر تنظيماً ونشاطاً وتعمل في ساحات متسعة، وبعد أن خسرت الولايات المتحدة الكثير من سمعتها وهيبتها بل حتى دورها القيادي في العالم، ومواقع تأثيرها حتى على أقرب جيرانها.
ولم يكن قرار الانسحاب بداية التراجع، بل إن ممانعة دول المنطقة العربية وما جاورها والكثير من دول العالم للتعاطي مع قرار الديمقراطية، الأساس المعلن للمشروع الأمريكي لقيادة العالم الجديد كانت أسبق. ولم تستطع الثورات الملونة في شرق أوروبا والعراق ومصر وإيران أن تحقق نجاحاً للبرنامج الأمريكي، والفوضى الخلاقة التي نادت بها إدارة الرئيس السابق جورج ووكر بوش، تحولت إلى معول هدم لسمعة الولايات المتحدة، ومشروعها الاستراتيجي، بينما خلفت في مواقع التنفيذ دولاً باتت تقترب من تصنيف الدول الفاشلة كما هي الحال مع العراق، إذ يئن تحت وطأة الإرهاب والفقر والفساد والتشرذم السياسي، بينما تعرض الفضائيات صور انسحاب الجنود الأمريكيين في عملية استعراضية فاضحة.
إن سحب أعداد محدودة من القوات الأمريكية، والادعاء بأن من تبقى منهم سيقومون بمهمات التدريب، لم يصمدا أمام انكشاف حالات التدخل للقوات الأمريكية في العديد من العمليات التي قيل إن الجيش العراقي قام بها ضد العناصر الإرهابية، بل إن هجوماً وقع على وزارة الدفاع العراقية كشفت الأنباء أنه أحبط من قبل العسكريين الأمريكيين، مما قاد الجنرال أوديرنو القائد الأمريكي في العراق إلى الحديث عن دور إضافي للقوات المتبقية وهو دعم الحكومة العراقية في الحرب على الإرهاب، وأن هذا الدور غير محدد بزمان أو مكان. كما أن الإبقاء على أربع وتسعين قاعدة للقوات الأمريكية موزعة على الأراضي العراقية لا يستقيم مع وضع قوة ذات مهمات محدودة،وأن إحلال قوات مدربة بصفة شركات أمنية متخصصة يجعل الأمر مجرد استبدال مظاهر بأخرى، كما أن ما سمي عملية إعادة إعمار من قبل القوات الأمريكية خلال السنوات الماضية تركز بشكل كبير على البنية التحتية في مجال الاتصالات، مما يعني أن العراق أصبح أكبر قاعدة للتجسس في المنطقة وربما في العالم كله.
إذاً هل الانسحاب مجرد عمل تكتيكي في إطار الاستراتيجية الأمريكية، أم أنه مجرد خدعة، وإيحاء بأن الولايات المتحدة كفت يدها عن الشعب العراقي، وأن العراق استعاد سيادته أخيراً. صحيح أن التكتيك يخدم الاستراتيجية بأساليب مختلفة، لكن الإيحاء بالانسحاب ليس تكتيكاً، كما أن الكذب وتزييف الحقائق أصبحا سمة تميز السلوك السياسي الأمريكي، وما زال العالم يستذكر سلسلة الأكاذيب التي أشاعتها الإدارة الأمريكية لاستغفال المواطن الأمريكي في الداخل والعالم كله، عندما تحدثوا أمام الأمم المتحدة عن أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها العراق، وقدرته على إيذاء العالم كله، وإيوائه لعناصر (القاعدة) وما إلى ذلك. ورغم أن الأغلبية كشفوا الأكذوبة إلا أن أحداً لم يستطع آنذاك كبح جماح الولايات المتحدة وإصرارها على احتلال العراق،بل إن الممانعة العالمية الخجولة لعملية الغزو انتهت بالتصالح حول اقتسام الغنائم. والآن تتحدث الولايات المتحدة في استراتيجيتها لعام 2010 عن رغبة في التعاون مع دول العالم لمواجهة المخاطر الحقيقية التي تهدد البيئة والمناخ والكوارث والأمراض،وتحول الإرهاب إلى إحدى الأولويات وليس الأولوية المطلقة، كما كان سابقاً،لكن هذه الاستراتيجية تحدثت للمرة الأولى عن الاهتمام بعوائل الجنود الأمريكيين والمصابين في حروب القرن الجديد بعد أن طفت هذه القضية على السطح وما عاد ممكناً تجاهل الخسائر البشرية للمغامرات العسكرية.
حتى إن الرئيس أوباما قرر أن يشمل أفغانستان باستراتيجية الانسحاب، وبالتأكيد بطريقة الإيهام كما حدث في العراق. وإلا فما معنى استمرار التصاعد في الميزانية العسكرية الأمريكية لعام 2011، بعد ما كشفت المصادر الأمريكية نفسها أن الحرب في العراق كانت تستنفد 80% من المبالغ المخصصة للحرب في أفغانستان والعراق، إذا ما علمنا أن الولايات المتحدة عقدت صفقة ضخمة مع حكومة العراق لبيعها مخلفات القوات المنسحبة من دبابات وأسلحة خفيفة وطائرات وذخائر، كما أن إبقاء العسكريين الأمريكيين بصفة مدربين يعني أن تتكفل الدولة العراقية بكل نفقاتهم فهم أصبحوا ضيوفاً ولم يعودوا محتلين.
إن ما يؤكد عملية التضليل هذه أن هناك حقيقة لا بد من التعامل معها وهي أن مشكلات المنطقة معقدة، وأن الاحتلال الأمريكي للعراق زادها تعقيداً، وأن الخلل الذي أحدثه الوجود الأمريكي في توازنات المنطقة شمل التدخل في جغرافيتها وتاريخها، وأصبحت مهددة بالتقسيم إلى دويلات عدة بعد أن كانت دولاً مستقلة، والأمر يشمل العراق وسوريا ولبنان قبل غيرها، والانسحاب من العراق بات مطلوباً لكي تتمكن الولايات المتحدة من مواصلة الحرب في أفغانستان وباكستان.
وفي الوقت ذاته يتطلب تعاملاً خاصاً مع إيران، وإذا ما تهادنت الإدارة الأمريكية مع إيران فستغضب إسرائيل، وتعرقل المحاولات الأمريكية لتسوية الصراع العربي- الإسرائيلي، إلا إذا حرصت الولايات المتحدة على تقديم ترضية مناسبة من صفقات الأسلحة والحصول على ضمانات بأن إيران لن تتوصل إلى صنع قنبلة نووية، وأن سوريا وإيران لن تدعما حماس أو حزب الله. أما الدول الصديقة للولايات المتحدة في المنطقة فسيقلقها الانسحاب وستطالب بصفقات سلاح إضافية، مما يعني جلب أموال تدعم الاقتصاد الأمريكي المنهك. وفي الوقت ذاته فإن الخلل الاستراتيجي في المنطقة أغرى دولاً أخرى مثل تركيا لاستعادة إرثها الإمبراطوري والتأسيس لدور إقليمي قائد، وهو أمر تراه إيران حقاً لها، بعد أن أدى احتلال العراق وأفغانستان إلى تخليص إيران من ألد أعدائها.
أي أن المطلوب رسم استراتيجية شاملة لمعالجة مشكلات الإدارة الأمريكية في هذه المنطقة، بمعنى أن الدبلوماسية التي دعا أوباما إلى تغليبها في هذه المرحلة مطالبة بجهد كبير، وهو ما يفسر توجه الإدارة الأمريكية نحو تعيين مبعوثين رئاسيين إلى مناطق التوتر، كما هي الحال مع تعيين ريتشارد هولبروك مبعوثاًخاصاً إلى كل من أفغانستان وباكستان، بوصفهما جبهة متداخلة في ما يسمى الحرب الأمريكية علىالإرهاب والتطرف، وعيّن جورج ميتشل مبعوثاً إلى المنطقة العربية في إطار الصراع العربي-الصهيوني.
كما أن تأكيد وزيرةالخارجية هيلاري كلينتون على حاجة الولايات المتحدة إلى اعتماداستراتيجية (القوة الذكية) أو ما يطلق عليها الكاتب الأمريكي جوزيف ناي (القوة الناعمة) ، التي تمكن الإدارة الأمريكية من استخدام مختلف المقدرات الدبلوماسيةوالثقافية والقضائية لتهدئة المخاوف التي أشاعتها الإدارة السابقة حين أشاعت مفاهيم الحرب الاستباقية واستخدام العسكر لمواجهة الممانعة لهيمنة الولايات المتحدة على الشوؤن الدولية، يشير إلى أن الدبلوماسية باتت الآن تتقدم على لغة الحرب، وإن ظاهرياً، حتى تلتقط الولايات المتحدة أنفاسها، وتطمئن مخاوف العالم الذي ملّ الحديث الحماسي والتحريضي للإدارات الأمريكية المتعاقبة.
وعند تحديد الأولويات نجد أن إدارة أوباما أكدت في وقت مبكر أن الوضع في باكستان وأفغانستان يحظى بالأولوية، لذا فإن الملف العراقي الذي كان أكثر ما يقلق الإدارة الأمريكية السابقة بات مرشحاً ليكون في مرتبة أدنى في سلم الأولويات وكذلك الملف النووي الإيراني. وليس السبب في ذلك قناعات الإدارة الجديدة، بل إن الأزمة المالية التي تعاني منها الولايات المتحدة تفرض عليها ترشيد استخدام القوة العسكرية، وتخفيض الإنفاق على المغامرات الخارجية. لذا تحرص إدارة أوباما على تأكيد قضية انسحاب قواتها من العراق اضطراراً لإرضاء الداخل الأمريكي، وليس التزاماً بما جاء في الاتفاقية الموقعة مع الحكومة العراقية، ومن المتوقع أن تكون الممانعة لهذا الإجراء غير معلنة بحيث تستبقي بعض القوات تحت ذريعة التحسب من وقوع العراق في الفوضى أو لحماية المصالح والشركات والدبلوماسيين العاملين فيه، أو أن يتم ذلك بطلب من الحكومة العراقية، وكذلك فإن التهديد باستخدام القوة ضد إيران خفت حدته كثيراً.
وهكذا ولأن إدارة أوباما رفعت شعار التغيير فقد كان عليها إيجاد مقاربة جديدة لموضوع مكافحة الإرهاب بحيث تصبح جزءاً من السياسة الأمريكية في المنطقة وليس المحرك الأساسي لهذه السياسة. والنظر إليها في سياق السياسات والمصالح الأخرى للولايات المتحدة، فنشاطات مكافحة الإرهاب لا تتم في فراغ، وإنما في سياق مصالح وسياسات أخرى للولايات المتحدة. ويبدو ذلك من خلال محاولات أوباما مغازلة الدول الإسلامية والحديث باستفاضة عن عدم الربط بين الإسلام والإرهاب، وكذلك مساعي إدارته لإيجاد أطر ومقاربات جديدة مع دول المنطقة التي تعدها الإدارة الأمريكية معتدلة للتعاون في هذا المجال. لقد كانت وراء تراجع الهيمنة الأمريكية عوامل عدة إلا أن التفاعل بين عاملي المغامرات العسكرية والديون كان السبب الرئيسي في هذا الموقف.
كما توصلمعدوتقريرجامع صدرعنأعلىمؤسسةاستخباراتيةأمريكية )مجلسالاستخباراتالقومي)إلىخلاصةمفادها: أن الولاياتالمتحدةلنتستطيع أن تجمعبيننهجالحروبالمستمرةوالتفوقالاقتصاديفي آن معاً. التقريرالذيحاولاستشرافالمستقبل،والذيأعدبناءعلىطلبمنالرئيسالأمريكيباراكأوباما،يذكربحقيقة أن الحربوالديونكانتاالعاملالرئيسيوراءانهيارأعتىالإمبراطورياتفيالتاريخ،قديمهاوحديثها،وما يصدقعلىالإمبراطوريةالرومانيةحدثفيبريطانيافيأعقابالحربالعالميةالثانية،بينماانهارالاتحادالسوفييتيالذيكاننداًللولاياتالمتحدةبعد أن استنزفته سباقاتالتسلحوالحربفيأفغانستان.
ولأن الولاياتالمتحدة ليست استثناء من قوانين التاريخ فإنها لا تستطيعالإفلاتمنهذهالاستحقاقات،خاصةبعد أن ورطتنفسهابحربينمتزامنتينفيأفغانستانوالعراق،وكانالإنفاقعلىهاتينالحربينيتمعبرالديون،ربمااعتقاداًمنالساسةالأمريكيينبأنهمسيجنونغنائممنالحربينتعوضخسائرهم،إلا أن غرورالقوةوالتفوقالاقتصاديأوقعهمفيأخطاءقاتلة،قديكونثمنهاالتضحيةبالدورالعالميوالهيمنةوالقبولبتقديمالكثيرمنالتنازلات.
إن تبدلاًفيواقعالقيادةالأمريكيةمرجححدوثهنتيجةلأسبابعديدةمنهاالأزمة الماليةالتيتمربها الولاياتالمتحدةالأمريكية، وأنهذهالأزمة بدأتتمسملامحأساسيةللقوةالأمريكية بشقيهاالماديوالقيميوالتييمكنتلخيصهابأن الولاياتالمتحدةلمتراعالفرقبينطموحاتهاومواردها، وأنهذاالخلليستتبعهانهيارالأسسالفلسفيةوالماديةللنظامالرأسماليالذيتقوده،كمايمكن أن تساعدخصومهاعلىاقتطاعالكثيرمنمكامنهيبتهاالدوليةممايضطرهاإلىالقبولبعالممتعددالقوى،والتغاضيعنأطروحةالقرنالأمريكيالجديد.
لقد استنفدت المغامرات العسكرية وفي مقدمتها احتلال أفغانستان والعراق، الكثير من مكامن القوة العسكرية والمالية، بينما كشفت الأزمة المالية التي شهدتها السنوات الأخيرة من هذا العقد عن خلل فاضح في أساس البناء الاقتصادي للدولة الأمريكية، واستدعتها لطلب الدعم والمساندة من دول كانت تنظر إليها بعنجهية كما هي الحال مع الاقتصادات الناشئة وفي مقدمتها الدولة الصينية ودول الخليج العربية.
وعموماً فإن التغيير في بعض توجهات السياسة الأمريكية لا يعني تغييراً في الثوابت، بل هو محاولة لاستعادة التوازن في علاقات الولايات المتحدة مع العالم وترميم الثقة وتخفيف حدة التوتر لضمان المصالح الأمريكية في العالم كله وليس في هذه المنطقة فحسب.
::/fulltext::
::cck::1174::/cck::
