احتمالات استقرار الوضع الأمني بعد الانسحاب الأمريكي من العراق
::cck::1117::/cck::
::introtext::
تحاول هذه الورقة تقديم تصور للوضع الأمني في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية منه. وتفترض الورقة تدهور الوضع الأمني إزاء ذلك استناداً إلى دور الحكومة العراقية في تعاملها مع مختلف الملفات بصورة انتقائية، وضعف قدرتها على الحفاظ على شبكة التحالفات الهشة والدقيقة التي أقامتها مع مختلف الأطراف الطائفية والتوازن بينها من جهة، ومع شبكة التحالفات الداخلية لدى هذه الطوائف سواء العشائرية أو الحزبية من جهة أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
تحاول هذه الورقة تقديم تصور للوضع الأمني في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية منه. وتفترض الورقة تدهور الوضع الأمني إزاء ذلك استناداً إلى دور الحكومة العراقية في تعاملها مع مختلف الملفات بصورة انتقائية، وضعف قدرتها على الحفاظ على شبكة التحالفات الهشة والدقيقة التي أقامتها مع مختلف الأطراف الطائفية والتوازن بينها من جهة، ومع شبكة التحالفات الداخلية لدى هذه الطوائف سواء العشائرية أو الحزبية من جهة أخرى.
لذلك ونظراً لدواعي البحث اقتضى الأمر تقديم تصور طائفي لدراسة الوضع الأمني، ولا تأتي هذه المعالجات من النظرة للعراق في إطاره الفيدرالي بقدر ما جاء تشخيصاً للواقع وما هو ماثل للعيان من تقسيم فعلي، خرج من إطار التقسيم على الأرض إلى إطار التقسيم على مستوى الشعب الواحد. هذه حقيقة لا يجدر بالدول أو المتابعين للوضع العراقي تجاهلها بدعوى التزامهم بعراق موحد على أرضه وشعبه.
ولذلك ستقتصر الدراسة هنا على بحث احتمالات الوضع الأمني في المناطق الشيعية والسنية والكردية، بحيث تجرى دراسة كل منطقة على حدة نظراً لاختلاف الوضع الأمني في هذه المناطق خلال السنوات الست السابقة، إذ إنه من الخطأ اعتبار الحالة الأمنية واحدة في عموم العراق، فالتاريخ القريب لا يشهد على هذه الفرضية، ولا ينبئ المستقبل القريب بذلك أيضاً.
سوء إدارة الحكومة العراقية لملف الصحوة أدى إلى انتكاسة في الوضع الأمني
لقد اتسم سلوك الحكومة العراقية خلال العامين الماضيين في إدارة الملفات المختلفة ومن ضمنها الأمني بنوع من الحرفية والاقتدار، واتضح ذلك في العمليات العسكرية التي قادها الجيش العراقي في مناطق مختلفة من البلاد وخصوصاً في البصرة وديالى والموصل، والتي نظرت إليها الأطراف السنية (السياسية) على وجه التحديد نظرة قبول، بحيث لم يعد الجيش العراقي المتهم بالطائفية يتصدى لمجموعة طائفية على حساب أخرى، بل أخذ يوسع دائرة استهدافه لتشمل مختلف الميليشيات ومصادر التوتر أياً كان إطارها أو غطاؤها الطائفي. هذه النظرة ساعدت على تحقيق نجاحات مهمة وكبيرة على الصعيد الأمني، بل ساعدت على الحصول على دعم بعض القوى والتيارات السنية – بالإضافة إلى أسباب أخرى- في تأمين فوز ساحق بالانتخابات التي جرت في شباط 2009.
لا يمكن إيعاز التحسن الأمني في العراق خلال الفترة الماضية إلى هذا الأمر، بل يرتبط بعدد من العوامل نجمل بعضها في النقاط التالية، أو بالأحرى تستند تقارير وزارة الداخلية العراقية وإحصائيات القوات الأمريكية إلى هذه النقاط التي تقدمها للرأي العام لبيان التحسن الأمني، لكن في نظرة متفحصة لهذه النقاط نجد التالي:
1- التحسن النسبي الذي طرأ على القدرات القتالية للجيش والشرطة العراقية باعتراف مختلف التقارير العراقية والأمريكية، واتضح ذلك جلياً بتولي الحكومة العراقية مزيداً من المسؤولية الأمنية على المحافظات من القوات الأمريكية في فترة قياسية نوعاً ما، بحيث بلغت أربع عشر محافظة. لكن على الرغم من هذا التحسن الذي طرأ إلا أنه غير كاف للتعبير عن التحسن الأمني أو استمراره في الفترة المقبلة خصوصاً بعد الانسحاب الأمريكي، فالقدرات القتالية للجيش العراقي ينقصها التدريب والمعدات القتالية القادرة على حماية الأمن الخارجي.
2- انخفاض العمليات العسكرية للتنظيمات المسلحة وتنظيم القاعدة الذي انحسر نفوذه في أغلب مناطق الوسط أمام صعود وقوة مجالس الصحوة، بالإضافة إلى انخفاض أعداد الضحايا سواء العراقيين أو الأمريكيين وانحسار موجة ظاهرة الجثث المجهولة. وعلى الرغم من صواب هذه النظرة عبر قراءة الإحصائيات الشهرية التي كانت تصدرها قوات الاحتلال أو وزارة الداخلية العراقية، إلا أن الأمر تجدر قراءته من زاوية أخرى تأخذ في الاعتبار طبيعة الصراع في العراق، بين كونه حرباً أهلية عصفت بأبناء البلد الواحد أو كونه صراعاً بين قوى ترى بالقوات الأمريكية قوات احتلال، والقوات العراقية كونها قوات شريكة للاحتلال تجدر محاربتهما. فهذه النظرة لا تزال تسيطر على الحالة القتالية للتنظيمات المسلحة والمقاومة العراقية، بحيث لا يبدو أن الحكومة العراقية ترى في الصراع مع التنظيمات المسلحة من هذه الزاوية، ما يبقي حالة التوتر والصراع قائمة أسفل رماد التحسن الأمني بانتظار الوقت حتى تنفث نارها من جديد. كما أن ظاهرة الجثث المجهولة أخذت تطل برأسها من جديد على مسرح الحياة السياسية في العراق، ناهيك عن ازدياد حدة التوترات الأمنية في الآونة الأخيرة التي اتسم قسم كبير منها بالنوعية أكثر من الكمية.
3- عودة اللاجئين العراقيين المقيمين في الخارج كمؤشر إلى التحسن الذي يشهده العراق. بالفعل عاد عدد من العوائل العراقية بعد سنين قضتها في الخارج نتيجة للتدهور الأمني. وعلى الرغم من عودة عدد من العوائل العراقية من المهجر إلا أن نسبة هؤلاء لا تشكل رقماً حقيقياً يمكن التعويل عليه في الإشارة للتحسن الأمني من عدمه، وبحسب شهادات عدد من العراقيين المقيمين في سوريا الذين التقينا بهم، يشير البعض منهم إلى أن العوائل العائدة يمكن تصنيفها إلى ثلاث مجموعات: مجموعة اختارت العودة لنفاد الأموال الكفيلة بإعالتهم في بلاد يصعب فيها تأمين لقمة العيش وانعدام العمل فيها. ومجموعة أخرى اختارت العودة بعد أن علمت أن مناطقها في العراق تم تطهيرها طائفياً، أي لا يوجد اقتتال طائفي نظراً لتحولها إلى مناطق تقطنها مجموعة سكانية ذات انتماء طائفي معين محاطة بأسوار مانعة. والمجموعة الثالثة تلك التي رجعت لكن سرعان ما عادت مرة أخرى لعدم استطاعتها تأمين حياة أبنائها في ظل انفلات أمني واضح وسيطرة مجاميع خاصة امتهنت (حماية المناطق السكنية مقابل أجر مادي).
4- زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق ساعد على التحسن الأمني خصوصاً في المناطق التي كانت تشهد توتراً أمنياً مثل ما اصطلح على تسميته (المثلث السني). وهذا العامل أسهم بالتأكيد في التحسن الأمني في العراق خلال الفترة الماضية، لكن انسحاباً أمريكياً لأغلب الفرق القتالية (إذ من المتوقع أن ينخفض عدد الجنود إلى خمسين ألف مقاتل فقط، بحيث توكل إليهم مهمة حماية المنشآت وأفراد السفارة الأمريكية، بالإضافة إلى تقديم الدعم اللوجستي والفني للقوات العراقية)، هذا الانسحاب في ظل التوتر السياسي بين الفرقاء، وفي ظل عدم جاهزية القوات العراقية على تحمل مسؤولية الملف الأمني –كما مر بنا- يسهم في عودة فاعلة وقوية للتنظيمات المسلحة، التي ترى أن معركتها مع الولايات المتحدة في الوقت الحاضر معركة خاسرة، بل إن السياسة الرشيدة تقتضي التخلص من الخطر الماثل للعيان (أي قوات الاحتلال الأمريكي) قبل بدء معركة يمكن بحسب التقديرات العسكرية للمقاومة العراقية تحقيق نوع من النصر فيها أو على أقل تقدير تكون متكافئة (إزاء القوات العراقية).
5- لعل أبرز النقاط التي أسهمت في التحسن الأمني في العراق هو دور (مجالس الصحوة) أو ما اصطلح على تسميتها بأبناء العراق.
وبعد هذا العرض لأبرز العوامل التي ساعدت على التحسن الأمني مؤخراً، نجد أنه كان تحسناً آنياً قابلاً للانفجار في أي وقت، بل إنه يمكن تنبؤ انفجاره مع رحيل آخر فوج من القوات الأمريكية، هذا التحسن كان طارئاً من دون أن تكون هناك معالجة حقيقية من جانب الحكومة العراقية للأسباب المفضية للتوتر الأمني، إذ كان يجب على الحكومة العراقية في إطار معالجتها مزج الحل العسكري مع السياسي من أجل الوصول إلى معالجة حقيقية تجعل من الوضع الأمني حالة حتمية قابلة للاستمرار من دون أن تعكر صفوها رياح مؤقتة، كما يحدث الآن على سبيل المثال مع تصاعد التوتر في مناطق شمال وغرب بغداد نتيجة لسوء إدارة الحكومة لملف الصحوات.

احتمالات الوضع الأمني في المناطق الشيعية بعد الانسحاب الأمريكي
لعل من نافلة القول الإشارة إلى أن ما يميز الوضع في مناطق الجنوب والمحافظات الشيعية كون الأمن فيه مؤجل، نظراً لاتفاق الأطراف الشيعية على عدم الخروج على المعادلات السياسية المتفق عليها منذ دخولها في ائتلاف سياسي موحد في عام 2005. لقد حكمت مجموعة من الاتفاقيات بين الأطراف السياسية الشيعية الوضع الأمني في الجنوب، بحيث حافظت هذه الاتفاقيات التي رسمها الأطراف (وخصوصاً المرجعية الدينية) بالإضافة إلى الحكومة العراقية على الأمن في الجنوب للفترة التي أعقبت مرحلة الاحتلال، لكن مع تراجع مكانة المرجعية نظير فشل الأطراف السياسية والحكومة بتقديم أبسط الخدمات المعيشية للمواطن الذي دعم قائمة (المرجعية) السياسية، تراجع على أثره الوضع الأمني، وأخذت تزداد الاستحقاقات بين مختلف الأطراف المكونة للائتلاف، في الوقت الذي لا تزال الحكومة تتخبط في سياساتها، الأمر الذي انعكس في تصادم الحكومة مع التيار الصدري، ثم تنافس حزب الدعوة مع المجلس الأعلى، الذي وصل إلى حد التصادم المسلح في بعض المحافظات (الناصرية)، حتى اتضح جلياً عدم مصداقية المواقف المعلنة من قبل هذه الأطراف بحلها لميليشياتها من جهة، كما اتضح أيضاً -من جهة أخرى- ازدياد الفجوة بين الأطراف بحيث تصبح المساعي التي يقودها رؤساء الأحزاب في الوقت الحاضر لإعادة توحيد و(لملمة) الائتلاف لخوض الانتخابات العامة المقبلة في منتصف يناير 2009 في قائمة واحدة أمراً مستحيلاً، إذ إن الأسباب الدافعه لتوحيد الائتلاف الشيعي في عام 2005 أصبحت غير موجودة الآن.
احتمالات الوضع الأمني في المناطق الكردية بعد الانسحاب الأمريكي
الوضع الأمني في كردستان يتهدده عدد من النقاط التي تعيق أو تهدد الإنجازات المتحققة خلال السنوات الماضية، خصوصاً أنها تحققت نتيجة للدعم الأمريكي الذي تتضاءل فرص الأكراد في الحصول عليه في ظل انسحاب متوقع، وهذه النقاط التالية:
1- تنامي الخلافات الكردية العربية سواء إزاء الحكومة العراقية أو مع المحيط العربي والإثني، فقد تنامت في الآونة الأخيرة الخلافات حول عقود النفط التي وقعتها حكومة إقليم كردستان بعيداً عن السلطة المركزية، بالإضافة إلى الخلافات حول النقاط الخلافية في الدستور وتقوية سلطة المركز، ناهيك عن الخلاف حول مصير محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها.
2- تنامي الخلافات الداخلية داخل إقليم كردستان المتمثل في تنامي استياء شعب الإقليم لحكومته واحتكار الحزبين الرئيسيين للحياة العامة والسياسية في البلاد.
3- تنامي الدور التركي في العراق وإقليم كردستان على وجه الخصوص، حيث ازداد التدخل التركي غير المعلومة مدياته في شؤون الإقليم مع ذريعة محاربة حزب العمال التركي المعارض.
لقد تعاملت الحكومة الأمريكية مع حكومة إقليم كردستان خشية قيام القيادة الكردية بتهديد الأمن الداخلي المتحقق في العراق والقول إنها ستنسحب من العراق لتشكل إقليماً خاصاً بها بعيداً عن سيطرة الحكومة العراقية، ما قد يربك التوازنات الداخلية والإقليمية المتحققة خلال الأعوام الستة الماضية والتي جعلت هذه المنطقة تشهد حالة من الاستقرار النسبي. ولذلك على الأمريكيين إعادة التعامل مع القيادة الكردية من هذه الزاوية في إطار التوقف عن التهديدات الكلامية التي لن تخرج إلى حيز العمل، إذ تسعى القيادة الكردية وقبل انسحاب القوات الأمريكية إلى استغلال هذا التواجد لتحقيق مزيد من المكاسب من جهة، ولتثبيت ما تحقق من مكاسب سابقة من جهة أخرى، فالوضع الخاص بكركوك ومشكلة المناطق المتنازع عليها من المشكلات العالقة التي لم يصل إلى حل نهائي بخصوصها، بالإضافة إلى النفوذ التركي الذي لا يبدو أن الأطراف المختلفة قد وصلت إلى درجة ترتيب معادلة خاصة بها بعد انسحاب أمريكي وشيك من العراق.
احتمالات الوضع الأمني في المناطق السنية بعد الانسحاب الأمريكي من العراق
إن أبرز ما يهدد الأمن في العراق والعملية السياسية وخصوصاً في المناطق السنية هو الوضع المتوتر بين الحكومة العراقية والصحوات، إذ تتهم الحكومة قوات الصحوة بتورط قسم منها في أعمال إرهابية ضد القوات العراقية ما يدفعها إلى الرجوع عن وعودها بشمول قسم منها –لا يتعدى 20 في المائة- في قوات الجيش والشرطة العراقية، وعلى الرغم من الانتقادات الكبيرة التي وجهت للحكومة في هذا الإطار إلا أنها لا تنفي تورط هؤلاء بأعمال (إرهابية) على حد التقييم الحكومي العراقي، لكن لا يمكن أيضاً تحميل (الصحوات) اللوم كون أن الحكومة العراقية لم تقطع خطوات مهمة وحقيقية على الأرض في الجانب المتعلق بالمصالحة الوطنية، وهو ما أشار إليه الرئيس العراقي جلال طالباني مؤخراً بإلقاء اللوم على الحكومة العراقية بعدم اتخاذ خطوات مهمة لتحقيق المصالحة الوطنية. ونظراً لعدم وجود معالجات حقيقية للوضع، ناهيك عن أن تعامل الحكومة العراقية مع الصحوات الذي اتخذ أسلوباً إقصائياً وصل إلى حد التصادم مع قيادات هذه الصحوات في عدد من المناطق مثل الفضل وبعقوبة وغيرهما، وذلك فور تسلمها مسؤوليتها من القوات الأمريكية تبع ذلك تدهور أمني ملحوظ جداً يمكن تلمسه من العمليات القتالية وأعداد القتلى التي حدثت خلال الشهرين الأخيرين منذ إبريل الماضي. لكن تبقى الأوضاع هادئة نسبياً، مع أن الأوضاع الأخيرة تنبئ احتمال تفجر الوضع الأمني من جديد إذا لم تكن هناك معالجة حقيقية للمشكلات التي يعاني منها السنة ومناطقهم على العموم.
القدرات القتالية للجيش العراقي ينقصها التدريب والمعدات القتالية القادرة على حماية الأمن الخارجي
إن سوء إدارة الحكومة العراقية لملف الصحوة أدى إلى انتكاسة في الوضع الأمني، على الرغم من محدودية هذه التداعيات الآن. إن الأحداث الأخيرة تعكس حجم المشكلة في حال لم يتم التعامل مع السنة ضمن إطار مصالحة وطنية حقيقية، حيث إن التعامل مع الصحوة لتحقيق أجندة مرحلية تصب في مصلحة طرف معين (قوات الاحتلال) ثم تحويل الملف إلى الحكومة العراقية التي كانت لها تحفظاتها إزاء تشكيل هذه القوات منذ البداية يضاعفان من التوتر الأمني، إذ تعاملت الحكومة مع الصحوات بعد توليها هذا الملف في الثاني من إبريل من زاوية تورط بعض الأشخاص بعمليات قتل ضد مواطنين عراقيين، أي التعامل مع أعضاء الصحوات من زاوية تاريخهم الذي سبق انخراطهم بالصحوات، إذ أشار المالكي إلى أمر اعتقال رئيس صحوة الفضل عادل المشهداني ومساعده كونهما متورطين بعمليات قتل للشيعة، وكون المشهداني أحد قادة تنظيم القاعدة آنذاك، بحيث لم تشفع له جهوده في طرد (القاعدة) بعد ذلك من المناطق السنية وإسهاماته في هذا الإطار، وهو ما يعزز وجهة نظرنا التي رأت بالصحوة خطراً على سيطرة الشيعة على الحكم وبروزها كقوة ثالثة، غير مرغوب فيها من قبل البشمركة وقوات الجيش والشرطة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة.
ليس ملف الصحوات هو الملف الوحيد الذي يؤرق الوضع الأمني في العراق، بل إن هناك عدداً كبيراً من القضايا الخلافية التي لم تحسم إلى الوقت الحاضر، بل إن هناك تراجعاً لبعض الأطراف المهيمنة على العملية السياسية عن التزاماتها التي قطعتها للطرف الآخر (الأحزاب السنية التي شاركت في العملية السياسية وعولت على هذه التغييرات في سياق كسب تمثيل الناخب السني)، فإلى الآن ورغم مناقشة الجمعية الوطنية للقضايا الخلافية في الدستور التي بلغت ما يقارب تعديل أكثر من خمس وخمسين فقرة في الدستور فإن الأطراف الشيعية والكردية لم تلتزم إزاء تعديل الدستور، كما أن قانون النفط والغاز الذي اعتبر ثروة يمتلكها العراقيون جميعاً، فلم تتم إلى الآن مناقشة هذا القانون الذي من المفترض أن يقوم بتوزيع عادل لهذه الثروات على مختلف مناطق العراق بغض النظر عن انتمائها الطائفي والعرقي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1117::/cck::
::introtext::
تحاول هذه الورقة تقديم تصور للوضع الأمني في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية منه. وتفترض الورقة تدهور الوضع الأمني إزاء ذلك استناداً إلى دور الحكومة العراقية في تعاملها مع مختلف الملفات بصورة انتقائية، وضعف قدرتها على الحفاظ على شبكة التحالفات الهشة والدقيقة التي أقامتها مع مختلف الأطراف الطائفية والتوازن بينها من جهة، ومع شبكة التحالفات الداخلية لدى هذه الطوائف سواء العشائرية أو الحزبية من جهة أخرى.
::/introtext::
::fulltext::
تحاول هذه الورقة تقديم تصور للوضع الأمني في العراق بعد انسحاب القوات الأمريكية منه. وتفترض الورقة تدهور الوضع الأمني إزاء ذلك استناداً إلى دور الحكومة العراقية في تعاملها مع مختلف الملفات بصورة انتقائية، وضعف قدرتها على الحفاظ على شبكة التحالفات الهشة والدقيقة التي أقامتها مع مختلف الأطراف الطائفية والتوازن بينها من جهة، ومع شبكة التحالفات الداخلية لدى هذه الطوائف سواء العشائرية أو الحزبية من جهة أخرى.
لذلك ونظراً لدواعي البحث اقتضى الأمر تقديم تصور طائفي لدراسة الوضع الأمني، ولا تأتي هذه المعالجات من النظرة للعراق في إطاره الفيدرالي بقدر ما جاء تشخيصاً للواقع وما هو ماثل للعيان من تقسيم فعلي، خرج من إطار التقسيم على الأرض إلى إطار التقسيم على مستوى الشعب الواحد. هذه حقيقة لا يجدر بالدول أو المتابعين للوضع العراقي تجاهلها بدعوى التزامهم بعراق موحد على أرضه وشعبه.
ولذلك ستقتصر الدراسة هنا على بحث احتمالات الوضع الأمني في المناطق الشيعية والسنية والكردية، بحيث تجرى دراسة كل منطقة على حدة نظراً لاختلاف الوضع الأمني في هذه المناطق خلال السنوات الست السابقة، إذ إنه من الخطأ اعتبار الحالة الأمنية واحدة في عموم العراق، فالتاريخ القريب لا يشهد على هذه الفرضية، ولا ينبئ المستقبل القريب بذلك أيضاً.
سوء إدارة الحكومة العراقية لملف الصحوة أدى إلى انتكاسة في الوضع الأمني
لقد اتسم سلوك الحكومة العراقية خلال العامين الماضيين في إدارة الملفات المختلفة ومن ضمنها الأمني بنوع من الحرفية والاقتدار، واتضح ذلك في العمليات العسكرية التي قادها الجيش العراقي في مناطق مختلفة من البلاد وخصوصاً في البصرة وديالى والموصل، والتي نظرت إليها الأطراف السنية (السياسية) على وجه التحديد نظرة قبول، بحيث لم يعد الجيش العراقي المتهم بالطائفية يتصدى لمجموعة طائفية على حساب أخرى، بل أخذ يوسع دائرة استهدافه لتشمل مختلف الميليشيات ومصادر التوتر أياً كان إطارها أو غطاؤها الطائفي. هذه النظرة ساعدت على تحقيق نجاحات مهمة وكبيرة على الصعيد الأمني، بل ساعدت على الحصول على دعم بعض القوى والتيارات السنية – بالإضافة إلى أسباب أخرى- في تأمين فوز ساحق بالانتخابات التي جرت في شباط 2009.
لا يمكن إيعاز التحسن الأمني في العراق خلال الفترة الماضية إلى هذا الأمر، بل يرتبط بعدد من العوامل نجمل بعضها في النقاط التالية، أو بالأحرى تستند تقارير وزارة الداخلية العراقية وإحصائيات القوات الأمريكية إلى هذه النقاط التي تقدمها للرأي العام لبيان التحسن الأمني، لكن في نظرة متفحصة لهذه النقاط نجد التالي:
1- التحسن النسبي الذي طرأ على القدرات القتالية للجيش والشرطة العراقية باعتراف مختلف التقارير العراقية والأمريكية، واتضح ذلك جلياً بتولي الحكومة العراقية مزيداً من المسؤولية الأمنية على المحافظات من القوات الأمريكية في فترة قياسية نوعاً ما، بحيث بلغت أربع عشر محافظة. لكن على الرغم من هذا التحسن الذي طرأ إلا أنه غير كاف للتعبير عن التحسن الأمني أو استمراره في الفترة المقبلة خصوصاً بعد الانسحاب الأمريكي، فالقدرات القتالية للجيش العراقي ينقصها التدريب والمعدات القتالية القادرة على حماية الأمن الخارجي.
2- انخفاض العمليات العسكرية للتنظيمات المسلحة وتنظيم القاعدة الذي انحسر نفوذه في أغلب مناطق الوسط أمام صعود وقوة مجالس الصحوة، بالإضافة إلى انخفاض أعداد الضحايا سواء العراقيين أو الأمريكيين وانحسار موجة ظاهرة الجثث المجهولة. وعلى الرغم من صواب هذه النظرة عبر قراءة الإحصائيات الشهرية التي كانت تصدرها قوات الاحتلال أو وزارة الداخلية العراقية، إلا أن الأمر تجدر قراءته من زاوية أخرى تأخذ في الاعتبار طبيعة الصراع في العراق، بين كونه حرباً أهلية عصفت بأبناء البلد الواحد أو كونه صراعاً بين قوى ترى بالقوات الأمريكية قوات احتلال، والقوات العراقية كونها قوات شريكة للاحتلال تجدر محاربتهما. فهذه النظرة لا تزال تسيطر على الحالة القتالية للتنظيمات المسلحة والمقاومة العراقية، بحيث لا يبدو أن الحكومة العراقية ترى في الصراع مع التنظيمات المسلحة من هذه الزاوية، ما يبقي حالة التوتر والصراع قائمة أسفل رماد التحسن الأمني بانتظار الوقت حتى تنفث نارها من جديد. كما أن ظاهرة الجثث المجهولة أخذت تطل برأسها من جديد على مسرح الحياة السياسية في العراق، ناهيك عن ازدياد حدة التوترات الأمنية في الآونة الأخيرة التي اتسم قسم كبير منها بالنوعية أكثر من الكمية.
3- عودة اللاجئين العراقيين المقيمين في الخارج كمؤشر إلى التحسن الذي يشهده العراق. بالفعل عاد عدد من العوائل العراقية بعد سنين قضتها في الخارج نتيجة للتدهور الأمني. وعلى الرغم من عودة عدد من العوائل العراقية من المهجر إلا أن نسبة هؤلاء لا تشكل رقماً حقيقياً يمكن التعويل عليه في الإشارة للتحسن الأمني من عدمه، وبحسب شهادات عدد من العراقيين المقيمين في سوريا الذين التقينا بهم، يشير البعض منهم إلى أن العوائل العائدة يمكن تصنيفها إلى ثلاث مجموعات: مجموعة اختارت العودة لنفاد الأموال الكفيلة بإعالتهم في بلاد يصعب فيها تأمين لقمة العيش وانعدام العمل فيها. ومجموعة أخرى اختارت العودة بعد أن علمت أن مناطقها في العراق تم تطهيرها طائفياً، أي لا يوجد اقتتال طائفي نظراً لتحولها إلى مناطق تقطنها مجموعة سكانية ذات انتماء طائفي معين محاطة بأسوار مانعة. والمجموعة الثالثة تلك التي رجعت لكن سرعان ما عادت مرة أخرى لعدم استطاعتها تأمين حياة أبنائها في ظل انفلات أمني واضح وسيطرة مجاميع خاصة امتهنت (حماية المناطق السكنية مقابل أجر مادي).
4- زيادة عدد القوات الأمريكية في العراق ساعد على التحسن الأمني خصوصاً في المناطق التي كانت تشهد توتراً أمنياً مثل ما اصطلح على تسميته (المثلث السني). وهذا العامل أسهم بالتأكيد في التحسن الأمني في العراق خلال الفترة الماضية، لكن انسحاباً أمريكياً لأغلب الفرق القتالية (إذ من المتوقع أن ينخفض عدد الجنود إلى خمسين ألف مقاتل فقط، بحيث توكل إليهم مهمة حماية المنشآت وأفراد السفارة الأمريكية، بالإضافة إلى تقديم الدعم اللوجستي والفني للقوات العراقية)، هذا الانسحاب في ظل التوتر السياسي بين الفرقاء، وفي ظل عدم جاهزية القوات العراقية على تحمل مسؤولية الملف الأمني –كما مر بنا- يسهم في عودة فاعلة وقوية للتنظيمات المسلحة، التي ترى أن معركتها مع الولايات المتحدة في الوقت الحاضر معركة خاسرة، بل إن السياسة الرشيدة تقتضي التخلص من الخطر الماثل للعيان (أي قوات الاحتلال الأمريكي) قبل بدء معركة يمكن بحسب التقديرات العسكرية للمقاومة العراقية تحقيق نوع من النصر فيها أو على أقل تقدير تكون متكافئة (إزاء القوات العراقية).
5- لعل أبرز النقاط التي أسهمت في التحسن الأمني في العراق هو دور (مجالس الصحوة) أو ما اصطلح على تسميتها بأبناء العراق.
وبعد هذا العرض لأبرز العوامل التي ساعدت على التحسن الأمني مؤخراً، نجد أنه كان تحسناً آنياً قابلاً للانفجار في أي وقت، بل إنه يمكن تنبؤ انفجاره مع رحيل آخر فوج من القوات الأمريكية، هذا التحسن كان طارئاً من دون أن تكون هناك معالجة حقيقية من جانب الحكومة العراقية للأسباب المفضية للتوتر الأمني، إذ كان يجب على الحكومة العراقية في إطار معالجتها مزج الحل العسكري مع السياسي من أجل الوصول إلى معالجة حقيقية تجعل من الوضع الأمني حالة حتمية قابلة للاستمرار من دون أن تعكر صفوها رياح مؤقتة، كما يحدث الآن على سبيل المثال مع تصاعد التوتر في مناطق شمال وغرب بغداد نتيجة لسوء إدارة الحكومة لملف الصحوات.

احتمالات الوضع الأمني في المناطق الشيعية بعد الانسحاب الأمريكي
لعل من نافلة القول الإشارة إلى أن ما يميز الوضع في مناطق الجنوب والمحافظات الشيعية كون الأمن فيه مؤجل، نظراً لاتفاق الأطراف الشيعية على عدم الخروج على المعادلات السياسية المتفق عليها منذ دخولها في ائتلاف سياسي موحد في عام 2005. لقد حكمت مجموعة من الاتفاقيات بين الأطراف السياسية الشيعية الوضع الأمني في الجنوب، بحيث حافظت هذه الاتفاقيات التي رسمها الأطراف (وخصوصاً المرجعية الدينية) بالإضافة إلى الحكومة العراقية على الأمن في الجنوب للفترة التي أعقبت مرحلة الاحتلال، لكن مع تراجع مكانة المرجعية نظير فشل الأطراف السياسية والحكومة بتقديم أبسط الخدمات المعيشية للمواطن الذي دعم قائمة (المرجعية) السياسية، تراجع على أثره الوضع الأمني، وأخذت تزداد الاستحقاقات بين مختلف الأطراف المكونة للائتلاف، في الوقت الذي لا تزال الحكومة تتخبط في سياساتها، الأمر الذي انعكس في تصادم الحكومة مع التيار الصدري، ثم تنافس حزب الدعوة مع المجلس الأعلى، الذي وصل إلى حد التصادم المسلح في بعض المحافظات (الناصرية)، حتى اتضح جلياً عدم مصداقية المواقف المعلنة من قبل هذه الأطراف بحلها لميليشياتها من جهة، كما اتضح أيضاً -من جهة أخرى- ازدياد الفجوة بين الأطراف بحيث تصبح المساعي التي يقودها رؤساء الأحزاب في الوقت الحاضر لإعادة توحيد و(لملمة) الائتلاف لخوض الانتخابات العامة المقبلة في منتصف يناير 2009 في قائمة واحدة أمراً مستحيلاً، إذ إن الأسباب الدافعه لتوحيد الائتلاف الشيعي في عام 2005 أصبحت غير موجودة الآن.
احتمالات الوضع الأمني في المناطق الكردية بعد الانسحاب الأمريكي
الوضع الأمني في كردستان يتهدده عدد من النقاط التي تعيق أو تهدد الإنجازات المتحققة خلال السنوات الماضية، خصوصاً أنها تحققت نتيجة للدعم الأمريكي الذي تتضاءل فرص الأكراد في الحصول عليه في ظل انسحاب متوقع، وهذه النقاط التالية:
1- تنامي الخلافات الكردية العربية سواء إزاء الحكومة العراقية أو مع المحيط العربي والإثني، فقد تنامت في الآونة الأخيرة الخلافات حول عقود النفط التي وقعتها حكومة إقليم كردستان بعيداً عن السلطة المركزية، بالإضافة إلى الخلافات حول النقاط الخلافية في الدستور وتقوية سلطة المركز، ناهيك عن الخلاف حول مصير محافظة كركوك والمناطق المتنازع عليها.
2- تنامي الخلافات الداخلية داخل إقليم كردستان المتمثل في تنامي استياء شعب الإقليم لحكومته واحتكار الحزبين الرئيسيين للحياة العامة والسياسية في البلاد.
3- تنامي الدور التركي في العراق وإقليم كردستان على وجه الخصوص، حيث ازداد التدخل التركي غير المعلومة مدياته في شؤون الإقليم مع ذريعة محاربة حزب العمال التركي المعارض.
لقد تعاملت الحكومة الأمريكية مع حكومة إقليم كردستان خشية قيام القيادة الكردية بتهديد الأمن الداخلي المتحقق في العراق والقول إنها ستنسحب من العراق لتشكل إقليماً خاصاً بها بعيداً عن سيطرة الحكومة العراقية، ما قد يربك التوازنات الداخلية والإقليمية المتحققة خلال الأعوام الستة الماضية والتي جعلت هذه المنطقة تشهد حالة من الاستقرار النسبي. ولذلك على الأمريكيين إعادة التعامل مع القيادة الكردية من هذه الزاوية في إطار التوقف عن التهديدات الكلامية التي لن تخرج إلى حيز العمل، إذ تسعى القيادة الكردية وقبل انسحاب القوات الأمريكية إلى استغلال هذا التواجد لتحقيق مزيد من المكاسب من جهة، ولتثبيت ما تحقق من مكاسب سابقة من جهة أخرى، فالوضع الخاص بكركوك ومشكلة المناطق المتنازع عليها من المشكلات العالقة التي لم يصل إلى حل نهائي بخصوصها، بالإضافة إلى النفوذ التركي الذي لا يبدو أن الأطراف المختلفة قد وصلت إلى درجة ترتيب معادلة خاصة بها بعد انسحاب أمريكي وشيك من العراق.
احتمالات الوضع الأمني في المناطق السنية بعد الانسحاب الأمريكي من العراق
إن أبرز ما يهدد الأمن في العراق والعملية السياسية وخصوصاً في المناطق السنية هو الوضع المتوتر بين الحكومة العراقية والصحوات، إذ تتهم الحكومة قوات الصحوة بتورط قسم منها في أعمال إرهابية ضد القوات العراقية ما يدفعها إلى الرجوع عن وعودها بشمول قسم منها –لا يتعدى 20 في المائة- في قوات الجيش والشرطة العراقية، وعلى الرغم من الانتقادات الكبيرة التي وجهت للحكومة في هذا الإطار إلا أنها لا تنفي تورط هؤلاء بأعمال (إرهابية) على حد التقييم الحكومي العراقي، لكن لا يمكن أيضاً تحميل (الصحوات) اللوم كون أن الحكومة العراقية لم تقطع خطوات مهمة وحقيقية على الأرض في الجانب المتعلق بالمصالحة الوطنية، وهو ما أشار إليه الرئيس العراقي جلال طالباني مؤخراً بإلقاء اللوم على الحكومة العراقية بعدم اتخاذ خطوات مهمة لتحقيق المصالحة الوطنية. ونظراً لعدم وجود معالجات حقيقية للوضع، ناهيك عن أن تعامل الحكومة العراقية مع الصحوات الذي اتخذ أسلوباً إقصائياً وصل إلى حد التصادم مع قيادات هذه الصحوات في عدد من المناطق مثل الفضل وبعقوبة وغيرهما، وذلك فور تسلمها مسؤوليتها من القوات الأمريكية تبع ذلك تدهور أمني ملحوظ جداً يمكن تلمسه من العمليات القتالية وأعداد القتلى التي حدثت خلال الشهرين الأخيرين منذ إبريل الماضي. لكن تبقى الأوضاع هادئة نسبياً، مع أن الأوضاع الأخيرة تنبئ احتمال تفجر الوضع الأمني من جديد إذا لم تكن هناك معالجة حقيقية للمشكلات التي يعاني منها السنة ومناطقهم على العموم.
القدرات القتالية للجيش العراقي ينقصها التدريب والمعدات القتالية القادرة على حماية الأمن الخارجي
إن سوء إدارة الحكومة العراقية لملف الصحوة أدى إلى انتكاسة في الوضع الأمني، على الرغم من محدودية هذه التداعيات الآن. إن الأحداث الأخيرة تعكس حجم المشكلة في حال لم يتم التعامل مع السنة ضمن إطار مصالحة وطنية حقيقية، حيث إن التعامل مع الصحوة لتحقيق أجندة مرحلية تصب في مصلحة طرف معين (قوات الاحتلال) ثم تحويل الملف إلى الحكومة العراقية التي كانت لها تحفظاتها إزاء تشكيل هذه القوات منذ البداية يضاعفان من التوتر الأمني، إذ تعاملت الحكومة مع الصحوات بعد توليها هذا الملف في الثاني من إبريل من زاوية تورط بعض الأشخاص بعمليات قتل ضد مواطنين عراقيين، أي التعامل مع أعضاء الصحوات من زاوية تاريخهم الذي سبق انخراطهم بالصحوات، إذ أشار المالكي إلى أمر اعتقال رئيس صحوة الفضل عادل المشهداني ومساعده كونهما متورطين بعمليات قتل للشيعة، وكون المشهداني أحد قادة تنظيم القاعدة آنذاك، بحيث لم تشفع له جهوده في طرد (القاعدة) بعد ذلك من المناطق السنية وإسهاماته في هذا الإطار، وهو ما يعزز وجهة نظرنا التي رأت بالصحوة خطراً على سيطرة الشيعة على الحكم وبروزها كقوة ثالثة، غير مرغوب فيها من قبل البشمركة وقوات الجيش والشرطة العراقية التي يسيطر عليها الشيعة.
ليس ملف الصحوات هو الملف الوحيد الذي يؤرق الوضع الأمني في العراق، بل إن هناك عدداً كبيراً من القضايا الخلافية التي لم تحسم إلى الوقت الحاضر، بل إن هناك تراجعاً لبعض الأطراف المهيمنة على العملية السياسية عن التزاماتها التي قطعتها للطرف الآخر (الأحزاب السنية التي شاركت في العملية السياسية وعولت على هذه التغييرات في سياق كسب تمثيل الناخب السني)، فإلى الآن ورغم مناقشة الجمعية الوطنية للقضايا الخلافية في الدستور التي بلغت ما يقارب تعديل أكثر من خمس وخمسين فقرة في الدستور فإن الأطراف الشيعية والكردية لم تلتزم إزاء تعديل الدستور، كما أن قانون النفط والغاز الذي اعتبر ثروة يمتلكها العراقيون جميعاً، فلم تتم إلى الآن مناقشة هذا القانون الذي من المفترض أن يقوم بتوزيع عادل لهذه الثروات على مختلف مناطق العراق بغض النظر عن انتمائها الطائفي والعرقي.
::/fulltext::
::cck::1117::/cck::
