رهان على مكاسب المشاريع الصغيرة والمتوسطة في تحقيق تنمية مستدامة

::cck::1183::/cck::
::introtext::

أصدر معهد التمويل الدولي تقريراً في منتصف شهر مايو 2010 يتوقع فيه عودة النمو لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي الست بنسبة نمو قدرها 4,4 في المائة عام 2010، فضلاً عن 4,7 في المائة في عام 2011، وحسب المصدر نفسه فإن دول مجلس التعاون الخليجي الست سجلت نمواً متواضعاً في اقتصاداتها عام 2009 وتحديداً بـ 0,3 في المائة فقط.

 

::/introtext::
::fulltext::

أصدر معهد التمويل الدولي تقريراً في منتصف شهر مايو 2010 يتوقع فيه عودة النمو لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي الست بنسبة نمو قدرها 4,4 في المائة عام 2010، فضلاً عن 4,7 في المائة في عام 2011، وحسب المصدر نفسه فإن دول مجلس التعاون الخليجي الست سجلت نمواً متواضعاً في اقتصاداتها عام 2009 وتحديداً بـ 0,3 في المائة فقط.

ربط التقرير الأداء الإيجابي لعامي (2010-2011) بارتفاع أسعار النفط وتطبيع التجارة الدولية وسياسات الاقتصاد الكلي السليمة وتدفق رأس المال لدول المجلس، ويتوقع التقرير أيضاً ارتفاع إيرادات دول مجلس التعاون من النفط والغاز من 323 مليار دولار في عام 2009 إلى 419 مليار دولار في عام 2010 ومن ثم إلى 457 مليار دولار مع نهاية عام 2011.

ومن أجل دعم النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي اتجهت هذه الدول نحو تعظيم الإنفاق الحكومي إلى 14,5 في المائة عام 2010 بقيمة 270 مليار دولار، فقد أقرت أكبر دولة في دول المجلس هي المملكة العربية السعودية إنفاق 144 مليار دولار، في حين أنفقت عام 2009 نحو 48 مليار دولار بزيادة تقدر بنحو 37 في المائة عن عام 2008، وخصصت السعودية 49 في المائة من النفقات للبنية التحتية.

وقد عانت دول الخليج شأنها شأن بقية دول العالم تداعيات الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة في صيف عام 2008، لكن معاناة دول الخليج كانت من انخفاض أسعار النفط نتيجة لأزمة الرهون العقارية في أمريكا التي انخفضت من 147 دولاراً للبرميل في يوليو 2008 إلى نحو 35 دولاراً للبرميل مع بداية عام 2009 حتى نهاية الربع الأول من العام نفسه.

فكانت الأسعار المتدنية للنفط العامل الحاسم والمباشر وراء تدني معدلات النمو الاقتصادي في دول الخليج، وهي نتيجة طبيعية للأهمية النسبية الكبيرة للقطاع النفطي في اقتصادات دول الخليج لأن إيرادات النفط تشكل نحو 70 في المائة من دخول الخزينة العامة، فضلاً أنها تمثل 80 في المائة من مجموع صادرات دول مجلس التعاون، أي أن إيرادات النفط تعد المتحكم الرئيسي في نمو اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، لذلك أصبحت دول الخليج تشعر بقلق بالغ عند انخفاض أسعار النفط أو تذبذب أسعاره.

فإذا كان العالم المتقدم يعاني من الهشاشة المالية العامة وارتفاع نسبة الدين العام في الكثير من الدول وبخاصة المتقدمة فإنها اتجهت إلى إقرار حزم تحفيز لتحاشي انهيار النظام المالي العالمي والدخول في كساد اقتصادي كبير.

لكن الخلل في اقتصادات دول الخليج مختلف عن الخلل في اقتصادات الدول المتقدمة، فالخلل الواضح في اقتصادات دول الخليج هو اعتمادها المفرط على مداخيل النفط وإن كانت دول الخليج تتجه الآن من أجل حفز النمو الاقتصادي بالتوسع في الإنفاق الاستثماري واستكمال بناء البنى التحتية التي تأخر بناؤها نتيجة للحروب التي ألمت بدول المنطقة وامتصت مداخيلها.

ولا تزال قوة الأداء الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي تعزى إلى حجم الاحتياطيات التي تمتلكها من النفط والتي تقدر بما يزيد على 40 في المائة من الاحتياطي العالمي، ولتراكم الاحتياطيات المالية التي تم بناؤها في السنوات التي سبقت الأزمة المالية العالمية الراهنة، بالإضافة إلى الإصلاحات الهيكلية التي أنجزتها دول المجلس خصوصاً في محاولاتها إعطاء الدور الكبير للقطاع الخاص للقيام بدور أساسي في دفع عجلة النمو الاقتصادي.

واتجهت دول الخليج منذ ثلاثة عقود نحو التكامل الاقتصادي لتعزيز التنمية الاقتصادية فأرست منطقة التجارة الحرة عام 1983 تبعها إطلاق الاتحاد الجمركي عام 2003، ثم إعلان السوق الخليجية المشتركة عام 2008 واعتماد اتفاقية الاتحاد النقدي التي تمت المصادقة عليها من قبل الدول الأعضاء الأطراف فيها ودخلت حيز التنفيذ في فبراير 2010.

ومن أجل تحقيق ذلك، فإن دول المجلس تتطلب مزيداً من التقارب والتكامل الاقتصادي وأيضاً مزيداً من التنسيق في مجال السياسات المالية مما يعزز مسيرة وجهود دول المجلس لتنويع القاعدة الإنتاجية حتى تقوي مكاسب السوق الخليجية المشتركة، وتزيد من القدرة التفاوضية لدول المجلس أمام الشركاء الاقتصاديين من الدول والمجموعات الاقتصادية.

وتمتلك المشاريع الكبيرة في دول المجلس قدرة على تمويل مشاريعها بسبب جدواها الاقتصادية العالية وقوة الشركات التي تقف وراءها، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في توفير التمويل للصناعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها المحرك الأساسي في اقتصادات الدول الصناعية في العالم وهي أكبر مولد للفرص الوظيفية، لكنها تعتبر نقطة الضعف التي لا تزال تعاني منها دول الخليج لأن المشاريع الصناعية تحتاج إلى تمويل طويل الأجل ومعظم ودائع البنوك قصيرة الأجل فإن الأمر يتطلب تدخلاً من دول الخليج باعتبارها الداعم الرئيسي للصناعة ولنمو الاقتصاد الخليجي عن طريق وضع ودائع طويلة الأجل في البنوك الخليجية توجه للتمويل الصناعي لدفع عجلة الاستثمار الصناعي ودعم صناعات خليجية قادرة على المنافسة، وتستخدم المنتجات البتروكيماوية حتى تتغلب في الوقت نفسه على النتائج السلبية لشركات البتروكيماوية الكبرى في دول الخليج وقت الأزمات.

إن قيام صناعات صغيرة ومتوسطة مكملة وتعتمد على منتجات الصناعات البتروكيماوية يمكن أن تصبح محركاً للنشاط الاقتصادي مستفيدة من الإنفاق الحكومي وانخفاض نسبة الدين لأن الاستثمار طويل الأجل في الصناعة له عوائد كبيرة ومستدامة خصوصاً إذا ما بنيت على دراسات دقيقة، وتمكنت من معرفة متطلبات السوقين المحلي والعالمي.

ولا يمكن أن يضطلع القطاع الخاص بدور استثماري فاعل إلا بالبحث عن شركاء عالميين جدد وهي خطوة مهمة للتغلب على مصادر التمويل وفي الوقت نفسه الاستفادة من خبرات تلك الشركات بما تملكه من قدرات تكنولوجية وتسويقية.

فالبيئة الاقتصادية في دول الخليج تشجع في الوقت الحاضر على معالجة الاختلالات الهيكلية في البنية الاقتصادية التي تعتمد اعتماداً كلياً على عوائد النفط التي تغطي الميزانيات العامة خلال فترة أسعار النفط المتدنية من الأصول والفوائض التي جنتها زمن ارتفاع أسعار النفط.

وتظل مشاريع البنية التحتية مشاريع غير جاذبة للقطاع الخاص كمشاريع النقل والموانئ وسكك الحديد لأن القطاع الخاص يسعى بطبيعته إلى العائد المجزي، ويفضل العائد السريع وفي حال دخوله في الاستثمارات طويلة الأجل فإنه يطلب ضمانات حكومية قد لا تتسق مع السياسات المالية للحكومات في بعض الأحيان.

فلا يزال الدور التنموي الخليجي قاصراً حتى الآن لأنه لا يزال يعتمد على المشاريع العملاقة ذات الموارد الاقتصادية والبعد التنموي والحضاري التي جاءت نتيجة للتخطيط والإدارة الجيدة للموارد والرؤية الاستثمارية، رغم ذلك فهي لن تحقق بمفردها تنمية شاملة، ولكن يمكن أن تصبح تلك المشاريع الضخمة حاضنات للمشاريع الصغيرة والمتوسطة كي تتحقق التنمية الشاملة، لأن الإنفاق الحكومي لن يستمر على المدى الطويل خصوصاً أن على الدولة مسؤولية اجتماعية (فقد استفاد من نظام التقاعد أكثر من 1,2 مليون شخص في المملكة صرف لهم ولأسرهم 282 مليار ريال (75,5 مليار دولار) حتى نهاية عام 2009).

وتحاول دول الخليج تهيئة القطاع الخاص من خلال استكمال إنشاء البنى التحتية والتي تقدر تكلفتها في السعودية بنحو 260 مليار ريال عام 2010 وهي ثلاثة أضعاف ما اعتمد لها في عام 2005 وهو العام الأول لخطة التنمية الثامنة.

وتنفذ السعودية البنى التحتية وفق عمل مؤسساتي كي تتلاءم مع المتغيرات التنموية التي أصبحت في قلب السياسة الاقتصادية للمملكة والتي تأتي بعدها دراسة قرار التمويل للقطاع الخاص في إطار سياسة اقتصادية ومالية حصيفة تأخذ في الحسبان الاستقرار الاقتصادي والمالي الذي يجنبها الأزمات التي تعصف عادة باقتصادات الدول كي يصبح النمو صلباً وإيجابياً وتحقق التنمية المستدامة التي تخلقها الشراكة ما بين القطاعين العام والخاص.

كما أن دول مجلس التعاون الخليجي أنجزت مرحلة مهمة خلال الـ 29 عاماً الماضية والتي تبنت منذ البداية المدخل التجاري التقليدي للتهيئة لعملية التكامل، ثم في مرحلة لاحقة عليها أن تتبنى المدخل الإنمائي للتكامل لتنويع الهيكل الإنتاجي للدول الأعضاء والذي يوجد سلعاً قابلة للتبادل بين الدول الخليجية.

وإن كان البعض ينتقد بطء دول الخليج في تنفيذ مقدار وحجم الإنجاز التكاملي أو أنها ليست بالشكل المأمول، رغم ذلك فإن دول الخليج استفادت من التجارب العربية واستوعبتها جيداً منذ البداية وتبنت منهجاً يتسم بالواقعية والتوافقية لتحقيق أهداف المجلس حتى لو كانت مرحلية هي أفضل من عدم تحقيق أي شيء، لذلك ابتعدت عن الشعارات البراقة وأسلوب حرق المراحل مما جعلها تستهل المجلس بالمسائل التي لا خلاف حولها مدركة أهمية تلك المراحل مهما كانت محدوديتها، لكنها كفيلة بتنمية الشعور بأهمية المصالح المشتركة وتوسيع نطاقها حتى لو تحققت بعد حين حتى تصبح أمراً ممكناً ومتسقاً مع توافق المصالح المشتركة المتنامية للدول الأعضاء.

والآن تعد دول الخليج لمستقبل أقل اعتماداً على النفط، فالسعودية بمفردها أنشات مدناً اقتصادية وصناعية جديدة ستنعكس آثارها بعيدة المدى على التنمية وهي نموذج عالمي يحتذى في شراكة القطاعين العام والخاص لتخفيف تداعيات تراجع أسعار النفط كسلعة ناضبة ومتقلبة الأسعار ولا يمكن بقاء دول الخليج رهينة له.

إن النمو التقليدي المعتمد على مداخيل النفط عقب طفرة السبعينات وأوائل الثمانينات أدى إلى تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي في أكبر اقتصاد خليجي إلى واحد في المائة سنوياً، بينما زاد النمو السكاني 4 في المائة ما تسبب في إحداث فجوة تنموية هائلة وتراكم حجم البطالة بسبب إدمان القطاع الخاص على العمالة الأجنبية الرخيصة وإن كان النمو الاقتصادي عاد في الطفرة الأخيرة قبل الأزمة المالية العالمية ما بين 4,2 في المائة و6,2 في المائة، لكن مع استمرار الخلل الهيكلي في الاقتصاد السعودي.

وتتوقع السعودية اكتمال بناء المدن الاقتصادية بعد عشرة أعوام، وستكون حصتها المستهدفة في الناتج المحلي الإجمالي 150 مليار دولار بأسعار عام 2007، فضلاً عن توفير 1,2 مليون فرصة وظيفية ويسكن هذه المدن نحو 4,5 مليون نسمة.

ويتحدد مستقبل دول الخليج بإمكانية إيجاد تكامل بين الصناعات القائمة والصناعات الجديدة مستقبلاً خصوصاً في الصناعات الأساسية مع دراسة الميزات الصناعية النسبية لكل دولة ليتم الوصول إلى الخريطة الصناعية المتكاملة لدول المجلس ووضع آلية لتحديث الخريطة بصفة مستمرة.

وسيكون الرهان مستقبلاً على مكاسب المشاريع الصغيرة والمتوسطة في دول المجلس لأنها تعتبر أسنان عجلات تنمية حيوية في معظم الاقتصادات وبالذات في الدول النامية، وغالباً ما غطت التجمعات الصناعية الكبرى الخاصة بالدولة في منطقة الخليج على قيام مثل هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعتبر المرحلة اللاحقة مرحلة مكملة للمرحلة السابقة، وتعتبر مرحلة أساسية وتأسيسية تحتضن المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتكون مسؤولة عنها لأنها القادرة على تنويع الناتج الاقتصادي وتوفير الوظائف للشباب وهي أهداف استراتيجية لكل دول الخليج.

لقد أصبح مستقبل التنمية الاقتصادية مرتبطاً بإقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة لأنها تشكل في الولايات المتحدة 45 في المائة و67 في الاتحاد الأوروبي من إجمالي الإنتاج، وقد أظهرت شركة إيه تي كيرني (AT Kearney) أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة الناجحة في الأسواق الناشئة هي التي تولد الوظائف بمعدل أسرع بأربع مرات من معدل ما تولده الشركات الكبرى، كما أن معدل توليدها للعوائد وإضافتها للناتج المحلي الإجمالي أسرع بست مرات من المعدل الخاص بالشركات الأكبر حجماً.

وتتوقع شركة كيرني أن الدعم الحكومي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في الخليج يمكن أن يزيد الناتج المحلي للمنطقة بـ 100 مليار دولار، وأن يولد ما يصل إلى مليوني فرصة عمل وإن كان على المدى الطويل، وبذلك تشكل المشاريع الصغيرة والمتوسطة حجر الأساس لكل الاقتصادات، كما أن بعضها يمكن أن ينجح في آن يصبح شركات عملاقة في المستقبل.

إن تحسين وإصلاح القوانين التجارية والتنظيمات وحتى المعايير التعليمية يعدان مطلباً أساسياً وملحاً، وهما فرصة لهذا الإصلاح في ظل التراجع الاقتصادي العالمي في ابتعاد أصحاب المشاريع الناشئة عن القطاعين المالي والعقاري باتجاه مشروعات الاقتصاد الفعلي الذي يدر عوائد مضمونة ومستدامة على المدى الطويل، وبها ينمو الاقتصاد نمواً إيجابياً تتحقق من خلاله تنمية شاملة ومستدامة بدلاً من النمو التقليدي السلبي المعتمد على عوائد النفط الريعية التي لا ينتج عنها إلا كسل اقتصادي وتنموي.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1183::/cck::
::introtext::

أصدر معهد التمويل الدولي تقريراً في منتصف شهر مايو 2010 يتوقع فيه عودة النمو لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي الست بنسبة نمو قدرها 4,4 في المائة عام 2010، فضلاً عن 4,7 في المائة في عام 2011، وحسب المصدر نفسه فإن دول مجلس التعاون الخليجي الست سجلت نمواً متواضعاً في اقتصاداتها عام 2009 وتحديداً بـ 0,3 في المائة فقط.

 

::/introtext::
::fulltext::

أصدر معهد التمويل الدولي تقريراً في منتصف شهر مايو 2010 يتوقع فيه عودة النمو لاقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي الست بنسبة نمو قدرها 4,4 في المائة عام 2010، فضلاً عن 4,7 في المائة في عام 2011، وحسب المصدر نفسه فإن دول مجلس التعاون الخليجي الست سجلت نمواً متواضعاً في اقتصاداتها عام 2009 وتحديداً بـ 0,3 في المائة فقط.

ربط التقرير الأداء الإيجابي لعامي (2010-2011) بارتفاع أسعار النفط وتطبيع التجارة الدولية وسياسات الاقتصاد الكلي السليمة وتدفق رأس المال لدول المجلس، ويتوقع التقرير أيضاً ارتفاع إيرادات دول مجلس التعاون من النفط والغاز من 323 مليار دولار في عام 2009 إلى 419 مليار دولار في عام 2010 ومن ثم إلى 457 مليار دولار مع نهاية عام 2011.

ومن أجل دعم النمو الاقتصادي في دول مجلس التعاون الخليجي اتجهت هذه الدول نحو تعظيم الإنفاق الحكومي إلى 14,5 في المائة عام 2010 بقيمة 270 مليار دولار، فقد أقرت أكبر دولة في دول المجلس هي المملكة العربية السعودية إنفاق 144 مليار دولار، في حين أنفقت عام 2009 نحو 48 مليار دولار بزيادة تقدر بنحو 37 في المائة عن عام 2008، وخصصت السعودية 49 في المائة من النفقات للبنية التحتية.

وقد عانت دول الخليج شأنها شأن بقية دول العالم تداعيات الأزمة المالية العالمية التي انطلقت من الولايات المتحدة في صيف عام 2008، لكن معاناة دول الخليج كانت من انخفاض أسعار النفط نتيجة لأزمة الرهون العقارية في أمريكا التي انخفضت من 147 دولاراً للبرميل في يوليو 2008 إلى نحو 35 دولاراً للبرميل مع بداية عام 2009 حتى نهاية الربع الأول من العام نفسه.

فكانت الأسعار المتدنية للنفط العامل الحاسم والمباشر وراء تدني معدلات النمو الاقتصادي في دول الخليج، وهي نتيجة طبيعية للأهمية النسبية الكبيرة للقطاع النفطي في اقتصادات دول الخليج لأن إيرادات النفط تشكل نحو 70 في المائة من دخول الخزينة العامة، فضلاً أنها تمثل 80 في المائة من مجموع صادرات دول مجلس التعاون، أي أن إيرادات النفط تعد المتحكم الرئيسي في نمو اقتصادات دول مجلس التعاون الخليجي، لذلك أصبحت دول الخليج تشعر بقلق بالغ عند انخفاض أسعار النفط أو تذبذب أسعاره.

فإذا كان العالم المتقدم يعاني من الهشاشة المالية العامة وارتفاع نسبة الدين العام في الكثير من الدول وبخاصة المتقدمة فإنها اتجهت إلى إقرار حزم تحفيز لتحاشي انهيار النظام المالي العالمي والدخول في كساد اقتصادي كبير.

لكن الخلل في اقتصادات دول الخليج مختلف عن الخلل في اقتصادات الدول المتقدمة، فالخلل الواضح في اقتصادات دول الخليج هو اعتمادها المفرط على مداخيل النفط وإن كانت دول الخليج تتجه الآن من أجل حفز النمو الاقتصادي بالتوسع في الإنفاق الاستثماري واستكمال بناء البنى التحتية التي تأخر بناؤها نتيجة للحروب التي ألمت بدول المنطقة وامتصت مداخيلها.

ولا تزال قوة الأداء الاقتصادي لدول مجلس التعاون الخليجي تعزى إلى حجم الاحتياطيات التي تمتلكها من النفط والتي تقدر بما يزيد على 40 في المائة من الاحتياطي العالمي، ولتراكم الاحتياطيات المالية التي تم بناؤها في السنوات التي سبقت الأزمة المالية العالمية الراهنة، بالإضافة إلى الإصلاحات الهيكلية التي أنجزتها دول المجلس خصوصاً في محاولاتها إعطاء الدور الكبير للقطاع الخاص للقيام بدور أساسي في دفع عجلة النمو الاقتصادي.

واتجهت دول الخليج منذ ثلاثة عقود نحو التكامل الاقتصادي لتعزيز التنمية الاقتصادية فأرست منطقة التجارة الحرة عام 1983 تبعها إطلاق الاتحاد الجمركي عام 2003، ثم إعلان السوق الخليجية المشتركة عام 2008 واعتماد اتفاقية الاتحاد النقدي التي تمت المصادقة عليها من قبل الدول الأعضاء الأطراف فيها ودخلت حيز التنفيذ في فبراير 2010.

ومن أجل تحقيق ذلك، فإن دول المجلس تتطلب مزيداً من التقارب والتكامل الاقتصادي وأيضاً مزيداً من التنسيق في مجال السياسات المالية مما يعزز مسيرة وجهود دول المجلس لتنويع القاعدة الإنتاجية حتى تقوي مكاسب السوق الخليجية المشتركة، وتزيد من القدرة التفاوضية لدول المجلس أمام الشركاء الاقتصاديين من الدول والمجموعات الاقتصادية.

وتمتلك المشاريع الكبيرة في دول المجلس قدرة على تمويل مشاريعها بسبب جدواها الاقتصادية العالية وقوة الشركات التي تقف وراءها، لكن المشكلة الحقيقية تكمن في توفير التمويل للصناعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها المحرك الأساسي في اقتصادات الدول الصناعية في العالم وهي أكبر مولد للفرص الوظيفية، لكنها تعتبر نقطة الضعف التي لا تزال تعاني منها دول الخليج لأن المشاريع الصناعية تحتاج إلى تمويل طويل الأجل ومعظم ودائع البنوك قصيرة الأجل فإن الأمر يتطلب تدخلاً من دول الخليج باعتبارها الداعم الرئيسي للصناعة ولنمو الاقتصاد الخليجي عن طريق وضع ودائع طويلة الأجل في البنوك الخليجية توجه للتمويل الصناعي لدفع عجلة الاستثمار الصناعي ودعم صناعات خليجية قادرة على المنافسة، وتستخدم المنتجات البتروكيماوية حتى تتغلب في الوقت نفسه على النتائج السلبية لشركات البتروكيماوية الكبرى في دول الخليج وقت الأزمات.

إن قيام صناعات صغيرة ومتوسطة مكملة وتعتمد على منتجات الصناعات البتروكيماوية يمكن أن تصبح محركاً للنشاط الاقتصادي مستفيدة من الإنفاق الحكومي وانخفاض نسبة الدين لأن الاستثمار طويل الأجل في الصناعة له عوائد كبيرة ومستدامة خصوصاً إذا ما بنيت على دراسات دقيقة، وتمكنت من معرفة متطلبات السوقين المحلي والعالمي.

ولا يمكن أن يضطلع القطاع الخاص بدور استثماري فاعل إلا بالبحث عن شركاء عالميين جدد وهي خطوة مهمة للتغلب على مصادر التمويل وفي الوقت نفسه الاستفادة من خبرات تلك الشركات بما تملكه من قدرات تكنولوجية وتسويقية.

فالبيئة الاقتصادية في دول الخليج تشجع في الوقت الحاضر على معالجة الاختلالات الهيكلية في البنية الاقتصادية التي تعتمد اعتماداً كلياً على عوائد النفط التي تغطي الميزانيات العامة خلال فترة أسعار النفط المتدنية من الأصول والفوائض التي جنتها زمن ارتفاع أسعار النفط.

وتظل مشاريع البنية التحتية مشاريع غير جاذبة للقطاع الخاص كمشاريع النقل والموانئ وسكك الحديد لأن القطاع الخاص يسعى بطبيعته إلى العائد المجزي، ويفضل العائد السريع وفي حال دخوله في الاستثمارات طويلة الأجل فإنه يطلب ضمانات حكومية قد لا تتسق مع السياسات المالية للحكومات في بعض الأحيان.

فلا يزال الدور التنموي الخليجي قاصراً حتى الآن لأنه لا يزال يعتمد على المشاريع العملاقة ذات الموارد الاقتصادية والبعد التنموي والحضاري التي جاءت نتيجة للتخطيط والإدارة الجيدة للموارد والرؤية الاستثمارية، رغم ذلك فهي لن تحقق بمفردها تنمية شاملة، ولكن يمكن أن تصبح تلك المشاريع الضخمة حاضنات للمشاريع الصغيرة والمتوسطة كي تتحقق التنمية الشاملة، لأن الإنفاق الحكومي لن يستمر على المدى الطويل خصوصاً أن على الدولة مسؤولية اجتماعية (فقد استفاد من نظام التقاعد أكثر من 1,2 مليون شخص في المملكة صرف لهم ولأسرهم 282 مليار ريال (75,5 مليار دولار) حتى نهاية عام 2009).

وتحاول دول الخليج تهيئة القطاع الخاص من خلال استكمال إنشاء البنى التحتية والتي تقدر تكلفتها في السعودية بنحو 260 مليار ريال عام 2010 وهي ثلاثة أضعاف ما اعتمد لها في عام 2005 وهو العام الأول لخطة التنمية الثامنة.

وتنفذ السعودية البنى التحتية وفق عمل مؤسساتي كي تتلاءم مع المتغيرات التنموية التي أصبحت في قلب السياسة الاقتصادية للمملكة والتي تأتي بعدها دراسة قرار التمويل للقطاع الخاص في إطار سياسة اقتصادية ومالية حصيفة تأخذ في الحسبان الاستقرار الاقتصادي والمالي الذي يجنبها الأزمات التي تعصف عادة باقتصادات الدول كي يصبح النمو صلباً وإيجابياً وتحقق التنمية المستدامة التي تخلقها الشراكة ما بين القطاعين العام والخاص.

كما أن دول مجلس التعاون الخليجي أنجزت مرحلة مهمة خلال الـ 29 عاماً الماضية والتي تبنت منذ البداية المدخل التجاري التقليدي للتهيئة لعملية التكامل، ثم في مرحلة لاحقة عليها أن تتبنى المدخل الإنمائي للتكامل لتنويع الهيكل الإنتاجي للدول الأعضاء والذي يوجد سلعاً قابلة للتبادل بين الدول الخليجية.

وإن كان البعض ينتقد بطء دول الخليج في تنفيذ مقدار وحجم الإنجاز التكاملي أو أنها ليست بالشكل المأمول، رغم ذلك فإن دول الخليج استفادت من التجارب العربية واستوعبتها جيداً منذ البداية وتبنت منهجاً يتسم بالواقعية والتوافقية لتحقيق أهداف المجلس حتى لو كانت مرحلية هي أفضل من عدم تحقيق أي شيء، لذلك ابتعدت عن الشعارات البراقة وأسلوب حرق المراحل مما جعلها تستهل المجلس بالمسائل التي لا خلاف حولها مدركة أهمية تلك المراحل مهما كانت محدوديتها، لكنها كفيلة بتنمية الشعور بأهمية المصالح المشتركة وتوسيع نطاقها حتى لو تحققت بعد حين حتى تصبح أمراً ممكناً ومتسقاً مع توافق المصالح المشتركة المتنامية للدول الأعضاء.

والآن تعد دول الخليج لمستقبل أقل اعتماداً على النفط، فالسعودية بمفردها أنشات مدناً اقتصادية وصناعية جديدة ستنعكس آثارها بعيدة المدى على التنمية وهي نموذج عالمي يحتذى في شراكة القطاعين العام والخاص لتخفيف تداعيات تراجع أسعار النفط كسلعة ناضبة ومتقلبة الأسعار ولا يمكن بقاء دول الخليج رهينة له.

إن النمو التقليدي المعتمد على مداخيل النفط عقب طفرة السبعينات وأوائل الثمانينات أدى إلى تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي في أكبر اقتصاد خليجي إلى واحد في المائة سنوياً، بينما زاد النمو السكاني 4 في المائة ما تسبب في إحداث فجوة تنموية هائلة وتراكم حجم البطالة بسبب إدمان القطاع الخاص على العمالة الأجنبية الرخيصة وإن كان النمو الاقتصادي عاد في الطفرة الأخيرة قبل الأزمة المالية العالمية ما بين 4,2 في المائة و6,2 في المائة، لكن مع استمرار الخلل الهيكلي في الاقتصاد السعودي.

وتتوقع السعودية اكتمال بناء المدن الاقتصادية بعد عشرة أعوام، وستكون حصتها المستهدفة في الناتج المحلي الإجمالي 150 مليار دولار بأسعار عام 2007، فضلاً عن توفير 1,2 مليون فرصة وظيفية ويسكن هذه المدن نحو 4,5 مليون نسمة.

ويتحدد مستقبل دول الخليج بإمكانية إيجاد تكامل بين الصناعات القائمة والصناعات الجديدة مستقبلاً خصوصاً في الصناعات الأساسية مع دراسة الميزات الصناعية النسبية لكل دولة ليتم الوصول إلى الخريطة الصناعية المتكاملة لدول المجلس ووضع آلية لتحديث الخريطة بصفة مستمرة.

وسيكون الرهان مستقبلاً على مكاسب المشاريع الصغيرة والمتوسطة في دول المجلس لأنها تعتبر أسنان عجلات تنمية حيوية في معظم الاقتصادات وبالذات في الدول النامية، وغالباً ما غطت التجمعات الصناعية الكبرى الخاصة بالدولة في منطقة الخليج على قيام مثل هذه المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتعتبر المرحلة اللاحقة مرحلة مكملة للمرحلة السابقة، وتعتبر مرحلة أساسية وتأسيسية تحتضن المشاريع الصغيرة والمتوسطة وتكون مسؤولة عنها لأنها القادرة على تنويع الناتج الاقتصادي وتوفير الوظائف للشباب وهي أهداف استراتيجية لكل دول الخليج.

لقد أصبح مستقبل التنمية الاقتصادية مرتبطاً بإقامة المشاريع الصغيرة والمتوسطة لأنها تشكل في الولايات المتحدة 45 في المائة و67 في الاتحاد الأوروبي من إجمالي الإنتاج، وقد أظهرت شركة إيه تي كيرني (AT Kearney) أن المشاريع الصغيرة والمتوسطة الناجحة في الأسواق الناشئة هي التي تولد الوظائف بمعدل أسرع بأربع مرات من معدل ما تولده الشركات الكبرى، كما أن معدل توليدها للعوائد وإضافتها للناتج المحلي الإجمالي أسرع بست مرات من المعدل الخاص بالشركات الأكبر حجماً.

وتتوقع شركة كيرني أن الدعم الحكومي للمشاريع الصغيرة والمتوسطة في الخليج يمكن أن يزيد الناتج المحلي للمنطقة بـ 100 مليار دولار، وأن يولد ما يصل إلى مليوني فرصة عمل وإن كان على المدى الطويل، وبذلك تشكل المشاريع الصغيرة والمتوسطة حجر الأساس لكل الاقتصادات، كما أن بعضها يمكن أن ينجح في آن يصبح شركات عملاقة في المستقبل.

إن تحسين وإصلاح القوانين التجارية والتنظيمات وحتى المعايير التعليمية يعدان مطلباً أساسياً وملحاً، وهما فرصة لهذا الإصلاح في ظل التراجع الاقتصادي العالمي في ابتعاد أصحاب المشاريع الناشئة عن القطاعين المالي والعقاري باتجاه مشروعات الاقتصاد الفعلي الذي يدر عوائد مضمونة ومستدامة على المدى الطويل، وبها ينمو الاقتصاد نمواً إيجابياً تتحقق من خلاله تنمية شاملة ومستدامة بدلاً من النمو التقليدي السلبي المعتمد على عوائد النفط الريعية التي لا ينتج عنها إلا كسل اقتصادي وتنموي.

::/fulltext::
::cck::1183::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *