التنمية الشاملة والحاجات المتجددة للإنسان الخليجي في محيط متغير

::cck::1184::/cck::
::introtext::

يستعمل مفهوم التنمية الشاملة عندما يراد إنماء متكامل في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فهي شاملة متكاملة مترابطة ويتم ذلك وفق خطة ملائمة بعد استحضار الإمكانات المادية والبشرية المتوفرة في المجتمع من أجل تحقيق تحول اجتماعي واقتصادي وثقافي لأبناء ذلك المجتمع مع ضرورة مشاركتهم في تلك العملية من بدايتها إلى نهايتها.

 

::/introtext::
::fulltext::

يستعمل مفهوم التنمية الشاملة عندما يراد إنماء متكامل في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فهي شاملة متكاملة مترابطة ويتم ذلك وفق خطة ملائمة بعد استحضار الإمكانات المادية والبشرية المتوفرة في المجتمع من أجل تحقيق تحول اجتماعي واقتصادي وثقافي لأبناء ذلك المجتمع مع ضرورة مشاركتهم في تلك العملية من بدايتها إلى نهايتها.

لقد وظفت التنمية الشاملة في المجتمعات التي تعاني من تأخر شامل في أبنيتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وتحتاج إلى تحول تاريخي ينقلها إلى حالة أفضل من الرفاهية الاجتماعية، وقد برز هذا المفهوم بشكل أساسي بعد الحرب العالمية الثانية عندما أصبح للجوانب الاجتماعية والثقافية مساحة اهتمام من قبل مخططي التنمية بعد ما كان الجانب الاقتصادي يستحوذ على الاهتمام الأكبر من التصورات النظرية والتوجهات التطبيقية في العالم.

ولا شك في أن التنمية كأداة فعالة للتغير الاجتماعي ارتبطت بالأيديولوجيات السائدة في العالم، ففي الوقت الذي انطلقت فيه المنظومة الاشتراكية بعد الثورة الشيوعية في عام 1917 إلى تبني التخطيط المركزي لإجراء تنمية شاملة للمجتمع الروسي باعتباره مجتمعاً متأخراً في جوانبه المتعددة، أخذت المجتمعات الرأسمالية ومنذ زمن طويل مبدأ التنمية المحلية التي تبدأ من القاعدة إلى القمة معتمدة على القطاع الخاص مع ضرورة تدخل الدولة في الأزمات الكبرى، كما أن التنمية الشاملة هي من أكثر المفاهيم قبولاً بين المتخصصين والمهتمين بها فكراً وممارسة، باعتبار المجتمع عبارة عن بناء متكامل مترابط في نظمه المختلفة، فلا يمكن إجراء تغير في جانب من دون أن يحدث تغير في الجوانب الأخرى، أي أن التنمية الشاملة تعتمد على عنصرين أساسيين هما الجانب المادي والجانب البشري، فالجانب المادي هو حصيلة التقدم التقني الذي حققه الإنسان في الجوانب الإنتاجية والخدمية التي تتطلب استخداماً كفؤاً من قبل العنصر البشري الذي ينبغي أن يمتلك المهارات والقدرات اللازمة سواء على مستوى العقل العلمي المخطط أو على مستوى الوعي التنموي وامتلاك المهارات الفنية المطلوبة في عملية تنفيذ التنمية.

أولاً: التنمية الشاملة والواقع العربي

لا شك في أن اهتمام العرب بالتنمية بدأ يظهر في النصف الثاني من القرن العشرين متأثرين بما يطرح من اتجاهات ورؤى على الساحة الفكرية والسياسية العالمية، ولا سيما بعد تنامي الأفكار التحديثية، وظهور نظم الدولة الحديثة في المنطقة العربية، تلك النظم التي باتت متأثرة بالفلسفة والأيديولوجية السائدة في العالم آنذاك، ومنها الفلسفة والأيديولوجية الاشتراكية التي تسعى إلى إجراء تغيير جذري شامل من خلال العمل الثوري لاستبدال كل العناصر التقليدية بعناصر جديدة ملائمة لحركة التاريخ الحديث وفي المجالات كافة، وفي الجانب الآخر الفلسفة الرأسمالية القائمة على حركة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي متدرجة منذ الخمسينات وحتى الوقت الحاضر، كما بين ذلك الدكتور مصطفى عبدالله على شبكة الإنترنت (الحوار المتمدن) إذ تميزت حقبة الخمسينات بالدعوة إلى الرفاه الاقتصادي، وحقبة الستينات بالدعوة إلى التعليم والتدريب، وحقبة السبعينات بالدعوة إلى التخفيف من وطأة الفقر وتحقيق نمو اقتصادي ملائم للسكان، وحقبة الثمانينات بالدعوة إلى الإصلاح الاقتصادي وبناء هياكل ملائمة للتطور المستمر بما يضمن حالة من التلاؤم والتكيف مع حجم التغيرات في المجتمع، وتميزت حقبة التسعينات إلى الوقت الحاضر بالفلسفة العولمية الجديدة وبروز مؤسساتها الكبرى لترفع شعار التدخل في مساعدة المجتمعات المتأخرة وإنقاذها من الفقر والتخلف كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وفق شروط وآليات اقتصادية تترجم فلسفة وأيديولوجية التوجه الكوني الجديد.

إلا أن الواقع العربي، ومنه الواقع الخليجي، يخضع لتأثير متغيرات أيديولوجية بدأت تأخذ مسارات عديدة بسحب هذا الواقع كلاً إلى طريقه أو مساره، فجاءت الأنظمة الشمولية الاشتراكية لتنقل إلى واقع مجتمعها قوالب جاهزة من التجارب في دول المعسكر الاشتراكي آنذاك، وتفرض على مواطنيها بناءات جديدة أغلبها يتعارض مع البنى الفكرية السائدة في تلك المجتمعات، لذا فإن انهيار تلك التنمية سرعان ما ظهر واضحاً على الساحة الوطنية بمجرد تراجع دور الدولة أو دخولها في صراعات أيديولوجية مع أطراف أخرى، وأنظمة أخرى سارت في مسار النظم الرأسمالية متخذة من الليبرالية فلسفة تنطلق منها من دون أن تكون لديها بناءات اقتصادية إنتاجية راسخة لإجراء التغير التنموي الشامل في مجال الصناعة والزراعة والاقتصاد والمعرفة، وهكذا وجدت نفسها رغم النقل التكنولوجي والتطور الخدمي أمام تحديات أخرى تخص الإنسان وثقافته ووعيه، ومدى قدرته على بناء مفاهيم جديدة مستحدثة من دون أن يتخلص هذا الإنسان من الالتفات إلى الماضي والعيش فيه.

وتشير بعض الإحصائيات التي أوردها الدكتور محمد الرميحي على شبكة الإنترنت إلى الإخفاقات والمعوقات التي تعترض التنمية في المنطقة العربية، ففي المجال الاقتصادي لم يتجاوز نمو الفرد العربي خلال العقدين الأخيرين النصف في المائة سنوياً مقارنة بالهند سبعة في المائة، فالهوة واسعة وعميقة إذا قارنا أنفسنا بالغير، وفي المجال المعرفي لم يكن الأداء العربي أفضل مع الدخول في الألفية الثالثة ومنظومة نشر المعرفة مكبلة في شقيها، مجال نشر المعرفة ومجال إنتاجها، كذلك هناك قرابة 65 مليون راشد عربي ما زالوا أميين من 300 مليون تقريباً، كما لا يتجاوز الالتحاق بالتعليم العالي تقريباً 13 في المائة، أما في مجال استخدام الحاسب الآلي، ففي الوقت الذي يبلغ المتوسط العالمي لاستخدامه لكل ألف شخص 78 جهازاً نجدها عند العرب 18 جهازاً أي لا يتجاوز 1.6 في المائة من العرب، وعلى الرغم من أن العرب يشكلون 5 في المائة من سكان العالم فإن عدد مستخدمي الإنترنت في منطقة الخليج العربي على سبيل المثال لا يتجاوز 6-9 في المائة من السكان.

ويرى الرميحي أن الإشكالية تكمن في ثلاثة محاور رئيسية: أولها تخلف نظم التعليم والتدريب، وثانيها الصراع بين القديم والجديد وعيش معظم العرب في الماضي من دون أن تكون لهم رؤية نقدية له، وحتى المثقفين منهم من يجد التبريرات للتمسك به، وثالثها انقسام العرب بين المحلي والإقليمي والقومي، إذ تضيع الأدبيات والرؤى التنموية بين هذه المستويات من دون تحديد دقيق لعلاقة المتغيرات الثلاثة ببعضها.

وتزداد المشكلة خطورة إذا علمنا أن معدل النمو الديموغرافي في العالم العربي آخذ بالازدياد من دون وجود تخطيط لتهيئة المستلزمات الأساسية لحاجات الإنسان، ويشير الباحث عبدالله التركماني على الإنترنت في (الحوار المتمدن) إلى أن هذا النمو يتراوح بين 2.5 في المائة إلى 2.6 في المائة سنوياً، وأن عدد السكان يتضاعف كل 30 سنة تقريباً، فإذا علمنا أن نسبة الأطفال ما دون الـ 15 عاماً ترتفع إلى 40 في المائة من العدد الإجمالي لعدد السكان، فإن ذلك يؤشر إلى مدى الحاجة الملحة إلى تأمين الغذاء والتعليم والصحة وغيرها لهم، وهي مسألة باتت خارج دائرة التفكير العربي تقريباً مع تزايد الأزمات المختلفة وتراجع الثقافة في الوطن العربي لاسيما مع ارتفاع نسبة الأمية فيه بشكل مخيف.

ولاشك في أن هذه المشكلة ستتفاقم مستقبلاً، إذا لم يكن هناك توجه رسمي وشعبي نحو التنمية الشاملة، إذ سيتضاعف عدد سكان العرب ليصل في عام 2050م إلى 645 مليون نسمة، أي أن معدل نمو السكان سيكون أكبر من معدل النمو الاقتصادي، حيث سيصل عدد الذين يقعون بين الفئة العمرية 15-59 إلى 285 مليون نسمة عام 2025م وستصل نسبة البطالة إلى 125 مليوناً في عام 2010، ولا شك في أن ذلك يتطلب من العرب أن يفكروا بإيجاد خطط تنموية شاملة وإيجاد البدائل الحقيقية لإنقاذ الملايين من البشر، وأن ذلك يتطلب أيضاً ثورة ثقافية تضع الإنسان العربي أمام هذا الواقع وتخلصه من العيش في الماضي وتوعيته بضرورة السعي الى امتلاك الإمكانات اللازمة لتغيير واقعه الحالي.

ثانياً: التنمية الشاملة في منطقة الخليج العربي

لا شك في أن معدلات النمو في منطقة الخليج العربي، حققت مستويات متقدمة على نطاق التنظيمات الهيكلية والخدمية من خلال توظيف عائدات النفط بشكل مقبول في ذلك، ولعل أبرز هذه التنظيمات ظهور الدولة الخليجية الحديثة وقدرتها على التفاعل السياسي في الخريطة السياسية الإقليمية والدولية، إلا أن هذا النمو الخلاق في الجانب المادي لا يكفي إذا لم يتحقق تحول حقيقي في البناء الفوقي للمجتمع، بشكل يتلاءم مع التحول الحاصل في الجانب المادي أو التحتي، ولا شك أيضاً في أن عملية التلاؤم والتناغم بين الجانبين ليست عملية كيفية أو تعبر عن رغبة فردية، إنما تتطلب تحولاً حقيقياً في المناهج والرؤى التنموية، خاصة في ما يخص حاجات الإنسان الآنية والمستقبلية على أساس بناء مرتكزات المجتمع المتغير على أسس علمية مخططة، وليس على أساس نقل مقولب للنظم التكنولوجية وآلياتها، فالمسألة تتصل بعملية تقييم وتدريب وتأهيل مهني ينبغي أن يؤسس له. وبهذا المعنى فإن التنمية الشاملة في دول الخليج العربية تحتاج إلى فهم جديد في الثقافة بطريقة تجعل الإنسان يفهم ما ينتظره من تحول خطير على مدى قرن أو قرون قادمة من التحول التكنولوجي والمعرفي، وإذا لم تجر تنمية شاملة تضع في الاعتبار ذلك التحدي المستقبلي إذ إن الإنجازات المتحققة حالياً ستعد جزءاً من الماضي، أي سيفقد المتحقق منها صفة التطورية التراكمية التي يمكن الحصول عليها عن طريق التنمية الشاملة المستدامة، فلا يمكن الفصل في المرحلة الحالية بين المفاهيم التنموية السائدة كالتنمية البشرية والتنمية المستدامة والتنمية الشاملة سواء على مستوى الفكر أو الممارسة، بل ينبغي النظر إليها في سياق ثقافي جديد نحن نحتاج إليه وليس المستورد والجاهز.

إن الصراع بين القديم والجديد هو صراع يظهر في كل المجتمعات الإنسانية تقريباً إلا أن هذا الصراع هو مفتاح التحول نحو الأحسن، لكن المشكلة الأساسية التي تواجه الإنسان العربي عامة، والخليجي خاصة، هي عدم القدرة على التركيز باتجاه المستقبل والتحضير لبنائه والتكيف معه وتطويع ما يمكن أن يحمل لنا من إنجاز عن طريق المشاركة في صنعه، ولاسيما أننا نعيش في الماضي دون أن يكون لنا فهم دقيق لحيثيات هذا الماضي الذي كان يوماً ما حاضراً، وقد تفاعل أهله مع أحداث عصرهم وصنعوا الحضارة، فمشكلتنا أننا نعيش فيه دون أن يكون لحاضرنا نصيب من التفاعل الذي يمكن أن ينتج حضارة، وهذا يؤشر إلى عجز خطير ينبغي أن يضع مخططي التنمية الشاملة في الخليج الاعتبار الكبير له حين البدء بالتنمية الشاملة، بأعتبار الأخيرة تعني تحولاً شاملاً في البنى المادية والثقافية، وهذا التحول يجب أن يعالج إشكالية الثقافة وعلاقة الإنسان بماضيه.

ثالثاً: آليات نجاح التنمية الشاملة في منطقة الخليج العربية

إن تحقيق نهضة تنموية متكاملة تتطلب إجراءات متكاملة أيضاً في مختلف المجالات، وتأتي ضرورة ذلك نظراً للترابط والعلاقة المتناغمة بين أجزاء البناء الاجتماعي، كي تكون عملية التحول الثقافي والاجتماعي والمعرفي والتكنولوجي مترابطة، كل منها يؤدي وظيفة مرتبطة بالوظائف الأخرى في المجتمع، بحيث لا تحصل حالة عدم توازن بين تلك الجوانب، ولذلك فإن الخيار الذي ينبغي التعامل معه في تحقيق نهضة تنموية هو التصنيع، والتصنيع هو عملية متكاملة وشاملة أيضاً، فهو عملية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وتكنولوجية ودون هذا التحول لا تتحقق الغايات المنشودة على مستوى الأجيال الحاضرة والمستقبلية. وفي هذا الصدد يشير التقرير الوطني لحال التنمية البشرية في العراق لعام 2008 إلى ضرورة الاهتمام بالإطار المفاهيمي والمنهجي للتنمية البشرية خاصة أن الفكر التنموي شهد تطورات مهمة على طريق إعادة الإنسان إلى موضعه الصحيح في محور الجهود التي تسعى إلى التعرف إلى أبعاد العملية التنموية والنهوض بوسائل تحقيقها، بعد أن ثبت أن النظريات والمناهج التي كانت سائدة في الماضي والساعية إلى تعظيم النمو الاقتصادي غير قادرة على تعظيم رفاه الإنسان، فالتنمية البشرية ليست مجرد إفصاح عن أبعاد إنسانية لعملية التنمية، إنما هي منهج بديل لما ساد خلال عقود التنمية التي وضعت الإنسان على هامش العملية مقابل وضع الجوانب المادية في المحور، ولذلك فإن النموذج المطروح للتنمية البشرية يجمع بين أبعاد عدة أبرزها التمكين والإنصاف والاستدامة والمشاركة والحرية، حيث يغطي دليل التنمية البشرية ثلاثة أبعاد لرفاه الإنسان هي الصحة والتعليم والدخل، وبهذا فقد جاء إعلان الأمم المتحدة للأهداف الإنمائية للألفية الثالثة الذي اعتمده الأعضاء لعام 2000. كما أنها وضعت الأهداف الإنمائية الألفية، وهي عبارة عن مجموعة من ثمانية أهداف وثماني عشرة غاية وثمانية وأربعين مؤشراً، ليتم العمل على تحقيقها حتى عام 2015م على مستوى العالم وهذه الأهداف ذات أوجه متعددة تساهم في مراقبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع.

ويظهر هذا الاهتمام بمجال التنمية في العالم نظراً لازدياد حاجات الإنسان في كل مكان ومنها منطقة الخليج العربي التي تقف اليوم أمام تحديات ضخمة كالتحديات السياسية والصراعات الإقليمية والتحديات الداخلية المتمثلة في أزمة التعليم وأزمة الإنسان نفسه وأين يكون موقعه في خريطة متغيرة بسرعة مذهلة في عالم جديد متعولم؟

ولذلك فإن آليات صنع تنمية شاملة في منطقة الخليج العربي ينبغي أن تنطلق من الجانب الاقتصادي، ويتم ذلك عن طريق تأسيس هيئات علمية متخصصة في نشر المعرفة العلمية مع ضرورة مشاركة المجتمع في عملية التنمية والوعي بأهدافها ومراميها عن طريق وسائل الإعلام والندوات والدعايات وغيرها وهي خطوة أساسية لبناء قاعدة صناعية وطنية تعمل على رفع إنتاجية المواطن إلى درجة مقبولة ومتناغمة مع وعيه الاجتماعي فمن دون نمو الوعي لا يمكن أن تترتب على هذه العملية حالة تغير حقيقي تفسح المجال في دخول المجتمع الخليجي ساحة الإنتاج المؤسسي من خلال الاعتماد على الاستثمارات الأهلية وما يرافق ذلك من تنمية شاملة تقوم بها الدولة متعاونة مع القطاعات الأهلية وبالاعتماد على التكنولوجيا الملائمة لظروف المجتمع الخليجي. فتحقيق معدلات نمو حقيقية في هذا المجال يتطلب فهم الظروف السائدة نفسها، فالظروف هي المتغير الأساسي في عملية التحول التنموي وليس الإرادات الفردية أو الجماعية فقط فالتكنولوجيا الملائمة هي إحدى الاستراتيجيات الأساسية للتنمية الشاملة، بل يمكن أن تكون مدخلاً أساسياً للتصنيع ونقل المجتمع إلى مستوى أفضل من التفاعل الثقافي مع العملية الإنتاجية على أساس التفاعل مع ثقافة المجتمع نفسه وبما يتناسب مع ظروفه المتغيرة بالإضافة إلى ضرورة التأكيد على حق الاستفادة من المعرفة الإنسانية في هذا المجال لكي تتحقق نهضة وطنية تعمل على تعزيز الاستقلال السياسي والاقتصادي للمجتمع الخليجي وهي مسألة في غاية الأهمية كي تصل التنمية الشاملة إلى أهدافها، فالاستقلال في القرار يعني التحرر من القيود الخارجية وبناء النموذج الإنساني الذي يلبي حاجات الإنسان في المجتمع الخليجي حاضراً ومستقبلاً، ويجعل ذلك التوجه نحو التعليم والتدريب مسألة في غاية الأهمية حين يتم العمل على رفع مكانة الإنسان الثقافية في السلم الاجتماعي لا لكي يصنف طبقياً إنما لكي يكون قادراً على الإنتاج وفق تصوراته الثقافية الملائمة، وهذا يأتي من خلال التأكيد على زيادة المتعلمين في المجتمع من خلال التوسع في التعليم العلمي والطبيعي والفني والتكنولوجي ومن خلال ترغيب الناس في ذلك.

إن منطقة الخليج العربي اليوم تمتلك الآليات اللازمة سواء على مستوى الوعي السياسي لقادتها أو على مستوى إحساس الإنسان العادي بواقعه وهو أمر يتطلب المبادرة كي تتضافر الجهود في تنفيذ تنمية شاملة قائمة على خطط تنموية تأخذ في الاعتبار الإمكانات المتاحة في المجتمع مادياً وبشرياً، لاسيما أن هناك تحولاً إيجابياً في مجال الصناعة والمشاريع السياحية والخدمية في هذه المنطقة. وقد أشار موقع شبكة (اقتصاديات) على الإنترنت إلى أن هناك جهوداً على الأرض جارية في دول الخليج العربية على زيادة المشاريع الصناعية وزيادة التبادل التجاري فيما بينها إذ بلغت صادرات الإمارات العربية المتحدة إلى دول مجلس التعاون الخليجي عام 2005 زيادة مطردة بلغت 10700 و3500 و14000 مليون درهم على التوالي وبنسب 3.6 في المائة 1.2 في المائة 10 في المائة على التوالي أيضاً.

ووفقاً لإحصائيات الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي بلغت المشاريع الصناعية 80 مشروعاً برأسمال 9548 مليون دولار، وفي المجال التجاري بلغ عدد المشاريع 167 برأسمال 125 مليون دولار، وفي مجال الخدمات بلغ 40 مشروعاً برأسمال 2497 مليون دولار، وفي المقاولات بلغ 75 مشروع برأسمال 81 مليون دولار.

ويشير ذلك إلى أن رغبة التكامل بين الدول الخليجية باتت أمراً واضحاً سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، الأمر الذي يتطلب تنمية شاملة لا تخص دولة دون أخرى، إنما تخص المنطقة بكاملها نظراً للتقارب في أنساقها الثقافية وهذا يمكن أن يظهر من خلال تفعيل مؤسسات مجلس التعاون الخليجي التي ينبغي أن تضع على عاتقها تبني استراتيجية للتنمية الشاملة للدول الأعضاء ومتفاعلة مع محيطها العربي والعالمي.

::/fulltext::

araa70_41-446
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1184::/cck::
::introtext::

يستعمل مفهوم التنمية الشاملة عندما يراد إنماء متكامل في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فهي شاملة متكاملة مترابطة ويتم ذلك وفق خطة ملائمة بعد استحضار الإمكانات المادية والبشرية المتوفرة في المجتمع من أجل تحقيق تحول اجتماعي واقتصادي وثقافي لأبناء ذلك المجتمع مع ضرورة مشاركتهم في تلك العملية من بدايتها إلى نهايتها.

 

::/introtext::
::fulltext::

يستعمل مفهوم التنمية الشاملة عندما يراد إنماء متكامل في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية، فهي شاملة متكاملة مترابطة ويتم ذلك وفق خطة ملائمة بعد استحضار الإمكانات المادية والبشرية المتوفرة في المجتمع من أجل تحقيق تحول اجتماعي واقتصادي وثقافي لأبناء ذلك المجتمع مع ضرورة مشاركتهم في تلك العملية من بدايتها إلى نهايتها.

لقد وظفت التنمية الشاملة في المجتمعات التي تعاني من تأخر شامل في أبنيتها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية، وتحتاج إلى تحول تاريخي ينقلها إلى حالة أفضل من الرفاهية الاجتماعية، وقد برز هذا المفهوم بشكل أساسي بعد الحرب العالمية الثانية عندما أصبح للجوانب الاجتماعية والثقافية مساحة اهتمام من قبل مخططي التنمية بعد ما كان الجانب الاقتصادي يستحوذ على الاهتمام الأكبر من التصورات النظرية والتوجهات التطبيقية في العالم.

ولا شك في أن التنمية كأداة فعالة للتغير الاجتماعي ارتبطت بالأيديولوجيات السائدة في العالم، ففي الوقت الذي انطلقت فيه المنظومة الاشتراكية بعد الثورة الشيوعية في عام 1917 إلى تبني التخطيط المركزي لإجراء تنمية شاملة للمجتمع الروسي باعتباره مجتمعاً متأخراً في جوانبه المتعددة، أخذت المجتمعات الرأسمالية ومنذ زمن طويل مبدأ التنمية المحلية التي تبدأ من القاعدة إلى القمة معتمدة على القطاع الخاص مع ضرورة تدخل الدولة في الأزمات الكبرى، كما أن التنمية الشاملة هي من أكثر المفاهيم قبولاً بين المتخصصين والمهتمين بها فكراً وممارسة، باعتبار المجتمع عبارة عن بناء متكامل مترابط في نظمه المختلفة، فلا يمكن إجراء تغير في جانب من دون أن يحدث تغير في الجوانب الأخرى، أي أن التنمية الشاملة تعتمد على عنصرين أساسيين هما الجانب المادي والجانب البشري، فالجانب المادي هو حصيلة التقدم التقني الذي حققه الإنسان في الجوانب الإنتاجية والخدمية التي تتطلب استخداماً كفؤاً من قبل العنصر البشري الذي ينبغي أن يمتلك المهارات والقدرات اللازمة سواء على مستوى العقل العلمي المخطط أو على مستوى الوعي التنموي وامتلاك المهارات الفنية المطلوبة في عملية تنفيذ التنمية.

أولاً: التنمية الشاملة والواقع العربي

لا شك في أن اهتمام العرب بالتنمية بدأ يظهر في النصف الثاني من القرن العشرين متأثرين بما يطرح من اتجاهات ورؤى على الساحة الفكرية والسياسية العالمية، ولا سيما بعد تنامي الأفكار التحديثية، وظهور نظم الدولة الحديثة في المنطقة العربية، تلك النظم التي باتت متأثرة بالفلسفة والأيديولوجية السائدة في العالم آنذاك، ومنها الفلسفة والأيديولوجية الاشتراكية التي تسعى إلى إجراء تغيير جذري شامل من خلال العمل الثوري لاستبدال كل العناصر التقليدية بعناصر جديدة ملائمة لحركة التاريخ الحديث وفي المجالات كافة، وفي الجانب الآخر الفلسفة الرأسمالية القائمة على حركة الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي متدرجة منذ الخمسينات وحتى الوقت الحاضر، كما بين ذلك الدكتور مصطفى عبدالله على شبكة الإنترنت (الحوار المتمدن) إذ تميزت حقبة الخمسينات بالدعوة إلى الرفاه الاقتصادي، وحقبة الستينات بالدعوة إلى التعليم والتدريب، وحقبة السبعينات بالدعوة إلى التخفيف من وطأة الفقر وتحقيق نمو اقتصادي ملائم للسكان، وحقبة الثمانينات بالدعوة إلى الإصلاح الاقتصادي وبناء هياكل ملائمة للتطور المستمر بما يضمن حالة من التلاؤم والتكيف مع حجم التغيرات في المجتمع، وتميزت حقبة التسعينات إلى الوقت الحاضر بالفلسفة العولمية الجديدة وبروز مؤسساتها الكبرى لترفع شعار التدخل في مساعدة المجتمعات المتأخرة وإنقاذها من الفقر والتخلف كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي وفق شروط وآليات اقتصادية تترجم فلسفة وأيديولوجية التوجه الكوني الجديد.

إلا أن الواقع العربي، ومنه الواقع الخليجي، يخضع لتأثير متغيرات أيديولوجية بدأت تأخذ مسارات عديدة بسحب هذا الواقع كلاً إلى طريقه أو مساره، فجاءت الأنظمة الشمولية الاشتراكية لتنقل إلى واقع مجتمعها قوالب جاهزة من التجارب في دول المعسكر الاشتراكي آنذاك، وتفرض على مواطنيها بناءات جديدة أغلبها يتعارض مع البنى الفكرية السائدة في تلك المجتمعات، لذا فإن انهيار تلك التنمية سرعان ما ظهر واضحاً على الساحة الوطنية بمجرد تراجع دور الدولة أو دخولها في صراعات أيديولوجية مع أطراف أخرى، وأنظمة أخرى سارت في مسار النظم الرأسمالية متخذة من الليبرالية فلسفة تنطلق منها من دون أن تكون لديها بناءات اقتصادية إنتاجية راسخة لإجراء التغير التنموي الشامل في مجال الصناعة والزراعة والاقتصاد والمعرفة، وهكذا وجدت نفسها رغم النقل التكنولوجي والتطور الخدمي أمام تحديات أخرى تخص الإنسان وثقافته ووعيه، ومدى قدرته على بناء مفاهيم جديدة مستحدثة من دون أن يتخلص هذا الإنسان من الالتفات إلى الماضي والعيش فيه.

وتشير بعض الإحصائيات التي أوردها الدكتور محمد الرميحي على شبكة الإنترنت إلى الإخفاقات والمعوقات التي تعترض التنمية في المنطقة العربية، ففي المجال الاقتصادي لم يتجاوز نمو الفرد العربي خلال العقدين الأخيرين النصف في المائة سنوياً مقارنة بالهند سبعة في المائة، فالهوة واسعة وعميقة إذا قارنا أنفسنا بالغير، وفي المجال المعرفي لم يكن الأداء العربي أفضل مع الدخول في الألفية الثالثة ومنظومة نشر المعرفة مكبلة في شقيها، مجال نشر المعرفة ومجال إنتاجها، كذلك هناك قرابة 65 مليون راشد عربي ما زالوا أميين من 300 مليون تقريباً، كما لا يتجاوز الالتحاق بالتعليم العالي تقريباً 13 في المائة، أما في مجال استخدام الحاسب الآلي، ففي الوقت الذي يبلغ المتوسط العالمي لاستخدامه لكل ألف شخص 78 جهازاً نجدها عند العرب 18 جهازاً أي لا يتجاوز 1.6 في المائة من العرب، وعلى الرغم من أن العرب يشكلون 5 في المائة من سكان العالم فإن عدد مستخدمي الإنترنت في منطقة الخليج العربي على سبيل المثال لا يتجاوز 6-9 في المائة من السكان.

ويرى الرميحي أن الإشكالية تكمن في ثلاثة محاور رئيسية: أولها تخلف نظم التعليم والتدريب، وثانيها الصراع بين القديم والجديد وعيش معظم العرب في الماضي من دون أن تكون لهم رؤية نقدية له، وحتى المثقفين منهم من يجد التبريرات للتمسك به، وثالثها انقسام العرب بين المحلي والإقليمي والقومي، إذ تضيع الأدبيات والرؤى التنموية بين هذه المستويات من دون تحديد دقيق لعلاقة المتغيرات الثلاثة ببعضها.

وتزداد المشكلة خطورة إذا علمنا أن معدل النمو الديموغرافي في العالم العربي آخذ بالازدياد من دون وجود تخطيط لتهيئة المستلزمات الأساسية لحاجات الإنسان، ويشير الباحث عبدالله التركماني على الإنترنت في (الحوار المتمدن) إلى أن هذا النمو يتراوح بين 2.5 في المائة إلى 2.6 في المائة سنوياً، وأن عدد السكان يتضاعف كل 30 سنة تقريباً، فإذا علمنا أن نسبة الأطفال ما دون الـ 15 عاماً ترتفع إلى 40 في المائة من العدد الإجمالي لعدد السكان، فإن ذلك يؤشر إلى مدى الحاجة الملحة إلى تأمين الغذاء والتعليم والصحة وغيرها لهم، وهي مسألة باتت خارج دائرة التفكير العربي تقريباً مع تزايد الأزمات المختلفة وتراجع الثقافة في الوطن العربي لاسيما مع ارتفاع نسبة الأمية فيه بشكل مخيف.

ولاشك في أن هذه المشكلة ستتفاقم مستقبلاً، إذا لم يكن هناك توجه رسمي وشعبي نحو التنمية الشاملة، إذ سيتضاعف عدد سكان العرب ليصل في عام 2050م إلى 645 مليون نسمة، أي أن معدل نمو السكان سيكون أكبر من معدل النمو الاقتصادي، حيث سيصل عدد الذين يقعون بين الفئة العمرية 15-59 إلى 285 مليون نسمة عام 2025م وستصل نسبة البطالة إلى 125 مليوناً في عام 2010، ولا شك في أن ذلك يتطلب من العرب أن يفكروا بإيجاد خطط تنموية شاملة وإيجاد البدائل الحقيقية لإنقاذ الملايين من البشر، وأن ذلك يتطلب أيضاً ثورة ثقافية تضع الإنسان العربي أمام هذا الواقع وتخلصه من العيش في الماضي وتوعيته بضرورة السعي الى امتلاك الإمكانات اللازمة لتغيير واقعه الحالي.

ثانياً: التنمية الشاملة في منطقة الخليج العربي

لا شك في أن معدلات النمو في منطقة الخليج العربي، حققت مستويات متقدمة على نطاق التنظيمات الهيكلية والخدمية من خلال توظيف عائدات النفط بشكل مقبول في ذلك، ولعل أبرز هذه التنظيمات ظهور الدولة الخليجية الحديثة وقدرتها على التفاعل السياسي في الخريطة السياسية الإقليمية والدولية، إلا أن هذا النمو الخلاق في الجانب المادي لا يكفي إذا لم يتحقق تحول حقيقي في البناء الفوقي للمجتمع، بشكل يتلاءم مع التحول الحاصل في الجانب المادي أو التحتي، ولا شك أيضاً في أن عملية التلاؤم والتناغم بين الجانبين ليست عملية كيفية أو تعبر عن رغبة فردية، إنما تتطلب تحولاً حقيقياً في المناهج والرؤى التنموية، خاصة في ما يخص حاجات الإنسان الآنية والمستقبلية على أساس بناء مرتكزات المجتمع المتغير على أسس علمية مخططة، وليس على أساس نقل مقولب للنظم التكنولوجية وآلياتها، فالمسألة تتصل بعملية تقييم وتدريب وتأهيل مهني ينبغي أن يؤسس له. وبهذا المعنى فإن التنمية الشاملة في دول الخليج العربية تحتاج إلى فهم جديد في الثقافة بطريقة تجعل الإنسان يفهم ما ينتظره من تحول خطير على مدى قرن أو قرون قادمة من التحول التكنولوجي والمعرفي، وإذا لم تجر تنمية شاملة تضع في الاعتبار ذلك التحدي المستقبلي إذ إن الإنجازات المتحققة حالياً ستعد جزءاً من الماضي، أي سيفقد المتحقق منها صفة التطورية التراكمية التي يمكن الحصول عليها عن طريق التنمية الشاملة المستدامة، فلا يمكن الفصل في المرحلة الحالية بين المفاهيم التنموية السائدة كالتنمية البشرية والتنمية المستدامة والتنمية الشاملة سواء على مستوى الفكر أو الممارسة، بل ينبغي النظر إليها في سياق ثقافي جديد نحن نحتاج إليه وليس المستورد والجاهز.

إن الصراع بين القديم والجديد هو صراع يظهر في كل المجتمعات الإنسانية تقريباً إلا أن هذا الصراع هو مفتاح التحول نحو الأحسن، لكن المشكلة الأساسية التي تواجه الإنسان العربي عامة، والخليجي خاصة، هي عدم القدرة على التركيز باتجاه المستقبل والتحضير لبنائه والتكيف معه وتطويع ما يمكن أن يحمل لنا من إنجاز عن طريق المشاركة في صنعه، ولاسيما أننا نعيش في الماضي دون أن يكون لنا فهم دقيق لحيثيات هذا الماضي الذي كان يوماً ما حاضراً، وقد تفاعل أهله مع أحداث عصرهم وصنعوا الحضارة، فمشكلتنا أننا نعيش فيه دون أن يكون لحاضرنا نصيب من التفاعل الذي يمكن أن ينتج حضارة، وهذا يؤشر إلى عجز خطير ينبغي أن يضع مخططي التنمية الشاملة في الخليج الاعتبار الكبير له حين البدء بالتنمية الشاملة، بأعتبار الأخيرة تعني تحولاً شاملاً في البنى المادية والثقافية، وهذا التحول يجب أن يعالج إشكالية الثقافة وعلاقة الإنسان بماضيه.

ثالثاً: آليات نجاح التنمية الشاملة في منطقة الخليج العربية

إن تحقيق نهضة تنموية متكاملة تتطلب إجراءات متكاملة أيضاً في مختلف المجالات، وتأتي ضرورة ذلك نظراً للترابط والعلاقة المتناغمة بين أجزاء البناء الاجتماعي، كي تكون عملية التحول الثقافي والاجتماعي والمعرفي والتكنولوجي مترابطة، كل منها يؤدي وظيفة مرتبطة بالوظائف الأخرى في المجتمع، بحيث لا تحصل حالة عدم توازن بين تلك الجوانب، ولذلك فإن الخيار الذي ينبغي التعامل معه في تحقيق نهضة تنموية هو التصنيع، والتصنيع هو عملية متكاملة وشاملة أيضاً، فهو عملية اجتماعية واقتصادية وسياسية وثقافية وتكنولوجية ودون هذا التحول لا تتحقق الغايات المنشودة على مستوى الأجيال الحاضرة والمستقبلية. وفي هذا الصدد يشير التقرير الوطني لحال التنمية البشرية في العراق لعام 2008 إلى ضرورة الاهتمام بالإطار المفاهيمي والمنهجي للتنمية البشرية خاصة أن الفكر التنموي شهد تطورات مهمة على طريق إعادة الإنسان إلى موضعه الصحيح في محور الجهود التي تسعى إلى التعرف إلى أبعاد العملية التنموية والنهوض بوسائل تحقيقها، بعد أن ثبت أن النظريات والمناهج التي كانت سائدة في الماضي والساعية إلى تعظيم النمو الاقتصادي غير قادرة على تعظيم رفاه الإنسان، فالتنمية البشرية ليست مجرد إفصاح عن أبعاد إنسانية لعملية التنمية، إنما هي منهج بديل لما ساد خلال عقود التنمية التي وضعت الإنسان على هامش العملية مقابل وضع الجوانب المادية في المحور، ولذلك فإن النموذج المطروح للتنمية البشرية يجمع بين أبعاد عدة أبرزها التمكين والإنصاف والاستدامة والمشاركة والحرية، حيث يغطي دليل التنمية البشرية ثلاثة أبعاد لرفاه الإنسان هي الصحة والتعليم والدخل، وبهذا فقد جاء إعلان الأمم المتحدة للأهداف الإنمائية للألفية الثالثة الذي اعتمده الأعضاء لعام 2000. كما أنها وضعت الأهداف الإنمائية الألفية، وهي عبارة عن مجموعة من ثمانية أهداف وثماني عشرة غاية وثمانية وأربعين مؤشراً، ليتم العمل على تحقيقها حتى عام 2015م على مستوى العالم وهذه الأهداف ذات أوجه متعددة تساهم في مراقبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية في المجتمع.

ويظهر هذا الاهتمام بمجال التنمية في العالم نظراً لازدياد حاجات الإنسان في كل مكان ومنها منطقة الخليج العربي التي تقف اليوم أمام تحديات ضخمة كالتحديات السياسية والصراعات الإقليمية والتحديات الداخلية المتمثلة في أزمة التعليم وأزمة الإنسان نفسه وأين يكون موقعه في خريطة متغيرة بسرعة مذهلة في عالم جديد متعولم؟

ولذلك فإن آليات صنع تنمية شاملة في منطقة الخليج العربي ينبغي أن تنطلق من الجانب الاقتصادي، ويتم ذلك عن طريق تأسيس هيئات علمية متخصصة في نشر المعرفة العلمية مع ضرورة مشاركة المجتمع في عملية التنمية والوعي بأهدافها ومراميها عن طريق وسائل الإعلام والندوات والدعايات وغيرها وهي خطوة أساسية لبناء قاعدة صناعية وطنية تعمل على رفع إنتاجية المواطن إلى درجة مقبولة ومتناغمة مع وعيه الاجتماعي فمن دون نمو الوعي لا يمكن أن تترتب على هذه العملية حالة تغير حقيقي تفسح المجال في دخول المجتمع الخليجي ساحة الإنتاج المؤسسي من خلال الاعتماد على الاستثمارات الأهلية وما يرافق ذلك من تنمية شاملة تقوم بها الدولة متعاونة مع القطاعات الأهلية وبالاعتماد على التكنولوجيا الملائمة لظروف المجتمع الخليجي. فتحقيق معدلات نمو حقيقية في هذا المجال يتطلب فهم الظروف السائدة نفسها، فالظروف هي المتغير الأساسي في عملية التحول التنموي وليس الإرادات الفردية أو الجماعية فقط فالتكنولوجيا الملائمة هي إحدى الاستراتيجيات الأساسية للتنمية الشاملة، بل يمكن أن تكون مدخلاً أساسياً للتصنيع ونقل المجتمع إلى مستوى أفضل من التفاعل الثقافي مع العملية الإنتاجية على أساس التفاعل مع ثقافة المجتمع نفسه وبما يتناسب مع ظروفه المتغيرة بالإضافة إلى ضرورة التأكيد على حق الاستفادة من المعرفة الإنسانية في هذا المجال لكي تتحقق نهضة وطنية تعمل على تعزيز الاستقلال السياسي والاقتصادي للمجتمع الخليجي وهي مسألة في غاية الأهمية كي تصل التنمية الشاملة إلى أهدافها، فالاستقلال في القرار يعني التحرر من القيود الخارجية وبناء النموذج الإنساني الذي يلبي حاجات الإنسان في المجتمع الخليجي حاضراً ومستقبلاً، ويجعل ذلك التوجه نحو التعليم والتدريب مسألة في غاية الأهمية حين يتم العمل على رفع مكانة الإنسان الثقافية في السلم الاجتماعي لا لكي يصنف طبقياً إنما لكي يكون قادراً على الإنتاج وفق تصوراته الثقافية الملائمة، وهذا يأتي من خلال التأكيد على زيادة المتعلمين في المجتمع من خلال التوسع في التعليم العلمي والطبيعي والفني والتكنولوجي ومن خلال ترغيب الناس في ذلك.

إن منطقة الخليج العربي اليوم تمتلك الآليات اللازمة سواء على مستوى الوعي السياسي لقادتها أو على مستوى إحساس الإنسان العادي بواقعه وهو أمر يتطلب المبادرة كي تتضافر الجهود في تنفيذ تنمية شاملة قائمة على خطط تنموية تأخذ في الاعتبار الإمكانات المتاحة في المجتمع مادياً وبشرياً، لاسيما أن هناك تحولاً إيجابياً في مجال الصناعة والمشاريع السياحية والخدمية في هذه المنطقة. وقد أشار موقع شبكة (اقتصاديات) على الإنترنت إلى أن هناك جهوداً على الأرض جارية في دول الخليج العربية على زيادة المشاريع الصناعية وزيادة التبادل التجاري فيما بينها إذ بلغت صادرات الإمارات العربية المتحدة إلى دول مجلس التعاون الخليجي عام 2005 زيادة مطردة بلغت 10700 و3500 و14000 مليون درهم على التوالي وبنسب 3.6 في المائة 1.2 في المائة 10 في المائة على التوالي أيضاً.

ووفقاً لإحصائيات الأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي بلغت المشاريع الصناعية 80 مشروعاً برأسمال 9548 مليون دولار، وفي المجال التجاري بلغ عدد المشاريع 167 برأسمال 125 مليون دولار، وفي مجال الخدمات بلغ 40 مشروعاً برأسمال 2497 مليون دولار، وفي المقاولات بلغ 75 مشروع برأسمال 81 مليون دولار.

ويشير ذلك إلى أن رغبة التكامل بين الدول الخليجية باتت أمراً واضحاً سواء على المستوى الرسمي أو الشعبي، الأمر الذي يتطلب تنمية شاملة لا تخص دولة دون أخرى، إنما تخص المنطقة بكاملها نظراً للتقارب في أنساقها الثقافية وهذا يمكن أن يظهر من خلال تفعيل مؤسسات مجلس التعاون الخليجي التي ينبغي أن تضع على عاتقها تبني استراتيجية للتنمية الشاملة للدول الأعضاء ومتفاعلة مع محيطها العربي والعالمي.

::/fulltext::
::cck::1184::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *