إشكالية التغير البنيوي في الثقافة النسائية الخليجية
::cck::767::/cck::
::introtext::
تعد التغيرات البنيوية في بنية الأسرة والمجتمع من الاهتمامات النظرية والتطبيقية التي أولاها علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الاهتمام الكبير منذ بداية القرن العشرين حتى الوقت الحاضر، وإن اختلفت النظريات الاجتماعية بشأنها تبعاً لطبيعة التغيرات الجارية في المجتمع الإنساني، حتى كانت حقبة الستينات تطرح تصورات جديدة حول ذلك.
::/introtext::
::fulltext::
تعد التغيرات البنيوية في بنية الأسرة والمجتمع من الاهتمامات النظرية والتطبيقية التي أولاها علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الاهتمام الكبير منذ بداية القرن العشرين حتى الوقت الحاضر، وإن اختلفت النظريات الاجتماعية بشأنها تبعاً لطبيعة التغيرات الجارية في المجتمع الإنساني، حتى كانت حقبة الستينات تطرح تصورات جديدة حول ذلك.
يأتي القرن الحادي والعشرون ليطرح مداخل جديدة في النظر إلى تفسير تلك التغيرات، أبرزها المدخل العالمي لدراسة المجتمع حتى بات النظر إلى قضية التغير يجري على منوال جديد قد يكون خارج إطار الأيديولوجيا التي سادت لفترة طويلة خلال تاريخ المجتمع الإنساني الحديث، وفي نطاق التغيرات السريعة التي أحاطت بكل شي تحت تأثير موجة العولمة وأدواتها المعلوماتية فائقة التطور حتى دق التغير مضاجع التقليدية بحيث باتت منظومة القيم الأخلاقية في عالم منفتح تعيش غربة واغتراباً، إذ أصبح لازماً النظر إلى التغيرات البنيوية السريعة ليس على مستوى الأسرة والمجتمع فحسب، إنما على مستوى الثقافات الفرعية كثقافة الشباب وثقافة المرأة وغيرها، بل يتعدى ذلك وفق متغيرات العصر الحديث إلى نسق القيم الفردية- إن صح التعبير- التي بدأت تتبلور تحت تأثير تقنيات المرحلة والآخذة بالاتساع والتخصص، وأن هذا التطور أصبح ملاصقاً لوضع المرأة في المجتمع الإنساني الواسع ومهدداً لمنظومة الثقافة النسائية في المجتمعات المتغيرة والتي تعيش صراعاً مريراً بين الحداثة والتقليد، ومع فقدان الرؤية اللازمة فيها عن دور المرأة الحضاري في المجتمع، طرحت الرؤى النظرية عن طريق الدعوة إلى مشاركة المرأة في التنمية ونشاطات المجتمع المختلفة وإيجاد تمثيليات عن دور المرأة في الحياة المعاصرة، كما ظهر ذلك في برامج وتجارب الحركات والنظم الأيديولوجية، ولذلك ينبغي النظر إلى التغيرات البنيوية في الثقافة النسائية من زوايا جديدة من وجهة نظر علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لتواكب التغيرات الجارية في عالم بات يسير نحو التعولم. وأبرز ما يمكن طرحه في هذا المجال طبيعة التغيرات في بنية الثقافة النسائية الخليجية التي تعيش حالة من التغير السريع، والمحاطة في الوقت نفسه بثقافة القبيلة المدعومة في وجه من الوجوه بثقافة دينية تقليدية، ولا أقول مدعومة بأساسيات الدين، ليبدأ الكلام ليس عن مجتمع تقليدي غير منفتح، بل عن مجتمع خليجي قافز نحو التطور، حتى بات التغير في منظومة الثقافة النسائية فيه، يشهد تغيرات جوهرية أخذت تهدد البنى التقليدية وسلطة الرجل الذي يعيش هو الآخر الأزمة ذاتها التي تعيشها المرأة، لكن باتجاه مغاير، ففي الوقت الذي تفاعلت فيه المرأة مع ما يطرح على الساحة الثقافية الإنسانية بدرجة أكبر من الرجل تبقى مسألة الدفاع عن بنية الأسرة الخليجية تخضع لعامل الوعي عند الرجل والمرأة على حد سواء، ولذلك فإن الخوض في مثل هذا الموضوع بالطريقة التقليدية التي اعتادت عليها كتابات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في بعض المجتمعات العربية لم يعد يعطي نفعاً، إنما ينبغي تحليل الموضوع بطريقة استقرائية معتمدة على الميدان للخروج بنتائج موضوعية، لذا فإن ما تتم الكتابة عنه في هذا المقال ما هو إلا شكل من أشكال الفروض القائمة على استقراء حركة المجتمع بظروفه الآنية.
أولاً: التغيرات البنيوية في الأسرة الخليجية
ينبغي الانتباه إلى أن خطر التغير البنيوي السريع في الأسرة الخليجية المعاصرة لا يقف عند حد تخلخل الأسرة وعدم توازنها فحسب، إنما يتعدى ذلك إلى تغير ثقافة الجيل الجديد تحت تأثير التقنيات الداخلة إلى محيط الأسرة من دون القدرة على السيطرة عليها، ولا يمكن كذلك فهم دور المرأة المتغير على أساس الأطروحات الداعية إلى حشد طاقاتها في التنمية ومشاركتها السياسية واحترام حقوقها من دون الشعور بحقيقة ما يجري في المجتمع من تغيرات في ثقافة المرأة ذاتها وفهم تطلعاتها المشروعة في الحياة والبناء، وإلا أصبح الجهل بذلك قنبلة موقوتة في بنية الأسرة، فقضية المرأة ليست فردية أو قضية نسائية إنما هي قضية المجتمع بأسره، ولذلك لا يمكن فهم التغيرات البنيوية في الأسرة الخليجية من دون فهم التغيرات الحاصلة لأعضائها والتي باتت النساء والشباب تتعرض فيها إلى حزمة من التغيرات التي تبدو مختلفة في درجة التأثير في شكلها بين الذكور والإناث إلا أنها في مضمونها ولا سيما بالنسبة للأجيال الجديدة والقادمة ستشكل قاسماً مشتركاً يسير نحو الاتحاد أو التلاقي في التأثير المباشر، والتي أخذ بعضها يظهر في وقتنا الحالي، لا سيما أن المجتمعات الخليجية توصف بالمجتمعات (القافزة)، وإذا ظهر هذا الوصف في الجانبين الاقتصادي والسياسي ينبغي أن يظهر أيضاً في الجانبين الاجتماعي والثقافي وإلا عاشت الأسرة أزمة حقيقية ستدفع المرأة ثمناً باهظاً فيها. ولا شك في أن فهم التغيرات البنيوية في الأسرة الخليجية لا يمكن أن يتم خارج إطار الجانب الاجتماعي ولا سيما في ما يتصل بقيم الذكورة والأنوثة. وينبغي الإشارة إلى أن ما حققته المرأة من تقدم في بعض المجتمعات الخليجية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين ما هو إلا شاهد على تلك التغيرات، فما حققته المرأة الكويتية من تقدم اجتماعي يمثل صورة واضحة للتغير البنيوي في الأسرة الكويتية، ويعكس اهتمام الأسرة بها ولا سيما في حقبة السبعينات وما تلاها ومشاركتها في نهضة البلاد الثقافية ولا سيما في مجال الفن والثقافة والتعليم والمشاركة السياسية، ولا شك في أن نهضة المرأة الكويتية اليوم تحتاج إلى دفع نحو الأمام لأن التغيرات الحاصلة في بنية الأسرة الكويتية والخليجية والعربية بوجه عام ينبغي أن تقرأ قراءة جديدة، وأي تقصير في ذلك يعني أن هناك خللاً في خطط التنمية الاجتماعية وقصوراً في فهم التغيرات الجارية في بنية الأسرة الخليجية المعاصرة، الأمر الذي قد يؤدي خلال العقود المقبلة إلى تغيرات ثقافية واسعة، وإذا لم تستطع الأسرة والمجتمع استيعاب مثل هذه التغيرات فإن حالة من الخلخلة في بنية الأسرة ستحصل وكذلك ستختل سلطة الرجل بشكل خطير قبل أن يتمكن المجتمع من إعادة توازنه الاجتماعي من جديد.
المرأة سبقت الرجل في أحيان كثيرة بالاستجابة للتغيرات الجديدة في المجتمع
ثانياً: الثقافة النسائية بين ثقافة القبيلة وثقافة العصر
ما زالت بنية الثقافة الخليجية تواجه تحديات صعبة، فبينما تشهد البنى التحتية تغيرات وتطورات نوعية، نجد الثقافة الفوقية تعيش حالة تغير وصراع، ولعل التغيرات البنيوية في الثقافة النسائية تعد اليوم أحد المؤشرات المهمة لهذا الصراع الذي بدأ يهدد بنية الأسرة التقليدية وامتداداتها القبلية، حتى أخذت السلطة الأبوية في طريقها إلى التفكك، كما أن الثقافة القبلية أخذت تصطدم بنمط جديد من التطور في المدينة ولا سيما ما يتصل بوظائف المرأة المنزلية والمجتمعية، فبعد أن كانت تساعد الرجل في مجتمع القبيلة في أعمال المنزل، وتساهم في رعي وتربية الحيوانات، وتشارك في نشاطات القبيلة أضحت في ظل الحياة الحضرية تعيش حالة انعزال وحجاب والاعتماد على المربيات الأجنبيات في رعاية الأبناء والبنات وعلى الخدم في إنجاز مهام المنزل. وفي جانب آخر خرج بعض النسوة تحت ظروف مختلفة إلى العمل، وأسهمن مع الرجل في شتى النشاطات المجتمعية والإنتاجية، بل إن التحديث في المجتمع الخليجي أخذ يضع المرأة أمام معطيات جديدة جعلتها تندفع إلى المساهمة في بناء المجتمع الحديث، إلا أن تلك المشاركة لا تزال بعيدة عن طموحات المرأة والمجتمع المدني معاً، حيث تبقى الإشكالية التي تحكم ذلك مرتبطة بحالة التأرجح بين الثقافة التقليدية وثقافة العصر القادمة إلينا بكل قوه وتدفق، مما يجعل الأمر يحتاج إلى إجراء دراسات تحليلية لوضع المرأة الخليجية المتغير وإشكاليته المعقدة، فلا يكفي أن تكون المرأة مشاركة في العمل والنشاطات المجتمعية الأخرى فحسب، إنما ينبغي أن يتقبل المجتمع تلك المشاركة ويباركها باعتبارها حاجة ملحة لتطور المجتمع وليس حالة شكلية، كما دأبت بعض الأنظمة والحركات الأيديولوجية الأخذ بها باعتبارها شكلاً من أشكال التطور والتقدم، أي أن تلك المشاركة يجب ألا تقصر على النخب النسائية فقط، بل تكون ممتدة إلى نساء المجتمع كافة وفي المواقع المختلفة، وهي قضية لا تزال محكومة بموجهات الثقافة التقليدية وعقلية الرجل الذي يحاول بطرق شتى تحجيم هذه المشاركة، ولا شك في أن دور الرجل لا يأتي عن رؤى فردية إنما عن طريق ما تمليه عليه ثقافة السلطة الأبوية في النظر إلى الذكورة والأنوثة في المجتمع الخليجي، إلا أن التغير الذي حصل في الأسرة الحضرية، جعل قضية السلطة الأبوية والثقافة التقليدية لدى الجيل الجديد تأخذ إطاراً شكلياً لا يجد له فعلاً حقيقياً في الواقع. لذا فإن جيل الآباء والأجداد بدأ يستنجد بالقواعد والأعراف التقليدية لدرء التفكك في بنية الأسرة الخليجية أو أخذوا يتباكون عليها حينما أصبحت خارج سيطرة بعض الأسر أو في حالة الخوف من المستقبل وسط هجمة شرسة من البث الإعلامي والاستعمال المتزايد للتقنيات الحديثة من قبل النساء والجيل الجديد. وبناء على بعض معطيات الواقع يمكن صياغة تصنيف ثلاثي لوضع المرأة الخليجية اليوم:
1- ساعد التعليم والاطلاع على أوضاع المرأة في المجتمعات المتقدمة وبعض الدول النامية، المرأة الخليجية على التفكير في إيجاد مكان لنفسها على الخريطة الاجتماعية والحضارية، والمطالبة بضرورة الاعتراف بدورها الإنساني والاجتماعي في المجتمع الخليجي الجديد، لذا تعالت الدعوة إلى ضرورة حشد طاقات المرأة في التنمية والاستفادة من خبراتها وتخصصاتها في حركة النهضة الخليجية، كما أن هذه الدعوات أصرت في المرحلة الحالية على ضرورة مشاركة المرأة السياسية في المجتمع والمساهمة باتخاذ القرارات الأسرية، والعمل على تمكين المرأة في المجتمع الحديث بطريقة تحقق وتتوافق مع مبادئ الألفية للتنمية البشرية التي طرحتها الأمم المتحدة.
2- لا تزال الصورة الشكلية لثقافة القبيلة في المدينة تمثل عامل إعاقة أمام المرأة الخليجية في مساهمتها بتلك النهضة، هذا عندما يتم النظر إلى القضية من الخارج، إلا أن حقيقة الموقف الراهن وتحت تأثير العولمة وثقافة (الموبايل) والفضائيات وغيرها، تؤشر إلى تصادم عنيف معلن وغير معلن بين تأثير الثقافة التقليدية وثقافة العصر، يدفع ثمنه الرجل والمرأة معاً، ففي الوقت الذي باتت فيه سلطة الرجل مهددة بالتفكك أخذت المرأة بالاندفاع إلى تحقيق حريتها من سيطرة الرجل والثقافة التقليدية مما قد يوقعها في أزمات نفسية، ويضعها في مواقف صعبة تخسر فيها الكثير من حقوقها الاجتماعية، ويعرضها إلى صراعات أسرية قد ينتهي الكثير منها بالطلاق أو الانفصال مما يترك آثاراً خطيرة على الأبناء وعلى بنية الأسرة ومستقبلها.
3- يمثل الجيل الجديد من النساء نمطاً جديداً له خصوصية في التعامل مع الحياة، فلم يعد يشغله كثيراً ما يدور في أذهان الوالدين من اهتمام بثقافة الأجداد بقدر ما يشغله الجديد القادم عن طريق وسائل الاتصال المختلفة، بحيث أخذت شخصية أفراده تميل إلى الفردية، مما ينذر برفض كامل لكثير من المفاهيم التقليدية.
يمثل الجيل الجديد من النساء نمطاً جديداً له خصوصية في التعامل مع الحياة
ثالثاً: آثار التغير في الثقافة النسائية
لا يمكن تجاهل آثار التغيرات البنيوية في الثقافة النسائية الخليجية اليوم، ويكفي أن نرصد المشكلات الاجتماعية في محيط الأسرة الخليجية في المرحلة الحالية لنعرف حجمها، وليس معنى هذا أن الأسرة الخليجية لم تحقق تطوراً وتقدماً في أساليب حياتها بل إنها حققت قفزات نوعية، وكان لا بد أن يفرز هذا التطور السريع إفرازات اجتماعية وثقافية، وهو أمر طبيعي يحصل في كل المجتمعات المتغيرة، لكن الإشكالية في التغير البنيوي للثقافة النسائية تحتاج إلى وقفة متفحصة لا سيما أن التزامن بين القفزة النوعية الحضارية للأسرة الخليجية والتدفق غير المسبوق للبرامج الفضائية واستعمال التقنيات الحديثة على المستوى الشخصي وسهولة وسرعة وصول المفاهيم حول الحرية والفردية بطريقه أسرع من إمكانية تغير الثقافة التقليدية، ولّد حالات صراع حادة باتت المرأة طرفاً فاعلاً فيها. وفي هذا الإطار ينبغي النظر إلى الموقف من زاويتين.
الأولى: إن ثورة المعلومات والاستخدام الواسع لأدواتها نقلا المجتمع بكامله إلى حالة جديدة من الانفتاح الذي حمل معه تحدياً صارخاً للثقافة التقليدية، ولم يستطع المجتمع تقديم بديل يعمل كمصد لهذا التحدي، وأصبحنا متلقين مستسلمين لا نستطيع أن نحرك ساكناً أو نقدم نموذجاً إنتاجياً أو أسلوباً دفاعياً مسلحاً بالمعرفة الحديثة سوى بعض الخطب والمواعظ الرنانة التي نستمع إليها في المؤتمرات والندوات وغيرها والتي تضع اللوم على الآخر، وتعفي مؤسساتنا ومجتمعاتنا من المسؤولية.

التحديث في المجتمع الخليجي يضع المرأة أمام معطيات جديدة
الثانية، إن المرأة الخليجية تعيش حالتين، الحالة الأولى هي حبيسة ثقافة تقليدية تضع عليها قيوداً ظالمة عملت على تأخر المرأة، وهذه القيود بدأت تتكسر عندما انتقل المجتمع إلىالتحضربعد اكتشاف النفط وحصول المرأة على بعض حقوقها الاجتماعية والسياسية، كما حصل في المجتمع الكويتي قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن. والحالة الثانية التغير البنيوي في الثقافة النسائية وهي تدخل الألفية الثالثة، هذا التغير الذي لا يقف عند المرأة المتعلمة أو المثقفة، إنما شمل نسق الثقافة بكل تفاصيله حيثما توجد المرأة وتتعامل مع ثقافة العالم بشكل مباشر، تلك الثقافة التي اقتحمت كل البيوت في الريف والحضر وهو ما بدأ يشكل قضية جوهرية تستحق الوقوف عندها لأنها تعني أشياء كثيرة، بدءاً من وضع سلطة الرجل ووضع الأسرة الخليجية من حيث طبيعة العلاقات الأسرية والصراع على اتخاذ القرار بطريقة أضحت غير منسجمة مع ما نشأ عليه الرجل من تربية تعزز قيم الذكورة والسلطة الأبوية ولا سيما ما بدأ يظهر من صراعات في نطاق الأسرة الزواجية الحديثة، مما جعل المرأة في أحيان كثيرة لا تقدر الموقف الاجتماعي للرجل تحت ظروف التنشئة المجتمعية. لذا يمكن القول إن المرأة سبقت الرجل في أحيان كثيرة بالاستجابة للتغيرات الجديدة في المجتمع، بالإضافة إلى أن المرأة نفسها قد أهملت نواحي كثيرة بسبب الرفاه وضعف الوعي الاجتماعي لديها ولا سيما ما يتصل بواجباتها المنزلية وما ترتب على ذلك من نتائج:
1- الاعتماد على المربيات الأجنبيات والخدم في القيام بواجبات المنزل، ولعل أخطر شيء في ذلك هو تولي المربيات مسألة التربية للأبناء والبنات نيابة عن الزوجة سواء بغيابها أو حضورها، وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج سلبية على شخصية الأطفال وهو ما بدأت تظهر إشاراته في شخصية الشابات في الأسرة الخليجية، فضلاً عن المشكلات الكثيرة التي ظهرت في الأسرة الخليجية، وفي هذا المجال تتحمل المرأة جزءاً كبيراً من المسؤولية، ولعل هذا يشكل أحد المتغيرات المهمة في التغير البنيوي للثقافة النسائية. أضف إلى ذلك ما دخل المجتمع من موجات متدفقة من التغير الثقافي مع اتجاه العالم نحو العولمة.
2- ضعف التنظيمات النسائية الخليجية واختصارها على النخب المثقفة وعدم اتساع حدودها إلى نطاق النساء الخليجيات من الفئات المختلفة، مما يجعل توجيه التغيرات للثقافة النسائية يشوبه كثير من الارتباك، مما قد يوقع المرأة في مأزق عندما يكون اندفاعها في أتون هذه التغيرات يجري بطريقة غير متوافقة مع حركة التغير الموجهة في المجتمع الخليجي المعاصر، ولعل هذا يشكل جوهر إشكالية التغير البنيوي النسائي في ظروفه الحالية، وإزاء ذلك يتطلب الموقف النظر إلى قضية المرأة على أنها قضية المجتمع الخليجي، وأن إشكالية هذا التغير تتعدى الحدود الفردية وحدود اتجاه مجموعة من السلوكيات التي بدأت تظهر في الأسرة من تمرد على الأمهات أو الآباء وغيرها لكنها تتصل بحركة تغير اجتماعي في المجتمع النسائي وهو جزء من حركة تغير ثقافي في المجتمع الخليجي بكامله. لذا ينبغي فهم هذا التغير ليس بشكل مجزأ إنما بشكل كلي وشامل، وجعل المناهج الدراسية متوافقة مع توجهات النشء الجديد، وتبني استراتيجية مجتمعية توجهها الدولة تقود المجتمع نحو التحول البنيوي المعتمد على التصنيع وجعل العلم الخيار الأوحد في دراسة هذه التغيرات، أما ما يخص الأسرة فينبغي على رب الأسرة أن يوجه الزوجة للقيام بمهمة التنشئة الأسرية وغرس القيم الإيجابية في نفوس الأطفال مع ضرورة حرص الوالدين على عدم التمييز بين الأطفال على أساس النوع، ولا يمكن أن يتم ذلك من دون تبني خطة إعلامية فاعلة تسلط الضوء على هذه التغيرات وبيان إيجابياتها وسلبياتها وبطريقة موضوعية ومقنعة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::767::/cck::
::introtext::
تعد التغيرات البنيوية في بنية الأسرة والمجتمع من الاهتمامات النظرية والتطبيقية التي أولاها علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الاهتمام الكبير منذ بداية القرن العشرين حتى الوقت الحاضر، وإن اختلفت النظريات الاجتماعية بشأنها تبعاً لطبيعة التغيرات الجارية في المجتمع الإنساني، حتى كانت حقبة الستينات تطرح تصورات جديدة حول ذلك.
::/introtext::
::fulltext::
تعد التغيرات البنيوية في بنية الأسرة والمجتمع من الاهتمامات النظرية والتطبيقية التي أولاها علم الاجتماع والأنثروبولوجيا الاهتمام الكبير منذ بداية القرن العشرين حتى الوقت الحاضر، وإن اختلفت النظريات الاجتماعية بشأنها تبعاً لطبيعة التغيرات الجارية في المجتمع الإنساني، حتى كانت حقبة الستينات تطرح تصورات جديدة حول ذلك.
يأتي القرن الحادي والعشرون ليطرح مداخل جديدة في النظر إلى تفسير تلك التغيرات، أبرزها المدخل العالمي لدراسة المجتمع حتى بات النظر إلى قضية التغير يجري على منوال جديد قد يكون خارج إطار الأيديولوجيا التي سادت لفترة طويلة خلال تاريخ المجتمع الإنساني الحديث، وفي نطاق التغيرات السريعة التي أحاطت بكل شي تحت تأثير موجة العولمة وأدواتها المعلوماتية فائقة التطور حتى دق التغير مضاجع التقليدية بحيث باتت منظومة القيم الأخلاقية في عالم منفتح تعيش غربة واغتراباً، إذ أصبح لازماً النظر إلى التغيرات البنيوية السريعة ليس على مستوى الأسرة والمجتمع فحسب، إنما على مستوى الثقافات الفرعية كثقافة الشباب وثقافة المرأة وغيرها، بل يتعدى ذلك وفق متغيرات العصر الحديث إلى نسق القيم الفردية- إن صح التعبير- التي بدأت تتبلور تحت تأثير تقنيات المرحلة والآخذة بالاتساع والتخصص، وأن هذا التطور أصبح ملاصقاً لوضع المرأة في المجتمع الإنساني الواسع ومهدداً لمنظومة الثقافة النسائية في المجتمعات المتغيرة والتي تعيش صراعاً مريراً بين الحداثة والتقليد، ومع فقدان الرؤية اللازمة فيها عن دور المرأة الحضاري في المجتمع، طرحت الرؤى النظرية عن طريق الدعوة إلى مشاركة المرأة في التنمية ونشاطات المجتمع المختلفة وإيجاد تمثيليات عن دور المرأة في الحياة المعاصرة، كما ظهر ذلك في برامج وتجارب الحركات والنظم الأيديولوجية، ولذلك ينبغي النظر إلى التغيرات البنيوية في الثقافة النسائية من زوايا جديدة من وجهة نظر علم الاجتماع والأنثروبولوجيا لتواكب التغيرات الجارية في عالم بات يسير نحو التعولم. وأبرز ما يمكن طرحه في هذا المجال طبيعة التغيرات في بنية الثقافة النسائية الخليجية التي تعيش حالة من التغير السريع، والمحاطة في الوقت نفسه بثقافة القبيلة المدعومة في وجه من الوجوه بثقافة دينية تقليدية، ولا أقول مدعومة بأساسيات الدين، ليبدأ الكلام ليس عن مجتمع تقليدي غير منفتح، بل عن مجتمع خليجي قافز نحو التطور، حتى بات التغير في منظومة الثقافة النسائية فيه، يشهد تغيرات جوهرية أخذت تهدد البنى التقليدية وسلطة الرجل الذي يعيش هو الآخر الأزمة ذاتها التي تعيشها المرأة، لكن باتجاه مغاير، ففي الوقت الذي تفاعلت فيه المرأة مع ما يطرح على الساحة الثقافية الإنسانية بدرجة أكبر من الرجل تبقى مسألة الدفاع عن بنية الأسرة الخليجية تخضع لعامل الوعي عند الرجل والمرأة على حد سواء، ولذلك فإن الخوض في مثل هذا الموضوع بالطريقة التقليدية التي اعتادت عليها كتابات علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في بعض المجتمعات العربية لم يعد يعطي نفعاً، إنما ينبغي تحليل الموضوع بطريقة استقرائية معتمدة على الميدان للخروج بنتائج موضوعية، لذا فإن ما تتم الكتابة عنه في هذا المقال ما هو إلا شكل من أشكال الفروض القائمة على استقراء حركة المجتمع بظروفه الآنية.
أولاً: التغيرات البنيوية في الأسرة الخليجية
ينبغي الانتباه إلى أن خطر التغير البنيوي السريع في الأسرة الخليجية المعاصرة لا يقف عند حد تخلخل الأسرة وعدم توازنها فحسب، إنما يتعدى ذلك إلى تغير ثقافة الجيل الجديد تحت تأثير التقنيات الداخلة إلى محيط الأسرة من دون القدرة على السيطرة عليها، ولا يمكن كذلك فهم دور المرأة المتغير على أساس الأطروحات الداعية إلى حشد طاقاتها في التنمية ومشاركتها السياسية واحترام حقوقها من دون الشعور بحقيقة ما يجري في المجتمع من تغيرات في ثقافة المرأة ذاتها وفهم تطلعاتها المشروعة في الحياة والبناء، وإلا أصبح الجهل بذلك قنبلة موقوتة في بنية الأسرة، فقضية المرأة ليست فردية أو قضية نسائية إنما هي قضية المجتمع بأسره، ولذلك لا يمكن فهم التغيرات البنيوية في الأسرة الخليجية من دون فهم التغيرات الحاصلة لأعضائها والتي باتت النساء والشباب تتعرض فيها إلى حزمة من التغيرات التي تبدو مختلفة في درجة التأثير في شكلها بين الذكور والإناث إلا أنها في مضمونها ولا سيما بالنسبة للأجيال الجديدة والقادمة ستشكل قاسماً مشتركاً يسير نحو الاتحاد أو التلاقي في التأثير المباشر، والتي أخذ بعضها يظهر في وقتنا الحالي، لا سيما أن المجتمعات الخليجية توصف بالمجتمعات (القافزة)، وإذا ظهر هذا الوصف في الجانبين الاقتصادي والسياسي ينبغي أن يظهر أيضاً في الجانبين الاجتماعي والثقافي وإلا عاشت الأسرة أزمة حقيقية ستدفع المرأة ثمناً باهظاً فيها. ولا شك في أن فهم التغيرات البنيوية في الأسرة الخليجية لا يمكن أن يتم خارج إطار الجانب الاجتماعي ولا سيما في ما يتصل بقيم الذكورة والأنوثة. وينبغي الإشارة إلى أن ما حققته المرأة من تقدم في بعض المجتمعات الخليجية خلال العقود الأخيرة من القرن العشرين ما هو إلا شاهد على تلك التغيرات، فما حققته المرأة الكويتية من تقدم اجتماعي يمثل صورة واضحة للتغير البنيوي في الأسرة الكويتية، ويعكس اهتمام الأسرة بها ولا سيما في حقبة السبعينات وما تلاها ومشاركتها في نهضة البلاد الثقافية ولا سيما في مجال الفن والثقافة والتعليم والمشاركة السياسية، ولا شك في أن نهضة المرأة الكويتية اليوم تحتاج إلى دفع نحو الأمام لأن التغيرات الحاصلة في بنية الأسرة الكويتية والخليجية والعربية بوجه عام ينبغي أن تقرأ قراءة جديدة، وأي تقصير في ذلك يعني أن هناك خللاً في خطط التنمية الاجتماعية وقصوراً في فهم التغيرات الجارية في بنية الأسرة الخليجية المعاصرة، الأمر الذي قد يؤدي خلال العقود المقبلة إلى تغيرات ثقافية واسعة، وإذا لم تستطع الأسرة والمجتمع استيعاب مثل هذه التغيرات فإن حالة من الخلخلة في بنية الأسرة ستحصل وكذلك ستختل سلطة الرجل بشكل خطير قبل أن يتمكن المجتمع من إعادة توازنه الاجتماعي من جديد.
المرأة سبقت الرجل في أحيان كثيرة بالاستجابة للتغيرات الجديدة في المجتمع
ثانياً: الثقافة النسائية بين ثقافة القبيلة وثقافة العصر
ما زالت بنية الثقافة الخليجية تواجه تحديات صعبة، فبينما تشهد البنى التحتية تغيرات وتطورات نوعية، نجد الثقافة الفوقية تعيش حالة تغير وصراع، ولعل التغيرات البنيوية في الثقافة النسائية تعد اليوم أحد المؤشرات المهمة لهذا الصراع الذي بدأ يهدد بنية الأسرة التقليدية وامتداداتها القبلية، حتى أخذت السلطة الأبوية في طريقها إلى التفكك، كما أن الثقافة القبلية أخذت تصطدم بنمط جديد من التطور في المدينة ولا سيما ما يتصل بوظائف المرأة المنزلية والمجتمعية، فبعد أن كانت تساعد الرجل في مجتمع القبيلة في أعمال المنزل، وتساهم في رعي وتربية الحيوانات، وتشارك في نشاطات القبيلة أضحت في ظل الحياة الحضرية تعيش حالة انعزال وحجاب والاعتماد على المربيات الأجنبيات في رعاية الأبناء والبنات وعلى الخدم في إنجاز مهام المنزل. وفي جانب آخر خرج بعض النسوة تحت ظروف مختلفة إلى العمل، وأسهمن مع الرجل في شتى النشاطات المجتمعية والإنتاجية، بل إن التحديث في المجتمع الخليجي أخذ يضع المرأة أمام معطيات جديدة جعلتها تندفع إلى المساهمة في بناء المجتمع الحديث، إلا أن تلك المشاركة لا تزال بعيدة عن طموحات المرأة والمجتمع المدني معاً، حيث تبقى الإشكالية التي تحكم ذلك مرتبطة بحالة التأرجح بين الثقافة التقليدية وثقافة العصر القادمة إلينا بكل قوه وتدفق، مما يجعل الأمر يحتاج إلى إجراء دراسات تحليلية لوضع المرأة الخليجية المتغير وإشكاليته المعقدة، فلا يكفي أن تكون المرأة مشاركة في العمل والنشاطات المجتمعية الأخرى فحسب، إنما ينبغي أن يتقبل المجتمع تلك المشاركة ويباركها باعتبارها حاجة ملحة لتطور المجتمع وليس حالة شكلية، كما دأبت بعض الأنظمة والحركات الأيديولوجية الأخذ بها باعتبارها شكلاً من أشكال التطور والتقدم، أي أن تلك المشاركة يجب ألا تقصر على النخب النسائية فقط، بل تكون ممتدة إلى نساء المجتمع كافة وفي المواقع المختلفة، وهي قضية لا تزال محكومة بموجهات الثقافة التقليدية وعقلية الرجل الذي يحاول بطرق شتى تحجيم هذه المشاركة، ولا شك في أن دور الرجل لا يأتي عن رؤى فردية إنما عن طريق ما تمليه عليه ثقافة السلطة الأبوية في النظر إلى الذكورة والأنوثة في المجتمع الخليجي، إلا أن التغير الذي حصل في الأسرة الحضرية، جعل قضية السلطة الأبوية والثقافة التقليدية لدى الجيل الجديد تأخذ إطاراً شكلياً لا يجد له فعلاً حقيقياً في الواقع. لذا فإن جيل الآباء والأجداد بدأ يستنجد بالقواعد والأعراف التقليدية لدرء التفكك في بنية الأسرة الخليجية أو أخذوا يتباكون عليها حينما أصبحت خارج سيطرة بعض الأسر أو في حالة الخوف من المستقبل وسط هجمة شرسة من البث الإعلامي والاستعمال المتزايد للتقنيات الحديثة من قبل النساء والجيل الجديد. وبناء على بعض معطيات الواقع يمكن صياغة تصنيف ثلاثي لوضع المرأة الخليجية اليوم:
1- ساعد التعليم والاطلاع على أوضاع المرأة في المجتمعات المتقدمة وبعض الدول النامية، المرأة الخليجية على التفكير في إيجاد مكان لنفسها على الخريطة الاجتماعية والحضارية، والمطالبة بضرورة الاعتراف بدورها الإنساني والاجتماعي في المجتمع الخليجي الجديد، لذا تعالت الدعوة إلى ضرورة حشد طاقات المرأة في التنمية والاستفادة من خبراتها وتخصصاتها في حركة النهضة الخليجية، كما أن هذه الدعوات أصرت في المرحلة الحالية على ضرورة مشاركة المرأة السياسية في المجتمع والمساهمة باتخاذ القرارات الأسرية، والعمل على تمكين المرأة في المجتمع الحديث بطريقة تحقق وتتوافق مع مبادئ الألفية للتنمية البشرية التي طرحتها الأمم المتحدة.
2- لا تزال الصورة الشكلية لثقافة القبيلة في المدينة تمثل عامل إعاقة أمام المرأة الخليجية في مساهمتها بتلك النهضة، هذا عندما يتم النظر إلى القضية من الخارج، إلا أن حقيقة الموقف الراهن وتحت تأثير العولمة وثقافة (الموبايل) والفضائيات وغيرها، تؤشر إلى تصادم عنيف معلن وغير معلن بين تأثير الثقافة التقليدية وثقافة العصر، يدفع ثمنه الرجل والمرأة معاً، ففي الوقت الذي باتت فيه سلطة الرجل مهددة بالتفكك أخذت المرأة بالاندفاع إلى تحقيق حريتها من سيطرة الرجل والثقافة التقليدية مما قد يوقعها في أزمات نفسية، ويضعها في مواقف صعبة تخسر فيها الكثير من حقوقها الاجتماعية، ويعرضها إلى صراعات أسرية قد ينتهي الكثير منها بالطلاق أو الانفصال مما يترك آثاراً خطيرة على الأبناء وعلى بنية الأسرة ومستقبلها.
3- يمثل الجيل الجديد من النساء نمطاً جديداً له خصوصية في التعامل مع الحياة، فلم يعد يشغله كثيراً ما يدور في أذهان الوالدين من اهتمام بثقافة الأجداد بقدر ما يشغله الجديد القادم عن طريق وسائل الاتصال المختلفة، بحيث أخذت شخصية أفراده تميل إلى الفردية، مما ينذر برفض كامل لكثير من المفاهيم التقليدية.
يمثل الجيل الجديد من النساء نمطاً جديداً له خصوصية في التعامل مع الحياة
ثالثاً: آثار التغير في الثقافة النسائية
لا يمكن تجاهل آثار التغيرات البنيوية في الثقافة النسائية الخليجية اليوم، ويكفي أن نرصد المشكلات الاجتماعية في محيط الأسرة الخليجية في المرحلة الحالية لنعرف حجمها، وليس معنى هذا أن الأسرة الخليجية لم تحقق تطوراً وتقدماً في أساليب حياتها بل إنها حققت قفزات نوعية، وكان لا بد أن يفرز هذا التطور السريع إفرازات اجتماعية وثقافية، وهو أمر طبيعي يحصل في كل المجتمعات المتغيرة، لكن الإشكالية في التغير البنيوي للثقافة النسائية تحتاج إلى وقفة متفحصة لا سيما أن التزامن بين القفزة النوعية الحضارية للأسرة الخليجية والتدفق غير المسبوق للبرامج الفضائية واستعمال التقنيات الحديثة على المستوى الشخصي وسهولة وسرعة وصول المفاهيم حول الحرية والفردية بطريقه أسرع من إمكانية تغير الثقافة التقليدية، ولّد حالات صراع حادة باتت المرأة طرفاً فاعلاً فيها. وفي هذا الإطار ينبغي النظر إلى الموقف من زاويتين.
الأولى: إن ثورة المعلومات والاستخدام الواسع لأدواتها نقلا المجتمع بكامله إلى حالة جديدة من الانفتاح الذي حمل معه تحدياً صارخاً للثقافة التقليدية، ولم يستطع المجتمع تقديم بديل يعمل كمصد لهذا التحدي، وأصبحنا متلقين مستسلمين لا نستطيع أن نحرك ساكناً أو نقدم نموذجاً إنتاجياً أو أسلوباً دفاعياً مسلحاً بالمعرفة الحديثة سوى بعض الخطب والمواعظ الرنانة التي نستمع إليها في المؤتمرات والندوات وغيرها والتي تضع اللوم على الآخر، وتعفي مؤسساتنا ومجتمعاتنا من المسؤولية.

التحديث في المجتمع الخليجي يضع المرأة أمام معطيات جديدة
الثانية، إن المرأة الخليجية تعيش حالتين، الحالة الأولى هي حبيسة ثقافة تقليدية تضع عليها قيوداً ظالمة عملت على تأخر المرأة، وهذه القيود بدأت تتكسر عندما انتقل المجتمع إلىالتحضربعد اكتشاف النفط وحصول المرأة على بعض حقوقها الاجتماعية والسياسية، كما حصل في المجتمع الكويتي قبل أكثر من ثلاثة عقود من الزمن. والحالة الثانية التغير البنيوي في الثقافة النسائية وهي تدخل الألفية الثالثة، هذا التغير الذي لا يقف عند المرأة المتعلمة أو المثقفة، إنما شمل نسق الثقافة بكل تفاصيله حيثما توجد المرأة وتتعامل مع ثقافة العالم بشكل مباشر، تلك الثقافة التي اقتحمت كل البيوت في الريف والحضر وهو ما بدأ يشكل قضية جوهرية تستحق الوقوف عندها لأنها تعني أشياء كثيرة، بدءاً من وضع سلطة الرجل ووضع الأسرة الخليجية من حيث طبيعة العلاقات الأسرية والصراع على اتخاذ القرار بطريقة أضحت غير منسجمة مع ما نشأ عليه الرجل من تربية تعزز قيم الذكورة والسلطة الأبوية ولا سيما ما بدأ يظهر من صراعات في نطاق الأسرة الزواجية الحديثة، مما جعل المرأة في أحيان كثيرة لا تقدر الموقف الاجتماعي للرجل تحت ظروف التنشئة المجتمعية. لذا يمكن القول إن المرأة سبقت الرجل في أحيان كثيرة بالاستجابة للتغيرات الجديدة في المجتمع، بالإضافة إلى أن المرأة نفسها قد أهملت نواحي كثيرة بسبب الرفاه وضعف الوعي الاجتماعي لديها ولا سيما ما يتصل بواجباتها المنزلية وما ترتب على ذلك من نتائج:
1- الاعتماد على المربيات الأجنبيات والخدم في القيام بواجبات المنزل، ولعل أخطر شيء في ذلك هو تولي المربيات مسألة التربية للأبناء والبنات نيابة عن الزوجة سواء بغيابها أو حضورها، وما يمكن أن يترتب عليه من نتائج سلبية على شخصية الأطفال وهو ما بدأت تظهر إشاراته في شخصية الشابات في الأسرة الخليجية، فضلاً عن المشكلات الكثيرة التي ظهرت في الأسرة الخليجية، وفي هذا المجال تتحمل المرأة جزءاً كبيراً من المسؤولية، ولعل هذا يشكل أحد المتغيرات المهمة في التغير البنيوي للثقافة النسائية. أضف إلى ذلك ما دخل المجتمع من موجات متدفقة من التغير الثقافي مع اتجاه العالم نحو العولمة.
2- ضعف التنظيمات النسائية الخليجية واختصارها على النخب المثقفة وعدم اتساع حدودها إلى نطاق النساء الخليجيات من الفئات المختلفة، مما يجعل توجيه التغيرات للثقافة النسائية يشوبه كثير من الارتباك، مما قد يوقع المرأة في مأزق عندما يكون اندفاعها في أتون هذه التغيرات يجري بطريقة غير متوافقة مع حركة التغير الموجهة في المجتمع الخليجي المعاصر، ولعل هذا يشكل جوهر إشكالية التغير البنيوي النسائي في ظروفه الحالية، وإزاء ذلك يتطلب الموقف النظر إلى قضية المرأة على أنها قضية المجتمع الخليجي، وأن إشكالية هذا التغير تتعدى الحدود الفردية وحدود اتجاه مجموعة من السلوكيات التي بدأت تظهر في الأسرة من تمرد على الأمهات أو الآباء وغيرها لكنها تتصل بحركة تغير اجتماعي في المجتمع النسائي وهو جزء من حركة تغير ثقافي في المجتمع الخليجي بكامله. لذا ينبغي فهم هذا التغير ليس بشكل مجزأ إنما بشكل كلي وشامل، وجعل المناهج الدراسية متوافقة مع توجهات النشء الجديد، وتبني استراتيجية مجتمعية توجهها الدولة تقود المجتمع نحو التحول البنيوي المعتمد على التصنيع وجعل العلم الخيار الأوحد في دراسة هذه التغيرات، أما ما يخص الأسرة فينبغي على رب الأسرة أن يوجه الزوجة للقيام بمهمة التنشئة الأسرية وغرس القيم الإيجابية في نفوس الأطفال مع ضرورة حرص الوالدين على عدم التمييز بين الأطفال على أساس النوع، ولا يمكن أن يتم ذلك من دون تبني خطة إعلامية فاعلة تسلط الضوء على هذه التغيرات وبيان إيجابياتها وسلبياتها وبطريقة موضوعية ومقنعة.
::/fulltext::
::cck::767::/cck::
