انسحاب القوات الأمريكية من المدن العراقية وانعكاسه على الوضع الأمني

::cck::1107::/cck::
::introtext::

يشكل انسحاب القوات الأمريكية القتالية من المدن العراقية تطوراً جديداً على الرغم من عده ـ من قبل البعض ـ إعادة انتشار أو انسحاب تكتيكي لا سيما أن هذه القوات موجودة على مرمى عصا من المدن، ويستدل هؤلاء في تشكيكهم هذا على وقائع تاريخية وحقائق ساقوها من التاريخ الحديث للوجود الأمريكي في دول العالم المختلفة، فيشير موقع المعرفة للجزيرة ان أمريكا ما دخلت بلداً وخرجت منه بعد الحرب العالمية الثانية باستثناء فيتنام وكوريا الشمالية البلدين اللذين لم تحتلهما عملياً، ونقلاً عن نشرة لوزارة الدفاع الأمريكية بأن الأمريكان موجودون في أكثر من (70%) من دول العالم

::/introtext::
::fulltext::

يشكل انسحاب القوات الأمريكية القتالية من المدن العراقية تطوراً جديداً على الرغم من عده ـ من قبل البعض ـ إعادة انتشار أو انسحاب تكتيكي لا سيما أن هذه القوات موجودة على مرمى عصا من المدن، ويستدل هؤلاء في تشكيكهم هذا على وقائع تاريخية وحقائق ساقوها من التاريخ الحديث للوجود الأمريكي في دول العالم المختلفة، فيشير موقع المعرفة للجزيرة ان أمريكا ما دخلت بلداً وخرجت منه بعد الحرب العالمية الثانية باستثناء فيتنام وكوريا الشمالية البلدين اللذين لم تحتلهما عملياً، ونقلاً عن نشرة لوزارة الدفاع الأمريكية بأن الأمريكان موجودون في أكثر من (70%) من دول العالم، وهذا يشير بطريقة واضحة إلى أن هذا الوجود قد أضحى مسألة متعارفاً عليها ولا يمكن استثناء العراق منه، لا سيما أن القواعد الأمريكية في هذا البلد وحسب ما يعلن سيكون لها حضور على الأرض العراقية ولفترة غير معروفة على الرغم من إعلان موعد انسحاب القوات الأمريكية المزمع في نهاية سنة 2011، في حين تنظر إليه الحكومة العراقية على انه يشكل انعطافة مميزة على طريق الخلاص النهائي من الاحتلال الأمريكي.

انسحاب القوات الأمريكية من المدن لا يشكل تهديداً حقيقياً للأمن الوطني بسبب الرغبة الشعبية الموحدة في انسحاب هذه القوات

ومع هذا فإن الانسحاب بحد ذاته يمثل حالة ارتياح شعبي عراقي واضح بعد أن كان وجود هذه القوات طوال الفترة الماضية في المدن والقصبات يمثل حالة لا طائل منها مع انحسار موجات العنف الشديدة وتمكن العراقيين من السيطرة على كثير من المواقع الحيوية، إلا أن الشيء المهم في هذا المجال هو انعكاس هذا الانسحاب على الوضع الأمني، ويمكن التأسيس على تحليل وتفسير ذلك اعتماداً على حقيقة ميدانية ملموسة في الشارع العراقي بكل أطيافه هي عدم الرغبة بالعودة إلى العنف الذي خرب البلاد وأخر العباد، لا سيما مع تصاعد وتيرة وعي اجتماعي شعبي ارتقى فوق ما يعيشه السياسيون من خلافات وصراعات، بعد أن ذاق الشعب ويلات العنف والإرهاب والدمار والفوضى، وبهذا المعنى فإن الوضع الأمني بعد الانسحاب لا يخرج عن إطار فهم العراقيين لمصالحهم ووعيهم بضرورة إيجاد مكانة مقدرة لهم على خارطة البرامج التنموية أسوة بنظائرهم في المنطقة والعالم بعيداً عن أي مسلك آخر يمس أمنهم الاجتماعي والإنساني. 

أولاً: المصالحة الوطنية وتحقيق الأمن

تبقى المخاوف قائمة في الشارع العراقي من شبح العنف رغم أن كل الوقائع الميدانية الحاضرة تؤكد ـ لا عودة إلى الفوضى من جديد ـ ليس رضا على أداء النظام الرسمي للدولة ولا سيما في مجال الخدمات والحاجات الأساسية للمواطن، إنما هو نابع من رغبة شعبية حقيقية امتزجت بطموح اجتماعي وثقافي لتجاوز الحقبة الماضية إلى حقبة البناء والإعمار وتحقيق الأمن الاجتماعي وحرية الرأي وتكافؤ الفرص أمام الجميع، وطالما أن الملف الأمني يخضع لتقلبات السياسة ومصالحها لا بد من مصالحة وطنية حقيقية كي تتكامل فكرة الخروج من الحقبة الماضية وفق أسس وطنية وبما يحقق لهذا المجتمع حالة من الاستقرار والأمن وتزداد الحاجة إلى ذلك مع انسحاب القوات الأمريكية من المدن، كذلك يكون من شأن ذلك قطع الطريق أمام المشاريع الخارجية المتصارعة على أرض العراق أو التي لها أجندتها السياسية المختلفة والتي تلحق أضراراً بوحدة نسيج المجتمع العراقي بطريقة أو بأخرى، وهي القضية التي تهم كل عراقي وتخص مستقبل البلد وتعلو على كل الصراعات السياسية والخلافات الشخصية العابرة، وقد آن الأوان كي يضع العراقيون أسس بناء ثقافة متجددة قائمة على التسامح واحترام الآخر، وهي أسس موجودة في وحدة مصادر الثقافة العراقية بعمقها الحضاري والتاريخي، وما يحتاجون إليه الآن لا يعدو أكثر من عملية إعادة تنظيم وفق رؤى علمية وإنسانية تبدأ مع التنشئة الاجتماعية في الأسرة وفي المناهج الدراسية وفي برامج الإعلام المختلفة، وبهذا المعنى ينبغي النظر إلى قضية المصالحة ليس كونها إعادة فاعلية وحدة الثقافة فهذه الوحدة موجودة ولها تفاعلاتها الحضارية التلقائية خلال التاريخ، إنما في وضع آلية للمصالحة السياسية لتكوين رؤية موضوعية لبناء البلد في عصر بات فيه التقدم والتطور غير قادر على الانتظار أو التأجيل، بل يتطلب من الإنسان المواكبة لحركته العالمية أو على الأقل في السعي للحاق بركبه، إذاً منظار المصالحة ينبغي أن يفهم على أنه ضرورة اجتماعية لتحقيق الأمن الوطني متزامنة مع انسحاب القوات الأمريكية، وليست مسألة تتعلق بقضايا آنية أو إرضاء هذا الطرف أو ذاك، إنما ينبغي النظر إليها على أنها صيرورة حضارية تتطلبها قوانين التطور والتقدم في هذا العالم المتغير، لا سيما أن عوامل تحقيق ذلك ممكنة في حالة العراق ذات العمق الحضاري، ما يجعل البعض يقع في تقدير خاطئ حينما يشبه انسحاب القوات الأمريكية القتالية من المدن العراقية بانسحابها من الصومال، بسبب التباين والاختلاف بين البلدين.

فالمجتمع العراقي لم يشهد انقساماً قبلياً أو عشائرياً كالذي يحصل في الصومال، فهو مجتمع تتداخل فيه القبائل والعشائر مع بعضها بعضاً نسباً وثقافة ومعايشة، كذلك الحال مع المجتمع المحلي الحضري لحقبة طويلة من الزمن تبلور خلالها نسق ثقافي واحد تظهر معاييره وقيمه في الشخصية العراقية شمالاً ووسطاً وجنوباً، مع وجود بعض الاختلافات الثقافية الجزئية نتيجة التباين الأيكولوجي، وعليه فإن انسحاب القوات الأمريكية من المدن لا يشكل تهديداً حقيقياً للأمن الوطني بسبب الرغبة الشعبية الموحدة في انسحاب هذه القوات من المدن، وما أحدثته من مشكلات كثيرة من جهة واتجاه المجتمع نحو التخلص من كل أشكال المظاهر المسلحة والعودة إلى الحياة المدنية السلمية رغبة في تكوين المجتمع المدني من جهة أخرى، ولعل أولى الخطوات العملية في تحقيق ذلك هو تنفيذ خطوات المصالحة الوطنية التي دعت إليها الحكومة فمن دونها لا يمكن تحقيق أمن حقيقي على المدى الطويل وينبغي الاستفادة من الخصائص الثقافية والاجتماعية التي تميز المجتمع العراقي في تحقيقه ذلك، ليكون الحوار الوطني هو الطريق الوحيد وهو بالأساس حوار بين الأطراف السياسية الفاعلة في الساحة السياسية من جهة، ومن ثم بينها ومع أي طرف يريد خير العراق واستقراره والعيش بسلام على أرضه حراً من جهة أخرى، لأن المسألة على المستوى الشعبي يبدو أنها محسومة، أو في طريقها إلى الحسم النهائي، مع تنامي الوعي لوحدة المصير، لذا فإن الفرصة الآن سانحة أمام الأطراف السياسية العراقية المختلفة في تحقيق ذلك لا سيما أن خطوة الانسحاب الأمريكية هذه وكيف ما تكون صورتها ستترك فراغاً أمنياً قد تتسع دائرته مستقبلاً إذا لم تبذل جهود حقيقية لتحقيق مصالحة وطنية تعيد الثقة بين الدولة والمواطن، لا سيما أن الأخير يعاني من نقص حاد في الخدمات وفرص العمل وغيرها، وما ينجم عنه من مشكلات اجتماعية ونفسية سيكون الوصول إلى حلول لها متعذراً وسط القلق والخوف من المجهول.

القواعد الأمريكية في العراق سيكون لها حضور على الأرض ولفترة غير معروفة

 ثانياً: جاهزية القوات المسلحة والأمن

لا شك أن الأمن الوطني بشكله الحقيقي يرتبط بمسألتين أساسيتين على مستوى السوق العسكري، أولهما جاهزية المعنويات والتدريب والتسليح، واقتناء المعدات القتالية، فضلاً عن توافر الجوانب اللوجستية الملاءمة لجيش وقوات أمن تضم كل العراقيين، ويكون ولاؤها للوطن، وثانيها الجاهزية الاستخباراتية وأدواتها الفنية المتقدمة، والقادرة على توفير المعلومات الأمنية الصحيحة والدقيقة لعمل القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي، حتى تكون مهماتها وواجباتها دقيقة وعملية وناجحة، لكن من حيث الواقع لا تزال تصريحات المسؤولين الحكوميين تؤكد بين فترة وأخرى عدم جاهزية هذه القوات بشكل يلبي حاجة المجتمع والدولة من الأمن، كما يعزز ذلك تصريحات القادة الميدانيين الأمريكان على أن الوضع الامني لايزال هشاً، ولا شك أيضاً أن هناك حقيقة متفاعلة هي انفتاح الساحة العراقية أمام جهات استخباراتية متنوعة كل منها له أجندته السياسية، ما يجعل عميلة ضبط الأمن تتطلب بذل جهود كبيرة يوماً بعد آخر من أجل السيطرة على الساحة العراقية، فضلاً عن تكوين رؤية وطنية موحدة في هذا المجال لا سيما أن حالة التوافق أو التنسيق تبدو ضعيفة بين كثير من المناطق العراقية وبشكل خاص بين إقليم كردستان العراق والحكومة المركزية، فهناك في الإقليم جيش خاص به مع منظومة استخباراتية خاصة به أيضاً، ومع تقدير جهودها في حفظ أمن الإقليم، إلا أن مسألة بناء جيش عراقي وطني ومنظومة استخباراتية وطنية، تبقى مسألة حيوية، إذا ما تحققت سوف تسد فراغاً أمنياً بعد انسحاب القوات الأمريكية، ليس من المدن وإنما من العراق بكامله، كما أن تحقيق ذلك لا ينفصل بأي شكل من الأشكال عن تحقيق مصالحة وطنية وإيصال الخدمات الضرورية للمواطن ومعالجة مشكلة البطالة والحد من النقص في الأمن الغذائي وغيرها، فالأمن بهذا المعنى كل متكامل فإذا ما تحقق ذلك فإن إمكانية تحقيق الأمن تكون ممكنة، ولا سيما مع إعلان موعد الانسحاب النهائي عام 2011، وتحقيق الأمن لا يتم بنشر مئات الآلاف من الجنود والشرطة في الشوارع، إنما عن طريق تحقيق ذلك التكامل بين الجاهزية العسكرية وتحقيق إنجازات حقيقية على الأرض في المجالات كافة، ومن دون ذلك ستكون هناك ثغرات خطيرة في الوضع الأمني على المدى البعيد، وربما على المدى القريب أيضاً. 

ثالثاً: انسحاب القوات الأمريكية من المدن والمتغيرات الإقليمية

لا شك أن انسحاب القوات الأمريكية من المدن بعوامله الداخلية لا ينفصل عن عوامله الخارجية التي تتفاعل يومياً في محيط العراق الإقليمي، فضلاً عن المشكلات والأزمات الدولية، وفي مقدمتها الأزمة المالية وأثرها في الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي في عملية الإنفاق على قوات الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وغيره، وكذلك طبيعة مسار الصراعات الإقليمية والدولية وتوقعاتها المستقبلية، ولا سيما ما يتصل بمنطقة الشرق الأوسط وملفاتها المعقدة، ومنها الملف النووي الإيراني، وملفات الإرهاب، وعلاقتها بأزمة الصومال، وأثرها في الأمن في القرن الإفريقي، فضلاً عن مشكلات المنطقة العربية وغيرها، ما يجعل الولايات المتحدة الأمريكية تعيد حساباتها بشكل واقعي، وبعيداً عن اليوتوبيا التي تصورها البعض وهي تحتل العراق، الأمر الذي جعل انسحابها من المدن العراقية يدخل ضمن محاولاتها امتلاك زمام المناورة بقواتها في مناطق أخرى من العالم، لا سيما مع تزايد أزماتها الخلافية مع كوريا الشمالية وتصاعد مشكلاتها مع إيران اذا ما أخفقت محاولات الحوار معها، فضلاً عن تزايد الضغوطات الداخلية على الإدارة الأمريكية بشأن الحروب الخارجية، وما تشكله من استنزاف بشري واقتصادي دون ظهور بوادر انتهاء مهامها على المدى القصير، ما يجعل عملية تجهيز هذه القوات صعبة، ولكل هذه القضايا تأثيراتها في الوضع الأمني في العراق، ومناطق الصراع الأخرى، كذلك تبقى المؤثرات الإقليمية المحيطة بالعراق تتفاعل في التأثير في الوضع الأمني الأمر الذي يستدعي إبعاد البلد عن أي صراع محتمل في محيطه، كما يجب عدم السماح باستخدام الأراضي العراقية ضد أي طرف، وفي الوقت نفسه من أجل تحقيق أمن حقيقي بعد انسحاب القوات الأجنبية منه وحل القضايا الخلافية بين القوى السياسية، ولا سيما قضية كركوك وألا يسمح لأي طرف إقليمي بالتدخل وبأي طريقة كانت، باعتبارها قضية داخلية، وبهذا المعنى فالمتغيرات الإقليمية المتفاعلة في محيط العراق قد تؤثر في الوضع الأمني بعد الانسحاب الكامل للقوات القتالية مع نهاية سنة 2011، كما هو معلن، وليس بطريقة مؤثرة مع انسحابها من المدن في الوقت الحاضر، لذا يجب فتح حوار مع دول الجوار من أجل توقيع اتفاقيات ثنائية يكون قوامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وفتح قنوات التعاون معها على قاعدة المصالح المتبادلة، وبما يعزز الأمن الداخلي المدعوم مجتمعياً وفق قواعد الاحترام لحقوق الإنسان، وتحقيق قدر كاف من التنمية.

 

::/fulltext::

iraq33-94d
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1107::/cck::
::introtext::

يشكل انسحاب القوات الأمريكية القتالية من المدن العراقية تطوراً جديداً على الرغم من عده ـ من قبل البعض ـ إعادة انتشار أو انسحاب تكتيكي لا سيما أن هذه القوات موجودة على مرمى عصا من المدن، ويستدل هؤلاء في تشكيكهم هذا على وقائع تاريخية وحقائق ساقوها من التاريخ الحديث للوجود الأمريكي في دول العالم المختلفة، فيشير موقع المعرفة للجزيرة ان أمريكا ما دخلت بلداً وخرجت منه بعد الحرب العالمية الثانية باستثناء فيتنام وكوريا الشمالية البلدين اللذين لم تحتلهما عملياً، ونقلاً عن نشرة لوزارة الدفاع الأمريكية بأن الأمريكان موجودون في أكثر من (70%) من دول العالم

::/introtext::
::fulltext::

يشكل انسحاب القوات الأمريكية القتالية من المدن العراقية تطوراً جديداً على الرغم من عده ـ من قبل البعض ـ إعادة انتشار أو انسحاب تكتيكي لا سيما أن هذه القوات موجودة على مرمى عصا من المدن، ويستدل هؤلاء في تشكيكهم هذا على وقائع تاريخية وحقائق ساقوها من التاريخ الحديث للوجود الأمريكي في دول العالم المختلفة، فيشير موقع المعرفة للجزيرة ان أمريكا ما دخلت بلداً وخرجت منه بعد الحرب العالمية الثانية باستثناء فيتنام وكوريا الشمالية البلدين اللذين لم تحتلهما عملياً، ونقلاً عن نشرة لوزارة الدفاع الأمريكية بأن الأمريكان موجودون في أكثر من (70%) من دول العالم، وهذا يشير بطريقة واضحة إلى أن هذا الوجود قد أضحى مسألة متعارفاً عليها ولا يمكن استثناء العراق منه، لا سيما أن القواعد الأمريكية في هذا البلد وحسب ما يعلن سيكون لها حضور على الأرض العراقية ولفترة غير معروفة على الرغم من إعلان موعد انسحاب القوات الأمريكية المزمع في نهاية سنة 2011، في حين تنظر إليه الحكومة العراقية على انه يشكل انعطافة مميزة على طريق الخلاص النهائي من الاحتلال الأمريكي.

انسحاب القوات الأمريكية من المدن لا يشكل تهديداً حقيقياً للأمن الوطني بسبب الرغبة الشعبية الموحدة في انسحاب هذه القوات

ومع هذا فإن الانسحاب بحد ذاته يمثل حالة ارتياح شعبي عراقي واضح بعد أن كان وجود هذه القوات طوال الفترة الماضية في المدن والقصبات يمثل حالة لا طائل منها مع انحسار موجات العنف الشديدة وتمكن العراقيين من السيطرة على كثير من المواقع الحيوية، إلا أن الشيء المهم في هذا المجال هو انعكاس هذا الانسحاب على الوضع الأمني، ويمكن التأسيس على تحليل وتفسير ذلك اعتماداً على حقيقة ميدانية ملموسة في الشارع العراقي بكل أطيافه هي عدم الرغبة بالعودة إلى العنف الذي خرب البلاد وأخر العباد، لا سيما مع تصاعد وتيرة وعي اجتماعي شعبي ارتقى فوق ما يعيشه السياسيون من خلافات وصراعات، بعد أن ذاق الشعب ويلات العنف والإرهاب والدمار والفوضى، وبهذا المعنى فإن الوضع الأمني بعد الانسحاب لا يخرج عن إطار فهم العراقيين لمصالحهم ووعيهم بضرورة إيجاد مكانة مقدرة لهم على خارطة البرامج التنموية أسوة بنظائرهم في المنطقة والعالم بعيداً عن أي مسلك آخر يمس أمنهم الاجتماعي والإنساني. 

أولاً: المصالحة الوطنية وتحقيق الأمن

تبقى المخاوف قائمة في الشارع العراقي من شبح العنف رغم أن كل الوقائع الميدانية الحاضرة تؤكد ـ لا عودة إلى الفوضى من جديد ـ ليس رضا على أداء النظام الرسمي للدولة ولا سيما في مجال الخدمات والحاجات الأساسية للمواطن، إنما هو نابع من رغبة شعبية حقيقية امتزجت بطموح اجتماعي وثقافي لتجاوز الحقبة الماضية إلى حقبة البناء والإعمار وتحقيق الأمن الاجتماعي وحرية الرأي وتكافؤ الفرص أمام الجميع، وطالما أن الملف الأمني يخضع لتقلبات السياسة ومصالحها لا بد من مصالحة وطنية حقيقية كي تتكامل فكرة الخروج من الحقبة الماضية وفق أسس وطنية وبما يحقق لهذا المجتمع حالة من الاستقرار والأمن وتزداد الحاجة إلى ذلك مع انسحاب القوات الأمريكية من المدن، كذلك يكون من شأن ذلك قطع الطريق أمام المشاريع الخارجية المتصارعة على أرض العراق أو التي لها أجندتها السياسية المختلفة والتي تلحق أضراراً بوحدة نسيج المجتمع العراقي بطريقة أو بأخرى، وهي القضية التي تهم كل عراقي وتخص مستقبل البلد وتعلو على كل الصراعات السياسية والخلافات الشخصية العابرة، وقد آن الأوان كي يضع العراقيون أسس بناء ثقافة متجددة قائمة على التسامح واحترام الآخر، وهي أسس موجودة في وحدة مصادر الثقافة العراقية بعمقها الحضاري والتاريخي، وما يحتاجون إليه الآن لا يعدو أكثر من عملية إعادة تنظيم وفق رؤى علمية وإنسانية تبدأ مع التنشئة الاجتماعية في الأسرة وفي المناهج الدراسية وفي برامج الإعلام المختلفة، وبهذا المعنى ينبغي النظر إلى قضية المصالحة ليس كونها إعادة فاعلية وحدة الثقافة فهذه الوحدة موجودة ولها تفاعلاتها الحضارية التلقائية خلال التاريخ، إنما في وضع آلية للمصالحة السياسية لتكوين رؤية موضوعية لبناء البلد في عصر بات فيه التقدم والتطور غير قادر على الانتظار أو التأجيل، بل يتطلب من الإنسان المواكبة لحركته العالمية أو على الأقل في السعي للحاق بركبه، إذاً منظار المصالحة ينبغي أن يفهم على أنه ضرورة اجتماعية لتحقيق الأمن الوطني متزامنة مع انسحاب القوات الأمريكية، وليست مسألة تتعلق بقضايا آنية أو إرضاء هذا الطرف أو ذاك، إنما ينبغي النظر إليها على أنها صيرورة حضارية تتطلبها قوانين التطور والتقدم في هذا العالم المتغير، لا سيما أن عوامل تحقيق ذلك ممكنة في حالة العراق ذات العمق الحضاري، ما يجعل البعض يقع في تقدير خاطئ حينما يشبه انسحاب القوات الأمريكية القتالية من المدن العراقية بانسحابها من الصومال، بسبب التباين والاختلاف بين البلدين.

فالمجتمع العراقي لم يشهد انقساماً قبلياً أو عشائرياً كالذي يحصل في الصومال، فهو مجتمع تتداخل فيه القبائل والعشائر مع بعضها بعضاً نسباً وثقافة ومعايشة، كذلك الحال مع المجتمع المحلي الحضري لحقبة طويلة من الزمن تبلور خلالها نسق ثقافي واحد تظهر معاييره وقيمه في الشخصية العراقية شمالاً ووسطاً وجنوباً، مع وجود بعض الاختلافات الثقافية الجزئية نتيجة التباين الأيكولوجي، وعليه فإن انسحاب القوات الأمريكية من المدن لا يشكل تهديداً حقيقياً للأمن الوطني بسبب الرغبة الشعبية الموحدة في انسحاب هذه القوات من المدن، وما أحدثته من مشكلات كثيرة من جهة واتجاه المجتمع نحو التخلص من كل أشكال المظاهر المسلحة والعودة إلى الحياة المدنية السلمية رغبة في تكوين المجتمع المدني من جهة أخرى، ولعل أولى الخطوات العملية في تحقيق ذلك هو تنفيذ خطوات المصالحة الوطنية التي دعت إليها الحكومة فمن دونها لا يمكن تحقيق أمن حقيقي على المدى الطويل وينبغي الاستفادة من الخصائص الثقافية والاجتماعية التي تميز المجتمع العراقي في تحقيقه ذلك، ليكون الحوار الوطني هو الطريق الوحيد وهو بالأساس حوار بين الأطراف السياسية الفاعلة في الساحة السياسية من جهة، ومن ثم بينها ومع أي طرف يريد خير العراق واستقراره والعيش بسلام على أرضه حراً من جهة أخرى، لأن المسألة على المستوى الشعبي يبدو أنها محسومة، أو في طريقها إلى الحسم النهائي، مع تنامي الوعي لوحدة المصير، لذا فإن الفرصة الآن سانحة أمام الأطراف السياسية العراقية المختلفة في تحقيق ذلك لا سيما أن خطوة الانسحاب الأمريكية هذه وكيف ما تكون صورتها ستترك فراغاً أمنياً قد تتسع دائرته مستقبلاً إذا لم تبذل جهود حقيقية لتحقيق مصالحة وطنية تعيد الثقة بين الدولة والمواطن، لا سيما أن الأخير يعاني من نقص حاد في الخدمات وفرص العمل وغيرها، وما ينجم عنه من مشكلات اجتماعية ونفسية سيكون الوصول إلى حلول لها متعذراً وسط القلق والخوف من المجهول.

القواعد الأمريكية في العراق سيكون لها حضور على الأرض ولفترة غير معروفة

 ثانياً: جاهزية القوات المسلحة والأمن

لا شك أن الأمن الوطني بشكله الحقيقي يرتبط بمسألتين أساسيتين على مستوى السوق العسكري، أولهما جاهزية المعنويات والتدريب والتسليح، واقتناء المعدات القتالية، فضلاً عن توافر الجوانب اللوجستية الملاءمة لجيش وقوات أمن تضم كل العراقيين، ويكون ولاؤها للوطن، وثانيها الجاهزية الاستخباراتية وأدواتها الفنية المتقدمة، والقادرة على توفير المعلومات الأمنية الصحيحة والدقيقة لعمل القوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي، حتى تكون مهماتها وواجباتها دقيقة وعملية وناجحة، لكن من حيث الواقع لا تزال تصريحات المسؤولين الحكوميين تؤكد بين فترة وأخرى عدم جاهزية هذه القوات بشكل يلبي حاجة المجتمع والدولة من الأمن، كما يعزز ذلك تصريحات القادة الميدانيين الأمريكان على أن الوضع الامني لايزال هشاً، ولا شك أيضاً أن هناك حقيقة متفاعلة هي انفتاح الساحة العراقية أمام جهات استخباراتية متنوعة كل منها له أجندته السياسية، ما يجعل عميلة ضبط الأمن تتطلب بذل جهود كبيرة يوماً بعد آخر من أجل السيطرة على الساحة العراقية، فضلاً عن تكوين رؤية وطنية موحدة في هذا المجال لا سيما أن حالة التوافق أو التنسيق تبدو ضعيفة بين كثير من المناطق العراقية وبشكل خاص بين إقليم كردستان العراق والحكومة المركزية، فهناك في الإقليم جيش خاص به مع منظومة استخباراتية خاصة به أيضاً، ومع تقدير جهودها في حفظ أمن الإقليم، إلا أن مسألة بناء جيش عراقي وطني ومنظومة استخباراتية وطنية، تبقى مسألة حيوية، إذا ما تحققت سوف تسد فراغاً أمنياً بعد انسحاب القوات الأمريكية، ليس من المدن وإنما من العراق بكامله، كما أن تحقيق ذلك لا ينفصل بأي شكل من الأشكال عن تحقيق مصالحة وطنية وإيصال الخدمات الضرورية للمواطن ومعالجة مشكلة البطالة والحد من النقص في الأمن الغذائي وغيرها، فالأمن بهذا المعنى كل متكامل فإذا ما تحقق ذلك فإن إمكانية تحقيق الأمن تكون ممكنة، ولا سيما مع إعلان موعد الانسحاب النهائي عام 2011، وتحقيق الأمن لا يتم بنشر مئات الآلاف من الجنود والشرطة في الشوارع، إنما عن طريق تحقيق ذلك التكامل بين الجاهزية العسكرية وتحقيق إنجازات حقيقية على الأرض في المجالات كافة، ومن دون ذلك ستكون هناك ثغرات خطيرة في الوضع الأمني على المدى البعيد، وربما على المدى القريب أيضاً. 

ثالثاً: انسحاب القوات الأمريكية من المدن والمتغيرات الإقليمية

لا شك أن انسحاب القوات الأمريكية من المدن بعوامله الداخلية لا ينفصل عن عوامله الخارجية التي تتفاعل يومياً في محيط العراق الإقليمي، فضلاً عن المشكلات والأزمات الدولية، وفي مقدمتها الأزمة المالية وأثرها في الاقتصاد الأمريكي، وبالتالي في عملية الإنفاق على قوات الولايات المتحدة الأمريكية في العراق وغيره، وكذلك طبيعة مسار الصراعات الإقليمية والدولية وتوقعاتها المستقبلية، ولا سيما ما يتصل بمنطقة الشرق الأوسط وملفاتها المعقدة، ومنها الملف النووي الإيراني، وملفات الإرهاب، وعلاقتها بأزمة الصومال، وأثرها في الأمن في القرن الإفريقي، فضلاً عن مشكلات المنطقة العربية وغيرها، ما يجعل الولايات المتحدة الأمريكية تعيد حساباتها بشكل واقعي، وبعيداً عن اليوتوبيا التي تصورها البعض وهي تحتل العراق، الأمر الذي جعل انسحابها من المدن العراقية يدخل ضمن محاولاتها امتلاك زمام المناورة بقواتها في مناطق أخرى من العالم، لا سيما مع تزايد أزماتها الخلافية مع كوريا الشمالية وتصاعد مشكلاتها مع إيران اذا ما أخفقت محاولات الحوار معها، فضلاً عن تزايد الضغوطات الداخلية على الإدارة الأمريكية بشأن الحروب الخارجية، وما تشكله من استنزاف بشري واقتصادي دون ظهور بوادر انتهاء مهامها على المدى القصير، ما يجعل عملية تجهيز هذه القوات صعبة، ولكل هذه القضايا تأثيراتها في الوضع الأمني في العراق، ومناطق الصراع الأخرى، كذلك تبقى المؤثرات الإقليمية المحيطة بالعراق تتفاعل في التأثير في الوضع الأمني الأمر الذي يستدعي إبعاد البلد عن أي صراع محتمل في محيطه، كما يجب عدم السماح باستخدام الأراضي العراقية ضد أي طرف، وفي الوقت نفسه من أجل تحقيق أمن حقيقي بعد انسحاب القوات الأجنبية منه وحل القضايا الخلافية بين القوى السياسية، ولا سيما قضية كركوك وألا يسمح لأي طرف إقليمي بالتدخل وبأي طريقة كانت، باعتبارها قضية داخلية، وبهذا المعنى فالمتغيرات الإقليمية المتفاعلة في محيط العراق قد تؤثر في الوضع الأمني بعد الانسحاب الكامل للقوات القتالية مع نهاية سنة 2011، كما هو معلن، وليس بطريقة مؤثرة مع انسحابها من المدن في الوقت الحاضر، لذا يجب فتح حوار مع دول الجوار من أجل توقيع اتفاقيات ثنائية يكون قوامها عدم التدخل في الشؤون الداخلية، وفتح قنوات التعاون معها على قاعدة المصالح المتبادلة، وبما يعزز الأمن الداخلي المدعوم مجتمعياً وفق قواعد الاحترام لحقوق الإنسان، وتحقيق قدر كاف من التنمية.

 

::/fulltext::
::cck::1107::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *