الكويت.. بين الخروج من النفق والعودة إليه

::cck::754::/cck::
::introtext::

تنفّس الجميع الصعداء بانتهاء الأزمة السياسية الأخيرة بين الحكومة الكويتية ومجلس الأمة الكويتي، من دون أن تشهد نهايتها أحد المسارين اللذين درجت عليهما كل أزمة سابقة، فقد نجح رئيس مجلس الوزراء ناصر المحمد الصباح في الخامس من يناير 2011م، في اجتياز اقتراع بعدم التعاون تقدم به عشرة نواب من المعارضة في مجلس الأمة بعد استجوابه في الثامن والعشرين من ديسمبر 2010 م بتهمة انتهاك الدستور والتضييق على  الحريات العامة.

::/introtext::
::fulltext::

تنفّس الجميع الصعداء بانتهاء الأزمة السياسية الأخيرة بين الحكومة الكويتية ومجلس الأمة الكويتي، من دون أن تشهد نهايتها أحد المسارين اللذين درجت عليهما كل أزمة سابقة، فقد نجح رئيس مجلس الوزراء ناصر المحمد الصباح في الخامس من يناير 2011م، في اجتياز اقتراع بعدم التعاون تقدم به عشرة نواب من المعارضة في مجلس الأمة بعد استجوابه في الثامن والعشرين من ديسمبر 2010 م بتهمة انتهاك الدستور والتضييق على  الحريات العامة.

يذكر أن مذكرة حجب الثقة التي تسمى في الكويت مذكرة (عدم إمكان التعاون) تعد أداة رقابية منحها الدستور لأعضاء المجلس في حالة تأزم العلاقة بينهم وبين الحكومة بشأن إحدى القضايا الخلافية، حيث يُرفع الأمر في حالة إقرارها – بحصولها على أغلبية أصوات أعضاء المجلس- إلى أمير البلاد لحسم الوضع إما بحل المجلس أو إقالة الحكومة.

وإذا كان صحيحاً أن الشيخ ناصر الصباح هو أول رئيس لمجلس الوزراء يوافق على استجوابه، حينما اجتاز اقتراعاً مماثلاً ضده في العام قبل الماضي (2009م)، ليواصل نجاحه أيضاً في مواجهة المعارضة، منهياً بذلك أزمة كادت تقع لتكمل خماسية مسلسل الأزمات التي شهدتها الحياة السياسية الكويتية منذ توليه رئاسة الوزراء عام 2006م، حيث شهدت البلاد أربع أزمات متلاحقة حول قضايا مختلفة كانت تنتهي في كل مرة إما بحل المجلس والدعوة إلى انتخابات جديدة، أو إعادة تشكيل الحكومة ليبدأ فصل جديد من التوتر والتأزيم في علاقتهما. لكن نجاحه في هذه المرة وربما في المرة الماضية، بل ما شهدته فترة توليه المسؤولية على مدار السنوات الماضية يفتح المجال واسعاً لجملة من التساؤلات التي تبحث عن إجابات لتُخرج الكويت من الحلقة المفرغة التي تعيش فيها، فهل ما تشهده تلك التجربة الديمقراطية أمراً طبيعياً، بمعنى أنه يعد إفرازاً لحالة التطور الديمقراطي التي ترتقي فيها الكويت درجة جديدة من درجات السلم الديمقراطي؟ أم تمثل تراجعاً لمسار العملية الديمقراطية برمتها؟ وهل يمكن أن يتفهم الطرفان آثار هذه الأزمات على الحياة السياسية ككل وحياة المواطن الكويتي على وجه الخصوص؟ وما الآليات التي يمكن أن يقدمها طرفا المعادلة للخروج من مثل هذه الأزمات التي أضحت سمة مميزة للمشهد السياسي الكويتي؟ وهل حل البرلمان يمثل أفضل الحلول وما يتبعه من استقالة الوزارة وإعادة تشكيلها من جديد لتبدأ حلقة جديدة من حلقات الصراع؟ وهل الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في مواد الدستور المنظمة للعلاقة بين السلطتين؟ بمعنى أكثر تحديداً هل أصبحت الكويت على موعد لتعديل الدستور الصادر منذ عام 1962م؟ وإذا كان الأمر يحتاج إلى ذلك، فما أهم ملامح تلك التعديلات؟ هل بفك الاشتباك في العلاقة المنظمة بين السلطتين، أم أن الأمر يحتاج إلى رؤية أكثر بعداً بإنشاء مجلس تشريعي آخر يحقق التوازن ويضبط الحركة كما هو الحال في العديد من الدول صاحبة الديمقراطية العريقة أو حتى دول الجوار التي انتهجت مثل هذا المنهج؟

في حقيقة الأمر من الصعوبة بمكان أن يجيب هذا المقال على جُل هذه التساؤلات التي تثير العديد من علامات الاستفهام حول تجربة عربية متميزة تحظى بإشادة القاصي والداني عما سجلته من ممارسة ديمقراطية عكست تعبيراً حقيقياً في كثير منها نبض الشارع الكويتي، وفي قليل منها مصالح البعض وربما أيديولوجيات البعض الآخر.

بداية، يمكن القول إن الأزمة الأخيرة التي شهدتها الحياة البرلمانية الكويتية ترجع بجذورها إلى عام 2009م، فيما عرف آنذاك بـ(أزمة الشيك) بين النائب فيصل المسلم والشيخ ناصر المحمد رئيس مجلس الوزراء، حيث وجه النائب فيصل المسلم اتهاماً إلى الحكومة بتقديم رشى مالية للنواب للتأثير في مواقفهم، حيث فاجأ الجميع داخل البرلمان بإظهار شيك ممهور بتوقيع رئيس مجلس الوزراء موجهاً إلى أحد النواب، مما أثار غضب رئيس مجلس الوزراء، مؤكداً أن الشيك من أمواله الشخصية وليس من أموال الحكومة، وأنه لا يحق لأي شخص، بحكم الدستور الذي يحمي الملكية الخاصة، أن يتدخل أو يسأله عن ذلك، فضلاً عن أن وصول الشيك لـ (المسلم) يُشكل خرقاً لقانون سرية الحسابات البنكية. ورغم حسم القضية التي أثارت وقتها أزمة بين الطرفين نجح خلالها رئيس مجلس الوزراء في اجتياز الاستجواب الذي تقدمت به المعارضة ليضيع الفرصة عليها برغبتها في حل المجلس وإعادة إجراء الانتخابات لتأتي بمؤيدين لهم أو إقالة الوزارة. لكن عادت الأزمة إلى الانفجار من جديد فى نهاية عام 2010م، بعدما بادر البنك إلى رفع شكوى قضائية ضد النائب المسلم، بدعوى أن كشفه صورة عن الشيك أضرّ بسمعة البنك ومركزه المالي. وبعد نظرها للشكوى، قررت النيابة الطلب من البرلمان رفع الحصانة عن النائب (المسلم)، وهو ما رفضته اللجنة التشريعية والقانونية بالمجلس في تقريرها مُؤيدّة في ذلك بموقف أعضاء المعارضة من أن الدستور يمنع مؤاخذة النائب عما يبديه من آراء داخل البرلمان ولجانه، مما ترتب عليه رفض طلب وزير العدل برفع الحصانة عن النائب، الأمر الذي أدى إلى امتناع وزراء الحكومة والنواب المقربين منها عن حضور جلسات المجلس حتى لا يكتمل النصاب القانوني للانعقاد، ويتم التصويت على توصية اللجنة. وسرعان ما تشعبت القضية متخذة أبعاداً جديدة، حيث اعتبرتها المعارضة محاولة لتقليص صلاحيات النواب وتكميم أفواههم داخل البرلمان وهدماً للدستور، ودفعهم ذلك إلى تشكيل جبهة أطلقوا عليها (إلا الدستور)، نظموا في ضوئها العديد من الندوات والاجتماعات خُصصت لمناقشة هذه القضايا بصورة أكثر تفصيلاً، ليبدأ بذلك الفصل الأكثر تأزماً في علاقة السلطتين بقيام بعض عناصر مكافحة الشغب في الرابع عشر من نوفمبر 2010م بالاعتداء على عدد من النواب والمواطنين أثناء حضورهم إحدى هذه الفعاليات التي نظمها النائب جمعان الحربش تحت عنوان (إلا الدستور)، مما أثار رد فعل غاضباً من المعارضة البرلمانية التي شملت (كتلة العمل الشعبي) و(كتلة الإصلاح والتنمية) و(كتلة العمل الوطني) فضلاً عن معارضين مستقلين، دفعهم إلى الإسراع بتقديم استجواب لرئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر الصباح بتهمة مخالفة الدستور والتضييق على الحريات العامة، حيث تصاعدت الأمور وتعقدت بين الطرفين كما سبقت الإشارة.

والحقيقة أنه على الرغم من أن هذه الأحداث تُعتبر الأولى من نوعها التي يتم فيها الاعتداء على النواب من قبل أجهزة الأمن الكويتية، بما يُعد سابقة تنذر بتطور خطير في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلا أنها تأتي ضمن مسلسل الصراع بين السلطتين والذي كان من أبرز نتائجه حالة من عدم الاستقرار السياسي تشهدها الكويت منذ ما يقرب من خمسة أعوام، شهدت خلالها تقديم سبعة استجوابات – بالإضافة إلى الاستجواب الأخير ليشكل مجموعها ثمانية استجوابات- إلى رئيس مجلس الوزراء منذ توليه رئاسة الحكومة عام 2006م، وأدت إلى حل المجلس ثلاث مرات وتنظيم انتخابات مبكرة، فضلاً عن استقالة الحكومة ما يقرب من ست مرات من دون أن يؤدي كل ذلك إلى تحسين العلاقات بين مجلس الأمة والحكومة، فسرعان ما تعود الكرة من جديد لتعيش الكويت في حلقة مفرغة من الشد والجذب بين طرفي الحكم، ربما تغيب فيها مصالح المواطن الكويتي من ناحية، وتُعطل مسيرة التقدم والتنمية من ناحية أخرى، بل ربما تفتح الباب من جديد إلى عرقلة مسيرة الديمقراطية التي عرفتها الكويت على مدار تاريخها الطويل.

وإذا كان صحيحاً أن كل طرف يدافع عن منطقية تصرفاته وصحتها واتفاقها مع نصوص الدستور والقانون، فكما تؤكد المعارضة أن القانون لا يمنع تنظيم الندوات والتجمعات، يأتي الرد منطقياً وقانونياً أيضاً من جانب الحكومة، حيث أشار وزير الداخلية الكويتي الشيخ جابر الخالد بقوله (إن قوى الأمن لم تعتد على أحد، لكنها طبقت القانون الذي يمنع تواجد الجمهور خارج الديوان الذي تعقد فيه الندوة)، ويعضد هذه الرؤية ويؤكد سلامة منهجها ما قرره أمير الكويت في تحمله المسؤولية كاملة عما حدث بقوله (أنا المسؤول الأول وليس رئيس مجلس الوزراء أو وزير الداخلية، وأنا من أمر بتطبيق القانون، وأنه لن يقبل أبداً بندوات تحرض الناس وتثير الفتنة)، إلا أنه من الصحيح أيضاً أن الأمر يجب ألا يُنظر إليه في هذا السياق الجامد من العلاقة بين طرفين يُفترض أنهما يسعيان سوياً إلى الارتقاء بحياة المواطنين، والإسهام في استكمال المسيرة الديمقراطية والعملية التنموية التي يجب أن يشعر بها المواطن الكويتي. فالديمقراطية ليست مجرد اجتماعات أو انتخابات أو جمعيات أو لقاءات أو استجوابات، فهذه كلها مظاهر وإن كانت تعبر عن الديمقراطية التي يظل جوهرها كامناً في ممارسات حقيقية يشعر بها المواطن من خلال انعكاسها على مستويات معيشته وأحواله.

ويظل التساؤل حول مستقبل العلاقة بين الطرفين، بمعنى أكثر تحديداً هل يعني نجاح رئيس مجلس الوزراء في تجاوز تلك الأزمة، كما حدث في عام 2009، أن المدة المتبقية من عمر المجلس لن تشهد أزمات أخرى؟

وتأتي الإجابة جلية في أن المؤشرات كافة تشير إلى أنها لن تكون الأزمة الأخيرة في عمر هذا المجلس، فكثيراً ما يلجأ النواب إلى أسلوب الاستجواب سعياً إلى تحقيق أهدافهم أو وضع الحكومة في مأزق بشأن أية قضية تثار على الساحة الكويتية، يؤكد ذلك ما أعلنته المعارضة عقب انتهاء الجلسة التي ناقشت مذكرة (عدم التعاون)، فقد جاء على لسان النائب مسلم البراك قوله (نبقى صامدين ولن نقبل الشيخ ناصر ولا حكومته، ولا يوجد متسع لنا وللحكومة للعيش سوياً في البرلمان)، وهو ما أكده أيضاً النائب فيصل المسلم بقوله (هذه هي البداية لحملة طويلة لإسقاط الحكومة)، ويؤكد ذلك أيضاً أن نجاح رئيس مجلس الوزراء جاء بفارق بسيط (22 صوتاً للمعارضة، 25 صوتاً مؤيداً، صوت واحد ممتنع (عبدالله الرومي)، مع غياب نائب (مبارك الخرينج)، وعدم أحقية أحد النواب (روضان الروضان) للتصويت نظراً لمشاركته في الحكومة وزيراً لشؤون مجلس الوزراء)، مما يفرض على الجميع إعادة قراءة الواقع الراهن بكل مصارحة ومكاشفة، ليرسم مستقبل تستكمل به التجربة الديمقراطية الكويتية خطواتها نحو غد أفضل، ليظل الأمر كله مرهوناً بتوافق وطني من جميع القوى السياسية في طرح أفكار جديدة تُخرج البلاد من شرنقة الأزمات السياسية المتكررة، وتعيد الأمور إلى نصابها، وتضمن عدم إعاقة المسيرة الديمقراطية، وتعطيل المشاريع التنموية التي تصب مباشرة في صالح المواطن الكويتي ومستقبله، على أن تأخذ هذه القراءة في اعتبارها ماضي التجربة بما شهده من أزمات سابقة، وحاضر الممارسة بقضاياها وإشكالياتها، ومستقبل الكويت ومتطلبات مواطنيها.

 

::/fulltext::

araa77_57-0ab
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::754::/cck::
::introtext::

تنفّس الجميع الصعداء بانتهاء الأزمة السياسية الأخيرة بين الحكومة الكويتية ومجلس الأمة الكويتي، من دون أن تشهد نهايتها أحد المسارين اللذين درجت عليهما كل أزمة سابقة، فقد نجح رئيس مجلس الوزراء ناصر المحمد الصباح في الخامس من يناير 2011م، في اجتياز اقتراع بعدم التعاون تقدم به عشرة نواب من المعارضة في مجلس الأمة بعد استجوابه في الثامن والعشرين من ديسمبر 2010 م بتهمة انتهاك الدستور والتضييق على  الحريات العامة.

::/introtext::
::fulltext::

تنفّس الجميع الصعداء بانتهاء الأزمة السياسية الأخيرة بين الحكومة الكويتية ومجلس الأمة الكويتي، من دون أن تشهد نهايتها أحد المسارين اللذين درجت عليهما كل أزمة سابقة، فقد نجح رئيس مجلس الوزراء ناصر المحمد الصباح في الخامس من يناير 2011م، في اجتياز اقتراع بعدم التعاون تقدم به عشرة نواب من المعارضة في مجلس الأمة بعد استجوابه في الثامن والعشرين من ديسمبر 2010 م بتهمة انتهاك الدستور والتضييق على  الحريات العامة.

يذكر أن مذكرة حجب الثقة التي تسمى في الكويت مذكرة (عدم إمكان التعاون) تعد أداة رقابية منحها الدستور لأعضاء المجلس في حالة تأزم العلاقة بينهم وبين الحكومة بشأن إحدى القضايا الخلافية، حيث يُرفع الأمر في حالة إقرارها – بحصولها على أغلبية أصوات أعضاء المجلس- إلى أمير البلاد لحسم الوضع إما بحل المجلس أو إقالة الحكومة.

وإذا كان صحيحاً أن الشيخ ناصر الصباح هو أول رئيس لمجلس الوزراء يوافق على استجوابه، حينما اجتاز اقتراعاً مماثلاً ضده في العام قبل الماضي (2009م)، ليواصل نجاحه أيضاً في مواجهة المعارضة، منهياً بذلك أزمة كادت تقع لتكمل خماسية مسلسل الأزمات التي شهدتها الحياة السياسية الكويتية منذ توليه رئاسة الوزراء عام 2006م، حيث شهدت البلاد أربع أزمات متلاحقة حول قضايا مختلفة كانت تنتهي في كل مرة إما بحل المجلس والدعوة إلى انتخابات جديدة، أو إعادة تشكيل الحكومة ليبدأ فصل جديد من التوتر والتأزيم في علاقتهما. لكن نجاحه في هذه المرة وربما في المرة الماضية، بل ما شهدته فترة توليه المسؤولية على مدار السنوات الماضية يفتح المجال واسعاً لجملة من التساؤلات التي تبحث عن إجابات لتُخرج الكويت من الحلقة المفرغة التي تعيش فيها، فهل ما تشهده تلك التجربة الديمقراطية أمراً طبيعياً، بمعنى أنه يعد إفرازاً لحالة التطور الديمقراطي التي ترتقي فيها الكويت درجة جديدة من درجات السلم الديمقراطي؟ أم تمثل تراجعاً لمسار العملية الديمقراطية برمتها؟ وهل يمكن أن يتفهم الطرفان آثار هذه الأزمات على الحياة السياسية ككل وحياة المواطن الكويتي على وجه الخصوص؟ وما الآليات التي يمكن أن يقدمها طرفا المعادلة للخروج من مثل هذه الأزمات التي أضحت سمة مميزة للمشهد السياسي الكويتي؟ وهل حل البرلمان يمثل أفضل الحلول وما يتبعه من استقالة الوزارة وإعادة تشكيلها من جديد لتبدأ حلقة جديدة من حلقات الصراع؟ وهل الأمر يحتاج إلى إعادة النظر في مواد الدستور المنظمة للعلاقة بين السلطتين؟ بمعنى أكثر تحديداً هل أصبحت الكويت على موعد لتعديل الدستور الصادر منذ عام 1962م؟ وإذا كان الأمر يحتاج إلى ذلك، فما أهم ملامح تلك التعديلات؟ هل بفك الاشتباك في العلاقة المنظمة بين السلطتين، أم أن الأمر يحتاج إلى رؤية أكثر بعداً بإنشاء مجلس تشريعي آخر يحقق التوازن ويضبط الحركة كما هو الحال في العديد من الدول صاحبة الديمقراطية العريقة أو حتى دول الجوار التي انتهجت مثل هذا المنهج؟

في حقيقة الأمر من الصعوبة بمكان أن يجيب هذا المقال على جُل هذه التساؤلات التي تثير العديد من علامات الاستفهام حول تجربة عربية متميزة تحظى بإشادة القاصي والداني عما سجلته من ممارسة ديمقراطية عكست تعبيراً حقيقياً في كثير منها نبض الشارع الكويتي، وفي قليل منها مصالح البعض وربما أيديولوجيات البعض الآخر.

بداية، يمكن القول إن الأزمة الأخيرة التي شهدتها الحياة البرلمانية الكويتية ترجع بجذورها إلى عام 2009م، فيما عرف آنذاك بـ(أزمة الشيك) بين النائب فيصل المسلم والشيخ ناصر المحمد رئيس مجلس الوزراء، حيث وجه النائب فيصل المسلم اتهاماً إلى الحكومة بتقديم رشى مالية للنواب للتأثير في مواقفهم، حيث فاجأ الجميع داخل البرلمان بإظهار شيك ممهور بتوقيع رئيس مجلس الوزراء موجهاً إلى أحد النواب، مما أثار غضب رئيس مجلس الوزراء، مؤكداً أن الشيك من أمواله الشخصية وليس من أموال الحكومة، وأنه لا يحق لأي شخص، بحكم الدستور الذي يحمي الملكية الخاصة، أن يتدخل أو يسأله عن ذلك، فضلاً عن أن وصول الشيك لـ (المسلم) يُشكل خرقاً لقانون سرية الحسابات البنكية. ورغم حسم القضية التي أثارت وقتها أزمة بين الطرفين نجح خلالها رئيس مجلس الوزراء في اجتياز الاستجواب الذي تقدمت به المعارضة ليضيع الفرصة عليها برغبتها في حل المجلس وإعادة إجراء الانتخابات لتأتي بمؤيدين لهم أو إقالة الوزارة. لكن عادت الأزمة إلى الانفجار من جديد فى نهاية عام 2010م، بعدما بادر البنك إلى رفع شكوى قضائية ضد النائب المسلم، بدعوى أن كشفه صورة عن الشيك أضرّ بسمعة البنك ومركزه المالي. وبعد نظرها للشكوى، قررت النيابة الطلب من البرلمان رفع الحصانة عن النائب (المسلم)، وهو ما رفضته اللجنة التشريعية والقانونية بالمجلس في تقريرها مُؤيدّة في ذلك بموقف أعضاء المعارضة من أن الدستور يمنع مؤاخذة النائب عما يبديه من آراء داخل البرلمان ولجانه، مما ترتب عليه رفض طلب وزير العدل برفع الحصانة عن النائب، الأمر الذي أدى إلى امتناع وزراء الحكومة والنواب المقربين منها عن حضور جلسات المجلس حتى لا يكتمل النصاب القانوني للانعقاد، ويتم التصويت على توصية اللجنة. وسرعان ما تشعبت القضية متخذة أبعاداً جديدة، حيث اعتبرتها المعارضة محاولة لتقليص صلاحيات النواب وتكميم أفواههم داخل البرلمان وهدماً للدستور، ودفعهم ذلك إلى تشكيل جبهة أطلقوا عليها (إلا الدستور)، نظموا في ضوئها العديد من الندوات والاجتماعات خُصصت لمناقشة هذه القضايا بصورة أكثر تفصيلاً، ليبدأ بذلك الفصل الأكثر تأزماً في علاقة السلطتين بقيام بعض عناصر مكافحة الشغب في الرابع عشر من نوفمبر 2010م بالاعتداء على عدد من النواب والمواطنين أثناء حضورهم إحدى هذه الفعاليات التي نظمها النائب جمعان الحربش تحت عنوان (إلا الدستور)، مما أثار رد فعل غاضباً من المعارضة البرلمانية التي شملت (كتلة العمل الشعبي) و(كتلة الإصلاح والتنمية) و(كتلة العمل الوطني) فضلاً عن معارضين مستقلين، دفعهم إلى الإسراع بتقديم استجواب لرئيس مجلس الوزراء الشيخ ناصر الصباح بتهمة مخالفة الدستور والتضييق على الحريات العامة، حيث تصاعدت الأمور وتعقدت بين الطرفين كما سبقت الإشارة.

والحقيقة أنه على الرغم من أن هذه الأحداث تُعتبر الأولى من نوعها التي يتم فيها الاعتداء على النواب من قبل أجهزة الأمن الكويتية، بما يُعد سابقة تنذر بتطور خطير في العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، إلا أنها تأتي ضمن مسلسل الصراع بين السلطتين والذي كان من أبرز نتائجه حالة من عدم الاستقرار السياسي تشهدها الكويت منذ ما يقرب من خمسة أعوام، شهدت خلالها تقديم سبعة استجوابات – بالإضافة إلى الاستجواب الأخير ليشكل مجموعها ثمانية استجوابات- إلى رئيس مجلس الوزراء منذ توليه رئاسة الحكومة عام 2006م، وأدت إلى حل المجلس ثلاث مرات وتنظيم انتخابات مبكرة، فضلاً عن استقالة الحكومة ما يقرب من ست مرات من دون أن يؤدي كل ذلك إلى تحسين العلاقات بين مجلس الأمة والحكومة، فسرعان ما تعود الكرة من جديد لتعيش الكويت في حلقة مفرغة من الشد والجذب بين طرفي الحكم، ربما تغيب فيها مصالح المواطن الكويتي من ناحية، وتُعطل مسيرة التقدم والتنمية من ناحية أخرى، بل ربما تفتح الباب من جديد إلى عرقلة مسيرة الديمقراطية التي عرفتها الكويت على مدار تاريخها الطويل.

وإذا كان صحيحاً أن كل طرف يدافع عن منطقية تصرفاته وصحتها واتفاقها مع نصوص الدستور والقانون، فكما تؤكد المعارضة أن القانون لا يمنع تنظيم الندوات والتجمعات، يأتي الرد منطقياً وقانونياً أيضاً من جانب الحكومة، حيث أشار وزير الداخلية الكويتي الشيخ جابر الخالد بقوله (إن قوى الأمن لم تعتد على أحد، لكنها طبقت القانون الذي يمنع تواجد الجمهور خارج الديوان الذي تعقد فيه الندوة)، ويعضد هذه الرؤية ويؤكد سلامة منهجها ما قرره أمير الكويت في تحمله المسؤولية كاملة عما حدث بقوله (أنا المسؤول الأول وليس رئيس مجلس الوزراء أو وزير الداخلية، وأنا من أمر بتطبيق القانون، وأنه لن يقبل أبداً بندوات تحرض الناس وتثير الفتنة)، إلا أنه من الصحيح أيضاً أن الأمر يجب ألا يُنظر إليه في هذا السياق الجامد من العلاقة بين طرفين يُفترض أنهما يسعيان سوياً إلى الارتقاء بحياة المواطنين، والإسهام في استكمال المسيرة الديمقراطية والعملية التنموية التي يجب أن يشعر بها المواطن الكويتي. فالديمقراطية ليست مجرد اجتماعات أو انتخابات أو جمعيات أو لقاءات أو استجوابات، فهذه كلها مظاهر وإن كانت تعبر عن الديمقراطية التي يظل جوهرها كامناً في ممارسات حقيقية يشعر بها المواطن من خلال انعكاسها على مستويات معيشته وأحواله.

ويظل التساؤل حول مستقبل العلاقة بين الطرفين، بمعنى أكثر تحديداً هل يعني نجاح رئيس مجلس الوزراء في تجاوز تلك الأزمة، كما حدث في عام 2009، أن المدة المتبقية من عمر المجلس لن تشهد أزمات أخرى؟

وتأتي الإجابة جلية في أن المؤشرات كافة تشير إلى أنها لن تكون الأزمة الأخيرة في عمر هذا المجلس، فكثيراً ما يلجأ النواب إلى أسلوب الاستجواب سعياً إلى تحقيق أهدافهم أو وضع الحكومة في مأزق بشأن أية قضية تثار على الساحة الكويتية، يؤكد ذلك ما أعلنته المعارضة عقب انتهاء الجلسة التي ناقشت مذكرة (عدم التعاون)، فقد جاء على لسان النائب مسلم البراك قوله (نبقى صامدين ولن نقبل الشيخ ناصر ولا حكومته، ولا يوجد متسع لنا وللحكومة للعيش سوياً في البرلمان)، وهو ما أكده أيضاً النائب فيصل المسلم بقوله (هذه هي البداية لحملة طويلة لإسقاط الحكومة)، ويؤكد ذلك أيضاً أن نجاح رئيس مجلس الوزراء جاء بفارق بسيط (22 صوتاً للمعارضة، 25 صوتاً مؤيداً، صوت واحد ممتنع (عبدالله الرومي)، مع غياب نائب (مبارك الخرينج)، وعدم أحقية أحد النواب (روضان الروضان) للتصويت نظراً لمشاركته في الحكومة وزيراً لشؤون مجلس الوزراء)، مما يفرض على الجميع إعادة قراءة الواقع الراهن بكل مصارحة ومكاشفة، ليرسم مستقبل تستكمل به التجربة الديمقراطية الكويتية خطواتها نحو غد أفضل، ليظل الأمر كله مرهوناً بتوافق وطني من جميع القوى السياسية في طرح أفكار جديدة تُخرج البلاد من شرنقة الأزمات السياسية المتكررة، وتعيد الأمور إلى نصابها، وتضمن عدم إعاقة المسيرة الديمقراطية، وتعطيل المشاريع التنموية التي تصب مباشرة في صالح المواطن الكويتي ومستقبله، على أن تأخذ هذه القراءة في اعتبارها ماضي التجربة بما شهده من أزمات سابقة، وحاضر الممارسة بقضاياها وإشكالياتها، ومستقبل الكويت ومتطلبات مواطنيها.

 

::/fulltext::
::cck::754::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *