نحو صياغة مشروع وطني فلسطيني جديد
::cck::999::/cck::
::introtext::
حالة غير مسبوقة من القلق والإحساس بالعجز والضياع يعيشها الفلسطينيون كافة: فلسطينيو المهجر وفلسطينيو المحشر، القادة كالمواطنين، والمتعلمون كعامة الشعب، الكل في حالة إرباك وإحساس بمأزق على كافة المستويات، مأزق سياسي سواء على مستوى العلاقات ما بين القوى السياسية وبعضها بعضاً أو ما بين الكل الفلسطيني والعالم الخارجي، مأزق مفاوضات لا يقل خطورة عن مأزق المقاومة، مأزق حصار في غزة لا يقل خطورة عن مأزق الحواجز والاستيطان والتنسيق الأمني مع إسرائيل في الضفة، حتى الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط تحول إلى ورطة لآسريه، حيث تحول من أسير إلى آسر لهم ولكل الحالة الفلسطينية.
::/introtext::
::fulltext::
حالة غير مسبوقة من القلق والإحساس بالعجز والضياع يعيشها الفلسطينيون كافة: فلسطينيو المهجر وفلسطينيو المحشر، القادة كالمواطنين، والمتعلمون كعامة الشعب، الكل في حالة إرباك وإحساس بمأزق على كافة المستويات، مأزق سياسي سواء على مستوى العلاقات ما بين القوى السياسية وبعضها بعضاً أو ما بين الكل الفلسطيني والعالم الخارجي، مأزق مفاوضات لا يقل خطورة عن مأزق المقاومة، مأزق حصار في غزة لا يقل خطورة عن مأزق الحواجز والاستيطان والتنسيق الأمني مع إسرائيل في الضفة، حتى الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط تحول إلى ورطة لآسريه، حيث تحول من أسير إلى آسر لهم ولكل الحالة الفلسطينية.
هذه الحالة وللأسف بدلاً من أن تشكل حافزاً للتوحد ولملمة الذات والبحث عن مخرج مشرف، تحولت إلى مبرر يستعمله كل طرف فلسطيني لتحميل المسؤولية للطرف الآخر وإخفاء كل طرف فشله ومأزقه بإظهار أخطاء وعيوب الطرف الآخر وهي حالة جعلت الكل متهماً ومداناً، وبالتالي أصبحنا كفلسطينيين نبدو كمسؤولين عما وصلت إليه القضية من تردٍّ وليست إسرائيل هي المسؤولة، وماذا تريد إسرائيل أكثر من إخراجها من خانة العدو الرئيسي والأوحد للشعب الفلسطيني ليحل محلها أعداء منا؟ فحركة حماس هي العدو الرئيسي للسلطة ولحركة فتح في الضفة ويجب استئصالها، وحركة فتح العدو الرئيسي لحركة حماس في قطاع غزة ويجب استئصالها.
المراهنة على الحل الأمريكي لا تقل خطورة عن الاستسلام للمشيئة الصهيونية
وهكذا بدلاً من اعتراف كل طرف بأخطائه، فلا سياسة من دون أخطاء، والاعتراف بالخطأ فضيلة وفي الحالة الفلسطينية الراهنة قمة الفضائل وخصوصاً إن أدى الاعتراف بالخطأ إلى تسهيل المصالحة الوطنية، بدلاً من ذلك يتمترس كل طرف في مواقعه ويتكيف مع مأزقه ويدفع الناس إلى التكيف مع حالة الخطأ بل تجميله وتحسينه، ليس هذا فحسب بل يستعين كل طرف بأطراف خارجية لمناصرته على خصمه الداخلي متجاهلاً أن لا طرف خارجياً سواء كان دولة أو حزباً سيكون أكثر حرصاً على الفلسطينيين من الفلسطينيين أنفسهم حتى إن كانوا خصوماً سياسيين. وقد كشفت السنوات الأخيرة وخصوصاً أثناء العدوان على غزة أن معسكر الممانعة كمعسكر الاعتدال سراب ووهم، وأن المراهنة على الحل الأمريكي لا تقل خطورة عن الاستسلام للمشيئة الصهيونية. هذه الحالة من العجز والمراهنة على السراب والمجهول خلقت أيضاً حالة من فقدان الثقة بالذات وبالخيارات الاستراتيجية لكل طرف أو التي يعتقد أنها كذلك، بل لهذا السبب أصبحت هذه الخيارات حملاً ثقيلاً على أصحابها وخصوصاً خيار المفاوضات وخيار المقاومة ليس لأن هذين النهجين خطأ، بل لأنه لا يمكن نجاحهما في ظل الحالة المشار إليها.
أولاً: وقف المفاوضات أم استئنافها؟
من يختار نهج التسوية والسلام عليه القبول بالمفاوضات كآلية للتسوية، لكن المفاوضات قد تتحول إلى عبء وحالة معيقة للسلام عند من لا يحسن فن التفاوض أو لا يؤمن بالقضية التي يتفاوض بشأنها، وهذا ما جرى مع مفاوضات التسوية مع إسرائيل، حيث حولت إسرائيل المفاوضات إلى أداة للتسويف ولكسب الوقت لتستكمل مشاريعها الاستيطانية. وبعد سنوات من المفاوضات العبثية أعلنت السلطة وقف المفاوضات السياسية مع إسرائيل- على الرغم من عدم دقة (وقف المفاوضات) حيث الاتصالات تجري باستمرار بعيداً عن الكاميرا وفي قضايا متعددة- وهو ما كان يجب أن يحدث منذ سنوات عندما بات واضحاً استغلال إسرائيل للمفاوضات للتغطية على عملياتها الاستيطانية، وإذا كانت المفاوضات بالنسبة للفريق الفلسطيني المفاوض حياة، كما وصفها صائب عريقات، فقد كان الاستيطان بالنسبة للإسرائيليين هو الحياة بالنسبة لهم ولمشروعهم الصهيوني وشتان ما بين حياتنا مع الاستيطان وحياتهم مع المفاوضات. كانت المفاوضات ترياق الحياة لسياسة الاستيطان، فيما كان الاستيطان سرطاناً ينخر جسد الأرض التي كان يفترض أن تشكل الدولة الفلسطينية المستقلة.
كانت المفاوضات ترياق الحياة لسياسة الاستيطان فيما كان الاستيطان سرطاناً ينخر جسد الأرض
لأن الشعب الفلسطيني شعر بخطورة استمرار المفاوضات، واختنق من سياسة الخداع والتهريج التي يمارسها الفريق الفلسطيني المفاوض، فقد ارتفعت الأصوات المطالبة بوقف الاستيطان، حيث كان وقف الاستيطان مطلباً وطنياً قبل الانقسام وعندما كانت لدينا سلطة واحدة وحكومة واحدة وموقف عربي ومسلم ودولي داعم لنا وموحد نسبياً، كان وقف المفاوضات آنذاك يخدم القضية الوطنية سواء من خلال تعديل نهج المفاوضات وشروط التسوية أو للخروج من عملية التسوية واللجوء إلى خيار المقاومة والعصيان المدني إن تطلب الأمر. أما اليوم فوقف المفاوضات فقد مغزاه ودلالته الوطنية، حيث إن الحالة الفلسطينية الداخلية عاجزة عن إيجاد البديل لنهج المفاوضات، فلا توجد استراتيجية أو مجرد حالة فلسطينية يمكنها أن تملأ فراغ وقف المفاوضات، لا استراتيجية سلام متفقاً عليها ولا استراتيجية مقاومة متفقاً عليها، كما أن وقف المفاوضات لم يؤد إلى التقارب بين الحكومتين الفلسطينيتين وبين فتح وحماس، بل ازداد الخلاف بعد وقف المفاوضات، هذا ناهيك عن أن وقف المفاوضات لم يؤد إلى وقف الاستيطان.
استمرار وقف المفاوضات سيخدم إسرائيل أكثر لأنها ستتذرع مجدداً بغياب الشريك الفلسطيني
يبدو أن وقف المفاوضات جاء في غير وقته وخارج إطار الرؤية الوطنية المطالِبة بوقف المفاوضات، وبالتالي لا نعتقد أنه سيخدم القضية الوطنية إن لم تحل استراتيجية عمل وطني محل فراغ وقف المفاوضات ووصول تسوية أوسلو إلى طريق مسدود، بل نعتقد أن استمرار وقف المفاوضات سيخدم إسرائيل أكثر لأنها ستتذرع مجدداً بغياب الشريك الفلسطيني للسلام، وفي ظل حالة الانقسام وغياب استراتيجية عمل وطني فإن مأزق وقف المفاوضات بات لا يقل خطورة عن استمرار المفاوضات. وما نخشاه أن يكون وقف المفاوضات ليس تعبيراً عن موقف وطني من الفريق المفاوض بل خطوة مدروسة لإنهاء تسوية أوسلو وخطة خريطة الطريق تمهيداً للتعامل مع تسوية جديدة تطرحها إدارة أوباما تتطلب قواعد وأسساً جديدة للمفاوضات، تسوية تبني على ما أنجزته إسرائيل من مكاسب استيطانية خلال سنوات المفاوضات وخصوصاً بناء الجدار وتهويد القدس، لكن حتى في هذه الحالة وإن لم يتوحد الفلسطينيون فلن تكون نتائج المبادرة السياسية الجديدة والمفاوضات المترتبة عليها أفضل حالاً من سابقاتها إن استمرت الحالة الفلسطينية على ما هي عليه واستمرت المفاوضات تدار من طرف الفريق نفسه الفلسطيني.
ثانياً: وقف المقاومة أم استئنافها؟
مأزق حركة حماس مع المقاومة لا يقل عن مأزق السلطة وحركة فتح مع المفاوضات. المقاومة كالسلام لا يمكنهما تحقيق أهدافهما إلا أن مورسا في إطار استراتيجية عمل وطني وفي ظل مناخ دولي وإقليمي موات. إن حركة حماس تقف اليوم في مأزق لا تُحسد عليه، فصيرورتها سلطة وحكومة في غزة واستمرارها كذلك لها ثمن وهو التوقف عن المقاومة، فلا يمكن لحماس السلطة أن تمارس المقاومة سواء عمليات استشهادية أو إطلاق صواريخ بالشكل الذي كانت عليه سابقاً، وتدرك حركة حماس أنها إن عادت إلى ممارسة المقاومة فستفقد السلطة في القطاع. لقد حولت حركة حماس المقاتلين والمجاهدين إلى موظفين وأجهزة أمنية قامعة لحرية المواطن وتطارد من يمارس المقاومة، وانتقلت من العمل السري للعمل العلني، وأصبحت سلطة تعيش على المساعدات والتمويل الخارجي، كل ذلك أفقدها جزءاً من رصيدها من الاحترام والتقدير الشعبي وطنياً وهو أمر سيمتد على مستوى التأييد الخارجي لها. ومع مرور الوقت ستتغلب حسابات السلطة واستحقاقاتها على استحقاقات المقاومة ولا تستطيع حركة حماس الاستمرار بالادعاء بأنها حركة مقاومة لمجرد ترديدها خطاب المقاومة، ولأن سلطة حماس المستمدة من صناديق الانتخابات ستنتهي في يناير المقبل فستصبح حماس بلا شرعية جهادية حيث لا تستطيع العودة كحركة مقاومة، وبلا شرعية دستورية إن لم تخضع للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

إن حماس المأزومة في المقاومة والسلطة بدأت تغازل خيار المفاوضات والتسوية السلمية ودعاتهما في الخارج لتحافظ على سلطتها في غزة، وحركة فتح المأزومة بالمفاوضات والتسوية المتعثرة وبسلطة تتآكل شرعيتها يوما بعد يوم عادت لتستحضر خطاب المقاومة كما جرى في المؤتمر السادس في بيت لحم. وفي حقيقة الأمر فلا حركة حماس تستطيع وحدها الخروج من مأزق المقاومة لخيار المفاوضات والسلام، ولا حركة فتح قادرة على التخلي عن نهج التسوية والمفاوضات والعودة إلى نهج المقاومة، حيث إن تخلي حركة فتح عن نهج التسوية والعودة إلى خيار المقاومة سيفقدها السلطة في الضفة، كما أن عودة حركة حماس إلى نهج الجهاد سيفقدها السلطة في غزة، وذلك بسبب الانقسام الفلسطيني وفصل غزة عن الضفة من جانب وبسبب الدور الصهيوني الفاعل والحاضر للتدخل بقوة سواء في الضفة أو في غزة.
هذا المأزق المشترك يتطلب وقفة تقييم ومراجعة للمشروع الوطني ومجمل المسار السياسي والعسكري منذ عام 1988 حتى اليوم. فالأمر يحتاج إلى عقد وطني جديد أو مشروع وطني جديد لا يقطع مع نهج السلام ولا يسقط الحق بالمقاومة، مشروع الكل الفلسطيني في الوطن والشتات وليس مشروع حركة فتح أو مشروع حركة حماس، عقد سياسي جديد أو مشروع وطني جديد ليس من حيث تحديد الأهداف، بل أيضاً من حيث تحديد آليات وأولويات العمل الوطني وتحديد معسكر الحلفاء والأصدقاء وإعادة النظر في العلاقة التي تحكم فلسطينيي الداخل مع فلسطينيي الشتات، وتحكم أيضاً العلاقة بين مكونات الحقل السياسي الفلسطيني آخذاً في الاعتبار صعود القوى السياسية الجديدة. هذا المشروع الوطني لا يستطيع السياسيون المأزومون وضعه وحدهم بل يحتاج إلى نخبة من الحكماء من مثقفين ومفكرين فلسطينيين وعرب وحتى أجانب مؤيدين للحق الفلسطيني، ونتمنى أن تتبنى القيادة الفلسطينية برئاسة الرئيس أبو مازن الدعوة إلى مثل هكذا لقاء.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::999::/cck::
::introtext::
حالة غير مسبوقة من القلق والإحساس بالعجز والضياع يعيشها الفلسطينيون كافة: فلسطينيو المهجر وفلسطينيو المحشر، القادة كالمواطنين، والمتعلمون كعامة الشعب، الكل في حالة إرباك وإحساس بمأزق على كافة المستويات، مأزق سياسي سواء على مستوى العلاقات ما بين القوى السياسية وبعضها بعضاً أو ما بين الكل الفلسطيني والعالم الخارجي، مأزق مفاوضات لا يقل خطورة عن مأزق المقاومة، مأزق حصار في غزة لا يقل خطورة عن مأزق الحواجز والاستيطان والتنسيق الأمني مع إسرائيل في الضفة، حتى الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط تحول إلى ورطة لآسريه، حيث تحول من أسير إلى آسر لهم ولكل الحالة الفلسطينية.
::/introtext::
::fulltext::
حالة غير مسبوقة من القلق والإحساس بالعجز والضياع يعيشها الفلسطينيون كافة: فلسطينيو المهجر وفلسطينيو المحشر، القادة كالمواطنين، والمتعلمون كعامة الشعب، الكل في حالة إرباك وإحساس بمأزق على كافة المستويات، مأزق سياسي سواء على مستوى العلاقات ما بين القوى السياسية وبعضها بعضاً أو ما بين الكل الفلسطيني والعالم الخارجي، مأزق مفاوضات لا يقل خطورة عن مأزق المقاومة، مأزق حصار في غزة لا يقل خطورة عن مأزق الحواجز والاستيطان والتنسيق الأمني مع إسرائيل في الضفة، حتى الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط تحول إلى ورطة لآسريه، حيث تحول من أسير إلى آسر لهم ولكل الحالة الفلسطينية.
هذه الحالة وللأسف بدلاً من أن تشكل حافزاً للتوحد ولملمة الذات والبحث عن مخرج مشرف، تحولت إلى مبرر يستعمله كل طرف فلسطيني لتحميل المسؤولية للطرف الآخر وإخفاء كل طرف فشله ومأزقه بإظهار أخطاء وعيوب الطرف الآخر وهي حالة جعلت الكل متهماً ومداناً، وبالتالي أصبحنا كفلسطينيين نبدو كمسؤولين عما وصلت إليه القضية من تردٍّ وليست إسرائيل هي المسؤولة، وماذا تريد إسرائيل أكثر من إخراجها من خانة العدو الرئيسي والأوحد للشعب الفلسطيني ليحل محلها أعداء منا؟ فحركة حماس هي العدو الرئيسي للسلطة ولحركة فتح في الضفة ويجب استئصالها، وحركة فتح العدو الرئيسي لحركة حماس في قطاع غزة ويجب استئصالها.
المراهنة على الحل الأمريكي لا تقل خطورة عن الاستسلام للمشيئة الصهيونية
وهكذا بدلاً من اعتراف كل طرف بأخطائه، فلا سياسة من دون أخطاء، والاعتراف بالخطأ فضيلة وفي الحالة الفلسطينية الراهنة قمة الفضائل وخصوصاً إن أدى الاعتراف بالخطأ إلى تسهيل المصالحة الوطنية، بدلاً من ذلك يتمترس كل طرف في مواقعه ويتكيف مع مأزقه ويدفع الناس إلى التكيف مع حالة الخطأ بل تجميله وتحسينه، ليس هذا فحسب بل يستعين كل طرف بأطراف خارجية لمناصرته على خصمه الداخلي متجاهلاً أن لا طرف خارجياً سواء كان دولة أو حزباً سيكون أكثر حرصاً على الفلسطينيين من الفلسطينيين أنفسهم حتى إن كانوا خصوماً سياسيين. وقد كشفت السنوات الأخيرة وخصوصاً أثناء العدوان على غزة أن معسكر الممانعة كمعسكر الاعتدال سراب ووهم، وأن المراهنة على الحل الأمريكي لا تقل خطورة عن الاستسلام للمشيئة الصهيونية. هذه الحالة من العجز والمراهنة على السراب والمجهول خلقت أيضاً حالة من فقدان الثقة بالذات وبالخيارات الاستراتيجية لكل طرف أو التي يعتقد أنها كذلك، بل لهذا السبب أصبحت هذه الخيارات حملاً ثقيلاً على أصحابها وخصوصاً خيار المفاوضات وخيار المقاومة ليس لأن هذين النهجين خطأ، بل لأنه لا يمكن نجاحهما في ظل الحالة المشار إليها.
أولاً: وقف المفاوضات أم استئنافها؟
من يختار نهج التسوية والسلام عليه القبول بالمفاوضات كآلية للتسوية، لكن المفاوضات قد تتحول إلى عبء وحالة معيقة للسلام عند من لا يحسن فن التفاوض أو لا يؤمن بالقضية التي يتفاوض بشأنها، وهذا ما جرى مع مفاوضات التسوية مع إسرائيل، حيث حولت إسرائيل المفاوضات إلى أداة للتسويف ولكسب الوقت لتستكمل مشاريعها الاستيطانية. وبعد سنوات من المفاوضات العبثية أعلنت السلطة وقف المفاوضات السياسية مع إسرائيل- على الرغم من عدم دقة (وقف المفاوضات) حيث الاتصالات تجري باستمرار بعيداً عن الكاميرا وفي قضايا متعددة- وهو ما كان يجب أن يحدث منذ سنوات عندما بات واضحاً استغلال إسرائيل للمفاوضات للتغطية على عملياتها الاستيطانية، وإذا كانت المفاوضات بالنسبة للفريق الفلسطيني المفاوض حياة، كما وصفها صائب عريقات، فقد كان الاستيطان بالنسبة للإسرائيليين هو الحياة بالنسبة لهم ولمشروعهم الصهيوني وشتان ما بين حياتنا مع الاستيطان وحياتهم مع المفاوضات. كانت المفاوضات ترياق الحياة لسياسة الاستيطان، فيما كان الاستيطان سرطاناً ينخر جسد الأرض التي كان يفترض أن تشكل الدولة الفلسطينية المستقلة.
كانت المفاوضات ترياق الحياة لسياسة الاستيطان فيما كان الاستيطان سرطاناً ينخر جسد الأرض
لأن الشعب الفلسطيني شعر بخطورة استمرار المفاوضات، واختنق من سياسة الخداع والتهريج التي يمارسها الفريق الفلسطيني المفاوض، فقد ارتفعت الأصوات المطالبة بوقف الاستيطان، حيث كان وقف الاستيطان مطلباً وطنياً قبل الانقسام وعندما كانت لدينا سلطة واحدة وحكومة واحدة وموقف عربي ومسلم ودولي داعم لنا وموحد نسبياً، كان وقف المفاوضات آنذاك يخدم القضية الوطنية سواء من خلال تعديل نهج المفاوضات وشروط التسوية أو للخروج من عملية التسوية واللجوء إلى خيار المقاومة والعصيان المدني إن تطلب الأمر. أما اليوم فوقف المفاوضات فقد مغزاه ودلالته الوطنية، حيث إن الحالة الفلسطينية الداخلية عاجزة عن إيجاد البديل لنهج المفاوضات، فلا توجد استراتيجية أو مجرد حالة فلسطينية يمكنها أن تملأ فراغ وقف المفاوضات، لا استراتيجية سلام متفقاً عليها ولا استراتيجية مقاومة متفقاً عليها، كما أن وقف المفاوضات لم يؤد إلى التقارب بين الحكومتين الفلسطينيتين وبين فتح وحماس، بل ازداد الخلاف بعد وقف المفاوضات، هذا ناهيك عن أن وقف المفاوضات لم يؤد إلى وقف الاستيطان.
استمرار وقف المفاوضات سيخدم إسرائيل أكثر لأنها ستتذرع مجدداً بغياب الشريك الفلسطيني
يبدو أن وقف المفاوضات جاء في غير وقته وخارج إطار الرؤية الوطنية المطالِبة بوقف المفاوضات، وبالتالي لا نعتقد أنه سيخدم القضية الوطنية إن لم تحل استراتيجية عمل وطني محل فراغ وقف المفاوضات ووصول تسوية أوسلو إلى طريق مسدود، بل نعتقد أن استمرار وقف المفاوضات سيخدم إسرائيل أكثر لأنها ستتذرع مجدداً بغياب الشريك الفلسطيني للسلام، وفي ظل حالة الانقسام وغياب استراتيجية عمل وطني فإن مأزق وقف المفاوضات بات لا يقل خطورة عن استمرار المفاوضات. وما نخشاه أن يكون وقف المفاوضات ليس تعبيراً عن موقف وطني من الفريق المفاوض بل خطوة مدروسة لإنهاء تسوية أوسلو وخطة خريطة الطريق تمهيداً للتعامل مع تسوية جديدة تطرحها إدارة أوباما تتطلب قواعد وأسساً جديدة للمفاوضات، تسوية تبني على ما أنجزته إسرائيل من مكاسب استيطانية خلال سنوات المفاوضات وخصوصاً بناء الجدار وتهويد القدس، لكن حتى في هذه الحالة وإن لم يتوحد الفلسطينيون فلن تكون نتائج المبادرة السياسية الجديدة والمفاوضات المترتبة عليها أفضل حالاً من سابقاتها إن استمرت الحالة الفلسطينية على ما هي عليه واستمرت المفاوضات تدار من طرف الفريق نفسه الفلسطيني.
ثانياً: وقف المقاومة أم استئنافها؟
مأزق حركة حماس مع المقاومة لا يقل عن مأزق السلطة وحركة فتح مع المفاوضات. المقاومة كالسلام لا يمكنهما تحقيق أهدافهما إلا أن مورسا في إطار استراتيجية عمل وطني وفي ظل مناخ دولي وإقليمي موات. إن حركة حماس تقف اليوم في مأزق لا تُحسد عليه، فصيرورتها سلطة وحكومة في غزة واستمرارها كذلك لها ثمن وهو التوقف عن المقاومة، فلا يمكن لحماس السلطة أن تمارس المقاومة سواء عمليات استشهادية أو إطلاق صواريخ بالشكل الذي كانت عليه سابقاً، وتدرك حركة حماس أنها إن عادت إلى ممارسة المقاومة فستفقد السلطة في القطاع. لقد حولت حركة حماس المقاتلين والمجاهدين إلى موظفين وأجهزة أمنية قامعة لحرية المواطن وتطارد من يمارس المقاومة، وانتقلت من العمل السري للعمل العلني، وأصبحت سلطة تعيش على المساعدات والتمويل الخارجي، كل ذلك أفقدها جزءاً من رصيدها من الاحترام والتقدير الشعبي وطنياً وهو أمر سيمتد على مستوى التأييد الخارجي لها. ومع مرور الوقت ستتغلب حسابات السلطة واستحقاقاتها على استحقاقات المقاومة ولا تستطيع حركة حماس الاستمرار بالادعاء بأنها حركة مقاومة لمجرد ترديدها خطاب المقاومة، ولأن سلطة حماس المستمدة من صناديق الانتخابات ستنتهي في يناير المقبل فستصبح حماس بلا شرعية جهادية حيث لا تستطيع العودة كحركة مقاومة، وبلا شرعية دستورية إن لم تخضع للاستحقاقات الانتخابية المقبلة.

إن حماس المأزومة في المقاومة والسلطة بدأت تغازل خيار المفاوضات والتسوية السلمية ودعاتهما في الخارج لتحافظ على سلطتها في غزة، وحركة فتح المأزومة بالمفاوضات والتسوية المتعثرة وبسلطة تتآكل شرعيتها يوما بعد يوم عادت لتستحضر خطاب المقاومة كما جرى في المؤتمر السادس في بيت لحم. وفي حقيقة الأمر فلا حركة حماس تستطيع وحدها الخروج من مأزق المقاومة لخيار المفاوضات والسلام، ولا حركة فتح قادرة على التخلي عن نهج التسوية والمفاوضات والعودة إلى نهج المقاومة، حيث إن تخلي حركة فتح عن نهج التسوية والعودة إلى خيار المقاومة سيفقدها السلطة في الضفة، كما أن عودة حركة حماس إلى نهج الجهاد سيفقدها السلطة في غزة، وذلك بسبب الانقسام الفلسطيني وفصل غزة عن الضفة من جانب وبسبب الدور الصهيوني الفاعل والحاضر للتدخل بقوة سواء في الضفة أو في غزة.
هذا المأزق المشترك يتطلب وقفة تقييم ومراجعة للمشروع الوطني ومجمل المسار السياسي والعسكري منذ عام 1988 حتى اليوم. فالأمر يحتاج إلى عقد وطني جديد أو مشروع وطني جديد لا يقطع مع نهج السلام ولا يسقط الحق بالمقاومة، مشروع الكل الفلسطيني في الوطن والشتات وليس مشروع حركة فتح أو مشروع حركة حماس، عقد سياسي جديد أو مشروع وطني جديد ليس من حيث تحديد الأهداف، بل أيضاً من حيث تحديد آليات وأولويات العمل الوطني وتحديد معسكر الحلفاء والأصدقاء وإعادة النظر في العلاقة التي تحكم فلسطينيي الداخل مع فلسطينيي الشتات، وتحكم أيضاً العلاقة بين مكونات الحقل السياسي الفلسطيني آخذاً في الاعتبار صعود القوى السياسية الجديدة. هذا المشروع الوطني لا يستطيع السياسيون المأزومون وضعه وحدهم بل يحتاج إلى نخبة من الحكماء من مثقفين ومفكرين فلسطينيين وعرب وحتى أجانب مؤيدين للحق الفلسطيني، ونتمنى أن تتبنى القيادة الفلسطينية برئاسة الرئيس أبو مازن الدعوة إلى مثل هكذا لقاء.
::/fulltext::
::cck::999::/cck::
