المرأة العراقية.. بين تيارات العولمة والدين والوطنية والتقليد والخصوصية

::cck::763::/cck::
::introtext::

أفرزت (العولمة) بوصفها ظاهرة تحمل الكثير من المضامين بعضها إنساني يحمل فكرة التواصل والعمل المشترك لبناء عالم متفاعل، والآخر سلبي يحاول تجيير القضايا الإنسانية لخدمة المصالح الاستغلالية للدول المتمكنة في عالم المعلوماتية والاقتصاد، أفرزت تعاملاً مختلفاً مع قضايا المرأة وخاصة في دول الجنوب أو الدول الأقل تقدماً.

::/introtext::
::fulltext::

أفرزت (العولمة) بوصفها ظاهرة تحمل الكثير من المضامين بعضها إنساني يحمل فكرة التواصل والعمل المشترك لبناء عالم متفاعل، والآخر سلبي يحاول تجيير القضايا الإنسانية لخدمة المصالح الاستغلالية للدول المتمكنة في عالم المعلوماتية والاقتصاد، أفرزت تعاملاً مختلفاً مع قضايا المرأة وخاصة في دول الجنوب أو الدول الأقل تقدماً.

بدأت الدول الرائدة والمتقدمة في عالم الاقتصاد والمعلوماتية في زمن العولمة بأبعادها المختلفة تحاول تسويق مفاهيمها وتجاربها على أنها الأفضل، وتدعو الآخرين كي يسيروا في ركابها، وإذا كانت قضية المرأة قد استغلت في مرحلة سابقة عبر تسويق أيديولوجيات الرأسمالية والاشتراكية والدين إبان مرحلة الحرب الباردة، حيث كان لتصارع تلك التيارات دور في وضع حدود لدور المرأة في كل مجتمع يفترض أن تتسق مع النمط السياسي والاقتصادي، فإن انتهاء تلك الحقبة وما رافقها من تحولات في البيئة الدولية والثورة في مجال الاتصالات والمعلوماتية وإمكانية نشر التجارب المجتمعية على نطاق واسع، أدى إلى سعي الدول المسيطرة على وسائل الاتصال إلى إيجاد مشتركات في قضايا المرأة تخضع لعملية العولمة ومحاولة تنميط العالم وفق إرادات وأولويات تلك الدول.

وقد اتسع نطاق التوجه نحو تغيير توجهات المجتمعات نحو المرأة وتوجه المرأة نفسها، ليشمل إنشاء منظمات دولية، كما هي الحال مع لجنة الأمم المتحدة الخاصة بأوضاع المرأة والعمل على استصدار تشريعات من هيئات ومنظمات دولية وعقد مؤتمرات تخصص لقضايا المرأة. كما تم تسخير تقنيات الاتصالات والمعلومات لترويج الكثير من المشروعات الموجهة نحو النساء بحجة ترسيخ مساهمتهن في بناء مجتمعاتهن. ووصل الأمر ببعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة الدول الصناعية الكبرى إلى محاولة فرض برامج إصلاحية على بعض الدول وخاصة في المجتمعات الإسلامية تحت دعاوى تمكين النساء. كما أن ما يطلق عليها (الحرب على الإرهاب) كانت إحدى أدوات العولمة لمحاربة الدين الإسلامي، عبر تغريب قضايا المرأة وفصلها عن قضايا المجتمع ومحاربة الموروث الاجتماعي جملة واحدة من دون فصل بين الإيجابي منه وذلك المعوق لحركة المجتمع وتقدمه.

ولا بد من الإشارة إلى أن من فضائل العولمة أنها أسهمت في إثارة الكثير من الموضوعات الاجتماعية الساكنة، ودفعت المجتمعات المتخلفة للعمل على إيجاد حلول للمشكلات المتعلقة بالتمثيل السياسي والاقتصادي للمرأة ولمشكلات اجتماعية تعيق تطور المجتمعات وتنميتها بفعل ترسخ بعض الأفكار والتقاليد المتخلفة في تلك المجتمعات.

وبالمقابل فإن الدعم الخارجي لهذه العملية وما يرافقه من تمويل مالي ومحاولات لتوجيه الأولويات والخطط أسهم في إيجاد فوضى في المجتمعات المتلقية، خاصة أن التوجهات الخارجية حاولت التعامل مع قضايا المرأة على أنها قضايا منفصلة، بينما التعامل معها في الدول التي وقع عليها عبء الاستعمار والتخلف ينبغي أن يبدأ من منطلق البحث عن حلول اجتماعية متكاملة.

وفي العراق تتصادم تيارات العولمة مع التيارات الدينية والتيارات الوطنية لتضع المرأة في حالة إرباك واضح. وبينما يفتقر المجتمع إلى خطط فاعلة من أجل الاستفادة من كل الطاقات، تركز التنظيمات النسائية على المشاركة السياسية، وتتصارع عبر القوائم الانتخابية البرامج المتعارضة ذاتها، كأنها الأكسير لكل المشكلات.

المرأة العراقية في ظل طروحات العولمة

 بعد الحرب العالمية الثانية، تشكلت الاتحادات النسائية العالمية على أساس مقاومة الاستعمار والسلم العالمي والتنمية، وكان الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي هو التعبير والمرجعية للحركة النسائية العالمية، لكن الدعوات القائمة الآن إلى عولمة المؤسسات النسائية، والتهافت على تشكيل مؤسسات جديدة مرتبطة بمثيلاتها في الغرب تحديداً، إنما تستهدف إعادة هيكلة هذه الاتحادات وإعادة النظر في برامجها على أسس أخرى تماماً، وتختلف نوعياً عما كانت عليه في (زمن التوازن الدولي) -أي استبعاد مقاومة الاحتلال والعنصرية- على اعتبار أن هذه من شؤون الساسة الكبار أصحاب رؤوس الأموال والذين يتحكمون في صناعة القرار بكل زاوية في العالم.

وحقيقة أنه لا يوجد حل جاهز لمشكلات المرأة بشكل عام يمكن تعميمه ونقله من مجتمع إلى آخر، لا تنفي وجود بعض القضايا المشتركة التي تلتقي عندها بعض المجتمعات مما يمكن أن ينعكس على المقاربات الحاصلة في التعاطي مع مشكلات إدماج المرأة في عملية التنمية والبناء السياسي، وفي وضع حلول للمشكلات الاجتماعية، فقد تتقارب المجتمعات بينما تقتصر الفروقات على قضايا غير رئيسية مثل التفاوت في النسبة لعدد المتعلمات من مجتمع إلى آخر، وتفاوت حجم المشاركة في النشاطات المختلفة، وانفتاح مجالات معينة أمام المرأة في مجتمع وعدم انفتاحها في آخر.

إن الإشكالية الرئيسية التي تعاني منها عملية التعاطي مع قضايا المرأة في مجتمعات الدول النامية ومنها العراق، هي في حالة القلق السياسي، وكون المجتمع في مرحلة انتقالية حرجة، مما يعني أن المرأة تطالب بدور لها في ظل اتجاهات متعارضة بعضها يدعو إلى نقل التجربة الغربية من دون تحفظات، وعلى العكس من ذلك يطالب آخرون برفض قيم الغرب، جملة وتفصيلاً، استناداً إلىفكر يناهض الغرب ويدعو إلى الخصوصية الوطنية، أو طروحات الفكر الديني الذي يحاكم التجربة الغربية من منطلق الصراع بين الأديان، وأن حضارة الشرق لا بد لها أن تنأى عن الغرب، خشية من المس بالثوابت الدينية.

لا يوجد حل جاهز لمشكلات المرأة بشكل عام يمكن تعميمه ونقله من مجتمع إلى آخر

المرأة العراقية وثلاثة عقود من التحولات

وفي ما يتعلق بوضع المرأة العراقية يمكن تقسيم المراحل التي شهدتها عملية التغيير في قضايا المرأة في العراق في العقود الثلاثة الماضية إلى ثلاث مراحل كان فيها العبء والاستهداف يقع على المرأة بالدرجة الأولى:

أولاً: مرحلة الثمانينات والحرب الطويلة، بما يعنيه ذلك من تحمل المرأة وحدها مهام الزوج والأخ والأب في داخل العائلة وخارج البيت، مع الأخذ في الاعتبار الصعوبات الاقتصادية والسياسية لظروف حرب طوية الأمد. وفي تلك المرحلة استطاعت المرأة تحقيق اختراقات اجتماعية كثيرة، واستطاعت أن تقدم للوطن خدمات أدامت عجلة الاقتصاد، وحافظت على المجتمع، رغم انشغال الرجل بالقتال والحرب.

ثانياً: مرحلة التسعينات واشتداد ضراوة الظروف على صعيد الحصار الاقتصادي وأزمات المعيشة. ورغم عودة الرجل إلى تولي دوره الاقتصادي والاجتماعي إلا أن النساء حافظن على الكثير من مكتسبات المرحلة التي سبقت.

وفي كلتا المرحلتين، استطاعت المرأة العراقية الوصول إلى المجالس النيابية عبر الانتخابات ومن دون أن يكون هناك نص دستوري يقدم لها المقاعد دون جهد، وكانت مشاركة المرأة في آخر دورة للمجلس الوطني قبل الاحتلال الأمريكي بنسبة10.8 في المائة من المقاعد.

 ثالثاً: مرحلة الغزو والاحتلال وما رافقها من مظاهر الانفلات العام جراء غياب النظام والقانون وتعطل دوائر ومؤسسات الحكومة، ناهيك عن تصاعد موجة العنف والإرهاب اليومي بمختلف أنواعه ودرجاته وتعدد مصادره وجماعاته.

إن طرح التساؤلات حول تأثيرات العولمة في قضايا المرأة العراقية بعد عام 2003 يأتي من منطلق أن قوى العولمة نشطت كثيراً في الساحة العراقية، فما هي درجة مشاركة المرأة في الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية؟ وما هي درجة مشاركة المرأة في سوق العمل والجامعات والمراكز الرئيسية في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص؟ وما هو مستوى المشاركة الاقتصادية للمرأة في البلاد؟ كم كان عدد المرشحات المستقلات أو في قوائم الأحزاب في الانتخابات؟

إن الإجابة عن التساؤلات السابقة تصطدم بعدم وجود إحصائيات دقيقة أو موثوقة، وإن وجدت فإنها تخضع لأهواء الجهة التي تضعها، كما أن المشاركة السياسية كما تجري في العراق منذ سنوات عبرت عن مفهوم ضيق ومحدود، يقصر المشاركة المطلوبة للمرأة على حق الترشيح والانتحاب وتوليالمناصب الوزارية، في حين أن المجتمع يعاني من أزمة مشاركة سياسية تشمل الرجل والمرأة على حد سواء، خاصة أن المحاصصة السياسية والحزبية ألقت بظلالها على الكثير من خيارات العمل السياسي. فضلاً عن أن المشاركة يمكن أن تتخذ معنى أكثر اتساعاً يمتد إلى المشاركة في المجتمع المدني والمجال العام بكلمساحاته، وليس في النظام الرسمي فقط.

وبدأ البعض يتحدث عن مشروعية تبني أفكار ونظريات أنتجت في سياق وأوضاع ثقافية وسياسية مختلفة وحول جواز استيراد النظريات العلمية والثقافية. والبعض الآخر يرى أن الحركات النسائية العربية لا تزال تعاني خللاً ما في التلقي، وأنها تعاني من داء الاجترار والمطابقة لثقافة الغرب من دون النظر في مواءمة هذه المفاهيم لثقافتها، وأن ربط منظماتنا النسائية ببرامج واستهدافات مثيلاتها في العالم على هذه الأسس هو وسيلة من أجل السيطرة على حركتها والحد من نهوضها المحتمل ومشاركتها في الحياة العامة.

كما أن التفرقة ضد النساء ممارسة مغروسة في الثقافة العامة لقطاعات واسعة من المجتمع العراقي، وهي تفرقة نابعة من الأعراف والتقاليد، حيث تواجه المرأة صعوبات شتى في التعليم والعمل، والكثير من عدم المساواة في الحقوق والواجبات، وقد تم استغلال الواقع الأمني القلق الذي خلّفه الاحتلال والميليشيات التي كانت أحد إفرازاته لدفع النساء نحو الانزواء والعودة إلى البيوت وترك تراثهن من الإنجازات على صعيد العمل الوظيفي والسياسي. ولم تكن القوانين والتشريعات عوناً للمرأة من أجل استرداد حقوقها، بل إن الخلل في العملية التشريعية شمل كافة القطاعات وشلّ تطور المجتمع وأعاق عملية التنمية، وقد أنهى المجلس النيابي السابق دورته مخلفاً أكثر من 250 قانوناً تنتظر التشريع، ودستوراً مملوءاً بالثغرات، لم تستطع الدولة تعديله بفعل ما يسمى التوافقات السياسية وأسلوب الصفقات في تمرير القوانين، ولم تكن للنساء في تلك الدورة رغم وجودهن في المجلس وفي الحكومة أية إمكانية للضغط أو تمرير التشريعات، وكان العامل الأكثر بروزاً في تلك العملية أن النساء وصلن في إطار القائمة المغلقة بمباركة رئيس الكتلة السياسية أو إحدى الشخصيات المتنفذة، كما غلب الطابع العائلي في التمثيل النسائي آنذاك.

التوجهات الخارجية حاولت التعامل مع قضايا المرأة على أنها قضايا منفصلة

آليات التوازن من أجل المستقبل

إن الوصول إلى تحقيق توازن في دور المرأة العراقية وضمان مشاركتها الفاعلة في عملية التنمية والبناء، يبدأ من العمل على تعزيز الآليات الوطنية القوية للنهوض بالمرأة والاهتمام بالتشريعات والبرامج ووضعها ضمن الأولويات في عملية التغيير، وإجراء إصلاحات لمواجهة تحديات النظام العالمي المتغير لضمان إمكانية وصول المرأة على قدم المساواة مع الرجل إلى الخدمات التي توفرها المؤسسات الرسمية كالمصارف ونقابات العمال والرابطات الائتمانية ونظم تقديم الرعاية الصحية. وتمثل التعديلات المؤسسية جانباً استراتيجياً ومهماً لتهيئة بيئة مواتية لتنفيذ التقرير الصادر عن المؤتمر العالمي الرابع للمرأة، وأن وجود سلبيات ترافق انتشار أفكار العولمة ومؤسساتها ليس مبرراً للانغلاق على العالم الخارجي، وليست كل المنظمات النسائية العالمية على شكل واحد، لكن هذه العلاقة يجب أن تضمن استقلالية البرامج وحرية اتخاذ القرار في الشأن المحلي والوطني.

لكن التجربة البرلمانية في العراق بعد الاحتلال تشير إلى أن موضوع المشاركة السياسية للمرأة كان قراراً لسلطة الاحتلال أولاً، حيث حرصت إدارة بول بريمر الحاكم المدني للعراق انطلاقاً من طروحات العولمة ومضامين المشروع الشرق أوسطي، على تقنين تلك المشاركة وتثبيت مادة في قانون إدارة الدولة (الذي صار أساساً للدستور العراقي فيما بعد) لإعطاء المرأة نسبة 25 في المائة من مقاعد مجلس النواب، وهو أمر لم يتم الالتزام به تماماً. ورغم أن الدستور لم ينص على تولي النساء مناصب تنفيذية، إلا أن تأثير الإدارة الأمريكية أدى إلى تكليف ثماني نساء بمهام وزارية في حكومة نوري المالكي الأولى عام 2006.

ومع تشكيل الحكومة الجديدة من قبل نوري المالكي أيضاً في عام 2010، استغلت القوى السياسية ارتخاء القبضة الأمريكية عن متابعة التفاصيل في العملية السياسية، فتراجعت قضية مشاركة المرأة في اللجان النيابية وفي الوزارة إلى آخر سلم الأولويات الحكومية.

 لقد اتجهت التحليلات إلى تحميل الأحزاب الدينية مسؤولية ذلك التراجع، لكن واقع الأمر يشير إلى أن تلك الأحزاب والتيارات قبلت مشاركة المرأة سابقاً، بل إن الحزب الوحيد الذي رشح امرأة لمنصب وزاري هو حزب الفضيلة وهو من الأحزاب الدينية المتشددة، بينما لم يقدم العلمانيون أي دعم في هذا الصدد، وعند رفض ترشيح إحدى النساء لم تعوض القائمة عنها بامرأة، بل طلبت استبدال الوزارة بوزارة أخرى. كما أن العامل الفاعل الآخر يتمثل في تقاعس النساء عن التحرك لتثبيت وضع ضاغط لتلبية مطالبهن، بل إنهن اتكأن على النص الدستوري الذي أدى إلى صعود أغلب العناصر النسائية إلى البرلمان من دون حصولهن على أصوات انتخابية كافية.

إن المطلوب عراقياً أن تعامل قضايا المرأة في الإطار الاجتماعي الصحيح وإبراز التجارب النسائية الريادية الناجحة من أجل التحفيز لتوسيع نطاق مشاركة المرأة في التنمية عموماً بأبعادها السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية. كما أن على الدولة أن تتوخى الحرص وهي تحاول تقديم تسهيلات لتولي المرأة مواقع قيادية في المجالات كافة، وأن تحرص على اختيار الأفضل وليس بأسلوب المحاصصة والاختيارات الحزبية الضيقة.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::763::/cck::
::introtext::

أفرزت (العولمة) بوصفها ظاهرة تحمل الكثير من المضامين بعضها إنساني يحمل فكرة التواصل والعمل المشترك لبناء عالم متفاعل، والآخر سلبي يحاول تجيير القضايا الإنسانية لخدمة المصالح الاستغلالية للدول المتمكنة في عالم المعلوماتية والاقتصاد، أفرزت تعاملاً مختلفاً مع قضايا المرأة وخاصة في دول الجنوب أو الدول الأقل تقدماً.

::/introtext::
::fulltext::

أفرزت (العولمة) بوصفها ظاهرة تحمل الكثير من المضامين بعضها إنساني يحمل فكرة التواصل والعمل المشترك لبناء عالم متفاعل، والآخر سلبي يحاول تجيير القضايا الإنسانية لخدمة المصالح الاستغلالية للدول المتمكنة في عالم المعلوماتية والاقتصاد، أفرزت تعاملاً مختلفاً مع قضايا المرأة وخاصة في دول الجنوب أو الدول الأقل تقدماً.

بدأت الدول الرائدة والمتقدمة في عالم الاقتصاد والمعلوماتية في زمن العولمة بأبعادها المختلفة تحاول تسويق مفاهيمها وتجاربها على أنها الأفضل، وتدعو الآخرين كي يسيروا في ركابها، وإذا كانت قضية المرأة قد استغلت في مرحلة سابقة عبر تسويق أيديولوجيات الرأسمالية والاشتراكية والدين إبان مرحلة الحرب الباردة، حيث كان لتصارع تلك التيارات دور في وضع حدود لدور المرأة في كل مجتمع يفترض أن تتسق مع النمط السياسي والاقتصادي، فإن انتهاء تلك الحقبة وما رافقها من تحولات في البيئة الدولية والثورة في مجال الاتصالات والمعلوماتية وإمكانية نشر التجارب المجتمعية على نطاق واسع، أدى إلى سعي الدول المسيطرة على وسائل الاتصال إلى إيجاد مشتركات في قضايا المرأة تخضع لعملية العولمة ومحاولة تنميط العالم وفق إرادات وأولويات تلك الدول.

وقد اتسع نطاق التوجه نحو تغيير توجهات المجتمعات نحو المرأة وتوجه المرأة نفسها، ليشمل إنشاء منظمات دولية، كما هي الحال مع لجنة الأمم المتحدة الخاصة بأوضاع المرأة والعمل على استصدار تشريعات من هيئات ومنظمات دولية وعقد مؤتمرات تخصص لقضايا المرأة. كما تم تسخير تقنيات الاتصالات والمعلومات لترويج الكثير من المشروعات الموجهة نحو النساء بحجة ترسيخ مساهمتهن في بناء مجتمعاتهن. ووصل الأمر ببعض الدول مثل الولايات المتحدة الأمريكية ومجموعة الدول الصناعية الكبرى إلى محاولة فرض برامج إصلاحية على بعض الدول وخاصة في المجتمعات الإسلامية تحت دعاوى تمكين النساء. كما أن ما يطلق عليها (الحرب على الإرهاب) كانت إحدى أدوات العولمة لمحاربة الدين الإسلامي، عبر تغريب قضايا المرأة وفصلها عن قضايا المجتمع ومحاربة الموروث الاجتماعي جملة واحدة من دون فصل بين الإيجابي منه وذلك المعوق لحركة المجتمع وتقدمه.

ولا بد من الإشارة إلى أن من فضائل العولمة أنها أسهمت في إثارة الكثير من الموضوعات الاجتماعية الساكنة، ودفعت المجتمعات المتخلفة للعمل على إيجاد حلول للمشكلات المتعلقة بالتمثيل السياسي والاقتصادي للمرأة ولمشكلات اجتماعية تعيق تطور المجتمعات وتنميتها بفعل ترسخ بعض الأفكار والتقاليد المتخلفة في تلك المجتمعات.

وبالمقابل فإن الدعم الخارجي لهذه العملية وما يرافقه من تمويل مالي ومحاولات لتوجيه الأولويات والخطط أسهم في إيجاد فوضى في المجتمعات المتلقية، خاصة أن التوجهات الخارجية حاولت التعامل مع قضايا المرأة على أنها قضايا منفصلة، بينما التعامل معها في الدول التي وقع عليها عبء الاستعمار والتخلف ينبغي أن يبدأ من منطلق البحث عن حلول اجتماعية متكاملة.

وفي العراق تتصادم تيارات العولمة مع التيارات الدينية والتيارات الوطنية لتضع المرأة في حالة إرباك واضح. وبينما يفتقر المجتمع إلى خطط فاعلة من أجل الاستفادة من كل الطاقات، تركز التنظيمات النسائية على المشاركة السياسية، وتتصارع عبر القوائم الانتخابية البرامج المتعارضة ذاتها، كأنها الأكسير لكل المشكلات.

المرأة العراقية في ظل طروحات العولمة

 بعد الحرب العالمية الثانية، تشكلت الاتحادات النسائية العالمية على أساس مقاومة الاستعمار والسلم العالمي والتنمية، وكان الاتحاد النسائي الديمقراطي العالمي هو التعبير والمرجعية للحركة النسائية العالمية، لكن الدعوات القائمة الآن إلى عولمة المؤسسات النسائية، والتهافت على تشكيل مؤسسات جديدة مرتبطة بمثيلاتها في الغرب تحديداً، إنما تستهدف إعادة هيكلة هذه الاتحادات وإعادة النظر في برامجها على أسس أخرى تماماً، وتختلف نوعياً عما كانت عليه في (زمن التوازن الدولي) -أي استبعاد مقاومة الاحتلال والعنصرية- على اعتبار أن هذه من شؤون الساسة الكبار أصحاب رؤوس الأموال والذين يتحكمون في صناعة القرار بكل زاوية في العالم.

وحقيقة أنه لا يوجد حل جاهز لمشكلات المرأة بشكل عام يمكن تعميمه ونقله من مجتمع إلى آخر، لا تنفي وجود بعض القضايا المشتركة التي تلتقي عندها بعض المجتمعات مما يمكن أن ينعكس على المقاربات الحاصلة في التعاطي مع مشكلات إدماج المرأة في عملية التنمية والبناء السياسي، وفي وضع حلول للمشكلات الاجتماعية، فقد تتقارب المجتمعات بينما تقتصر الفروقات على قضايا غير رئيسية مثل التفاوت في النسبة لعدد المتعلمات من مجتمع إلى آخر، وتفاوت حجم المشاركة في النشاطات المختلفة، وانفتاح مجالات معينة أمام المرأة في مجتمع وعدم انفتاحها في آخر.

إن الإشكالية الرئيسية التي تعاني منها عملية التعاطي مع قضايا المرأة في مجتمعات الدول النامية ومنها العراق، هي في حالة القلق السياسي، وكون المجتمع في مرحلة انتقالية حرجة، مما يعني أن المرأة تطالب بدور لها في ظل اتجاهات متعارضة بعضها يدعو إلى نقل التجربة الغربية من دون تحفظات، وعلى العكس من ذلك يطالب آخرون برفض قيم الغرب، جملة وتفصيلاً، استناداً إلىفكر يناهض الغرب ويدعو إلى الخصوصية الوطنية، أو طروحات الفكر الديني الذي يحاكم التجربة الغربية من منطلق الصراع بين الأديان، وأن حضارة الشرق لا بد لها أن تنأى عن الغرب، خشية من المس بالثوابت الدينية.

لا يوجد حل جاهز لمشكلات المرأة بشكل عام يمكن تعميمه ونقله من مجتمع إلى آخر

المرأة العراقية وثلاثة عقود من التحولات

وفي ما يتعلق بوضع المرأة العراقية يمكن تقسيم المراحل التي شهدتها عملية التغيير في قضايا المرأة في العراق في العقود الثلاثة الماضية إلى ثلاث مراحل كان فيها العبء والاستهداف يقع على المرأة بالدرجة الأولى:

أولاً: مرحلة الثمانينات والحرب الطويلة، بما يعنيه ذلك من تحمل المرأة وحدها مهام الزوج والأخ والأب في داخل العائلة وخارج البيت، مع الأخذ في الاعتبار الصعوبات الاقتصادية والسياسية لظروف حرب طوية الأمد. وفي تلك المرحلة استطاعت المرأة تحقيق اختراقات اجتماعية كثيرة، واستطاعت أن تقدم للوطن خدمات أدامت عجلة الاقتصاد، وحافظت على المجتمع، رغم انشغال الرجل بالقتال والحرب.

ثانياً: مرحلة التسعينات واشتداد ضراوة الظروف على صعيد الحصار الاقتصادي وأزمات المعيشة. ورغم عودة الرجل إلى تولي دوره الاقتصادي والاجتماعي إلا أن النساء حافظن على الكثير من مكتسبات المرحلة التي سبقت.

وفي كلتا المرحلتين، استطاعت المرأة العراقية الوصول إلى المجالس النيابية عبر الانتخابات ومن دون أن يكون هناك نص دستوري يقدم لها المقاعد دون جهد، وكانت مشاركة المرأة في آخر دورة للمجلس الوطني قبل الاحتلال الأمريكي بنسبة10.8 في المائة من المقاعد.

 ثالثاً: مرحلة الغزو والاحتلال وما رافقها من مظاهر الانفلات العام جراء غياب النظام والقانون وتعطل دوائر ومؤسسات الحكومة، ناهيك عن تصاعد موجة العنف والإرهاب اليومي بمختلف أنواعه ودرجاته وتعدد مصادره وجماعاته.

إن طرح التساؤلات حول تأثيرات العولمة في قضايا المرأة العراقية بعد عام 2003 يأتي من منطلق أن قوى العولمة نشطت كثيراً في الساحة العراقية، فما هي درجة مشاركة المرأة في الأحزاب السياسية والمنظمات الاجتماعية؟ وما هي درجة مشاركة المرأة في سوق العمل والجامعات والمراكز الرئيسية في مؤسسات الدولة والقطاع الخاص؟ وما هو مستوى المشاركة الاقتصادية للمرأة في البلاد؟ كم كان عدد المرشحات المستقلات أو في قوائم الأحزاب في الانتخابات؟

إن الإجابة عن التساؤلات السابقة تصطدم بعدم وجود إحصائيات دقيقة أو موثوقة، وإن وجدت فإنها تخضع لأهواء الجهة التي تضعها، كما أن المشاركة السياسية كما تجري في العراق منذ سنوات عبرت عن مفهوم ضيق ومحدود، يقصر المشاركة المطلوبة للمرأة على حق الترشيح والانتحاب وتوليالمناصب الوزارية، في حين أن المجتمع يعاني من أزمة مشاركة سياسية تشمل الرجل والمرأة على حد سواء، خاصة أن المحاصصة السياسية والحزبية ألقت بظلالها على الكثير من خيارات العمل السياسي. فضلاً عن أن المشاركة يمكن أن تتخذ معنى أكثر اتساعاً يمتد إلى المشاركة في المجتمع المدني والمجال العام بكلمساحاته، وليس في النظام الرسمي فقط.

وبدأ البعض يتحدث عن مشروعية تبني أفكار ونظريات أنتجت في سياق وأوضاع ثقافية وسياسية مختلفة وحول جواز استيراد النظريات العلمية والثقافية. والبعض الآخر يرى أن الحركات النسائية العربية لا تزال تعاني خللاً ما في التلقي، وأنها تعاني من داء الاجترار والمطابقة لثقافة الغرب من دون النظر في مواءمة هذه المفاهيم لثقافتها، وأن ربط منظماتنا النسائية ببرامج واستهدافات مثيلاتها في العالم على هذه الأسس هو وسيلة من أجل السيطرة على حركتها والحد من نهوضها المحتمل ومشاركتها في الحياة العامة.

كما أن التفرقة ضد النساء ممارسة مغروسة في الثقافة العامة لقطاعات واسعة من المجتمع العراقي، وهي تفرقة نابعة من الأعراف والتقاليد، حيث تواجه المرأة صعوبات شتى في التعليم والعمل، والكثير من عدم المساواة في الحقوق والواجبات، وقد تم استغلال الواقع الأمني القلق الذي خلّفه الاحتلال والميليشيات التي كانت أحد إفرازاته لدفع النساء نحو الانزواء والعودة إلى البيوت وترك تراثهن من الإنجازات على صعيد العمل الوظيفي والسياسي. ولم تكن القوانين والتشريعات عوناً للمرأة من أجل استرداد حقوقها، بل إن الخلل في العملية التشريعية شمل كافة القطاعات وشلّ تطور المجتمع وأعاق عملية التنمية، وقد أنهى المجلس النيابي السابق دورته مخلفاً أكثر من 250 قانوناً تنتظر التشريع، ودستوراً مملوءاً بالثغرات، لم تستطع الدولة تعديله بفعل ما يسمى التوافقات السياسية وأسلوب الصفقات في تمرير القوانين، ولم تكن للنساء في تلك الدورة رغم وجودهن في المجلس وفي الحكومة أية إمكانية للضغط أو تمرير التشريعات، وكان العامل الأكثر بروزاً في تلك العملية أن النساء وصلن في إطار القائمة المغلقة بمباركة رئيس الكتلة السياسية أو إحدى الشخصيات المتنفذة، كما غلب الطابع العائلي في التمثيل النسائي آنذاك.

التوجهات الخارجية حاولت التعامل مع قضايا المرأة على أنها قضايا منفصلة

آليات التوازن من أجل المستقبل

إن الوصول إلى تحقيق توازن في دور المرأة العراقية وضمان مشاركتها الفاعلة في عملية التنمية والبناء، يبدأ من العمل على تعزيز الآليات الوطنية القوية للنهوض بالمرأة والاهتمام بالتشريعات والبرامج ووضعها ضمن الأولويات في عملية التغيير، وإجراء إصلاحات لمواجهة تحديات النظام العالمي المتغير لضمان إمكانية وصول المرأة على قدم المساواة مع الرجل إلى الخدمات التي توفرها المؤسسات الرسمية كالمصارف ونقابات العمال والرابطات الائتمانية ونظم تقديم الرعاية الصحية. وتمثل التعديلات المؤسسية جانباً استراتيجياً ومهماً لتهيئة بيئة مواتية لتنفيذ التقرير الصادر عن المؤتمر العالمي الرابع للمرأة، وأن وجود سلبيات ترافق انتشار أفكار العولمة ومؤسساتها ليس مبرراً للانغلاق على العالم الخارجي، وليست كل المنظمات النسائية العالمية على شكل واحد، لكن هذه العلاقة يجب أن تضمن استقلالية البرامج وحرية اتخاذ القرار في الشأن المحلي والوطني.

لكن التجربة البرلمانية في العراق بعد الاحتلال تشير إلى أن موضوع المشاركة السياسية للمرأة كان قراراً لسلطة الاحتلال أولاً، حيث حرصت إدارة بول بريمر الحاكم المدني للعراق انطلاقاً من طروحات العولمة ومضامين المشروع الشرق أوسطي، على تقنين تلك المشاركة وتثبيت مادة في قانون إدارة الدولة (الذي صار أساساً للدستور العراقي فيما بعد) لإعطاء المرأة نسبة 25 في المائة من مقاعد مجلس النواب، وهو أمر لم يتم الالتزام به تماماً. ورغم أن الدستور لم ينص على تولي النساء مناصب تنفيذية، إلا أن تأثير الإدارة الأمريكية أدى إلى تكليف ثماني نساء بمهام وزارية في حكومة نوري المالكي الأولى عام 2006.

ومع تشكيل الحكومة الجديدة من قبل نوري المالكي أيضاً في عام 2010، استغلت القوى السياسية ارتخاء القبضة الأمريكية عن متابعة التفاصيل في العملية السياسية، فتراجعت قضية مشاركة المرأة في اللجان النيابية وفي الوزارة إلى آخر سلم الأولويات الحكومية.

 لقد اتجهت التحليلات إلى تحميل الأحزاب الدينية مسؤولية ذلك التراجع، لكن واقع الأمر يشير إلى أن تلك الأحزاب والتيارات قبلت مشاركة المرأة سابقاً، بل إن الحزب الوحيد الذي رشح امرأة لمنصب وزاري هو حزب الفضيلة وهو من الأحزاب الدينية المتشددة، بينما لم يقدم العلمانيون أي دعم في هذا الصدد، وعند رفض ترشيح إحدى النساء لم تعوض القائمة عنها بامرأة، بل طلبت استبدال الوزارة بوزارة أخرى. كما أن العامل الفاعل الآخر يتمثل في تقاعس النساء عن التحرك لتثبيت وضع ضاغط لتلبية مطالبهن، بل إنهن اتكأن على النص الدستوري الذي أدى إلى صعود أغلب العناصر النسائية إلى البرلمان من دون حصولهن على أصوات انتخابية كافية.

إن المطلوب عراقياً أن تعامل قضايا المرأة في الإطار الاجتماعي الصحيح وإبراز التجارب النسائية الريادية الناجحة من أجل التحفيز لتوسيع نطاق مشاركة المرأة في التنمية عموماً بأبعادها السياسية والاقتصادية والتربوية والثقافية. كما أن على الدولة أن تتوخى الحرص وهي تحاول تقديم تسهيلات لتولي المرأة مواقع قيادية في المجالات كافة، وأن تحرص على اختيار الأفضل وليس بأسلوب المحاصصة والاختيارات الحزبية الضيقة.

::/fulltext::
::cck::763::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *