الانسحاب والعوامل المؤثرة في خيارات الاستراتيجية الأمريكية في العراق
::cck::1070::/cck::
::introtext::
يثير موضوع (الانسحاب الأمريكي) من العراق كما قررته استراتيجية إدارة الرئيس باراك أوباما نقاشات كثيرة حول ما ستؤول إليه خيارات الاستراتيجية الأمريكية في العراق وما سيرتبط به من تأثير في الوضعين الأمني والسياسي إذا ما تم الانسحاب كما خطط له.
::/introtext::
::fulltext::
يثير موضوع (الانسحاب الأمريكي) من العراق كما قررته استراتيجية إدارة الرئيس باراك أوباما نقاشات كثيرة حول ما ستؤول إليه خيارات الاستراتيجية الأمريكية في العراق وما سيرتبط به من تأثير في الوضعين الأمني والسياسي إذا ما تم الانسحاب كما خطط له.
ضمن هذا الإطار، نناقش القضايا الآتية التي تحدد الخيارات المقبلة للاستراتيجية الأمريكية:
1- هل ستنسحب الولايات المتحدة من العراق بشكل كامل؟ الجواب يحتمل الشقين: نعم ولا، إدارة الرئيس أوباما مصرة على سحب الخمسين ألفاً من الجنود المتبقين في العراق بعد الانسحاب المذل (للقوات القتالية) شهر أغسطس الماضي، بنهاية العام المقبل بفعل ضغط الحزب الديمقراطي الذي يتبنى بتطرف استراتيجية الانسحاب من العراق، وكذلك بفعل حاجة الولايات المتحدة لمزيد من القوات العسكرية في أفغانستان، إذ اقتضت استراتيجية الرئيس أوباما زيادة عديد القوات الأمريكية بحدود 40 ألفاً، فضلاً عن زيادة عدد القوات الأوروبية والأطلسية العاملة والتي تعاني أسوأ حالاتها على يد المقاومة الأفغانية.
لكن قد يكون الانسحاب إجراء تكتيكياً بهدف إبعاد القوات الأمريكية خارج إمكانية وصول الاستهداف الإيراني لهم إذا ما قررت الولايات المتحدة مهاجمة إيران في الزمن المقبل.
لكن يجب ألا نغفل عن أن خيار عدم الانسحاب يبقى موجوداً، لا سيما كما يقول مايكل كراولي في مقاله (حيرة أوباما) إن فريق أوباما الخاص بالأمن القومي لديه نزعات صقورية ومن السهل توقع مجادلة المستشارين والجنرالات بأن نفوذ إيران واحتياطات العراق يتطلبان التزاماً أمريكياً عسكرياً بتأمين الاستقرار وبقاء النفوذ الأمريكي هناك).
2- الوجود الأمريكي المتبقي في العراق، وهو وجود يعكس حجم المصالح الأمريكية الكبيرة التي احتل العراق بسببها وليس من السهولة أن تفرط الولايات المتحدة فيها. هذه القضية تحدث عنها بشكل واضح السفير الأمريكي السابق في العراق كريستوفر هيل في محاضرة له في المعهد الأمريكي للسلام بتاريخ 19 فبراير 2010 حين تحدث عن السفارة غير العادية للولايات المتحدة في العراق وحجم الوجود البشري فيها والمهمات التي ستقوم بها مستقبلاً. ونقتبس من هيل الآتي: (هي بحق سفارة غير عادية. وسنكون موجودين هناك، السفارة الأمريكية ستبقى هناك، للمدى الطويل، والذين يقيسون مصالحنا في العراق بمقياس حجم وجود قواتنا هناك، أود أن أقول إن رأيهم ليس صائباً، لأننا مهتمون بعلاقة طويلة الأمد، وسفارتنا هناك رمز أكيد لتلك العلاقة.. إننا نحتفظ بوجود قوي في المحافظات.. لدينا ناس يتعاملون كل يوم على المستوى المحلي.. وسيستمر جنودنا ودبلوماسيونا وخبراؤنا المدنيون في تطبيق القوة الأمريكية في أفضل حالاتها من الموصل إلى بغداد، ومن الأنبار إلى البصرة).
3- الوضعان الأمني والسياسي في العراق: إلى أي درجة سيترك الانسحاب الأمريكي فراغاً أمنياً في العراق؟ هذه قضية مهمة جداً لا بد أن تؤخذ في الاعتبار، هل القوات العراقية جاهزة لإدارة الملف الأمني؟ في هذا الصدد رأيان يشار إليهما: الأول يرى أن القوات الأمريكية كانت مساهمة بدرجة كبيرة في حالة عدم الاستقرار الأمني في العراق، وهي مسؤولة عن عمليات التفجير اليومية على اعتبار أن عدم الاستقرار سيتيح لها البقاء في العراق، وبالتالي فإن رحيلها سيترك الملف الأمني بيد العراقيين وقد يفضي ذلك إلى تحسن الأمن تدريجياً. الرأي الثاني، يرى أن القوات الأمريكية كانت في أحايين كثيرة صمام أمان لصالح حفظ الأمن في كثير من المناطق العراقية لا سيما عندما قامت بمنع قوات عراقية من سوء استغلال سلطاتها، كما وقفت بوجه الميليشيات المسلحة أثناء هجماتها على مناطق معينة بعد أحداث سامراء 2006، ومنعت بذلك أعمال إبادة جماعية كان يمكن أن تحدث في مناطق متعددة من بغداد.
وبرؤيتنا المتواضعة، إن انسحاب القوات الأمريكية في ظل المعطيات الحالية سيترك العراق هشاً أمنياً لا سيما في مناطق مهمة وحساسة، ولا نستبعد أبداً عودة أعمال العنف المسلح المنظم واستهداف القوات الحكومية التي لا يزال بعضها تفتقد إلى المهنية وروح العمل التعاوني ومسيّرة وفق نظرة ضيقة وحزبية على الأكثر. ويصف دي جي إيليون وهو ضابط متقاعد في البحرية الأمريكية ومهمته مراقبة القوات العراقية، يصف حال القوات العراقية فيقول (إن خبرة المقاتلين بالإضافة إلى التدريب الأمريكي لهم والتجهيزات التي حصلوا عليها، تجعل منهم قوة مهمة، وهم يستطيعون تولي الجزء المتعلق بالأمن الداخلي، إلا أنه من الواضح أنهم ليسوا مؤهلين بعد). والمفارقة بنظره تتجسد في تعمد بعض المسؤولين وقوات الأمن تأجيج العنف، إذ (يكمن الخطر في التحول إلى نزعة استبدادية تجعل النظام يفتقر إلى الشرعية الشعبية نتيجة لفشله في العملية الديمقراطية). كما يعلق على ذلك ريدر فيشر وهو محلل في الشؤون العراقية في المعهد النرويجي للشؤون الدولية فيقول (إن (الحكومة العراقية) اليوم تفتخر بجهاز أمني سليم تتمكن من نشره لقمع أعداء الداخل).
ولذلك من الممكن أن يتعرض العراق لاحتراب داخلي، ما يتعلق بهذا الأمر أن العراق لا يزال تحت طائلة الفصل السابع والوصاية الدولية، ومن ثم فإن تجدد العنف يطرح احتمال عودة القوات الدولية بدعوى حفظ الأمن والاستقرار.
وعلى صعيد الوضع السياسي، فالعراق يعيش دوامة من المتاهة السياسية، ويبدو أن الولايات المتحدة لم تتدخل إلى حد الآن بجدية لحلحلة الأوضاع، إذ إنها تراقب الفرقاء السياسيين وهم يلتقون من دون نقاشات حقيقية تفضل المصلحة الوطنية العليا على المصالح الضيقة، ولا أعرف حقيقة إلى ماذا ترمي الولايات المتحدة بتقاعسها هذا، هل ترمي لأن يصدق العالم كذبتها بالحديث عن الديمقراطية ورفاهية الشعوب والشعب العراقي يعيش حالة سيئة من فقدان الأمن والخدمات؟ أم أنها تخطط لاستخدام العراق وتشكيل الحكومة كورقة مساومة مع أطراف آخرين لصالح ملفات عالقة أخرى؟ أم هذا وذاك وغيره؟ فغير مبرر إطلاقاً أن المسؤولين الأمريكيين لا يضغطون بشكل حقيقي على الكتل الفائزة لتشكيل الحكومة التي كلما زاد تأخر تشكيلها ازداد الوضع العراقي سوءاً.
4- التنافس الحزبي داخل الولايات المتحدة: وهو عامل مهم لا بد أن يؤخذ في الاعتبار، لما له من تأثير في خيارات الاستراتيجية الأمريكية المقبلة في العراق. فالديمقراطيون مصرون على الانسحاب الكامل، وكان هذا شعارهم الذي أوصلهم للغلبة في الكونغرس الأمريكي، كما أنه شعار أوباما الذي أوصله إلى رئاسة الولايات المتحدة، فضلاً عن أن الديمقراطيين يرونه عاملاً مهماً في التأثير في نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس شهر نوفمبر 2010. والجمهوريون بالمقابل يرون أن الأوضاع على الأرض هي التي ستحكم على استراتيجية الانسحاب الأمريكي. ويقولون إن الظروف قد لا تخدم إدارة أوباما إذا ما قررت الانسحاب من العراق. وبذلك فإن الجمهوريين (يشحذون سكاكينهم) ليعلنوا أن أوباما خسر الحرب في العراق بعد أن (ربحها) بوش الابن. بينما الحقيقة أن كلا الرئيسين أذل الجيش الأمريكي في هذه الحرب التي لم تحقق سوى انتهاك مبادئ الأمم المتحدة والعدوان على دولة من دون أي سبب يستوجب ذلك.
وإذا ما أفضت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس أواخر العام الحالي إلى تغيير في هيمنة الديمقراطيين عليه- وهو أمر غير مستبعد- فإن إدارة أوباما ستضع في حساباتها عدم تأييد الكونغرس الجديد لخطط الرئاسة، الأمر الذي سيجعلها تفكرفي خطط بديلة أخرى.
إن استراتيجية الانسحاب يجب أن تتم بتوافق الرؤى بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وإذا كان من حق القائد العام للقوات المسلحة تحريك بعض القوات قبل إعلام الكونغرس بذلك، فإن استكمال الانسحاب الكلي للقوات الأمريكية لا يمكن أن يتم وفق رؤية الرئيس الديمقراطي وحده، وإنما لا بد من أن تكون السلطة التشريعية راضية ومؤيدة طالما أن ذلك يتعلق بالمصالح العليا للولايات المتحدة. وهنا تعول إدارة أوباما على النجاح في تشكيل حكومة عراقية ترضي المطالب الأمريكية، وإلا فإن إدارة أوباما ستقع بين نارين: بين نار حماسة الديمقراطيين للانسحاب وهم يمثلون قاعدة البيت الأبيض، وبين نار احتمال تغيير الكونغرس تأييده لخطة أوباما.
5- فدرلة العراق: تتفق معظم آراء صناع الرأي والقرار الأمريكيين على أن العودة إلى نظام مركزي كما كان وضع العراق قبل الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 أمراً لا يمكن حدوثه أو القبول به لأسباب عديدة، ولذلك فهم يطرحون أشكالاً عديدة لشكل الدولة المقبل أو شكل النظام العراقي يتراوح بين الكونفدرالية إلى الفيدرالية إلى التقسيم الثلاثي الناعم إلى التقسيم على أساس ولايات ثلاثة شمالية ووسطى وجنوبية.
إلا أن الثابت هو أن النظام الفيدرالي منصوص عليه دستورياً، أي في الدستور العراقي، وما ينص عليه في الدستور لا بد أن يتخذ عاجلاً أم آجلاً، إلا إذا عدل الدستور وهو أمر ليس باليسير.
معظم (الشيعة) و(الأكراد) متوافقون على النظام الفيدرالي، ومن يعارض إلى حد الآن هم (السنّة). وما دام المطلوب أن يوافق السنة، لذلك يجب إجبارهم أو جعلهم يقتنعون من تلقاء ذاتهم بأن الفيدرالية هي الخيار الأحسن بالنسبة لهم، إذ لم تحقق الخيارات الأخرى لهم شيئاً مهماً، فقد اشتركوا في الحكومة السابقة ولم يحققوا شيئاً ذا قيمة. واشتركوا ايضاً بشدة في الانتخابات الأخيرة وفازت القائمة التي صوتوا لها بكثافة واحتلت المرتبة الأولى لكنها لم تتح لهم السيطرة على مفاصل السلطة الحيوية، فالاعتقالات مستمرة في مدنهم ومناطقهم، والعمليات العسكرية في مناطقهم لم تنته، والإبعاد عن المشاركة الفاعلة لايزال جارياً، والإقصاء لا يزال يمارس وفق نمط ممنهج وبحجج شتى، والكثير من عوائلهم لا تزال مشردة خارج العراق…إلخ. والخيار الأحسن أن يستلموا السلطة في إقليمهم، وهو بالمناسبة الإقليم الأكثر تمتعاً بإمكانات الدوام والبقاء من الإقليمين الآخرين.
الإقليم الكردي سيتعرض لمضايقات تركية وإيرانية لا تحصى وقد تشن حرباً عليه تهدد بنيته التحتية وتهدد اقتصاده. وجيرانه لا ينظرون إليه بارتياح ووضعه هش ولديه مشكلات عديدة مع كل جيرانه وله قضايا لم تحل مع أشقائه في الوطن.
إقليم الوسط والجنوب (الإقليم الشيعي) سيتعرض لعمليات تدخل إيرانية واسعة، الأمر الذي سيؤثر في ثرواته وأمواله ونفطه بدرجة كبيرة. لكن هذا التدخل الإيراني لن يمر بسهولة، بل من المؤكد أن أبناء الجنوب سيعمدون إلى مواجهته، الأمر الذي قد يهدد سلامة الإقليم واستقراره، فضلاً عن أن جيرانه العرب لن ينظروا إليه بارتياح، وسيبقى محل شك، وبالتالي سيعمل في بقعة جغرافية محاصرة من جهات ثلاث، فضلاً عن اعتماده الكبير على المياه التي ستأتيه من إقليم (السنة). وهنا ستكون المياه عامل حاسم وورقة ضغط ضد إقليم الجنوب لصالح إقليم (السنة) في أي تقابل ثنائي، فالأخير سيكون قادراً على خنق إقليم (الشيعة) متى ما أراد بقطع المياه عنه كلاً أو جزءاً. والمعلوم أن أساس الحياة هو الماء وليس النفط أو الثروات المعدنية.
على العكس من ذلك، فإن إقليم (السنة) سيتبنى من قبل الأطراف العربية، وسيعمل ضمن رقعة جغرافية لا عدو خارجياً له فيها، وسيقوى كثيراً عبر إعادة تأهيل بنيته التحتية واستخدام ثرواته المعدنية العديدة في باطن الأرض لصالح إعادة هيكلة وإعمار واسعين وبأموال خليجية وبرعاية تركية. وهنا سيدخل الفاعلان التركي والسعودي على الخط مباشرة وسيؤديان دوراً موازياً لدور إيران في إقليم الجنوب، إلا أنه سيكون دوراً مرحباً به على عكس الدور الإيراني.
وإذا ما قدر للعراق أن يقسم إلى أقاليم، فكيف سيكون الوضع في ظل انسحاب القوات الأمريكية؟ وكيف ستعالج الآثار التي سيتركها ذلك؟
كل الخيارات التي طرحت وغيرها ستكون حاضرة في ذهن صانع القرار الاستراتيجي الأمريكي، خيار الانسحاب الكامل أو البقاء، التدخل المباشر لوضع الحكومة في العراق، خيار (دفع القوة الذكية) القائم على الانسحاب العسكري مقابل زيادة الدعم المدني الاقتصادي وبناء المؤسسات، بل حتى خيار حكومة الطوارئ، كلها خيارات أمريكية تبقى مطروحة، وما يحدد اختيارها هو ما ستؤول إليه الأوضاع في عراق المستقبل.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1070::/cck::
::introtext::
يثير موضوع (الانسحاب الأمريكي) من العراق كما قررته استراتيجية إدارة الرئيس باراك أوباما نقاشات كثيرة حول ما ستؤول إليه خيارات الاستراتيجية الأمريكية في العراق وما سيرتبط به من تأثير في الوضعين الأمني والسياسي إذا ما تم الانسحاب كما خطط له.
::/introtext::
::fulltext::
يثير موضوع (الانسحاب الأمريكي) من العراق كما قررته استراتيجية إدارة الرئيس باراك أوباما نقاشات كثيرة حول ما ستؤول إليه خيارات الاستراتيجية الأمريكية في العراق وما سيرتبط به من تأثير في الوضعين الأمني والسياسي إذا ما تم الانسحاب كما خطط له.
ضمن هذا الإطار، نناقش القضايا الآتية التي تحدد الخيارات المقبلة للاستراتيجية الأمريكية:
1- هل ستنسحب الولايات المتحدة من العراق بشكل كامل؟ الجواب يحتمل الشقين: نعم ولا، إدارة الرئيس أوباما مصرة على سحب الخمسين ألفاً من الجنود المتبقين في العراق بعد الانسحاب المذل (للقوات القتالية) شهر أغسطس الماضي، بنهاية العام المقبل بفعل ضغط الحزب الديمقراطي الذي يتبنى بتطرف استراتيجية الانسحاب من العراق، وكذلك بفعل حاجة الولايات المتحدة لمزيد من القوات العسكرية في أفغانستان، إذ اقتضت استراتيجية الرئيس أوباما زيادة عديد القوات الأمريكية بحدود 40 ألفاً، فضلاً عن زيادة عدد القوات الأوروبية والأطلسية العاملة والتي تعاني أسوأ حالاتها على يد المقاومة الأفغانية.
لكن قد يكون الانسحاب إجراء تكتيكياً بهدف إبعاد القوات الأمريكية خارج إمكانية وصول الاستهداف الإيراني لهم إذا ما قررت الولايات المتحدة مهاجمة إيران في الزمن المقبل.
لكن يجب ألا نغفل عن أن خيار عدم الانسحاب يبقى موجوداً، لا سيما كما يقول مايكل كراولي في مقاله (حيرة أوباما) إن فريق أوباما الخاص بالأمن القومي لديه نزعات صقورية ومن السهل توقع مجادلة المستشارين والجنرالات بأن نفوذ إيران واحتياطات العراق يتطلبان التزاماً أمريكياً عسكرياً بتأمين الاستقرار وبقاء النفوذ الأمريكي هناك).
2- الوجود الأمريكي المتبقي في العراق، وهو وجود يعكس حجم المصالح الأمريكية الكبيرة التي احتل العراق بسببها وليس من السهولة أن تفرط الولايات المتحدة فيها. هذه القضية تحدث عنها بشكل واضح السفير الأمريكي السابق في العراق كريستوفر هيل في محاضرة له في المعهد الأمريكي للسلام بتاريخ 19 فبراير 2010 حين تحدث عن السفارة غير العادية للولايات المتحدة في العراق وحجم الوجود البشري فيها والمهمات التي ستقوم بها مستقبلاً. ونقتبس من هيل الآتي: (هي بحق سفارة غير عادية. وسنكون موجودين هناك، السفارة الأمريكية ستبقى هناك، للمدى الطويل، والذين يقيسون مصالحنا في العراق بمقياس حجم وجود قواتنا هناك، أود أن أقول إن رأيهم ليس صائباً، لأننا مهتمون بعلاقة طويلة الأمد، وسفارتنا هناك رمز أكيد لتلك العلاقة.. إننا نحتفظ بوجود قوي في المحافظات.. لدينا ناس يتعاملون كل يوم على المستوى المحلي.. وسيستمر جنودنا ودبلوماسيونا وخبراؤنا المدنيون في تطبيق القوة الأمريكية في أفضل حالاتها من الموصل إلى بغداد، ومن الأنبار إلى البصرة).
3- الوضعان الأمني والسياسي في العراق: إلى أي درجة سيترك الانسحاب الأمريكي فراغاً أمنياً في العراق؟ هذه قضية مهمة جداً لا بد أن تؤخذ في الاعتبار، هل القوات العراقية جاهزة لإدارة الملف الأمني؟ في هذا الصدد رأيان يشار إليهما: الأول يرى أن القوات الأمريكية كانت مساهمة بدرجة كبيرة في حالة عدم الاستقرار الأمني في العراق، وهي مسؤولة عن عمليات التفجير اليومية على اعتبار أن عدم الاستقرار سيتيح لها البقاء في العراق، وبالتالي فإن رحيلها سيترك الملف الأمني بيد العراقيين وقد يفضي ذلك إلى تحسن الأمن تدريجياً. الرأي الثاني، يرى أن القوات الأمريكية كانت في أحايين كثيرة صمام أمان لصالح حفظ الأمن في كثير من المناطق العراقية لا سيما عندما قامت بمنع قوات عراقية من سوء استغلال سلطاتها، كما وقفت بوجه الميليشيات المسلحة أثناء هجماتها على مناطق معينة بعد أحداث سامراء 2006، ومنعت بذلك أعمال إبادة جماعية كان يمكن أن تحدث في مناطق متعددة من بغداد.
وبرؤيتنا المتواضعة، إن انسحاب القوات الأمريكية في ظل المعطيات الحالية سيترك العراق هشاً أمنياً لا سيما في مناطق مهمة وحساسة، ولا نستبعد أبداً عودة أعمال العنف المسلح المنظم واستهداف القوات الحكومية التي لا يزال بعضها تفتقد إلى المهنية وروح العمل التعاوني ومسيّرة وفق نظرة ضيقة وحزبية على الأكثر. ويصف دي جي إيليون وهو ضابط متقاعد في البحرية الأمريكية ومهمته مراقبة القوات العراقية، يصف حال القوات العراقية فيقول (إن خبرة المقاتلين بالإضافة إلى التدريب الأمريكي لهم والتجهيزات التي حصلوا عليها، تجعل منهم قوة مهمة، وهم يستطيعون تولي الجزء المتعلق بالأمن الداخلي، إلا أنه من الواضح أنهم ليسوا مؤهلين بعد). والمفارقة بنظره تتجسد في تعمد بعض المسؤولين وقوات الأمن تأجيج العنف، إذ (يكمن الخطر في التحول إلى نزعة استبدادية تجعل النظام يفتقر إلى الشرعية الشعبية نتيجة لفشله في العملية الديمقراطية). كما يعلق على ذلك ريدر فيشر وهو محلل في الشؤون العراقية في المعهد النرويجي للشؤون الدولية فيقول (إن (الحكومة العراقية) اليوم تفتخر بجهاز أمني سليم تتمكن من نشره لقمع أعداء الداخل).
ولذلك من الممكن أن يتعرض العراق لاحتراب داخلي، ما يتعلق بهذا الأمر أن العراق لا يزال تحت طائلة الفصل السابع والوصاية الدولية، ومن ثم فإن تجدد العنف يطرح احتمال عودة القوات الدولية بدعوى حفظ الأمن والاستقرار.
وعلى صعيد الوضع السياسي، فالعراق يعيش دوامة من المتاهة السياسية، ويبدو أن الولايات المتحدة لم تتدخل إلى حد الآن بجدية لحلحلة الأوضاع، إذ إنها تراقب الفرقاء السياسيين وهم يلتقون من دون نقاشات حقيقية تفضل المصلحة الوطنية العليا على المصالح الضيقة، ولا أعرف حقيقة إلى ماذا ترمي الولايات المتحدة بتقاعسها هذا، هل ترمي لأن يصدق العالم كذبتها بالحديث عن الديمقراطية ورفاهية الشعوب والشعب العراقي يعيش حالة سيئة من فقدان الأمن والخدمات؟ أم أنها تخطط لاستخدام العراق وتشكيل الحكومة كورقة مساومة مع أطراف آخرين لصالح ملفات عالقة أخرى؟ أم هذا وذاك وغيره؟ فغير مبرر إطلاقاً أن المسؤولين الأمريكيين لا يضغطون بشكل حقيقي على الكتل الفائزة لتشكيل الحكومة التي كلما زاد تأخر تشكيلها ازداد الوضع العراقي سوءاً.
4- التنافس الحزبي داخل الولايات المتحدة: وهو عامل مهم لا بد أن يؤخذ في الاعتبار، لما له من تأثير في خيارات الاستراتيجية الأمريكية المقبلة في العراق. فالديمقراطيون مصرون على الانسحاب الكامل، وكان هذا شعارهم الذي أوصلهم للغلبة في الكونغرس الأمريكي، كما أنه شعار أوباما الذي أوصله إلى رئاسة الولايات المتحدة، فضلاً عن أن الديمقراطيين يرونه عاملاً مهماً في التأثير في نتائج الانتخابات النصفية للكونغرس شهر نوفمبر 2010. والجمهوريون بالمقابل يرون أن الأوضاع على الأرض هي التي ستحكم على استراتيجية الانسحاب الأمريكي. ويقولون إن الظروف قد لا تخدم إدارة أوباما إذا ما قررت الانسحاب من العراق. وبذلك فإن الجمهوريين (يشحذون سكاكينهم) ليعلنوا أن أوباما خسر الحرب في العراق بعد أن (ربحها) بوش الابن. بينما الحقيقة أن كلا الرئيسين أذل الجيش الأمريكي في هذه الحرب التي لم تحقق سوى انتهاك مبادئ الأمم المتحدة والعدوان على دولة من دون أي سبب يستوجب ذلك.
وإذا ما أفضت انتخابات التجديد النصفي للكونغرس أواخر العام الحالي إلى تغيير في هيمنة الديمقراطيين عليه- وهو أمر غير مستبعد- فإن إدارة أوباما ستضع في حساباتها عدم تأييد الكونغرس الجديد لخطط الرئاسة، الأمر الذي سيجعلها تفكرفي خطط بديلة أخرى.
إن استراتيجية الانسحاب يجب أن تتم بتوافق الرؤى بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وإذا كان من حق القائد العام للقوات المسلحة تحريك بعض القوات قبل إعلام الكونغرس بذلك، فإن استكمال الانسحاب الكلي للقوات الأمريكية لا يمكن أن يتم وفق رؤية الرئيس الديمقراطي وحده، وإنما لا بد من أن تكون السلطة التشريعية راضية ومؤيدة طالما أن ذلك يتعلق بالمصالح العليا للولايات المتحدة. وهنا تعول إدارة أوباما على النجاح في تشكيل حكومة عراقية ترضي المطالب الأمريكية، وإلا فإن إدارة أوباما ستقع بين نارين: بين نار حماسة الديمقراطيين للانسحاب وهم يمثلون قاعدة البيت الأبيض، وبين نار احتمال تغيير الكونغرس تأييده لخطة أوباما.
5- فدرلة العراق: تتفق معظم آراء صناع الرأي والقرار الأمريكيين على أن العودة إلى نظام مركزي كما كان وضع العراق قبل الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003 أمراً لا يمكن حدوثه أو القبول به لأسباب عديدة، ولذلك فهم يطرحون أشكالاً عديدة لشكل الدولة المقبل أو شكل النظام العراقي يتراوح بين الكونفدرالية إلى الفيدرالية إلى التقسيم الثلاثي الناعم إلى التقسيم على أساس ولايات ثلاثة شمالية ووسطى وجنوبية.
إلا أن الثابت هو أن النظام الفيدرالي منصوص عليه دستورياً، أي في الدستور العراقي، وما ينص عليه في الدستور لا بد أن يتخذ عاجلاً أم آجلاً، إلا إذا عدل الدستور وهو أمر ليس باليسير.
معظم (الشيعة) و(الأكراد) متوافقون على النظام الفيدرالي، ومن يعارض إلى حد الآن هم (السنّة). وما دام المطلوب أن يوافق السنة، لذلك يجب إجبارهم أو جعلهم يقتنعون من تلقاء ذاتهم بأن الفيدرالية هي الخيار الأحسن بالنسبة لهم، إذ لم تحقق الخيارات الأخرى لهم شيئاً مهماً، فقد اشتركوا في الحكومة السابقة ولم يحققوا شيئاً ذا قيمة. واشتركوا ايضاً بشدة في الانتخابات الأخيرة وفازت القائمة التي صوتوا لها بكثافة واحتلت المرتبة الأولى لكنها لم تتح لهم السيطرة على مفاصل السلطة الحيوية، فالاعتقالات مستمرة في مدنهم ومناطقهم، والعمليات العسكرية في مناطقهم لم تنته، والإبعاد عن المشاركة الفاعلة لايزال جارياً، والإقصاء لا يزال يمارس وفق نمط ممنهج وبحجج شتى، والكثير من عوائلهم لا تزال مشردة خارج العراق…إلخ. والخيار الأحسن أن يستلموا السلطة في إقليمهم، وهو بالمناسبة الإقليم الأكثر تمتعاً بإمكانات الدوام والبقاء من الإقليمين الآخرين.
الإقليم الكردي سيتعرض لمضايقات تركية وإيرانية لا تحصى وقد تشن حرباً عليه تهدد بنيته التحتية وتهدد اقتصاده. وجيرانه لا ينظرون إليه بارتياح ووضعه هش ولديه مشكلات عديدة مع كل جيرانه وله قضايا لم تحل مع أشقائه في الوطن.
إقليم الوسط والجنوب (الإقليم الشيعي) سيتعرض لعمليات تدخل إيرانية واسعة، الأمر الذي سيؤثر في ثرواته وأمواله ونفطه بدرجة كبيرة. لكن هذا التدخل الإيراني لن يمر بسهولة، بل من المؤكد أن أبناء الجنوب سيعمدون إلى مواجهته، الأمر الذي قد يهدد سلامة الإقليم واستقراره، فضلاً عن أن جيرانه العرب لن ينظروا إليه بارتياح، وسيبقى محل شك، وبالتالي سيعمل في بقعة جغرافية محاصرة من جهات ثلاث، فضلاً عن اعتماده الكبير على المياه التي ستأتيه من إقليم (السنة). وهنا ستكون المياه عامل حاسم وورقة ضغط ضد إقليم الجنوب لصالح إقليم (السنة) في أي تقابل ثنائي، فالأخير سيكون قادراً على خنق إقليم (الشيعة) متى ما أراد بقطع المياه عنه كلاً أو جزءاً. والمعلوم أن أساس الحياة هو الماء وليس النفط أو الثروات المعدنية.
على العكس من ذلك، فإن إقليم (السنة) سيتبنى من قبل الأطراف العربية، وسيعمل ضمن رقعة جغرافية لا عدو خارجياً له فيها، وسيقوى كثيراً عبر إعادة تأهيل بنيته التحتية واستخدام ثرواته المعدنية العديدة في باطن الأرض لصالح إعادة هيكلة وإعمار واسعين وبأموال خليجية وبرعاية تركية. وهنا سيدخل الفاعلان التركي والسعودي على الخط مباشرة وسيؤديان دوراً موازياً لدور إيران في إقليم الجنوب، إلا أنه سيكون دوراً مرحباً به على عكس الدور الإيراني.
وإذا ما قدر للعراق أن يقسم إلى أقاليم، فكيف سيكون الوضع في ظل انسحاب القوات الأمريكية؟ وكيف ستعالج الآثار التي سيتركها ذلك؟
كل الخيارات التي طرحت وغيرها ستكون حاضرة في ذهن صانع القرار الاستراتيجي الأمريكي، خيار الانسحاب الكامل أو البقاء، التدخل المباشر لوضع الحكومة في العراق، خيار (دفع القوة الذكية) القائم على الانسحاب العسكري مقابل زيادة الدعم المدني الاقتصادي وبناء المؤسسات، بل حتى خيار حكومة الطوارئ، كلها خيارات أمريكية تبقى مطروحة، وما يحدد اختيارها هو ما ستؤول إليه الأوضاع في عراق المستقبل.
::/fulltext::
::cck::1070::/cck::
