حقوق المرأة في ظل التكيف السياسي

::cck::765::/cck::
::introtext::

إن قضية المرأة وواقعها في المجتمعات العربية هي من الموضوعات التي أخذت طابعاً جدلياً غير قائم على أسس موضوعية، وليس ذلك بسبب عدم أحقية الموضوع، لكن جراء المعطى المتغير الذي يتم من خلاله تكييف الموضوع والزاوية التي ينظر من خلالها إليه والحقيقة الكامنة خلف هذا التكييف المتغير، إنما هي صورة لحيرة العقل العربي في إيجاد هويته وتناقضاته في التوفيق بين المتناقضات في ظل غياب المشروع الاستراتيجي الموحد.

::/introtext::
::fulltext::

إن قضية المرأة وواقعها في المجتمعات العربية هي من الموضوعات التي أخذت طابعاً جدلياً غير قائم على أسس موضوعية، وليس ذلك بسبب عدم أحقية الموضوع، لكن جراء المعطى المتغير الذي يتم من خلاله تكييف الموضوع والزاوية التي ينظر من خلالها إليه والحقيقة الكامنة خلف هذا التكييف المتغير، إنما هي صورة لحيرة العقل العربي في إيجاد هويته وتناقضاته في التوفيق بين المتناقضات في ظل غياب المشروع الاستراتيجي الموحد.

إن طرح موضوع حقوق المرأة قد يشكل إحدى الإشكاليات التي يعاني منها العقل العربي  في بحثه عن هويته التي ما زالت تتشكل نتيجة لتداعيات الانعكاس الحضاري للعالم الغربي المتفوق في منظومته المعرفية. إن تشكّل الهوية المعاصرة للكينونة العربية يجب أن يكون نابعاً من معطيات ذاتية تتأسس من سؤالين مهمين وجذريين:من أنا؟وماذا أريد؟ هذان السؤالان اللذان قد يبدوان للوهلة الأولى من أسهل الأسئلة جواباً، لكنهما في الذات العربية يأخذان إجابات متكاثرة تتواءم مع طبيعة المتغير أياً كان هذا المتغير، ويعبر هذا التغير عن كثرة التجاذبات التي تنتاب الشخصية وتؤثر فيها، وإن كان هذان السؤالان يصحان للفرد، لكنهما في الحقيقة يوجهان للمجتمع كله لأنهما يعبران عن الهوية والمشروع،الحقيقتان الأكثر تعقيداً والأكثر مصداقية في التعبير عن حالة التيه والشتات التي يعاني منها العقل العربي عموماً. وليس صحيحاً أن يحاول البعض تحليل هذا الموضوع وأشباهه بمعزل عن رؤية تكاملية تعي البعد الفلسفي له ولا تحيد الفاعل السياسي لأن تحليلاً اجتماعياً يضع الأسس النظرية للموضوع قد يكون صادقاً في مؤداه، لكنه يبقى قاصراً عن إعطاء تصور متكامل وحينئذ يكون خاضعاً للتكيف السياسي. إن الاهتمام بحقوق المرأة من الموضوعات المهمة في إطار التنمية؛ لذلك فإن المسائل المتعلقة بأوضاع المرأة وحقوقها بدأت ترقى إلى قمة جدول الأعمال العالمي، ولقد بذلت لذلك جهود مكثفة وكثير من المؤتمرات المعنية بالمرأة، وكذلك ما بذلته الجماعات النسائية للضغط على المحافل الدولية في ما يتعلق بمسائل المرأة، وزيادة وعي الناس بأهمية هذا الموضوع لتحقيق كامل الإمكانات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

إنقوى العولمة عندما تستخدم السياسة لتطرح قضايا عالمية ذات أحقية كبيرة وصادقة تكيف الحقائق، ويكمن الخطر في هذا التكيف الذي يتجاوز الهوية ويسبب متناقضات تزداد حدتها على العقل العربي ليزداد تيهاً وشتاتاً. إن تمكين المرأة يشكل هدفاً مهماً في حد ذاته، ويشكل عنصراً حاسماً في أية استراتيجية تسعى إلى حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، كما أن حقوق المرأة أصبحت من الأهداف الأساسية لسياسة التنمية المستدامة، لكن يجب أن توضع الحقوق في إطارها الموضوعي بعيداً عن التكيف السياسي الذي تنتهجه دوائر العولمة العالمية، وبما يتلاءم مع الموروث التاريخي القيمي والحضاري للمجتمع العربي، بحيث لا يكون هذا التوجه تقليداً غير واع وغير منسجم مع البيئة الاجتماعية والثقافية والحضارية،فمنذ القدم اختلفت نظرة الشعوب إلى المرأة، ففي المجتمعات البدائية الأولى كانت غالبيتها (أمومية)، ففي العهد الإغريقي عاشت المرأة  مسلوبة الإرادة ولا مكانة اجتماعية لها، وظلمها القانون اليوناني فحرمت من الإرث وحق الطلاق ومنع عنها التعلم، وفي عهد الفراعنة في مصر كانوا يضحون بامرأة كل عام للنيل، أما في الصين فقد ظلمت المرأة ظلماً كبيراً فقد سلب الزوج ممتلكاتها ومنع زواجها بعد وفاته، وفي الهند لم تكن المرأة بحال أحسن فقد كانت تحرق أو تدفن مع زوجها بعد وفاته، وعند اليهود كانت المرأة تعامل معاملة (الغانية) ولم تخلُ كتبهم الدينية من الاستهانة بها وتحقيرها ومنعها من الطلاق، وفي المسيحية اعتبرت المرأة والرجل جسداً واحداً، لا قوامة ولا تفضيل بل مساواة تامة في الحقوق والواجبات، وحرم الطلاق وتعدد الزوجات، وأعطيت قيماً روحية أكبر، أما في الإسلام فقد تحسنت وتعززت حقوق المرأة، فقد أعطى الإسلام المرأة حقوقها سواءً المادية كالإرث وحرية التجارة والتصرف بأموالها إلى جانب إعفائها من النفقة حتى لو كانت غنية أو حقوقها المعنوية بالنسبة إلى ذاك العهد ومستوى نظرته إلى الحريات بشكل عام وحرية المرأة بشكل خاص، كما لها حق التعلم والتعليم، بل إن من العلم ما هو فرض عين تأثم إذا تركته، ويتميز الإسلام في هذا المجال بمرونته في تناوله للمرأة، فقد وضع الأسس التي تكفل للمرأة المساواة والحقوق، كما سنّ القوانين التي تصون كرامة المرأة وتمنع استغلالها جسدياً أو عقلياً، ثم ترك لها الحرية في الخوض في مجالات الحياة، ويبقى أمام وصول المرأة المسلمة إلى وضعها العادل في المجتمعات الشرقية العادات والموروثات الثقافية والاجتماعية التي تضرب بجذورها في أعماق نفسية الرجل الشرقي الذكورية وليس العائق الدين أو العقيدة.

يقول ابن رشد (إن معيشتنا الاجتماعية الحاضرة لا تدعنا ننظر إلى ما في النساء من القوى الكامنة، فهي عندنا كأنها لم تُخلق إلا للولادة، وإرضاع الأطفال، ولذلك تُفني هذه العبودية كل ما فيها من القوة على الأعمال العظيمة) ومع أن قول ابن رشد هذا جاء قبل ثمانية قرون، فإن الكثير من مضامينه نجدها اليوم في مجتمعنا العربي، ومن الواضح أن تحليل ابن رشد يربط بين التخلف الاجتماعي-الاقتصادي وتخلف المرأة، وهي نظرة متقدمة جداً، حتى في مفردات الفلسفة العربية الإسلامية نفسها، وهذا ما جعل ابن رشد خاتمة منطقية للأفكار الفلسفية والاجتماعية التي صاغها الفلاسفة العرب ابتداء من الكندي حتى ابن خلدون، مروراً بابن سينا والغزالي وابن تيمية، فالمرأة في تصور هؤلاء، لا يقاس تقدمها أو تخلفها، إلا من خلال تقدم اقتصاد المجتمع وتأخره.

لقد رأى ابن رشد ما لدى المرأة من قوة قادرة لو استخدمت بطريقة معاصرة، أنْ تُغيِّر الكثير، ليس في النظرة حولها كامرأة فقط،  وإنما أيضاً في دورها الفاعل في البناء الاجتماعي، فقد أوضح أن العبودية تقضي على قوى المرأة، وقوى المجتمع معاً؛ لهذا عدّ تخلفها تخلفاً اجتماعياً.

أما في العصر الحديث فإن وضع المرأة في كل بلد تابع لسياسة هذا البلد أكثر من تبعيته لدين أهل هذا البلد بفارق كبير، ففي البلدان الديمقراطية الغربية نجد المرأة حصلت على حرية تامة في كل مجالات الحياة، ففي الطفولة تتضمن الأنظمة العلمانية الديمقراطية معاملة متساوية بين البنت والولد وتمنع التمييز على أساس الجنس، كما تقدم لهم الإمكانات للتطور المتناسق والمنسجم، ومن عمر الثامنة عشرة يحق للمرأة الانفصال عن أهلها، تماماً مثل الشاب، ويعتبرها القانون فرداً حراً وبالغاً.

إننا اليوم في العالم العربي بحاجة ماسة إلى تغيير وضع المرأة، لكن هذا التغيير يجب أن يندرج ضمن مشروع أشمل لتحرير الإنسان العربي، فلا قيمة لمبدأ تحرير المرأة ومساواتها من دون إيجاد الإطار العام لتحقيقه، حيث إن المعالجات لا تزال هامشية، تفتقر إلى الشمول، وفي أكثر الأحيان لا تعدو أن تكون دعائية، ومع ذلك ينبغي تشجيع هذا التوجه وإن كان يعد في خطواته الأولى فقد جاء في إعلان الكويت (الارتقاء بمستوى معيشة المواطن العربي) الصادر عن القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية – الكويت – 20 يناير 2009: (تمكين المرأة والارتقاء بأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وتعزيز دورها في الحياة العامة، تحقيقاً لمبدأ المساواة وتأكيداً على مبادئ العدل والإنصاف في المجتمع) نقول إن المطروح ليس مساواة الرجل بالمرأة بتحدي الفوارق البيولوجية، بل إن المطروح عملياً هو تحسين الوضع الاجتماعي للمرأة، فالمرأة العربية اليوم من أكثر الفئات الاجتماعية تخلفاً، ليس بحكم تأخرها عن التعليم، ولا تأخرها عن احتلال مواقعها ضمن السلم الوظيفي والإداري، وإنما لقصور ما في النظرة التي يفرضها المجتمع عليها. وبالطبع عندما نقول المجتمع لا نعني الرجل وحده، بل المرأة نفسها، وما زالت المرأة الخليجية تطمح إلى مزيد من التطور والمشاركة في العمل الوطني الذي يحتاج إلى مساهمة جميع أبناء الوطن، خاصة أن المرأة تمثل نصف المجتمع والنسبة الأكبر في التعليم، مع ما يكفله لها الدين الإسلامي من حقوق وتضمنه معظم الدساتير التي لا تفرق بين المواطنين وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات، سواء كانوا من الذكور أو الإناث لدفع عجلة التنمية، وتلعب الثقافة دوراً توعوياً بالإضافة إلى أدوارها الأخرى في فتح المدارك وصياغة الفكر وتأسيس أمة عارفة بواجباتها، كل هذه القضايا ضرورية بل حيوية لتنمية وعي سياسي متكامل للمرأة وتعريفها بأدوارها الأخرى المتعددة في المجتمع، ومع  أن دور المرأة الخليجية ما زال مهمشاً متضائلاً بفعل متعمد من الرجل ووصاية العادات، فينبغي تفعيل إسهام المرأة أكثر مما مضى وبشكل يصب في تنمية مجتمعاتها الخليجية التي أصبحت اليوم غير مفصولة عما يدور سواء على الصعيد الإقليمي أو ما يدور على مستوى العالم من أحداث.

حقوق المرأة أصبحت من الأهداف الأساسية لسياسة التنمية المستدامة

إن معالجة هذا الموضوع يجب أن تمس أهم العوامل المؤثرة في تطوير أوضاعها وهي:

1- التعليم:

التعليم هو الأساس المهم الذي يعكس مدى فاعلية ومشاركة المرأة في عملية التنمية، ومن هنا تعتبر أمية المرأة من أهم المعوقات التي تحول دون مشاركتها في التنمية، على الرغم من وجود القوانين التي تعطي المرأة الحق في التعليم والعمل، وإذا ما تطرقنا إلى الأمية بين النساء على مستوى الوطن العربي فإننا نجدها تختلف من قطر إلى آخر، ويرتبط ذلك بعدد السكان والظروف الاجتماعية والاقتصادية. وحسب التقرير الاقتصادي العربي الموحد فإن نسبة الأمية بين الإناث البالغات (15 سنة فما فوق) حوالي 40.6 في المائة  من إجمالي عدد الإناث في الدول العربية مع اختلاف بين الدول العربية، ويشير دليل المساواة بين الجنسين في التعليم إلى تحقيق تقدم ملموس في تعليم الإناث في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي مع وجود ميل طفيف لصالح الذكور، ورغم التقدم الذي تم إنجازه في المساواة في التعليم بين الجنسين فإن دليل المساواة بين الجنسين في معدل الأمية يشير إلى معدلات مرتفعة للأمية عند الإناث في كافة الدول العربية. ونستطيع القول إن الفرص التعليمية التي أتيحت للمرأة في مختلف الدول العربية أدت إلى تحسن كبير في أوضاعها الحياتية الصحية والاجتماعية والأسرية، كما يسرت لها الوصول إلى فرص العمل، وهنا تأتي أهمية الاهتمام بالسياسات والبرامج التي تحقق التوازن في ربط مخرجات التعليم بفرص العمل لكلا الجنسين.

2- الصحة

إذا كان التعليم يشكل عاملاً أساسياً في مشاركة المرأة في عملية التنمية فإن الوضع الصحي للمرأة يشكل العامل الحاسم في مسيرة حياتها العامة والخاصة وذلك منذ ولادتها وحتى الوفاة. ولقد عرفت منظمة الصحة العالمية الصحة بأنها حالة اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، لا مجرد انعدام المرض أو العجز، وتعتبر الصحة ليست حقوق الإنسان فقط، لكنها مسؤولية كل فرد، لا شك في أن صحة المرأة على مستوى الوطن العربي تحسنت تحسناً كبيراً خلال العقد الأخير، إلا أن الوعي مازال في حاجة إلى الارتقاء به سواء للحفاظ على الإنجازات الصحية التي تحققت أو تحسينها وإشراك المجتمع وبكل مؤسساته وأفراده للنهوض بهذا الوعي، وترتبط الناحية الصحية بعوامل عديدة تؤثر وتتأثر بها البيئة المحيطة وخدمات البيئة الأساسية من مأوى، صرف صحي، مواصلات واتصالات، الحالة الاقتصادية، التعليم والفقر وغيره.

ما زالت المرأة الخليجية تطمح إلى العمل الوطني الذي يحتاج لمساهمة جميع أبناء الوطن

ويشهد العالم اليوم الكثير من الأحداث والتقلبات السياسية ويجب ألا تفصل حقوق المرأة عند معالجة تأثير هذه الأحداث، وعلى صناع القرار أن ينظروا إلى المرأة بعين الاعتبار كفرد واع ومتفاعل مع القضايا من حوله مؤثر ومتأثر بما يدور، وأن يسهم بفاعلية في التغيير، بالإضافة إلى إعطاء المرأة فرصاً أكبر لاستكمال التعليم العالي في مختلف المجالات وتعزيز فرص القيام بالبحوث والدراسات الاجتماعية والتعليمية للمرأة ومن ثم النظر إلى هذه البحوث كمرايا عاكسة لأوضاعنا، وبالتالي كمنطلقات للكثير من الإشكاليات التي تواجهنا، وتشجيعها على القيام بالدراسات والبحوث المتعلقة بمجتمعاتنا وبالمتغيرات، فالتنمية الشاملة تعتمد على تحقيق الحرية الحقيقية للمرأة في إطار المشروع من الحقوق والواجبات التي منحها ديننا الإسلامي لكل من المرأة والرجل، وجعل من المجتمع نموذجاً للمساواة الإنسانية بين مكوناته من دون أن يتحكم صاحب القرار القوي في الضعيف، فيفرض عليه معادلته الخاصة، ويستجلب تشريعات عرفية جديدة تنأى عن روح الحق والعدل والمساواة.

إن ما نريده هو تنمية شاملة للإنسان في هذه المنطقة الحيوية، ولا بد للمرأة أن تكون في قلب هذه التنمية، ضمن مشروع استراتيجي متكامل يتعدى النمطية الفكرية والأسبقيات التي قد لا تتوافق مع الواقع. إن تأخر ظهور هذا المشروع قد لا يكون لعدم أهميته، لكن بسبب (الشخصنة) التي يعاني منها الفكر والممارسة في هذه المنطقة حيث إن الشخصية العربية في تكوينها شخصية باحثة عن المجد، لكن بحثها عن المجد يجب ألا يكون نابعاً من الاعتقاد بأن  السلطة والقوة هما المكون لهذا المجد، وإنما يجب أن يكون الإطار الإبداعي هو الموجه للطاقات الفكرية بعيداً عن الشخصنة. إن العقل المبدع في المجتمعات العربية يعاني من التهميش وذلك يؤدي إلى ضياع الطاقات الخلاقة، بل إن كثيراً من العقول المبدعة نتيجة لأفكارها التجديدية تعزل لأنها تحاول تغيير النمط السائد والذي قد لا يستمد أحقيته إلا لكونه يمثل حاضنة لكثير من العقول اللا إبداعية التي تبحث عن مجدها بلا إبداع. لقد أصبح الإبداع شاذاً عن محيطه يدور في فلكه النظري وسط فوضى فكرية غير منسجمة. إن كثيراً من الأفكار التي تتناول قضية الحداثة تجتر الأفكار الغربية وتحاول تطبيقها في المجتمعات الشرقية إيماناً منها بأن هذا هو الطريق للنهوض والارتقاء الحضاري، لكن يغيب عنهم أن أمة تقلد أمة أخرى إنما تنسلخ من ذاتها وتتنكر لهويتها، ولا يمكن لأمة تمتلك حضارة كأمتنا أن تنساق خلف تصورات سطحية كهذه. إن هذه التصورات الغريبة عن روح وثقافة مجتمعاتنا إنما وجدت طريقها لعدم وجود المشروع الاستراتيجي الموحد الذي يعالج الإشكاليات الفكرية في مجتمعاتنا وتدور في فلكه الطاقات الإبداعية، وأن إيجاد هذا المشروع يجب ألا يبتدئ من نقطة الصفر ليهمل ما تم إنجازه، لكنه يجب أن ينطلق من تشخيص مواطن الإخفاق ويستبعد الخلل في إطار يعتمد العمل المؤسساتي بعيداً عن الشخصنة ليصنع مجد هذه الأمة التي لا تزال تنظر إلى مجدها السالف بحسرة، ولا تكون النهضة باستمرار التحسر ولا بالابتعاد عن الواقع، وإنما بفهم العالم وفهم المقولتين اللتين تصحان للفرد والأمة: (من أنا؟ وماذا أريد؟) 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::765::/cck::
::introtext::

إن قضية المرأة وواقعها في المجتمعات العربية هي من الموضوعات التي أخذت طابعاً جدلياً غير قائم على أسس موضوعية، وليس ذلك بسبب عدم أحقية الموضوع، لكن جراء المعطى المتغير الذي يتم من خلاله تكييف الموضوع والزاوية التي ينظر من خلالها إليه والحقيقة الكامنة خلف هذا التكييف المتغير، إنما هي صورة لحيرة العقل العربي في إيجاد هويته وتناقضاته في التوفيق بين المتناقضات في ظل غياب المشروع الاستراتيجي الموحد.

::/introtext::
::fulltext::

إن قضية المرأة وواقعها في المجتمعات العربية هي من الموضوعات التي أخذت طابعاً جدلياً غير قائم على أسس موضوعية، وليس ذلك بسبب عدم أحقية الموضوع، لكن جراء المعطى المتغير الذي يتم من خلاله تكييف الموضوع والزاوية التي ينظر من خلالها إليه والحقيقة الكامنة خلف هذا التكييف المتغير، إنما هي صورة لحيرة العقل العربي في إيجاد هويته وتناقضاته في التوفيق بين المتناقضات في ظل غياب المشروع الاستراتيجي الموحد.

إن طرح موضوع حقوق المرأة قد يشكل إحدى الإشكاليات التي يعاني منها العقل العربي  في بحثه عن هويته التي ما زالت تتشكل نتيجة لتداعيات الانعكاس الحضاري للعالم الغربي المتفوق في منظومته المعرفية. إن تشكّل الهوية المعاصرة للكينونة العربية يجب أن يكون نابعاً من معطيات ذاتية تتأسس من سؤالين مهمين وجذريين:من أنا؟وماذا أريد؟ هذان السؤالان اللذان قد يبدوان للوهلة الأولى من أسهل الأسئلة جواباً، لكنهما في الذات العربية يأخذان إجابات متكاثرة تتواءم مع طبيعة المتغير أياً كان هذا المتغير، ويعبر هذا التغير عن كثرة التجاذبات التي تنتاب الشخصية وتؤثر فيها، وإن كان هذان السؤالان يصحان للفرد، لكنهما في الحقيقة يوجهان للمجتمع كله لأنهما يعبران عن الهوية والمشروع،الحقيقتان الأكثر تعقيداً والأكثر مصداقية في التعبير عن حالة التيه والشتات التي يعاني منها العقل العربي عموماً. وليس صحيحاً أن يحاول البعض تحليل هذا الموضوع وأشباهه بمعزل عن رؤية تكاملية تعي البعد الفلسفي له ولا تحيد الفاعل السياسي لأن تحليلاً اجتماعياً يضع الأسس النظرية للموضوع قد يكون صادقاً في مؤداه، لكنه يبقى قاصراً عن إعطاء تصور متكامل وحينئذ يكون خاضعاً للتكيف السياسي. إن الاهتمام بحقوق المرأة من الموضوعات المهمة في إطار التنمية؛ لذلك فإن المسائل المتعلقة بأوضاع المرأة وحقوقها بدأت ترقى إلى قمة جدول الأعمال العالمي، ولقد بذلت لذلك جهود مكثفة وكثير من المؤتمرات المعنية بالمرأة، وكذلك ما بذلته الجماعات النسائية للضغط على المحافل الدولية في ما يتعلق بمسائل المرأة، وزيادة وعي الناس بأهمية هذا الموضوع لتحقيق كامل الإمكانات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

إنقوى العولمة عندما تستخدم السياسة لتطرح قضايا عالمية ذات أحقية كبيرة وصادقة تكيف الحقائق، ويكمن الخطر في هذا التكيف الذي يتجاوز الهوية ويسبب متناقضات تزداد حدتها على العقل العربي ليزداد تيهاً وشتاتاً. إن تمكين المرأة يشكل هدفاً مهماً في حد ذاته، ويشكل عنصراً حاسماً في أية استراتيجية تسعى إلى حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية والبيئية، كما أن حقوق المرأة أصبحت من الأهداف الأساسية لسياسة التنمية المستدامة، لكن يجب أن توضع الحقوق في إطارها الموضوعي بعيداً عن التكيف السياسي الذي تنتهجه دوائر العولمة العالمية، وبما يتلاءم مع الموروث التاريخي القيمي والحضاري للمجتمع العربي، بحيث لا يكون هذا التوجه تقليداً غير واع وغير منسجم مع البيئة الاجتماعية والثقافية والحضارية،فمنذ القدم اختلفت نظرة الشعوب إلى المرأة، ففي المجتمعات البدائية الأولى كانت غالبيتها (أمومية)، ففي العهد الإغريقي عاشت المرأة  مسلوبة الإرادة ولا مكانة اجتماعية لها، وظلمها القانون اليوناني فحرمت من الإرث وحق الطلاق ومنع عنها التعلم، وفي عهد الفراعنة في مصر كانوا يضحون بامرأة كل عام للنيل، أما في الصين فقد ظلمت المرأة ظلماً كبيراً فقد سلب الزوج ممتلكاتها ومنع زواجها بعد وفاته، وفي الهند لم تكن المرأة بحال أحسن فقد كانت تحرق أو تدفن مع زوجها بعد وفاته، وعند اليهود كانت المرأة تعامل معاملة (الغانية) ولم تخلُ كتبهم الدينية من الاستهانة بها وتحقيرها ومنعها من الطلاق، وفي المسيحية اعتبرت المرأة والرجل جسداً واحداً، لا قوامة ولا تفضيل بل مساواة تامة في الحقوق والواجبات، وحرم الطلاق وتعدد الزوجات، وأعطيت قيماً روحية أكبر، أما في الإسلام فقد تحسنت وتعززت حقوق المرأة، فقد أعطى الإسلام المرأة حقوقها سواءً المادية كالإرث وحرية التجارة والتصرف بأموالها إلى جانب إعفائها من النفقة حتى لو كانت غنية أو حقوقها المعنوية بالنسبة إلى ذاك العهد ومستوى نظرته إلى الحريات بشكل عام وحرية المرأة بشكل خاص، كما لها حق التعلم والتعليم، بل إن من العلم ما هو فرض عين تأثم إذا تركته، ويتميز الإسلام في هذا المجال بمرونته في تناوله للمرأة، فقد وضع الأسس التي تكفل للمرأة المساواة والحقوق، كما سنّ القوانين التي تصون كرامة المرأة وتمنع استغلالها جسدياً أو عقلياً، ثم ترك لها الحرية في الخوض في مجالات الحياة، ويبقى أمام وصول المرأة المسلمة إلى وضعها العادل في المجتمعات الشرقية العادات والموروثات الثقافية والاجتماعية التي تضرب بجذورها في أعماق نفسية الرجل الشرقي الذكورية وليس العائق الدين أو العقيدة.

يقول ابن رشد (إن معيشتنا الاجتماعية الحاضرة لا تدعنا ننظر إلى ما في النساء من القوى الكامنة، فهي عندنا كأنها لم تُخلق إلا للولادة، وإرضاع الأطفال، ولذلك تُفني هذه العبودية كل ما فيها من القوة على الأعمال العظيمة) ومع أن قول ابن رشد هذا جاء قبل ثمانية قرون، فإن الكثير من مضامينه نجدها اليوم في مجتمعنا العربي، ومن الواضح أن تحليل ابن رشد يربط بين التخلف الاجتماعي-الاقتصادي وتخلف المرأة، وهي نظرة متقدمة جداً، حتى في مفردات الفلسفة العربية الإسلامية نفسها، وهذا ما جعل ابن رشد خاتمة منطقية للأفكار الفلسفية والاجتماعية التي صاغها الفلاسفة العرب ابتداء من الكندي حتى ابن خلدون، مروراً بابن سينا والغزالي وابن تيمية، فالمرأة في تصور هؤلاء، لا يقاس تقدمها أو تخلفها، إلا من خلال تقدم اقتصاد المجتمع وتأخره.

لقد رأى ابن رشد ما لدى المرأة من قوة قادرة لو استخدمت بطريقة معاصرة، أنْ تُغيِّر الكثير، ليس في النظرة حولها كامرأة فقط،  وإنما أيضاً في دورها الفاعل في البناء الاجتماعي، فقد أوضح أن العبودية تقضي على قوى المرأة، وقوى المجتمع معاً؛ لهذا عدّ تخلفها تخلفاً اجتماعياً.

أما في العصر الحديث فإن وضع المرأة في كل بلد تابع لسياسة هذا البلد أكثر من تبعيته لدين أهل هذا البلد بفارق كبير، ففي البلدان الديمقراطية الغربية نجد المرأة حصلت على حرية تامة في كل مجالات الحياة، ففي الطفولة تتضمن الأنظمة العلمانية الديمقراطية معاملة متساوية بين البنت والولد وتمنع التمييز على أساس الجنس، كما تقدم لهم الإمكانات للتطور المتناسق والمنسجم، ومن عمر الثامنة عشرة يحق للمرأة الانفصال عن أهلها، تماماً مثل الشاب، ويعتبرها القانون فرداً حراً وبالغاً.

إننا اليوم في العالم العربي بحاجة ماسة إلى تغيير وضع المرأة، لكن هذا التغيير يجب أن يندرج ضمن مشروع أشمل لتحرير الإنسان العربي، فلا قيمة لمبدأ تحرير المرأة ومساواتها من دون إيجاد الإطار العام لتحقيقه، حيث إن المعالجات لا تزال هامشية، تفتقر إلى الشمول، وفي أكثر الأحيان لا تعدو أن تكون دعائية، ومع ذلك ينبغي تشجيع هذا التوجه وإن كان يعد في خطواته الأولى فقد جاء في إعلان الكويت (الارتقاء بمستوى معيشة المواطن العربي) الصادر عن القمة العربية الاقتصادية والتنموية والاجتماعية – الكويت – 20 يناير 2009: (تمكين المرأة والارتقاء بأوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وتعزيز دورها في الحياة العامة، تحقيقاً لمبدأ المساواة وتأكيداً على مبادئ العدل والإنصاف في المجتمع) نقول إن المطروح ليس مساواة الرجل بالمرأة بتحدي الفوارق البيولوجية، بل إن المطروح عملياً هو تحسين الوضع الاجتماعي للمرأة، فالمرأة العربية اليوم من أكثر الفئات الاجتماعية تخلفاً، ليس بحكم تأخرها عن التعليم، ولا تأخرها عن احتلال مواقعها ضمن السلم الوظيفي والإداري، وإنما لقصور ما في النظرة التي يفرضها المجتمع عليها. وبالطبع عندما نقول المجتمع لا نعني الرجل وحده، بل المرأة نفسها، وما زالت المرأة الخليجية تطمح إلى مزيد من التطور والمشاركة في العمل الوطني الذي يحتاج إلى مساهمة جميع أبناء الوطن، خاصة أن المرأة تمثل نصف المجتمع والنسبة الأكبر في التعليم، مع ما يكفله لها الدين الإسلامي من حقوق وتضمنه معظم الدساتير التي لا تفرق بين المواطنين وتساوي بينهم في الحقوق والواجبات، سواء كانوا من الذكور أو الإناث لدفع عجلة التنمية، وتلعب الثقافة دوراً توعوياً بالإضافة إلى أدوارها الأخرى في فتح المدارك وصياغة الفكر وتأسيس أمة عارفة بواجباتها، كل هذه القضايا ضرورية بل حيوية لتنمية وعي سياسي متكامل للمرأة وتعريفها بأدوارها الأخرى المتعددة في المجتمع، ومع  أن دور المرأة الخليجية ما زال مهمشاً متضائلاً بفعل متعمد من الرجل ووصاية العادات، فينبغي تفعيل إسهام المرأة أكثر مما مضى وبشكل يصب في تنمية مجتمعاتها الخليجية التي أصبحت اليوم غير مفصولة عما يدور سواء على الصعيد الإقليمي أو ما يدور على مستوى العالم من أحداث.

حقوق المرأة أصبحت من الأهداف الأساسية لسياسة التنمية المستدامة

إن معالجة هذا الموضوع يجب أن تمس أهم العوامل المؤثرة في تطوير أوضاعها وهي:

1- التعليم:

التعليم هو الأساس المهم الذي يعكس مدى فاعلية ومشاركة المرأة في عملية التنمية، ومن هنا تعتبر أمية المرأة من أهم المعوقات التي تحول دون مشاركتها في التنمية، على الرغم من وجود القوانين التي تعطي المرأة الحق في التعليم والعمل، وإذا ما تطرقنا إلى الأمية بين النساء على مستوى الوطن العربي فإننا نجدها تختلف من قطر إلى آخر، ويرتبط ذلك بعدد السكان والظروف الاجتماعية والاقتصادية. وحسب التقرير الاقتصادي العربي الموحد فإن نسبة الأمية بين الإناث البالغات (15 سنة فما فوق) حوالي 40.6 في المائة  من إجمالي عدد الإناث في الدول العربية مع اختلاف بين الدول العربية، ويشير دليل المساواة بين الجنسين في التعليم إلى تحقيق تقدم ملموس في تعليم الإناث في مرحلتي التعليم الأساسي والثانوي مع وجود ميل طفيف لصالح الذكور، ورغم التقدم الذي تم إنجازه في المساواة في التعليم بين الجنسين فإن دليل المساواة بين الجنسين في معدل الأمية يشير إلى معدلات مرتفعة للأمية عند الإناث في كافة الدول العربية. ونستطيع القول إن الفرص التعليمية التي أتيحت للمرأة في مختلف الدول العربية أدت إلى تحسن كبير في أوضاعها الحياتية الصحية والاجتماعية والأسرية، كما يسرت لها الوصول إلى فرص العمل، وهنا تأتي أهمية الاهتمام بالسياسات والبرامج التي تحقق التوازن في ربط مخرجات التعليم بفرص العمل لكلا الجنسين.

2- الصحة

إذا كان التعليم يشكل عاملاً أساسياً في مشاركة المرأة في عملية التنمية فإن الوضع الصحي للمرأة يشكل العامل الحاسم في مسيرة حياتها العامة والخاصة وذلك منذ ولادتها وحتى الوفاة. ولقد عرفت منظمة الصحة العالمية الصحة بأنها حالة اكتمال السلامة بدنياً وعقلياً واجتماعياً، لا مجرد انعدام المرض أو العجز، وتعتبر الصحة ليست حقوق الإنسان فقط، لكنها مسؤولية كل فرد، لا شك في أن صحة المرأة على مستوى الوطن العربي تحسنت تحسناً كبيراً خلال العقد الأخير، إلا أن الوعي مازال في حاجة إلى الارتقاء به سواء للحفاظ على الإنجازات الصحية التي تحققت أو تحسينها وإشراك المجتمع وبكل مؤسساته وأفراده للنهوض بهذا الوعي، وترتبط الناحية الصحية بعوامل عديدة تؤثر وتتأثر بها البيئة المحيطة وخدمات البيئة الأساسية من مأوى، صرف صحي، مواصلات واتصالات، الحالة الاقتصادية، التعليم والفقر وغيره.

ما زالت المرأة الخليجية تطمح إلى العمل الوطني الذي يحتاج لمساهمة جميع أبناء الوطن

ويشهد العالم اليوم الكثير من الأحداث والتقلبات السياسية ويجب ألا تفصل حقوق المرأة عند معالجة تأثير هذه الأحداث، وعلى صناع القرار أن ينظروا إلى المرأة بعين الاعتبار كفرد واع ومتفاعل مع القضايا من حوله مؤثر ومتأثر بما يدور، وأن يسهم بفاعلية في التغيير، بالإضافة إلى إعطاء المرأة فرصاً أكبر لاستكمال التعليم العالي في مختلف المجالات وتعزيز فرص القيام بالبحوث والدراسات الاجتماعية والتعليمية للمرأة ومن ثم النظر إلى هذه البحوث كمرايا عاكسة لأوضاعنا، وبالتالي كمنطلقات للكثير من الإشكاليات التي تواجهنا، وتشجيعها على القيام بالدراسات والبحوث المتعلقة بمجتمعاتنا وبالمتغيرات، فالتنمية الشاملة تعتمد على تحقيق الحرية الحقيقية للمرأة في إطار المشروع من الحقوق والواجبات التي منحها ديننا الإسلامي لكل من المرأة والرجل، وجعل من المجتمع نموذجاً للمساواة الإنسانية بين مكوناته من دون أن يتحكم صاحب القرار القوي في الضعيف، فيفرض عليه معادلته الخاصة، ويستجلب تشريعات عرفية جديدة تنأى عن روح الحق والعدل والمساواة.

إن ما نريده هو تنمية شاملة للإنسان في هذه المنطقة الحيوية، ولا بد للمرأة أن تكون في قلب هذه التنمية، ضمن مشروع استراتيجي متكامل يتعدى النمطية الفكرية والأسبقيات التي قد لا تتوافق مع الواقع. إن تأخر ظهور هذا المشروع قد لا يكون لعدم أهميته، لكن بسبب (الشخصنة) التي يعاني منها الفكر والممارسة في هذه المنطقة حيث إن الشخصية العربية في تكوينها شخصية باحثة عن المجد، لكن بحثها عن المجد يجب ألا يكون نابعاً من الاعتقاد بأن  السلطة والقوة هما المكون لهذا المجد، وإنما يجب أن يكون الإطار الإبداعي هو الموجه للطاقات الفكرية بعيداً عن الشخصنة. إن العقل المبدع في المجتمعات العربية يعاني من التهميش وذلك يؤدي إلى ضياع الطاقات الخلاقة، بل إن كثيراً من العقول المبدعة نتيجة لأفكارها التجديدية تعزل لأنها تحاول تغيير النمط السائد والذي قد لا يستمد أحقيته إلا لكونه يمثل حاضنة لكثير من العقول اللا إبداعية التي تبحث عن مجدها بلا إبداع. لقد أصبح الإبداع شاذاً عن محيطه يدور في فلكه النظري وسط فوضى فكرية غير منسجمة. إن كثيراً من الأفكار التي تتناول قضية الحداثة تجتر الأفكار الغربية وتحاول تطبيقها في المجتمعات الشرقية إيماناً منها بأن هذا هو الطريق للنهوض والارتقاء الحضاري، لكن يغيب عنهم أن أمة تقلد أمة أخرى إنما تنسلخ من ذاتها وتتنكر لهويتها، ولا يمكن لأمة تمتلك حضارة كأمتنا أن تنساق خلف تصورات سطحية كهذه. إن هذه التصورات الغريبة عن روح وثقافة مجتمعاتنا إنما وجدت طريقها لعدم وجود المشروع الاستراتيجي الموحد الذي يعالج الإشكاليات الفكرية في مجتمعاتنا وتدور في فلكه الطاقات الإبداعية، وأن إيجاد هذا المشروع يجب ألا يبتدئ من نقطة الصفر ليهمل ما تم إنجازه، لكنه يجب أن ينطلق من تشخيص مواطن الإخفاق ويستبعد الخلل في إطار يعتمد العمل المؤسساتي بعيداً عن الشخصنة ليصنع مجد هذه الأمة التي لا تزال تنظر إلى مجدها السالف بحسرة، ولا تكون النهضة باستمرار التحسر ولا بالابتعاد عن الواقع، وإنما بفهم العالم وفهم المقولتين اللتين تصحان للفرد والأمة: (من أنا؟ وماذا أريد؟) 

::/fulltext::
::cck::765::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *