تركيا وصراع الإسلام (الأربكاني) في مواجهة الإسلام (الأمريكاني)
::cck::1172::/cck::
::introtext::
لم يكن الإفراج عن زعيم حزب السعادة والأب الروحي للتيار الإسلامي في تركيا نجم الدين أربكان ورفع الحظر عن نشاطه السياسي مفاجئاً لكثير من المتابعين للشأن التركي، خاصة أن هناك العديد من التطورات الداخلية والخارجية التي أسهمت في هذا الأمر. فعلى المستوى الداخلي كان للتقارب النسبي الحادث بين المؤسسة العسكرية وحزب العدالة والتنمية الحاكم والذي عبرت عنه الأحداث المتتالية وآخرها إعلان رئيس الأركان التركي انتهاء زمن الانقلابات العسكرية ومساعدة الجيش للحكومة في اقتفاء أثر بعض الجماعات الانقلابية ضد الحكومة سواء كانت عسكرية أو مدنية، كان لهذا التقارب دور في بناء أرضية مشتركة لمواجهة التطورات الخارجية غير المؤاتية لتركيا.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن الإفراج عن زعيم حزب السعادة والأب الروحي للتيار الإسلامي في تركيا نجم الدين أربكان ورفع الحظر عن نشاطه السياسي مفاجئاً لكثير من المتابعين للشأن التركي، خاصة أن هناك العديد من التطورات الداخلية والخارجية التي أسهمت في هذا الأمر. فعلى المستوى الداخلي كان للتقارب النسبي الحادث بين المؤسسة العسكرية وحزب العدالة والتنمية الحاكم والذي عبرت عنه الأحداث المتتالية وآخرها إعلان رئيس الأركان التركي انتهاء زمن الانقلابات العسكرية ومساعدة الجيش للحكومة في اقتفاء أثر بعض الجماعات الانقلابية ضد الحكومة سواء كانت عسكرية أو مدنية، كان لهذا التقارب دور في بناء أرضية مشتركة لمواجهة التطورات الخارجية غير المؤاتية لتركيا.
تمثلت هذه التطورات الخارجية في مسعى إدارة الأمريكية الجديدة برئاسة باراك أوباما وفي إطار محاولتها للتقارب مع العالم الإسلامي لطرح نموذج جديد للحكم يبدأ من تركيا، ويكون مثالاً تحتذيه بقية دول العالم الإسلامي، لكن طبعاً بطريقة مختلفة عن تلك التي اتبعتها الإدارة الأمريكية الراحلة بقيادة الرئيس جورج بوش التي اعتمد فيها على القوة العسكرية للإطاحة بالنظم القائمة في أفغانستان والعراق من أجل بناء نظم ديمقراطية حسب ادعاءاتها.

وتعتمد مقاربة إدارة أوباما على بناء نسخة مما تسميه الإسلام الليبرالي الذي يتبنى القيم الغربية مع دمجها بالقيم الإسلامية وهي الدعوة التي يروج لها الداعية التركي محمد فتح الله غولن الذي يتمتع بشهرة كبيرة في العالم الغربي باعتباره أشهر دعاة الإسلام الليبرالي حيث يعمل في إطار مؤسسة ضخمة قام بإنشائها ولها أفرع في عدد كبير من دول العالم تحت اسم (غولن إنستيتيوت) للدعوة إلى هذا النموذج من الحكم الذي سيؤدي في حال تطبيقه طبعاً إلى حدوث التغريب في المجتمعات التي يطبق عليها ليس لأن الإسلام ضد قيم الحداثة كما يدعي البعض بل لأن قيم الغرب التي يسعى إلى دمجها هي نتاج خبرة الحضارة الغربية، ولا يمكن إسقاطها على الحضارات والمجتمعات الأخرى لأن كل حضارة وكل مجتمع له قيمه النابعة من بيئته الاجتماعية والدينية والتي يتوافق معها وبها يحمي كيانه من التشرذم في مواجهة الآخر بالإضافة إلى أن تلك القيم الغربية لم تحقق النجاح الكامل في بيئاتها فكيف عساها تفعل في البيئات الأخرى المختلفة عنها؟
هل تنجح الولايات المتحدة في غرس (إسلامها) الجديد في التربة التركية؟
لذا كان الخوف من قبل الحزب الحاكم في تركيا والذي شمل أيضاً المؤسسة العسكرية التي رأت في هذا النموذج الذي يروج له غولن ويلقى دعماً من الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى خطراً على مستقبل ليس الدولة العلمانية في تركيا التي يعلن نفسه حامياً لها فقط، بل المجتمع التركي ذاته. فكان لا بد من مواجهته عبر طرح النسخة المضادة له وهي تلك التي يطرحها نجم الدين أربكان لتصطدم النسختان سوية، في حين تظل النسخة التي يطرحها حزب العدالة الحاكم وترتضيها المؤسسة العسكرية.
من هنا جاء الإفراج عن أربكان لمواجهة هذا التحدي الخطير الذي برز أكثر بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي أوباما إلى أنقرة والتي جاء اختياره لها لتوجيه رسالته الأولى للتصالح مع العالم الإسلامي في سياق وجهة النظر تلك التي تحملها الإدارة الأمريكية والتي تعتبر تركيا أكثر الدول الإسلامية صلاحية لتحقيق التقارب بين العالم الإسلامي والغرب ممثلاً في الولايات المتحدة باعتبار أنها أكثر تلك الدول التي تتبنى نظاماً يجمع ما بين الديمقراطية والإسلام. وهو ما يعني أنها أكثر قابلية من غيرها لبناء ذلك النموذج الذي تسعى إليه وهو النسخة الليبرالية من الإسلام التي يطرحها فتح الله غولن.
إن الدعم الذي أبداه أوباما لحزب العدالة والتنمية في تركيا يأتي في هذا السياق أيضاً باعتبار أن ذلك الحزب فتح الباب أمام تبني هذه النسخة الليبرالية من الإسلام بتبنيه نسخة أقل راديكالية من تلك التي طرحها أربكان وإن كانت أكثر تشدداً من النسخة الليبرالية التي يطرحها غولن.
مقاربة إدارة أوباما تعتمد على بناء نسخة مما تسميه الإسلام الليبرالي الذي يتبنى القيم الغربية مع دمجها بالقيم الإسلامية
ولعل الدعوة التي وجهها أوباما إلى أنقرة بأن تكون شريكة بلاده في التوجه السياسي الجديد نحو العالم تصب أيضاً في ذات الاتجاه الذي يعني في النهاية استمرار سيطرة الغرب على العالم، لكن وفق أطر جديدة تقوم على التحالف بينه وبين الإسلام بنسخته الليبرالية التي تتبنى كافة القيم الغربية، أي أنها لن تختلف عنه إلا في المسمى فقط.
فهل تنجح الولايات المتحدة في غرس (إسلامها) الجديد في التربة التركية، ومن ثم في بقية التربة الإسلامية، أم يكون نصيبها الفشل كما كان نصيب من حاول قبلها؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1172::/cck::
::introtext::
لم يكن الإفراج عن زعيم حزب السعادة والأب الروحي للتيار الإسلامي في تركيا نجم الدين أربكان ورفع الحظر عن نشاطه السياسي مفاجئاً لكثير من المتابعين للشأن التركي، خاصة أن هناك العديد من التطورات الداخلية والخارجية التي أسهمت في هذا الأمر. فعلى المستوى الداخلي كان للتقارب النسبي الحادث بين المؤسسة العسكرية وحزب العدالة والتنمية الحاكم والذي عبرت عنه الأحداث المتتالية وآخرها إعلان رئيس الأركان التركي انتهاء زمن الانقلابات العسكرية ومساعدة الجيش للحكومة في اقتفاء أثر بعض الجماعات الانقلابية ضد الحكومة سواء كانت عسكرية أو مدنية، كان لهذا التقارب دور في بناء أرضية مشتركة لمواجهة التطورات الخارجية غير المؤاتية لتركيا.
::/introtext::
::fulltext::
لم يكن الإفراج عن زعيم حزب السعادة والأب الروحي للتيار الإسلامي في تركيا نجم الدين أربكان ورفع الحظر عن نشاطه السياسي مفاجئاً لكثير من المتابعين للشأن التركي، خاصة أن هناك العديد من التطورات الداخلية والخارجية التي أسهمت في هذا الأمر. فعلى المستوى الداخلي كان للتقارب النسبي الحادث بين المؤسسة العسكرية وحزب العدالة والتنمية الحاكم والذي عبرت عنه الأحداث المتتالية وآخرها إعلان رئيس الأركان التركي انتهاء زمن الانقلابات العسكرية ومساعدة الجيش للحكومة في اقتفاء أثر بعض الجماعات الانقلابية ضد الحكومة سواء كانت عسكرية أو مدنية، كان لهذا التقارب دور في بناء أرضية مشتركة لمواجهة التطورات الخارجية غير المؤاتية لتركيا.
تمثلت هذه التطورات الخارجية في مسعى إدارة الأمريكية الجديدة برئاسة باراك أوباما وفي إطار محاولتها للتقارب مع العالم الإسلامي لطرح نموذج جديد للحكم يبدأ من تركيا، ويكون مثالاً تحتذيه بقية دول العالم الإسلامي، لكن طبعاً بطريقة مختلفة عن تلك التي اتبعتها الإدارة الأمريكية الراحلة بقيادة الرئيس جورج بوش التي اعتمد فيها على القوة العسكرية للإطاحة بالنظم القائمة في أفغانستان والعراق من أجل بناء نظم ديمقراطية حسب ادعاءاتها.

وتعتمد مقاربة إدارة أوباما على بناء نسخة مما تسميه الإسلام الليبرالي الذي يتبنى القيم الغربية مع دمجها بالقيم الإسلامية وهي الدعوة التي يروج لها الداعية التركي محمد فتح الله غولن الذي يتمتع بشهرة كبيرة في العالم الغربي باعتباره أشهر دعاة الإسلام الليبرالي حيث يعمل في إطار مؤسسة ضخمة قام بإنشائها ولها أفرع في عدد كبير من دول العالم تحت اسم (غولن إنستيتيوت) للدعوة إلى هذا النموذج من الحكم الذي سيؤدي في حال تطبيقه طبعاً إلى حدوث التغريب في المجتمعات التي يطبق عليها ليس لأن الإسلام ضد قيم الحداثة كما يدعي البعض بل لأن قيم الغرب التي يسعى إلى دمجها هي نتاج خبرة الحضارة الغربية، ولا يمكن إسقاطها على الحضارات والمجتمعات الأخرى لأن كل حضارة وكل مجتمع له قيمه النابعة من بيئته الاجتماعية والدينية والتي يتوافق معها وبها يحمي كيانه من التشرذم في مواجهة الآخر بالإضافة إلى أن تلك القيم الغربية لم تحقق النجاح الكامل في بيئاتها فكيف عساها تفعل في البيئات الأخرى المختلفة عنها؟
هل تنجح الولايات المتحدة في غرس (إسلامها) الجديد في التربة التركية؟
لذا كان الخوف من قبل الحزب الحاكم في تركيا والذي شمل أيضاً المؤسسة العسكرية التي رأت في هذا النموذج الذي يروج له غولن ويلقى دعماً من الولايات المتحدة وقوى غربية أخرى خطراً على مستقبل ليس الدولة العلمانية في تركيا التي يعلن نفسه حامياً لها فقط، بل المجتمع التركي ذاته. فكان لا بد من مواجهته عبر طرح النسخة المضادة له وهي تلك التي يطرحها نجم الدين أربكان لتصطدم النسختان سوية، في حين تظل النسخة التي يطرحها حزب العدالة الحاكم وترتضيها المؤسسة العسكرية.
من هنا جاء الإفراج عن أربكان لمواجهة هذا التحدي الخطير الذي برز أكثر بعد الزيارة التي قام بها الرئيس الأمريكي أوباما إلى أنقرة والتي جاء اختياره لها لتوجيه رسالته الأولى للتصالح مع العالم الإسلامي في سياق وجهة النظر تلك التي تحملها الإدارة الأمريكية والتي تعتبر تركيا أكثر الدول الإسلامية صلاحية لتحقيق التقارب بين العالم الإسلامي والغرب ممثلاً في الولايات المتحدة باعتبار أنها أكثر تلك الدول التي تتبنى نظاماً يجمع ما بين الديمقراطية والإسلام. وهو ما يعني أنها أكثر قابلية من غيرها لبناء ذلك النموذج الذي تسعى إليه وهو النسخة الليبرالية من الإسلام التي يطرحها فتح الله غولن.
إن الدعم الذي أبداه أوباما لحزب العدالة والتنمية في تركيا يأتي في هذا السياق أيضاً باعتبار أن ذلك الحزب فتح الباب أمام تبني هذه النسخة الليبرالية من الإسلام بتبنيه نسخة أقل راديكالية من تلك التي طرحها أربكان وإن كانت أكثر تشدداً من النسخة الليبرالية التي يطرحها غولن.
مقاربة إدارة أوباما تعتمد على بناء نسخة مما تسميه الإسلام الليبرالي الذي يتبنى القيم الغربية مع دمجها بالقيم الإسلامية
ولعل الدعوة التي وجهها أوباما إلى أنقرة بأن تكون شريكة بلاده في التوجه السياسي الجديد نحو العالم تصب أيضاً في ذات الاتجاه الذي يعني في النهاية استمرار سيطرة الغرب على العالم، لكن وفق أطر جديدة تقوم على التحالف بينه وبين الإسلام بنسخته الليبرالية التي تتبنى كافة القيم الغربية، أي أنها لن تختلف عنه إلا في المسمى فقط.
فهل تنجح الولايات المتحدة في غرس (إسلامها) الجديد في التربة التركية، ومن ثم في بقية التربة الإسلامية، أم يكون نصيبها الفشل كما كان نصيب من حاول قبلها؟
::/fulltext::
::cck::1172::/cck::
