العلاقات الخليجية-الإفريقية.. صحوة متأخرة

::cck::752::/cck::
::introtext::

مع سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة عام 1989م، ظهرت على طاولة الدبلوماسية الدولية صياغات ومفاهيم جديدة، لعبت دوراً كبيراً في تغيير صور وأشكال العلاقات بين الدول وبعضها بعضاً، كمفهوم (القوة الناعمة) الذي أعاد به الكاتب الأمريكي جوزيف ناي 1990م، صياغة المفهوم الاستعماري القديم بشكل أكثر قبولاً في المجتمع الدولي، وكذلك مفهوم (العولمة) أو (الكوكبة) الذي روج له علماء الاقتصاد بهدف تعزيز الترابط بكافة أشكاله بين مختلف شعوب العالم في إطار المجتمع الواحد.

::/introtext::
::fulltext::

مع سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة عام 1989م، ظهرت على طاولة الدبلوماسية الدولية صياغات ومفاهيم جديدة، لعبت دوراً كبيراً في تغيير صور وأشكال العلاقات بين الدول وبعضها بعضاً، كمفهوم (القوة الناعمة) الذي أعاد به الكاتب الأمريكي جوزيف ناي 1990م، صياغة المفهوم الاستعماري القديم بشكل أكثر قبولاً في المجتمع الدولي، وكذلك مفهوم (العولمة) أو (الكوكبة) الذي روج له علماء الاقتصاد بهدف تعزيز الترابط بكافة أشكاله بين مختلف شعوب العالم في إطار المجتمع الواحد.

لم تكن القارة السمراء (ثاني أكبر قارة في العالم مساحةً 30.2 مليون كيلو متر مربع، وذات الـ 53 دولة)، بعيدة عن صياغات ومفاهيم ما بعد الحرب الباردة، وذلك لما تحويه من ميزات متعددة، فرغم استعمارها عسكرياً طوال قرون مضت، لا تزال تمتلك نفطاً هائلاً من شأنه تأمين الاحتياج العالمي المتصاعد من الطاقة، وكماً هائلاً من المعادن المستخدمة في الصناعات الاستراتيجية، ومجالاً حيوياً واستراتيجياً مملوءاً بالمكتسبات في كل من المحيط الهندي والأطلسي والبحر الأحمر، وكذلك سوقاً استهلاكياً كبيراً (يُقدر عدد سكانها بحوالي 922 مليون نسمة)، وأخيراً أضحت في نظر الجميع صمام المستقبل للأمن الغذائي العالمي.

ونظراً لما تَجْنِيِه المقاربات مع دول القارة السمراء من مكتسبات عدة، اتجهت إليها أنظار الدول، فالولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، وفقاً لمفهوم (القوة الناعمة)، اتخذت من دول الغرب الإفريقي الغنية بالنفط مقصداً لها، والجمهورية الصينية رأت في إفريقيا سوقاً استهلاكياً يفي إلى حد كبير بتطلعاتها التصديرية، وكذلك اتجهت بعض القوى الدولية والإقليمية الأخرى إلى إفريقيا، مثل (الهند، إيران، تركيا، إسرائيل، البرازيل وغيرها) وذلك حسب مصالح كل دولة على حدة.

ووسط التمدد الدولي الحاصل نحو إفريقيا منذ تسعينات القرن الفائت، تأتي دول الخليج العربية، لتُسجل تقارباً إفريقياً يبدو في مجمله محدوداً، وذلك رغم امتلاكها كافة مقومات التقارب الإفريقي (القرب الجغرافي، العلاقات الوثيقة بدول الشمال الإفريقي، التشابه التاريخي، والوفرة النقدية الهائلة… إلخ)؛ إذ افتقرت التقاربات بينهما – ليس في العقدين الماضيين فحسب بل منذ القدم – إلى التعاون المطلوب ضمن إطار تبادل المصالح، وكذلك إلى النمو الطبيعي للعلاقات بين الدول وبعضها بعضاً، فيما عدا مراحل الستينات التي شهدت حالة اهتمام (سعودية) معقولة بالقارة الإفريقية قادها الملك فيصل، وكذلك شهدت السنوات الخمس الأخيرة بعض الحالات الفردية للاهتمام بدول القارة، منها على سبيل المثال لا الحصر، المملكة العربية السعودية، التي وطدت علاقتها بأثيوبيا، (الرئيس الأثيوبي جيرما ولد جيورجيس زار أكثر من مرة السعودية)، وكذلك السنغال ونيجيريا وغيرهما من البلدان الإفريقية، وأيضاً قطر، أقامت علاقات جيدة مع إريتريا وجمهورية ليبيريا (وقعت مع ليبيريا عام 2009م اتفاقية إقامة علاقات دبلوماسية).

والملاحظ على الدول الخليجية طول الفترات الماضية وحتى إفاقتها المتأخرة لضرورات التقارب الإفريقي، أنها اختزلت التقارب في بعض المساندات السياسية إزاء بعض القضايا الرئيسية بالمحافل الدولية كـ (قضية الفصل العنصري جنوب إفريقيا، الغزو العراقي للكويت)، من دون الدخول في تفاصيل الحياة السياسية المملوءة بالصراعات داخل القارة، وذلك بخلاف دولة مثل الصين التي وضعت الصراعات الداخلية في القارة على أجندة مقارباتها لإفريقيا ودعمت دولاً إفريقية في كفاحها من أجل نظام اقتصادي وسياسي مستقر وجديد. والملاحظ أيضاً أن الدول الخليجية اتخذت الطابع الفردي في مقارباتها لإفريقيا، فهناك دول خليجية على علاقات معقولة بدول إفريقية وأخرى لا يوجد بينها ودول القارة علاقات تُذكر، مما أوجد تفاوتاً ملموساً في درجات التقارب الخليجي-الإفريقي، وبالتالي صعوبة وضع رؤية تقييمية شاملة للعلاقات الخليجية-الإفريقية، بالإضافة إلى اتباع الدول الخليجية السياسة التفضيلية في مقارباتها الإفريقية، إذ أعطت الأولوية في توزيع مساعداتها المالية للدول الإفريقية الإسلامية أو ذات الأغلبية المسلمة مثل (السنغال ومالي وغينيا والنيجر وتنزانيا وأوغندا)، وكذلك اتسمت مقارباتها التمثلية والدبلوماسية لإفريقيا بالقلة العددية، فعدد بعثات دول الخليج الدبلوماسية داخل القارة (69) بعثة منها (39) في عشر دول عربية إفريقية، في حين إيران بمفردها يبلغ عدد بعثاتها إلى القارة (26) بعثة ومكتباً.

ولا يختلف الأمر كثيراً في ما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية بين الطرفين، فحجم التجارة البينية التي تقُيمها الدول الخليجية مع دول القارة السمراء وفقاً لإحصائيات 2007م حوالي (21 مليار دولار). ورغم تضاعف الرقم مقارنة بالسنوات السابقة، فإنها لا ترتقي للمأمول وذلك في حال المقارنة بحجم التجارة الصينية-الإفريقية، التي سجلت عام 2008م نمواً تخطى حاجز الـ (30 مليار دولار) أي بنسبة زيادة بلغت قرابة الـ 60 في المائة عن سنة 2003م. علاوة على ذلك ما تُعانيه دول القارة الإفريقية من قلة في وجود الصناديق الاستثمارية السيادية الخليجية بدولها، وكذلك عدم احتواء دول مجلس التعاون الخليجي بالقدر الكافي للعمالة الإفريقية سواء من وسط أو شرق أو جنوب القارة في حال مقارنتها بالعمالة الآسيوية أو العربية.

ويُقدم الواقع المعرفي أو المعلوماتي هو الآخر دليلاً على محدودية العلاقات الخليجية-الإفريقية، فدول الخليج العربية تُعاني نقصاً واضحاً في المعلومات المتعلقة بثقافة وطبائع قاطني دول القارة السمراء، فالمعلومات السائدة عن الأفارقة بخلاف العرب (السحر والشعوذة والعبيد.. إلخ)، مما يدعو إلى الاستغراب، كيف يكون الاستثمار في ظل غياب المعرفة والمعلومات الكافية عن ثقافة وطباع واحتياجات أهل القارة؟ فكان الأجدر بدول مجلس التعاون الخليجي قبل البدء بالتوجه نحو سمراء العالم في السنوات الخمس الأخيرة، وضع نموذج معرفي معلوماتي يُفند ثقافة الأفارقة، ويُقدم لكل من أراد التوجه إلى القارة كافة المعلومات المتعلقة بواقع القارة الثقافي الذي يحتاج إلى تعاملات من نوعِ خاص لكثرة تنوعه في البلد الواحد.

بيد أن التعويل على الجانب الخليجي بمفرده في ما يتعلق بالمحدودية المعرفية غير منُصف؛ إذ يعاني الجانب الإفريقي من معضلة الفهم الخاطئ للسلوكيات والثقافات الخليجية، فهناك اعتقاد لدى الأفارقة بأن أهل دول الخليج العربية، لا سيما بعد الثورة النفطية، ينظرون إليهم نظرة فوقية استعلائية (إشكالية السادة والعبيد) التي دائماً ما تؤرق الأفارقة، كما أن المخزون الثقافي لدى أهالي القارة عن الدول الخليجية مختزل إلى حد كبير في (الإسلام)، ومع انتشار الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، تغيرت الصورة عن الإسلام والمسلمين في العقول الإفريقية، وبالتالي فإن ارتكان الدول الخليجية العربية على البعد الديني في زيادة العلاقات بإفريقيا، وإهمال أبعاد أخرى، تنتج عنه علاقات منقوصة، لاسيما أن تجارب الدين فشلت مع دولة مثل إيران، إذ أرجع محللون النتائج المتواضعة التي توصل إليها منتدى الحوار الإيراني-الإفريقي الأخير، إلى أن إيران ارتكنت على البعد الديني في علاقتها بإفريقيا فحاولت تصدير ثورتها الإسلامية ومذهبها الديني إلى القارة.

ويمكن الإشارة هنا إلى عاملين يبدو أنهما لعبا دوراً في محدودية العلاقات الخليجية-الإفريقية طوال العشرين عاماً الماضية، يتعلق الأول بما تعرضت له دول الخليج العربية من أحداث يمكن القول إنها شغلتها إلى حد ما عن توسيع علاقتها بالقارة الإفريقية، كالغزو العراقي للكويت في بداية التسعينات، والذي ترتب عليه دخول المنطقة الخليجية في أزمة أرهقتها، وكذلك أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م وتبعاتها على منطقة الخليج العربية، والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، وأخيراً الأزمة المالية التي حدثت في أواخر 2008م وبدايات 2009م. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن هذه الأحداث ذاتها لم تؤثر في تطوير العلاقات الخليجية مع العديد من الدول في مختلف أرجاء العالم، إذ تطورت العلاقات الخليجية-الآسيوية إلى درجة كبيرة، فحجم الاستثمارات الخليجية المتوقع في القارة الآسيوية بحلول 2020م بلغ قرابة الـ (9) تريليونات دولار.

في ما يتعلق العامل الثاني بالوضع الأمني المضطرب داخل العديد من دول القارة الإفريقية، فهناك حقيقة لا يمكن إغفالها بأن دول القارة السمراء عانت منذ حصول أغلب دولها على الاستقلال في بداية حقبة الستينات وحتى وقت قريب من صراعات داخلية قدرت بحوالي (26) صراعاً، وكذلك انقلابات عسكرية وصلت أعدادها إلى قرابة (186) انقلاباً. ونظرياً فإن هذه الاضطرابات الداخلية كفيلة بإضعاف أية محاولة جادة لإقامة علاقات فعالة مع القارة الإفريقية، لكن فعلياً وعملياً ومرئياً لم تقف الصراعات والانقلابات ذاتها أمام المقاربات الإسرائيلية أو الصينية أو حتى التركية أو الهندية أو الإيرانية تجاه القارة السمراء، بل تمكنت هذه الدول من استحداث آليات تمكنها من التغلب على صراعات القارة الداخلية.

ويبدو مما سبق، وضوح أمرين، الأول: محدودية العلاقات الخليجية-الإفريقية حقيقة لابد من الاعتراف بها. وثانياً: صعوبة وضع أسباب جامعة مانعة لمحدودية العلاقات بين الطرفين الخليجي والإفريقي.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المحدودية حالة يمكن التغلب عليها وتجاوزها إلى آفاق أرحب. وما شهدته السنوات القليلة الماضية من إفاقة خليجية نحو القارة السمراء، كتوقيع اتفاقية التعاون مع دول مجموعة الكوميسا (تجمع السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا)، وكذلك إقامة منتديات عدة كـ (المنتدى الاقتصادي الخليجي-الإفريقي الأول الذي عقد بالمنامة في ديسمبر 2008م)، و(الحوار الاقتصادي الإفريقي (كيبتاون)، فبراير 2009م، وأخيراً (المنتدى الخليجي-الإفريقي الذي عقد في ديسمبر2010م)، يحمل في طياته بداية خليجية محمودة إلى حد كبير لتجاوز محدودية العلاقات مع القارة الإفريقية، التي من المتوقع تجاوزها لتوفر عنصر أساسي لإحداث التقاربات مع القارة الإفريقية ألا وهو (الاحتياج)، فالدول الخليجية تحاول في الفترات المقبلة تأمين أمنها الغذائي خاصة وهي فقيرة داخلياً في توفيره، وبالتالي فهي في احتياج إلى ما تمتلكه القارة الإفريقية من قدرة فعلية على تأمين أمنها الغذائي بما لديها من مساحات شاسعة من الأراضي صالحة للزراعة وكذلك كميات وفيرة من المياه العذبة بخلاف دول الخليج العربية.

وأخيراً، فإن التقاربات الخليجية-الإفريقية الوليدة ممكنة، لكن قد تحتاج إلى وضع استراتيجية شاملة يكون هدفها الاستمرارية وعدم الاكتفاء بعقد المنتديات والمؤتمرات والورش المغلقة، بل وضع دول القارة بكامل قضاياها (سياسياً واقتصادياً واجتماعياً) على أجندة أولويات العمل الخليجي، فهل استعدت الدول الخليجية للدخول في معترك العمل الإفريقي المملوء بعدد كبير من الفاعلين؟

 

::/fulltext::

araa77_54-4d1
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::752::/cck::
::introtext::

مع سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة عام 1989م، ظهرت على طاولة الدبلوماسية الدولية صياغات ومفاهيم جديدة، لعبت دوراً كبيراً في تغيير صور وأشكال العلاقات بين الدول وبعضها بعضاً، كمفهوم (القوة الناعمة) الذي أعاد به الكاتب الأمريكي جوزيف ناي 1990م، صياغة المفهوم الاستعماري القديم بشكل أكثر قبولاً في المجتمع الدولي، وكذلك مفهوم (العولمة) أو (الكوكبة) الذي روج له علماء الاقتصاد بهدف تعزيز الترابط بكافة أشكاله بين مختلف شعوب العالم في إطار المجتمع الواحد.

::/introtext::
::fulltext::

مع سقوط الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة عام 1989م، ظهرت على طاولة الدبلوماسية الدولية صياغات ومفاهيم جديدة، لعبت دوراً كبيراً في تغيير صور وأشكال العلاقات بين الدول وبعضها بعضاً، كمفهوم (القوة الناعمة) الذي أعاد به الكاتب الأمريكي جوزيف ناي 1990م، صياغة المفهوم الاستعماري القديم بشكل أكثر قبولاً في المجتمع الدولي، وكذلك مفهوم (العولمة) أو (الكوكبة) الذي روج له علماء الاقتصاد بهدف تعزيز الترابط بكافة أشكاله بين مختلف شعوب العالم في إطار المجتمع الواحد.

لم تكن القارة السمراء (ثاني أكبر قارة في العالم مساحةً 30.2 مليون كيلو متر مربع، وذات الـ 53 دولة)، بعيدة عن صياغات ومفاهيم ما بعد الحرب الباردة، وذلك لما تحويه من ميزات متعددة، فرغم استعمارها عسكرياً طوال قرون مضت، لا تزال تمتلك نفطاً هائلاً من شأنه تأمين الاحتياج العالمي المتصاعد من الطاقة، وكماً هائلاً من المعادن المستخدمة في الصناعات الاستراتيجية، ومجالاً حيوياً واستراتيجياً مملوءاً بالمكتسبات في كل من المحيط الهندي والأطلسي والبحر الأحمر، وكذلك سوقاً استهلاكياً كبيراً (يُقدر عدد سكانها بحوالي 922 مليون نسمة)، وأخيراً أضحت في نظر الجميع صمام المستقبل للأمن الغذائي العالمي.

ونظراً لما تَجْنِيِه المقاربات مع دول القارة السمراء من مكتسبات عدة، اتجهت إليها أنظار الدول، فالولايات المتحدة الأمريكية وغيرها، وفقاً لمفهوم (القوة الناعمة)، اتخذت من دول الغرب الإفريقي الغنية بالنفط مقصداً لها، والجمهورية الصينية رأت في إفريقيا سوقاً استهلاكياً يفي إلى حد كبير بتطلعاتها التصديرية، وكذلك اتجهت بعض القوى الدولية والإقليمية الأخرى إلى إفريقيا، مثل (الهند، إيران، تركيا، إسرائيل، البرازيل وغيرها) وذلك حسب مصالح كل دولة على حدة.

ووسط التمدد الدولي الحاصل نحو إفريقيا منذ تسعينات القرن الفائت، تأتي دول الخليج العربية، لتُسجل تقارباً إفريقياً يبدو في مجمله محدوداً، وذلك رغم امتلاكها كافة مقومات التقارب الإفريقي (القرب الجغرافي، العلاقات الوثيقة بدول الشمال الإفريقي، التشابه التاريخي، والوفرة النقدية الهائلة… إلخ)؛ إذ افتقرت التقاربات بينهما – ليس في العقدين الماضيين فحسب بل منذ القدم – إلى التعاون المطلوب ضمن إطار تبادل المصالح، وكذلك إلى النمو الطبيعي للعلاقات بين الدول وبعضها بعضاً، فيما عدا مراحل الستينات التي شهدت حالة اهتمام (سعودية) معقولة بالقارة الإفريقية قادها الملك فيصل، وكذلك شهدت السنوات الخمس الأخيرة بعض الحالات الفردية للاهتمام بدول القارة، منها على سبيل المثال لا الحصر، المملكة العربية السعودية، التي وطدت علاقتها بأثيوبيا، (الرئيس الأثيوبي جيرما ولد جيورجيس زار أكثر من مرة السعودية)، وكذلك السنغال ونيجيريا وغيرهما من البلدان الإفريقية، وأيضاً قطر، أقامت علاقات جيدة مع إريتريا وجمهورية ليبيريا (وقعت مع ليبيريا عام 2009م اتفاقية إقامة علاقات دبلوماسية).

والملاحظ على الدول الخليجية طول الفترات الماضية وحتى إفاقتها المتأخرة لضرورات التقارب الإفريقي، أنها اختزلت التقارب في بعض المساندات السياسية إزاء بعض القضايا الرئيسية بالمحافل الدولية كـ (قضية الفصل العنصري جنوب إفريقيا، الغزو العراقي للكويت)، من دون الدخول في تفاصيل الحياة السياسية المملوءة بالصراعات داخل القارة، وذلك بخلاف دولة مثل الصين التي وضعت الصراعات الداخلية في القارة على أجندة مقارباتها لإفريقيا ودعمت دولاً إفريقية في كفاحها من أجل نظام اقتصادي وسياسي مستقر وجديد. والملاحظ أيضاً أن الدول الخليجية اتخذت الطابع الفردي في مقارباتها لإفريقيا، فهناك دول خليجية على علاقات معقولة بدول إفريقية وأخرى لا يوجد بينها ودول القارة علاقات تُذكر، مما أوجد تفاوتاً ملموساً في درجات التقارب الخليجي-الإفريقي، وبالتالي صعوبة وضع رؤية تقييمية شاملة للعلاقات الخليجية-الإفريقية، بالإضافة إلى اتباع الدول الخليجية السياسة التفضيلية في مقارباتها الإفريقية، إذ أعطت الأولوية في توزيع مساعداتها المالية للدول الإفريقية الإسلامية أو ذات الأغلبية المسلمة مثل (السنغال ومالي وغينيا والنيجر وتنزانيا وأوغندا)، وكذلك اتسمت مقارباتها التمثلية والدبلوماسية لإفريقيا بالقلة العددية، فعدد بعثات دول الخليج الدبلوماسية داخل القارة (69) بعثة منها (39) في عشر دول عربية إفريقية، في حين إيران بمفردها يبلغ عدد بعثاتها إلى القارة (26) بعثة ومكتباً.

ولا يختلف الأمر كثيراً في ما يتعلق بالعلاقات الاقتصادية بين الطرفين، فحجم التجارة البينية التي تقُيمها الدول الخليجية مع دول القارة السمراء وفقاً لإحصائيات 2007م حوالي (21 مليار دولار). ورغم تضاعف الرقم مقارنة بالسنوات السابقة، فإنها لا ترتقي للمأمول وذلك في حال المقارنة بحجم التجارة الصينية-الإفريقية، التي سجلت عام 2008م نمواً تخطى حاجز الـ (30 مليار دولار) أي بنسبة زيادة بلغت قرابة الـ 60 في المائة عن سنة 2003م. علاوة على ذلك ما تُعانيه دول القارة الإفريقية من قلة في وجود الصناديق الاستثمارية السيادية الخليجية بدولها، وكذلك عدم احتواء دول مجلس التعاون الخليجي بالقدر الكافي للعمالة الإفريقية سواء من وسط أو شرق أو جنوب القارة في حال مقارنتها بالعمالة الآسيوية أو العربية.

ويُقدم الواقع المعرفي أو المعلوماتي هو الآخر دليلاً على محدودية العلاقات الخليجية-الإفريقية، فدول الخليج العربية تُعاني نقصاً واضحاً في المعلومات المتعلقة بثقافة وطبائع قاطني دول القارة السمراء، فالمعلومات السائدة عن الأفارقة بخلاف العرب (السحر والشعوذة والعبيد.. إلخ)، مما يدعو إلى الاستغراب، كيف يكون الاستثمار في ظل غياب المعرفة والمعلومات الكافية عن ثقافة وطباع واحتياجات أهل القارة؟ فكان الأجدر بدول مجلس التعاون الخليجي قبل البدء بالتوجه نحو سمراء العالم في السنوات الخمس الأخيرة، وضع نموذج معرفي معلوماتي يُفند ثقافة الأفارقة، ويُقدم لكل من أراد التوجه إلى القارة كافة المعلومات المتعلقة بواقع القارة الثقافي الذي يحتاج إلى تعاملات من نوعِ خاص لكثرة تنوعه في البلد الواحد.

بيد أن التعويل على الجانب الخليجي بمفرده في ما يتعلق بالمحدودية المعرفية غير منُصف؛ إذ يعاني الجانب الإفريقي من معضلة الفهم الخاطئ للسلوكيات والثقافات الخليجية، فهناك اعتقاد لدى الأفارقة بأن أهل دول الخليج العربية، لا سيما بعد الثورة النفطية، ينظرون إليهم نظرة فوقية استعلائية (إشكالية السادة والعبيد) التي دائماً ما تؤرق الأفارقة، كما أن المخزون الثقافي لدى أهالي القارة عن الدول الخليجية مختزل إلى حد كبير في (الإسلام)، ومع انتشار الإرهاب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، تغيرت الصورة عن الإسلام والمسلمين في العقول الإفريقية، وبالتالي فإن ارتكان الدول الخليجية العربية على البعد الديني في زيادة العلاقات بإفريقيا، وإهمال أبعاد أخرى، تنتج عنه علاقات منقوصة، لاسيما أن تجارب الدين فشلت مع دولة مثل إيران، إذ أرجع محللون النتائج المتواضعة التي توصل إليها منتدى الحوار الإيراني-الإفريقي الأخير، إلى أن إيران ارتكنت على البعد الديني في علاقتها بإفريقيا فحاولت تصدير ثورتها الإسلامية ومذهبها الديني إلى القارة.

ويمكن الإشارة هنا إلى عاملين يبدو أنهما لعبا دوراً في محدودية العلاقات الخليجية-الإفريقية طوال العشرين عاماً الماضية، يتعلق الأول بما تعرضت له دول الخليج العربية من أحداث يمكن القول إنها شغلتها إلى حد ما عن توسيع علاقتها بالقارة الإفريقية، كالغزو العراقي للكويت في بداية التسعينات، والذي ترتب عليه دخول المنطقة الخليجية في أزمة أرهقتها، وكذلك أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م وتبعاتها على منطقة الخليج العربية، والاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م، وأخيراً الأزمة المالية التي حدثت في أواخر 2008م وبدايات 2009م. ومع ذلك، لا يمكن إغفال أن هذه الأحداث ذاتها لم تؤثر في تطوير العلاقات الخليجية مع العديد من الدول في مختلف أرجاء العالم، إذ تطورت العلاقات الخليجية-الآسيوية إلى درجة كبيرة، فحجم الاستثمارات الخليجية المتوقع في القارة الآسيوية بحلول 2020م بلغ قرابة الـ (9) تريليونات دولار.

في ما يتعلق العامل الثاني بالوضع الأمني المضطرب داخل العديد من دول القارة الإفريقية، فهناك حقيقة لا يمكن إغفالها بأن دول القارة السمراء عانت منذ حصول أغلب دولها على الاستقلال في بداية حقبة الستينات وحتى وقت قريب من صراعات داخلية قدرت بحوالي (26) صراعاً، وكذلك انقلابات عسكرية وصلت أعدادها إلى قرابة (186) انقلاباً. ونظرياً فإن هذه الاضطرابات الداخلية كفيلة بإضعاف أية محاولة جادة لإقامة علاقات فعالة مع القارة الإفريقية، لكن فعلياً وعملياً ومرئياً لم تقف الصراعات والانقلابات ذاتها أمام المقاربات الإسرائيلية أو الصينية أو حتى التركية أو الهندية أو الإيرانية تجاه القارة السمراء، بل تمكنت هذه الدول من استحداث آليات تمكنها من التغلب على صراعات القارة الداخلية.

ويبدو مما سبق، وضوح أمرين، الأول: محدودية العلاقات الخليجية-الإفريقية حقيقة لابد من الاعتراف بها. وثانياً: صعوبة وضع أسباب جامعة مانعة لمحدودية العلاقات بين الطرفين الخليجي والإفريقي.

وعلى الرغم من ذلك، فإن المحدودية حالة يمكن التغلب عليها وتجاوزها إلى آفاق أرحب. وما شهدته السنوات القليلة الماضية من إفاقة خليجية نحو القارة السمراء، كتوقيع اتفاقية التعاون مع دول مجموعة الكوميسا (تجمع السوق المشتركة لشرق وجنوب إفريقيا)، وكذلك إقامة منتديات عدة كـ (المنتدى الاقتصادي الخليجي-الإفريقي الأول الذي عقد بالمنامة في ديسمبر 2008م)، و(الحوار الاقتصادي الإفريقي (كيبتاون)، فبراير 2009م، وأخيراً (المنتدى الخليجي-الإفريقي الذي عقد في ديسمبر2010م)، يحمل في طياته بداية خليجية محمودة إلى حد كبير لتجاوز محدودية العلاقات مع القارة الإفريقية، التي من المتوقع تجاوزها لتوفر عنصر أساسي لإحداث التقاربات مع القارة الإفريقية ألا وهو (الاحتياج)، فالدول الخليجية تحاول في الفترات المقبلة تأمين أمنها الغذائي خاصة وهي فقيرة داخلياً في توفيره، وبالتالي فهي في احتياج إلى ما تمتلكه القارة الإفريقية من قدرة فعلية على تأمين أمنها الغذائي بما لديها من مساحات شاسعة من الأراضي صالحة للزراعة وكذلك كميات وفيرة من المياه العذبة بخلاف دول الخليج العربية.

وأخيراً، فإن التقاربات الخليجية-الإفريقية الوليدة ممكنة، لكن قد تحتاج إلى وضع استراتيجية شاملة يكون هدفها الاستمرارية وعدم الاكتفاء بعقد المنتديات والمؤتمرات والورش المغلقة، بل وضع دول القارة بكامل قضاياها (سياسياً واقتصادياً واجتماعياً) على أجندة أولويات العمل الخليجي، فهل استعدت الدول الخليجية للدخول في معترك العمل الإفريقي المملوء بعدد كبير من الفاعلين؟

 

::/fulltext::
::cck::752::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *