هل ستدشن أحداث تونس عهداً عربياً جديداً؟
::cck::753::/cck::
::introtext::
لا تعرف الدول العربية أحداثاً كالتي تشهدها تونس، ولكنها تعيش أوضاعاً سياسية واقتصادية واجتماعية مشابهة لأوضاع تونس، وبالتالي على الأنظمة ونخبها قراءة أحداث تونس جيداً.
::/introtext::
::fulltext::
لا تعرف الدول العربية أحداثاً كالتي تشهدها تونس، ولكنها تعيش أوضاعاً سياسية واقتصادية واجتماعية مشابهة لأوضاع تونس، وبالتالي على الأنظمة ونخبها قراءة أحداث تونس جيداً.
عندما تختزل الديمقراطية بالانتخابات وتكرس هذه الأخيرة سيطرة الحزب الحاكم والرئيس الأبدي، وتنتج برلماناً من دون معارضة وتعيد إنتاج النخب المسيطرة نفسها، وعندما تتواكب الانتخابات مع القهر والفتنة والفوضى وتفتح المجال لتدخل قوى أجنبية، وأيضاً عندما تؤدي الانتخابات إلى تعزيز واستنهاض الطائفية والعرقية والقبلية والعائلية وزيادة بؤس ومعاناة الشعب، فهذا مؤشر إلى انحراف الانتخابات عن وظيفتها الديمقراطية وردة ديمقراطية تحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث. الانتخابات والديمقراطية الشكلانية والموجهة في العالم العربي انقلبت على ماهيتها ووظيفتها الأولى بحيث أصبحت أداة لوأد الديمقراطية وتهميش الديمقراطيين الحقيقيين، والنتيجة الحتمية لكل ذلك ما نشهده في تونس والجزائر ومصر وحالة انسداد الأفق في بقية البلاد العربية.
صحيح، أن مأزق الديمقراطية الشكلانية وتعثر الانتخابات في إحداث عملية انتقال ديمقراطي سلمي بات ظاهرة عرفتها أكثر من دولة، آخرها ساحل العاج، لكنها في العالم العربي وخصوصاً في مشرقه من فلسطين إلى العراق ومصر وقبلهم الجزائر، أكثر خطورة ودلالة مما هي في بقية العالم . إن تعثر الانتخابات والانتقال الديمقراطي في بعض الدول الإفريقية يمكن فهمهما لقرب عهد هذه الدول بالديمقراطية والمسألة الانتخابية، ومع ذلك فالانتخابات تؤسس هناك لبدايات ممارسة ديمقراطية، أما في الدول العربية التي لديها تجارب سابقة من ممارسة الانتخابات والحياة البرلمانية وبعضها منذ بدايات القرن العشرين، وبما لها من إمكانيات مالية وانفتاح نخبها على الغرب وثقافته وتجربته الديمقراطية، فإن مؤشرات مقلقة لا تخفيها العين تشير إلى تراجع عن كثير من المنجزات الديمقراطية التي تحققت سابقاً، وتشير أيضاً إلى محاصرة الديمقراطيين الحقيقيين، يجري ذلك باسم الديمقراطية وتوظيف إحدى أدواتها الانتخابات.
وما استجد أخيراً على المشهد السياسي في العالم العربي هو زعم جميع الأنظمة بأنها ديمقراطية أو لا تعارض الانتقال إلى الديمقراطية، ولكن كلاً منها بطريقتها الخاصة، حيث لكل نظام عربي ديمقراطيته الأبوية الخاصة به، كانت الانتخابات والاستفتاءات على شخص الرئيس المرشح الأوحد (حامي حمى الأمة وراعي الديمقراطية) – كان الرئيس التونسي ينجح في كل مرة تجري فيها انتخابات رئاسية بنسبة أصوات تفوق 80 في المائة – مدخل جميع الأنظمة لولوج عالم الديمقراطية بحيث تم تعميم الانتخابات وخصوصاً التشريعية والأخذ بها من طرف غالبية الأنظمة العربية مع تراجع المكونات الأخرى للديمقراطية، حتى يجوز القول إنه تم اختزال الديمقراطية بإحدى أدواتها – الانتخابات – وتهميش كل مقومات الديمقراطية الأخرى وخصوصاً ثقافة الديمقراطية والتربية الديمقراطية والإيمان بالتعددية وقبول الآخر والتوافق المسبق على ثوابت ومرجعيات الأمة التي لا تخضع للعملية الانتخابية، وأخيراً كون الديمقراطية تعبيراً حراً عن إرادة الأمة، وليس خضوعاً لإملاء قوى خارجية لا تعنيها دمقرطة المجتمع بل خلق الفتنة، تحولت الانتخابات من أداة إلى هدف بحد ذاته، من أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية التي يفترض أن الديمقراطية ما قامت إلا من أجلها لهدف من خلاله يتم تكريس النظام القائم وشرعنة الاستبداد والاستغلال كأن الانتخابات وجدت من أجل إضفاء شرعية دستورية على الحكام وليس من أجل الشعب.
حتى على مستوى العملية الانتخابية، فعندما قررت الأنظمة -برضاها أو بسبب الضغوط الخارجية –التعامل مع الاستحقاق الانتخابي تعاملت معه كمجرد آلية ميكانيكية إحصائية لتحديد من يحصل على أكبر نسبة من الأصوات، آلية يمكنها التحكم فيها وضمان نتائجها، وتجاهلت هذه الأنظمة أن الانتخابات ثقافة أيضاً، ثقافة المواطن وثقافة القائمين والمشرفين على عملية الانتخابات، إنها الاختيار الحر للشعب، الواعي والمدرك لفعله ونتائجه، في المشاركة السياسية. لقد شكلت اللعبة الديمقراطية الشكلانية ليس فقط غطاء للاستبداد وملهاة للقوى السياسية ومدخلاً للقوى الشعوبية لشرعنة وجودها، بل حلت أيضاً محل الفكر والنضالات الثورية والتقدمية، حيث همّشت كل المنظومة الفكرية التحررية والتقدمية والوحدوية التي طبعت الفكر العربي في مرحلة ما بعد الاستقلال مباشرة.
ومن خلال العملية الانتخابية الحقيقية يمكن قياس حضور وشعبية الأحزاب والقوى السياسية وإتاحة الفرصة للشعب للمشاركة السياسية بطريقة مباشرة من خلال الوصول إلى المؤسسات التشريعية أو بطريقة غير مباشرة باختيار من يمثلهم، وبالانتخابات يتم إعمال مبدأ التداول السلمي على السلطة بين قوى تؤمن بالديمقراطية ومستعدة للتخلي عن السلطة في الجولة المقبلة للانتخابات إن فقدت ثقة الشعب. وأهم من ذلك، فإن الانتخابات تعتبر لحظة فارقة ومتميزة في حياة المواطن، ففيها يشعر المواطن بأنه سيد وصاحب قرار في تحديد من سيتولى السلطة، والفرصة الوحيدة التي يتودد فيها الكبار للمواطن ليمنحه صوته.
وعندما نُحيل الانتخابات – بالمفهوم المشار إليه أعلاه – إلى الديمقراطية ونربط هذه الأخيرة بالثقافة الديمقراطية وحرية المواطنين بالتعبير الحر عن إرادتهم إنما لتحرير الانتخابات من حالة الابتذال التي صارت عليها العملية الانتخابية في الدول العربية، حيث اختزلت لمجرد ماكينة أو عملية حسابية. ففي الانتخابات الديمقراطية الحقيقية لا يُعد عدد المشاركين في الانتخابات أو عدد الأحزاب المشاركة المقياس الوحيد على وجود ديمقراطية من عدمه – في دول عالم ثالث ومنها عربية تصل نسبة المشاركة إلى ما يفوق 80 في المائة ويفوز الحزب الحاكم أو الرئيس بنسبة تفوق 90 في المائة وهو ما لا نجده في الدول العريقة بالديمقراطية -، أيضاً لا تعتبر الشعارات المرفوعة أو الأموال المهدرة على العملية الانتخابية مقياساً على وجود الديمقراطية. فالمقياس على وجود انتخابات ديمقراطية هو توفر الإرادة الحرة للمواطن في التعبير عن رأيه من خلال ورقة الانتخاب بحرية لا أن يكون مضطراً لبيع صوته برغيف خبز أو حفنة من المال أو تحت الترهيب والضغط أو تحت بريق شعارات وأيديولوجيات مخادعة. كما أن الانتخابات في بلادنا العربية لم تعد تنافساً حراً بين مواطنين أحرار، يدركون ما لهم من حقوق وما عليهم من التزامات لتمثيل الأمة، بل باتت صراعاً بين أصحاب المال والنفوذ للهيمنة على السلطة لخدمة مصالح فئوية وحزبية لا مصالح الأمة، وسط هذا الصراع ولخدمته يتم توظيف كل الأيديولوجيات من طرف كل من هب ودب بشكل مبتذل وتوظيف أموال منهوبة من الشعب أو جاءت من مصادر مشبوهة، أما غالبية الجماهير الشعبية المسحوقة والمُضَللة والتي تدعي القوى المتصارعة على السلطة بأنها تمثلها وتنطق باسمها، فتتحول إلى مجرد أدوات ينتهي مفعولها بانتهاء العملية الانتخابية.
إن المتابع لمجريات الأحداث المرتبطة بالمسار الديمقراطي الذي تم اختزاله بالماكينة الانتخابية منذ الانتخابات التشريعية في الجزائر في ديسمبر 1992 مروراً بالانتخابات التي جرت في المغرب وتونس والأردن والكويت والبحرين وفلسطين.. إلخ– مع أن للانتخابات الفلسطينية خصوصية داخل الخصوصية العربية – وانتهاء بالانتخابات المصرية بداية ديسمبر 2010، سيلاحظ أن الصراع أو التنافس لم يكن على أساس برامج سياسية واجتماعية وحول مفاهيم ومفردات الديمقراطية، بل كان مواجهة مكشوفة بين السلطة وأعوانها ونخبها من جانب ومعارضة إما ضعيفة وممزقة أو غير متصالحة مع الديمقراطية كالجماعات الإسلامية من جانب آخر، أما الأحزاب والقوى السياسية الديمقراطية العريقة فبالكاد كان يُسمع صوتها أو لها تأثير في مجريات العملية الانتخابية أو نتائجها. والأدهى من ذلك أن بعض هذه القوى كانت تضطر للتحالف إما مع النظام وحزبه أو مع جماعات الإسلام السياسي مع علمها بأن كلا الطرفين لا يؤمن بالديمقراطية إيماناً صحيحاً. أيضاً فإن المنعطف الخطير الذي تسير فيه الانتخابات هو أنها باتت تنافساً بين قوى وأحزاب من دون مرجعية وثوابت قومية توحدها، لم تعد انتخابات وتنافساً بين برامج في إطار ثوابت ومرجعيات، بل تنافس وصراع على الثوابت الوطنية ذاتها، فيما ثوابت الأمة يجب ألا تخضع للتنافس الحزبي ولنتائج الانتخابات بقدر ما تحتاج إلى توافق كل القوى السياسية والاجتماعية. إن ارتداد الانتخابات في العالم العربي على أصولها يعكس أزمة ديمقراطية، ولكنها تعكس أيضاً أزمة مشروع وطني وأزمة ثقافة وهوية.
ما يجري في تونس والجزائر ومصر واليمن وحتى السودان ولبنان هو نتيجة تراكم فشل الديمقراطية الأبوية والموجهة، إنه حصاد الديمقراطية الشكلانية، الديمقراطية الملهاة التي غطت على القضايا الحقيقية للأمة وحالت دون بناء الدولة والمجتمع والنظام على أسس المواطنة الصحيحة. ما يجري أزمة دولة ومجتمع وهو مؤشر إلى فقدان ثقة الشعب بالانتخابات كآلية للتغيير وأيضاً فقدان ثقة الجماهير بالقوى والهياكل السياسية القائمة، وقد يكون بداية مرحلة جديدة تقرر فيها الجماهير انتزاع حقها بيدها وهذا معناه العودة إلى نقطة الصفر، إلى مرحلة ما قبل مسرحية الانتخابات، ولا نستبعد أن تفكر القوى التي فقدت ثقتها بالانتخابات وفشلت بولوج السلطة من بوابة الانتخابات في البحث عن سبل أخرى كاللجوء إلى العنف أو الانقلابات العسكرية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::753::/cck::
::introtext::
لا تعرف الدول العربية أحداثاً كالتي تشهدها تونس، ولكنها تعيش أوضاعاً سياسية واقتصادية واجتماعية مشابهة لأوضاع تونس، وبالتالي على الأنظمة ونخبها قراءة أحداث تونس جيداً.
::/introtext::
::fulltext::
لا تعرف الدول العربية أحداثاً كالتي تشهدها تونس، ولكنها تعيش أوضاعاً سياسية واقتصادية واجتماعية مشابهة لأوضاع تونس، وبالتالي على الأنظمة ونخبها قراءة أحداث تونس جيداً.
عندما تختزل الديمقراطية بالانتخابات وتكرس هذه الأخيرة سيطرة الحزب الحاكم والرئيس الأبدي، وتنتج برلماناً من دون معارضة وتعيد إنتاج النخب المسيطرة نفسها، وعندما تتواكب الانتخابات مع القهر والفتنة والفوضى وتفتح المجال لتدخل قوى أجنبية، وأيضاً عندما تؤدي الانتخابات إلى تعزيز واستنهاض الطائفية والعرقية والقبلية والعائلية وزيادة بؤس ومعاناة الشعب، فهذا مؤشر إلى انحراف الانتخابات عن وظيفتها الديمقراطية وردة ديمقراطية تحتاج إلى مزيد من الدراسة والبحث. الانتخابات والديمقراطية الشكلانية والموجهة في العالم العربي انقلبت على ماهيتها ووظيفتها الأولى بحيث أصبحت أداة لوأد الديمقراطية وتهميش الديمقراطيين الحقيقيين، والنتيجة الحتمية لكل ذلك ما نشهده في تونس والجزائر ومصر وحالة انسداد الأفق في بقية البلاد العربية.
صحيح، أن مأزق الديمقراطية الشكلانية وتعثر الانتخابات في إحداث عملية انتقال ديمقراطي سلمي بات ظاهرة عرفتها أكثر من دولة، آخرها ساحل العاج، لكنها في العالم العربي وخصوصاً في مشرقه من فلسطين إلى العراق ومصر وقبلهم الجزائر، أكثر خطورة ودلالة مما هي في بقية العالم . إن تعثر الانتخابات والانتقال الديمقراطي في بعض الدول الإفريقية يمكن فهمهما لقرب عهد هذه الدول بالديمقراطية والمسألة الانتخابية، ومع ذلك فالانتخابات تؤسس هناك لبدايات ممارسة ديمقراطية، أما في الدول العربية التي لديها تجارب سابقة من ممارسة الانتخابات والحياة البرلمانية وبعضها منذ بدايات القرن العشرين، وبما لها من إمكانيات مالية وانفتاح نخبها على الغرب وثقافته وتجربته الديمقراطية، فإن مؤشرات مقلقة لا تخفيها العين تشير إلى تراجع عن كثير من المنجزات الديمقراطية التي تحققت سابقاً، وتشير أيضاً إلى محاصرة الديمقراطيين الحقيقيين، يجري ذلك باسم الديمقراطية وتوظيف إحدى أدواتها الانتخابات.
وما استجد أخيراً على المشهد السياسي في العالم العربي هو زعم جميع الأنظمة بأنها ديمقراطية أو لا تعارض الانتقال إلى الديمقراطية، ولكن كلاً منها بطريقتها الخاصة، حيث لكل نظام عربي ديمقراطيته الأبوية الخاصة به، كانت الانتخابات والاستفتاءات على شخص الرئيس المرشح الأوحد (حامي حمى الأمة وراعي الديمقراطية) – كان الرئيس التونسي ينجح في كل مرة تجري فيها انتخابات رئاسية بنسبة أصوات تفوق 80 في المائة – مدخل جميع الأنظمة لولوج عالم الديمقراطية بحيث تم تعميم الانتخابات وخصوصاً التشريعية والأخذ بها من طرف غالبية الأنظمة العربية مع تراجع المكونات الأخرى للديمقراطية، حتى يجوز القول إنه تم اختزال الديمقراطية بإحدى أدواتها – الانتخابات – وتهميش كل مقومات الديمقراطية الأخرى وخصوصاً ثقافة الديمقراطية والتربية الديمقراطية والإيمان بالتعددية وقبول الآخر والتوافق المسبق على ثوابت ومرجعيات الأمة التي لا تخضع للعملية الانتخابية، وأخيراً كون الديمقراطية تعبيراً حراً عن إرادة الأمة، وليس خضوعاً لإملاء قوى خارجية لا تعنيها دمقرطة المجتمع بل خلق الفتنة، تحولت الانتخابات من أداة إلى هدف بحد ذاته، من أداة لتحقيق العدالة الاجتماعية التي يفترض أن الديمقراطية ما قامت إلا من أجلها لهدف من خلاله يتم تكريس النظام القائم وشرعنة الاستبداد والاستغلال كأن الانتخابات وجدت من أجل إضفاء شرعية دستورية على الحكام وليس من أجل الشعب.
حتى على مستوى العملية الانتخابية، فعندما قررت الأنظمة -برضاها أو بسبب الضغوط الخارجية –التعامل مع الاستحقاق الانتخابي تعاملت معه كمجرد آلية ميكانيكية إحصائية لتحديد من يحصل على أكبر نسبة من الأصوات، آلية يمكنها التحكم فيها وضمان نتائجها، وتجاهلت هذه الأنظمة أن الانتخابات ثقافة أيضاً، ثقافة المواطن وثقافة القائمين والمشرفين على عملية الانتخابات، إنها الاختيار الحر للشعب، الواعي والمدرك لفعله ونتائجه، في المشاركة السياسية. لقد شكلت اللعبة الديمقراطية الشكلانية ليس فقط غطاء للاستبداد وملهاة للقوى السياسية ومدخلاً للقوى الشعوبية لشرعنة وجودها، بل حلت أيضاً محل الفكر والنضالات الثورية والتقدمية، حيث همّشت كل المنظومة الفكرية التحررية والتقدمية والوحدوية التي طبعت الفكر العربي في مرحلة ما بعد الاستقلال مباشرة.
ومن خلال العملية الانتخابية الحقيقية يمكن قياس حضور وشعبية الأحزاب والقوى السياسية وإتاحة الفرصة للشعب للمشاركة السياسية بطريقة مباشرة من خلال الوصول إلى المؤسسات التشريعية أو بطريقة غير مباشرة باختيار من يمثلهم، وبالانتخابات يتم إعمال مبدأ التداول السلمي على السلطة بين قوى تؤمن بالديمقراطية ومستعدة للتخلي عن السلطة في الجولة المقبلة للانتخابات إن فقدت ثقة الشعب. وأهم من ذلك، فإن الانتخابات تعتبر لحظة فارقة ومتميزة في حياة المواطن، ففيها يشعر المواطن بأنه سيد وصاحب قرار في تحديد من سيتولى السلطة، والفرصة الوحيدة التي يتودد فيها الكبار للمواطن ليمنحه صوته.
وعندما نُحيل الانتخابات – بالمفهوم المشار إليه أعلاه – إلى الديمقراطية ونربط هذه الأخيرة بالثقافة الديمقراطية وحرية المواطنين بالتعبير الحر عن إرادتهم إنما لتحرير الانتخابات من حالة الابتذال التي صارت عليها العملية الانتخابية في الدول العربية، حيث اختزلت لمجرد ماكينة أو عملية حسابية. ففي الانتخابات الديمقراطية الحقيقية لا يُعد عدد المشاركين في الانتخابات أو عدد الأحزاب المشاركة المقياس الوحيد على وجود ديمقراطية من عدمه – في دول عالم ثالث ومنها عربية تصل نسبة المشاركة إلى ما يفوق 80 في المائة ويفوز الحزب الحاكم أو الرئيس بنسبة تفوق 90 في المائة وهو ما لا نجده في الدول العريقة بالديمقراطية -، أيضاً لا تعتبر الشعارات المرفوعة أو الأموال المهدرة على العملية الانتخابية مقياساً على وجود الديمقراطية. فالمقياس على وجود انتخابات ديمقراطية هو توفر الإرادة الحرة للمواطن في التعبير عن رأيه من خلال ورقة الانتخاب بحرية لا أن يكون مضطراً لبيع صوته برغيف خبز أو حفنة من المال أو تحت الترهيب والضغط أو تحت بريق شعارات وأيديولوجيات مخادعة. كما أن الانتخابات في بلادنا العربية لم تعد تنافساً حراً بين مواطنين أحرار، يدركون ما لهم من حقوق وما عليهم من التزامات لتمثيل الأمة، بل باتت صراعاً بين أصحاب المال والنفوذ للهيمنة على السلطة لخدمة مصالح فئوية وحزبية لا مصالح الأمة، وسط هذا الصراع ولخدمته يتم توظيف كل الأيديولوجيات من طرف كل من هب ودب بشكل مبتذل وتوظيف أموال منهوبة من الشعب أو جاءت من مصادر مشبوهة، أما غالبية الجماهير الشعبية المسحوقة والمُضَللة والتي تدعي القوى المتصارعة على السلطة بأنها تمثلها وتنطق باسمها، فتتحول إلى مجرد أدوات ينتهي مفعولها بانتهاء العملية الانتخابية.
إن المتابع لمجريات الأحداث المرتبطة بالمسار الديمقراطي الذي تم اختزاله بالماكينة الانتخابية منذ الانتخابات التشريعية في الجزائر في ديسمبر 1992 مروراً بالانتخابات التي جرت في المغرب وتونس والأردن والكويت والبحرين وفلسطين.. إلخ– مع أن للانتخابات الفلسطينية خصوصية داخل الخصوصية العربية – وانتهاء بالانتخابات المصرية بداية ديسمبر 2010، سيلاحظ أن الصراع أو التنافس لم يكن على أساس برامج سياسية واجتماعية وحول مفاهيم ومفردات الديمقراطية، بل كان مواجهة مكشوفة بين السلطة وأعوانها ونخبها من جانب ومعارضة إما ضعيفة وممزقة أو غير متصالحة مع الديمقراطية كالجماعات الإسلامية من جانب آخر، أما الأحزاب والقوى السياسية الديمقراطية العريقة فبالكاد كان يُسمع صوتها أو لها تأثير في مجريات العملية الانتخابية أو نتائجها. والأدهى من ذلك أن بعض هذه القوى كانت تضطر للتحالف إما مع النظام وحزبه أو مع جماعات الإسلام السياسي مع علمها بأن كلا الطرفين لا يؤمن بالديمقراطية إيماناً صحيحاً. أيضاً فإن المنعطف الخطير الذي تسير فيه الانتخابات هو أنها باتت تنافساً بين قوى وأحزاب من دون مرجعية وثوابت قومية توحدها، لم تعد انتخابات وتنافساً بين برامج في إطار ثوابت ومرجعيات، بل تنافس وصراع على الثوابت الوطنية ذاتها، فيما ثوابت الأمة يجب ألا تخضع للتنافس الحزبي ولنتائج الانتخابات بقدر ما تحتاج إلى توافق كل القوى السياسية والاجتماعية. إن ارتداد الانتخابات في العالم العربي على أصولها يعكس أزمة ديمقراطية، ولكنها تعكس أيضاً أزمة مشروع وطني وأزمة ثقافة وهوية.
ما يجري في تونس والجزائر ومصر واليمن وحتى السودان ولبنان هو نتيجة تراكم فشل الديمقراطية الأبوية والموجهة، إنه حصاد الديمقراطية الشكلانية، الديمقراطية الملهاة التي غطت على القضايا الحقيقية للأمة وحالت دون بناء الدولة والمجتمع والنظام على أسس المواطنة الصحيحة. ما يجري أزمة دولة ومجتمع وهو مؤشر إلى فقدان ثقة الشعب بالانتخابات كآلية للتغيير وأيضاً فقدان ثقة الجماهير بالقوى والهياكل السياسية القائمة، وقد يكون بداية مرحلة جديدة تقرر فيها الجماهير انتزاع حقها بيدها وهذا معناه العودة إلى نقطة الصفر، إلى مرحلة ما قبل مسرحية الانتخابات، ولا نستبعد أن تفكر القوى التي فقدت ثقتها بالانتخابات وفشلت بولوج السلطة من بوابة الانتخابات في البحث عن سبل أخرى كاللجوء إلى العنف أو الانقلابات العسكرية.
::/fulltext::
::cck::753::/cck::
