3 أهداف لأوروبا: وقف دائم لإطلاق النار وإطلاق الرهائن والحد من عنف المستوطنين

Big,Waving,Realistic,National,Colorful,Flag,Of,European,Union,And

big waving realistic national colorful flag of european union and national flag of palestine . macro

Getting your Trinity Audio player ready...

د. كريستيان كوخ

المدير التنفيذي ـ مركز الخليج للأبحاث ـ بروكسل ـ مدير الأبحاث بالمركز 


يمكن أن يؤدي الاتحاد الأوروبي دورًا بنّاءً في إنهاء الحرب في قطاع غزة وإعادة المصداقية إلى حل الدولتين، الذي يُعد أساسًا للتعايش السلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إذ يتمتع الاتحاد الأوروبي بمزايا نسبية عديدة تميزه عن غيره من الأطراف الفاعلة على الساحة الدولية: فإلى جانب كونه المانح الأكبر للشعب الفلسطيني، يمتلك الاتحاد الأوروبي سلة أدوات متطورة في مجال الرعاية الإنسانية وإدارة الأزمات، كما يقبع في قلب شبكة دولية متشعبة من الشرَاكات الدبلوماسية. والأهم من ذلك، أنه ساهم في إطلاق “التحالف الدولي لدعم حل الدولتين”، الذي يُعد منصة جديدة متعددة الأطراف، تُتيح إمكانية ترجمة البيانات والمبادئ المنصوص عليها إلى برنامج عملي متجدد. ولكي تأتي هذه الأدوات ثمارها المرجوة، ينبغي للاتحاد الأوروبي استخدام بروكسل كمركز فعّال لتشكيل خط سياسي أوروبي موحد، يربط بين خفض التصعيد، ووصول المساعدات الإنسانية، وإعادة الإعمار، والمشاركة السياسية الهادفة مع كلا الطرفين والمنطقة بشكل عام.

تفويضٌ يرتكز على قرارات المجلس الأوروبي وتعزّزه الخطابات الأخيرة

صاغ قادة الاتحاد الأوروبي موقفهم بشأن الحرب في غزة، مرتكزين على دعواتهم إلى” الوقف الفوري لإطلاق النار، والإفراج غير المشروط عن جميع الرهائن”، مع التشديد على “حماية المدنيين، والسماح بالوصول الكامل للمساعدات الإنسانية دون عوائق”. كما جدد الزعماء الأوروبيون التزامهم بالتوصل إلى “سلام دائم ومستدام يقوم على أساس حل الدولتين”. بينما أبدوا انفتاحًا على إمكانية فرض مزيد من التدابير التقييدية ضد العنف المُمارس من قبل المستوطنين المتطرفين وحركة حماس. وهو ما يُنطوي على أهمية كبيرة كونه يحدد سمات “الموقف الأوروبي” ويعطي نبذة عن الخطوات التالية للمؤسسات الأوروبية.

كذلك حرص عدد من كبار المسؤولين الأوروبيين على تدعيم هذه المرجعية. فمن جانبها، شددت كاجا كالاس، التي تشغل منصب الممثل الأعلى لشؤون الاتحاد الأوروبي للسياسات الخارجية والأمنية، ونائب رئيس المفوضية الأوروبية، خلال كلمتها أمام البرلمان بمدينة ستراسبورج في 9 سبتمبر 2025م، على ضرورة:” المطالبة بوقف دائم لإطلاق النار والإفراج عن الرهائن، مؤكدةً التزام الاتحاد الأوروبي بدعم حل الدولتين”. وأضافت:” أن هذا هو الهدف الذي نلتف حوله، وسنواصل العمل عليه “. كما حذرت من أن “الكارثة الانسانية التي يُعانيها سكان غزة تشكل اختبارًا للعزيمة الأوروبية في ظل عدم توحيد جبهة العمل”. كما تُعد بمثابة تذكِرة لبروكسل بضرورة رأب الصدع داخل البيت الأوروبي، إذا ما أرادت أن يكون لها نفوذ”.

تُعيد هذه الكلمات للأذهان أصداء التصريحات الصارمة التي جاءت على لسان سلفها جوزيف بوريل، خلال وقت سابق من الحرب بشأن” وجوب فرض حل الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي من الخارج، نظرًا لاستحالة توصل طرفي الصراع إلى اتفاق”. وأضاف مُخاطبًا قادة إسرائيل:” ما نريده هو أن يتم تطبيق حل الدولتين، فدعونا نتحدث عنه”، مؤكدًا أنه “لا يمكن للخيارات العسكرية وحدها أن تبني سلامًا”. تعكس هذه التصريحات اللاذعة، قناعة أوروبية مُتنامية بضرورة تفعيل الدبلوماسية وألا تظل هدفًا طموحًا أو بعيد المنال. امتدت رياح التغيير أيضًا لتشمل المفوضية الأوروبية، التي أعلنت رئيستها أورسولا فون دير لاين، خلال خطاب حالة الاتحاد في 2025م، عن مقترحات لتعليق بعض عناصر اتفاقية الشراكة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل جزئيًا. إلى جانب فرض عقوبات على بعض وزراء اليمين الإسرائيلي مع تشكيل “مجموعة المانحين لفلسطين” بهدف تنسيق تمويل إعادة الإعمار، بما يعكس قناعة المؤسسة بضرورة تضافر المسارات الإنسانية والسياسية والاقتصادية لتحقيق الأهداف المرجوة.

المساعدات الإنسانية: من الجسور الجوية إلى الممرات الآمنة

تتمثل أبرز الإسهامات الأوروبية في الدعم الإنساني المُقدم لأهالي قطاع غزة. فمنذ عام 2023م، حشدت المفوضية الأوروبية مساعدات إنسانية تجاوزت قيمتها 450 مليون يورو، بينما ساهمت رحلات الجسر الجوي التابع للاتحاد الأوروبي وغيره من التدابير اللوجيستية المتخذة، في إيصال ما يتراوح بين 3,800 إلى أكثر من 4,000 طن من المساعدات للتخفيف من وطأة الكارثة الإنسانية- وتعكس هذه البيانات مدى الثقل والقدرة على الاستمرارية. كما من الممكن أن تشهد هذه العمليات، التي تُشرف عليها المديرية العامة للمساعدات الإنسانية والحماية المدنية التابعة للمفوضية الأوروبية” إيكو”، بالتنسيق مع وحدة الاستجابة الإنسانية التابعة للاتحاد الأوروبي، مزيدًا من التوسع إذا فُتحت المعابر وأصبح خفض التصعيد واقعًا ملموسًا.

وبحسب ما أبرزت تصريحات كاجا كالاس والاستنتاجات التي خلص إليها المجلس الأوروبي، فإن إيصال المساعدات الإنسانية يقتضي من الجانب الإسرائيلي رفع القيود، والسماح بالتوزيع المستدام للمساعدات على نطاق واسع، وحماية الهيئات الأممية ومنظمات المجتمع المدني. وبإمكان الاتحاد الأوروبي الاستمرار في ربط النفاذ إلى الأسواق الأوروبية والمشاركة السياسية بالتحسن الملموس في مستوى تدفق المساعدات، بما في ذلك الممرات المتاحة على مدار الساعة طوال أيام الأسبوع، وأنظمة الرقابة والتفتيش، وتصاريح الوقود، واستعادة الاتصالات حتى يتمكن عمال الإغاثة من مباشرة عملهم. وهو ما يتردد صداه عبر مضامين الخطابات الأوروبية التي تؤكد الحاجة الملحة لتنفيذ هذه الإجراءات. حيث صرحت عضو المفوضية الأوروبية إليسا فيريرا، نيابة عن جوزيف بوريل، في أواخر 2024م:” نحن في حاجة إلى وقف فوري لإطلاق النار وإطلاق سراح كافة الرهائن المحتجزين”، كما حذرت من أنه لا يمكن لأي هيئة أممية أن تكون بديلًا لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين “الأونروا”. وحثت المسؤولة الأوروبية إسرائيل على تأمين استمرار عمل الوكالة. بما يفسر قرار المفوضية الأوروبية بتخصيص 82 مليون يورو من أجل دعم “الأونروا”، ورفض الاتحاد الأوروبي للتحركات التشريعية لتقييد عمل الوكالة.

جهود إعادة الإعمار ودعم الحوكمة: “مجموعة المانحين لفلسطين” وبوابة عالمية لدعم غزة

تكمن أهمية المساعدات الإنسانية في تجاوزها مرحلة الإغاثة الفورية، لتصبح جسرًا نحو التعافي المبكر، الذي يشمل إزالة الركام، وتأمين المياه الصالحة للشرب والصرف الصحي، واستعادة شبكات الطاقة والمؤسسات الحيوية كالمستشفيات والمدارس، تمهيدًا لبدء جهود إعادة الإعمار.

وفي هذا السياق، تهدف الخطة التي أعلنتها رئيسة المفوضية الأوروبية في 10 سبتمبر إلى تأسيس “مجموعة مانحين لدعم فلسطين” لتكون بمثابة آلية تنسيق فعالة بين المؤسسات المالية الدولية كالبنك الدولي، والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية، وبنك الاستثمار الأوروبي، والمانحين من دول الخليج. وتتضمن الخطة كذلك ربط الدعم المالي بخطوات متسلسلة تبدأ من الإصلاحات العاجلة وصولًا إلى توفير حلول الإسكان المستدام. كما تشترط صرف المساعدات بناءً على معايير الحوكمة، بما في ذلك إعادة هيكلة السلطة الفلسطينية لتتمكن من ترسيخ وجودها وانتشارها في قطاع غزة. ويشمل الدعم الأوروبي الشامل تعزيز ميزانية السلطة الفلسطينية لتحقيق استقرارها المالي، بالإضافة إلى توجيه الاستثمارات نحو الضفة الغربية والقدس وغزة.

هنا، يتسنى للاتحاد الأوروبي الاستفادة من استراتيجيته للبنية التحتية والربط، ومبادرة “البوابة العالمية” الأوروبية، لتعزيز مرونة شبكات الطاقة (من خلال إصلاح الشبكات وإنشاء شبكات للطاقة الشمسية الصغيرة)، والشبكات الرقمية الأساسية، والممرات اللوجستية. وتهدف هذه الجهود إلى تقليص تكاليف إعادة الإعمار وتوفير فرص عمل للفلسطينيين. كما أن دمج “البوابة العالمية” مع جهود الحد من مخاطر القطاع الخاص (كضمانات بنك الاستثمار الأوروبي والتمويل المختلط) سيساهم في تمويل مشروعات صغيرة ومتوسطة الحجم، مما يجعلها أكثر جاذبية للشركات والجهات المانحة المحلية مقارنةً بالمنح التقليدية.

أخيرًا، إن دعم سيادة القانون والعمليات الانتخابية ليس مجرد كماليات، بل هما أمران أساسيان. يجب على الاتحاد الأوروبي أن يستثمر ميزته النسبية في مجالات مثل المراقبة الانتخابية، ودعم الشرعية المدنية، والقضاء، والشرطة، ومكافحة الفساد، من أجل إحداث إصلاحات في القطاع الأمني وإعادة هيكلة المالية العامة. وهذا من شأنه أن يمهد الطريق لجهود الإعمار لتغذي الشرعية المؤسسية. كما أن عقد اجتماعات دورية للتحالف الدولي يمكن أن يسلط الضوء على الإنجازات المحققة في هذا المجال ويضمن استمرارية العمل وفقاً للجدول الزمني المحدد.

خفض التصعيد ودعم الاستقرار: ما الذي يمكن أن يقدمه الاتحاد الأوروبي؟

بخلاف الدور المحوري الذي يقوم به الاتحاد الأوروبي في مجال الدعم الإنساني وإعادة الإعمار، بإمكانه اتخاذ الخطوات التالية:

أولاً، يجب عليه ترجمة الإجماع الأوروبي إلى أدوات ضغط وحوافز فعالة، إذ تُتيح قرارات المجلس الأوروبي الأساس السياسي الذي يمكّن مسؤول السياسة الخارجية في الاتحاد والدول الأعضاء من الدفع نحو تحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: وقف دائم لإطلاق النار لإنهاء العنف وتسهيل وصول المساعدات، التوصل إلى اتفاق لإطلاق سراح الرهائن، واتخاذ تدابير للحد من عنف المستوطنين في الضفة الغربية، بما في ذلك فرض عقوبات على الأفراد والجماعات التي تمارس العنف وتدعمه. وهكذا بفرض تدابير تقييدية على شبكات المستوطنين المتطرفة، على غرار تلك المفروضة على حركة حماس، يُظهر الاتحاد الأوروبي موقفاً محايداً ومتسقاً مع القانون الدولي، مما يفتح المجال للجهود الدبلوماسية الإقليمية.

ثانيًا، ينبغي أن يرتكز الدعم الأوروبي على إطار أممي أوسع نطاقًا. وفي ظل تأييد الجمعية العامة التابعة للأمم المتحدة لوضع خطوات ذات جدول زمني محدد صوب تطبيق حل الدولتين. بالإضافة إلى دعمها لتشكيل بعثة دولية مؤقتة لدعم الاستقرار، تُتاح للاتحاد الأوروبي إمكانية المساعدة في تشكيل مقومات الحياة المدنية وتمويلها (إدارة الحدود، والعناصر الشرطية، وإزالة الألغام، وخدمات الطوارئ، والخدمات اللوجستية). فضلًا عن، مواءمة أدوات السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة الخاصة به مع مهام تلك البعثة. فأوروبا تنعم بمواطن قوة مميزة في توجيه المهام الشرطية، والمساعدة في إرساء سيادة القانون، وإجراء الاستعدادات الانتخابية- وجميعها تعد ركائز بالغة الأهمية لتحقيق الاستقرار.

ثالثًا، ينبغي للاتحاد الأوروبي توظيف التحالف الدولي لحل الدولتين كمنصة سياسية مؤثرة لتحقيق وقف إطلاق النار. لقد كان الهدف من تأسيس هذا التحالف، الذي أُعلن عنه في السادس والعشرين من سبتمبر 2025م، في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك، برعاية مشتركة من فرنسا والمملكة العربية السعودية ومجموعة الاتصال المنبثقة عن جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، واضحًا: وهو جعل وقف إطلاق النار خطوة أولى نحو تحقيق وقف دائم للأعمال القتالية، والإفراج عن الرهائن، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وأيضًا “اتخاذ مسار لا رجعة فيه وله جدول زمني محدد لتنفيذ حل الدولتين”. وقد استضافت عددًا من العواصم العربية والأوروبية؛ الرياض، وبروكسل، والقاهرة، وعمان، وأنقرة، وأوسلو، اجتماعات دورية للتعمق واستكشاف نقاط العمل الملموسة. بما يُتيح لكافة الأطراف المعنية منصة للالتقاء، دون تكبد عناء معاودة البدء من جديد كلما انحسرت دائرة العنف، أو تم التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار.

لماذا يعد دور بروكسل محوريًا؟

إنَّ بروكسل، باعتبارها قلبَ الاتحاد الأوروبي، تعدُّ مركزًا حيويًا لصنع السياسة الخارجية، حيثُ تحتضنُ تحت سقفها مؤسساتٍ محوريةً مُمثلة في: المجلس الأوروبي (الذي يضم الدول الأعضاء)، والمفوضية الأوروبية (المسؤولة عن التمويل والدعم الإنساني والشؤون الخارجية)، ودائرة العمل الخارجي الأوروبي (الذراع الدبلوماسي)، إلى جانب البرلمان الأوروبي (الذي يمارس الرقابة السياسية). هذا التجمع الفريد من مراكز صنع القرار في مكان واحد يُسهم في تحقيق ثلاث نتائج مهمة:

  • سرعة تنسيق القرارات بين المؤسسات الأوروبية: فعند مناقشة البرلمان الأوروبي للأوضاع داخل قطاع غزة، يتسنى للممثل الأعلى لشؤون الاتحاد الأوروبي/نائبة رئيس المفوضية الأوروبية طرح الإجراءات المرتقبة في نفس الأسبوع أمام المجلس. فيما تتولى المفوضية الأوروبية الإشراف على تنسيق آليات التمويل، وتعمل دائرة العمل الخارجي الأوروبي بحشد الوفود. ولعل مطالبة كاجا كالاس -خلال انعقاد الجلسة العامة في سبتمبر 2025م- بوقف دائم لإطلاق النار، والإفراج عن الرهائن، وإحراز تقدم في حل الدولتين، توضح كيف يمكن للنقاش العام داخل بروكسل أن يدعم خط السياسة.
  • استضافة جلسات عمل التحالف الدولي وضمان مُتابعة الخطوات المحرزة: نظرًا لأن بروكسل أصبحت مقرًا لاجتماعات التحالف الدولي لمتابعة تنفيذ حل الدولتين، فقد تحوّلت إلى نقطة محورية لرصد التقدم في قضايا مثل المعابر، وحل النزاعات مع وكالات الأمم المتحدة، وبناء قدرات السلطة الفلسطينية. كما تُناقش فيها العقوبات المفروضة على المستوطنين، والترتيبات الحدودية، والخطوات التالية. وتسهم هذه الجلسات الدورية في الحد من خطر تلاشي الإرادة السياسية مع تجدد اندلاع الأزمات.
  • التشجيع على اتخاذ القرارات بالأغلبية المؤهلة على صعيد السياسات الخارجية: واحدة من العقبات المزمنة التي تعوق توحيد جبهة العمل الأوروبي تكمن في السعي وراء الإجماع فيما يتعلق بالسياسات الخارجية والأمنية المشتركة. وقد وثقت دراسة أجراها البرلمان الأوروبي “تكلفة التوصل لهذا الإجماع”، ورسمت خيارات بشأن توسيع استخدام آلية التصويت بالأغلبية المؤهلة. فيما جادلت رئيسة المفوضية الأوروبية فون دير لاين بأَن التحرر من قيد الإجماع في القرارات الخارجية الرئيسية سيُعزز من مصداقية أوروبا. وبالرغم من صعوبة تغيير المعاهدات أو البنود المنصوص عليها، فإن مجرد الالتزام السياسي بالإجماع+ (أو استخدام آلية الامتناع البناء عن التصويت التي تتيح حجب الدعم رمزيا دون عرقلة صنع القرار) ربما يكون كفيلا بالحد من التأثير السلبي لحق النقض (الفيتو) الذي يُضعف موقف أوروبا في غزة. ولهذا السبب تحديدا، يتعين على بروكسل العمل على حل هذه المعضلة.

الختام: تقييم فعالية الدور الأوروبي من خلال وضع مقاييس شهرية لمتابعة الأداء بانتظام

إنهاء الحرب في غزة وتعزيز أفق حل الدولتين يقتضي أكثر من مجرد تصريحات؛ بل يتطلّب وضع إطار عمل منهجي لمتابعة التقدم المحرز بشكل دوري. فمن الضروري وضع مقاييس شهرية لمتابعة الأداء بشأن تدفق المساعدات، والتقدم المحرز في إزالة الألغام، وإعادة فتح المدارس، وتمكين السلطة الفلسطينية، ورصد اتجاهات العنف في الضفة الغربية – لتكون بمثابة منصة دبلوماسية تكفل المصداقية والشفافية للجميع. وقد ساعد الاتحاد الأوروبي في توفير هذه المنصة من خلال “التحالف الدولي لحل الدولتين”. كما أنه يمتلك من الأدوات المالية، والإنسانية، والتنظيمية ما يساعده على مواصلة دعم هذه المنصة.

في هذا السياق، يجب على الاتحاد الأوروبي، كما أكدت الممثلة العليا كايا كالاس، أن يستمر في السعي نحو تحقيق أهدافه المشتركة: وقف إطلاق النار، والإفراج عن الرهائن، والوصول إلى حل الدولتين. وفي الوقت نفسه، ينبغي له تقليص الفجوات التي تحد من تأثيره. ويمكن للاتحاد أن يسترشد برسالة سلفها جوزيب بوريل، التي شدد فيها على ضرورة تدخل الأطراف الخارجية لفرض معالم السلام عندما تفشل الحوافز المحلية في كسر الجمود المستعصي. بالإضافة إلى ذلك، يمكنه الاستفادة من التحول الأخير في موقف رئيسة المفوضية الأوروبية، والذي يربط بين الضغط المُمارس على الأطراف وبنية المانحين لدعم غزة، مما يوفر دعمًا ماليًا إضافيًا لجهود إعادة الإعمار.

تعتبر بروكسل مركز الثقل القادر على ترجمة كافة الإجراءات المُشار إليها إلى تحركات ملموسة: حيث تتحول معها قرارات المجلس الأوروبي إلى قوائم للعقوبات وحزم دعم مالي؛ ويصبح للتقاعس عن العمل تكلفة سياسية بفضل الحراك البرلماني؛ ويتولد حرصًا لدى المفوضية الأوروبية وخدمة العمل الخارجي الأوروبي على دمج وصول المساعدات الإنسانية بمسار إعادة الإعمار والحوكمة؛ ويواصل التحالف الدولي اجتماعاته لضمان عدم الرجوع عن مسار حل الدولتين. من ثم، فإذا أعادت أوروبا تنظيم صفوفها وفقًا لهذه الإجراءات الروتينية – وحرصت على قياس أدائها بشكل دوري، عوضًا عن التشدق بالخطابَات الرنانة والتصريحات الصحفية – سترسخ دورها في جهود إنهاء الحرب ومنح الفلسطينيين بديلًا حقيقيًا عن حلقات اليأس والحزن المفرغة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *