حقيقة الاقتصاد الإيراني

::cck::1185::/cck::
::introtext::

(من يعانون الفقر المدقع يزدادون فقراً، وفاحشو الثراء يزدادون ثراء) هذه الكلمات تلخص حالة الشعب الإيراني الذي يعيش في ظل اقتصاد يعاني التخبط وعدم وجود رؤية اقتصادية واضحة اليوم. فتسعة ملايين إيراني يصنفون كفقراء و20 مليون نسمة عاطلون من أصل 68 مليون نسمة هم عدد سكان إيران. وعلى الرغم من أن الحكومات الإيرانية المتعاقبة أبدت حرصها على العمل من أجل تحسين الأوضاع المعيشية لمواطنيها من خلال ما تعرضه ميزانية الدولة، إلا أن الجمهور الإيراني ما زال يعيش أوضاعاً سيئة.

 

::/introtext::
::fulltext::

(من يعانون الفقر المدقع يزدادون فقراً، وفاحشو الثراء يزدادون ثراء) هذه الكلمات تلخص حالة الشعب الإيراني الذي يعيش في ظل اقتصاد يعاني التخبط وعدم وجود رؤية اقتصادية واضحة اليوم. فتسعة ملايين إيراني يصنفون كفقراء و20 مليون نسمة عاطلون من أصل 68 مليون نسمة هم عدد سكان إيران. وعلى الرغم من أن الحكومات الإيرانية المتعاقبة أبدت حرصها على العمل من أجل تحسين الأوضاع المعيشية لمواطنيها من خلال ما تعرضه ميزانية الدولة، إلا أن الجمهور الإيراني ما زال يعيش أوضاعاً سيئة.

دعونا في البداية نذكر ببعض حقائق الاقتصاد الإيراني الأكثر أهمية؛ فإيران تعد أقدم منتج للنفط في المنطقة منذ العام 1913، إذ لا تزال تمتلك 10 في المائة من احتياطي النفط العالمي، وهي قديمة العهد بالصناعة والتقنية مقارنة بجاراتها. وقد بدأت إيران بالتصنيع الثقيل (عربات وأسلحة) منذ ستينات القرن الماضي ولا تزال صناعة سلاحها تلقى ازدهاراً ورواجاً، إذ يعمل بها قرابة 80 ألف عامل وتستثمر فيها أكثر من 200 شركة خاصة. لكن إيران التي تعتبر اليوم رابع أكبر مصدر للنفط في العالم بعد كل من السعودية وروسيا والولايات المتحدة، وتمتلك ثاني أكبر احتياطي للغاز بعد روسيا، لم تستطع أن تخفي حجم مشكلاتها الاقتصادية التي تواجهها بسبب استمرار مسلسل العقوبات التي فرضت – ولا تزال تفرض – بسبب مضيها في مساعيها النووية المثيرة لريبة الغرب، بالإضافة إلى حالة الاضطراب السياسي طويل الأمد، والذي ازداد تأزماً على خلفية أزمة الانتخابات الرئاسية الأخيرة والنزاع حول نتائجها.

والحال أن الاقتصاد الإيراني يبدو اليوم في وضع لا يحسد عليه حتى إن لم تعترف السلطات الرسمية بذلك، كما أن القلاقل السياسية التي أعقبت الانتخابات الأخيرة، وما زالت تداعياتها مستمرة حتى اللحظة، تؤكد أن إيران أمام أزمة كبيرة، لن تقف تداعياتها عند مستوى الجدال السياسي، خصوصاً إذا تمت بالفعل ترجمة التهديدات الغربية والأمريكية بالتحديد بفرض عقوبات أشد قسوة على إيران إذا لم تستجب لمطالب التعاون بخصوص برنامجها النووي الذي كلفها أموالاً طائلة على حساب برامج تنموية أخرى؛ فالتقديرات تشير إلى أن مجمل التكلفة التي تحملتها إيران في الاستثمار في نشاطات مرتبطة بدورة الوقود النووية تتراوح ما بين 600 مليون ومليار دولار، وهذا بلا شك يضرّ الاقتصاد الإيراني من نواح مختلفة.

والملاحظ هنا أن الاقتصاد الإيراني يعيش بشكل أساسي على الإعانات المالية الضخمة التي تقدمها الدولة، والتي تعود إلى موجة التأميم العالية التي بدأت بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، وعلى خلفية تأثّر مرشد الثورة (الخميني) بكتاب (اقتصادنا) للإمام محمد باقر الصدر، الذي قدم فيه رؤية اشتراكية إلى حد ما، بالإضافة إلى استشراء الفساد في المرحلة السابقة للثورة، الأمر الذي دفع الخميني إلى تأميم الكثير من القطاعات الحيوية مثل القطاع المالي والصناعي والسلع الاستهلاكية، لكن قبل وفاته بأشهر وافق على خطة هاشمي رفسنجاني الخاصة بطلب قروض خارجية، واعتبر الكثير من الاقتصاديين غير الإيرانيين أن ما فعله الخميني يعد نقطة تحول وخطوة مهمة لتطهير المؤسسات الإيرانية وتطويرها.

فضلاً عن هذا، يعد الاقتصاد الإيراني اقتصاداً ريعياً بامتياز، لأنه يعتمد بشكل أساسي على الصادرات النفطية، فالذهب الأسود يشكل 85 في المائة من إجمالي الصادرات، ولا شك في أن غياب التنوع في نشاطات التصدير يضرّ بالاقتصاد لأنه يقوم على التخصص في قطاعات أولية غير متطورة وغير قادرة على مواجهة المنافسة. أضف إلى ذلك أن الضعف التكنولوجي للاقتصاد الإيراني يفرض عليه التموين من الخارج، وهي عملية مكلفة ولها تداعياتها السالبة لاسيما في بلد يهاجر منه كثير من ذوي الكفاءات الذين يتجهون للعمل والعيش في بلدان الغرب؛ فإيران تعتبر أكبر مُصدِّر للعقول في العالم، حيث يسافر ما بين 150 و300 ألف شخص معظمهم من المتعلمين والمؤهلين إلى الخارج سنوياً، وهو أمر له انعكاسات سلبية مباشرة على نمو الاقتصاد الإيراني، واستمرار فاعليته، وكذا على تنوّع قطاعاته الإنتاجية.

ومما يزيد المشهد قتامة أن الاقتصاد الإيراني يعاني حالياً تضخماً حاداً يتجاوز 26 في المائة، حسب البيانات الرسمية للبنك المركزي الإيراني، ويعود التضخم بشكل أساسي إلى الحصار الاقتصادي المفروض على إيران، وذلك على خلفية برنامجها النووي. والظاهر أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، التي تعرف مقدار هشاشة الواقع الاقتصادي في إيران، تحاول استخدام الورقة الاقتصادية للضغط على الأخيرة في ما يخص معالجة ملفها النووي المُستعصي على الحل حتى الآن.

وعلى الرغم من أن إيران تعتبر رابع منتج للنفط في العالم، إلا أنها تعد أكبر مستورد للبنزين، نظراً لعدم امتلاكها القدرة الكافية على التكرير وتلبية الطلب المتزايد بواقع 10 في المائة سنوياً. فإيران تستورد 40 في المائة من حاجتها إلى البنزين، وبلغت تكلفة هذه الواردات 2.5 مليار دولار أمريكي خلال النصف الأول من 2006، فيما تبلغ التكلفة السنوية لدعم البنزين 10.8 مليار دولار. كما تشير الأرقام الرسمية أيضاً إلى أن نسبة البطالة في البلاد تتخطى حاجز الـ 11 في المائة ، وتصل إلى 21 في المائة بين الشباب، إلا أن الخبراء يقدرونها بأكثر من ذلك.

من ناحية أخرى، وبسبب التركيبة المعقدة لنظام الحكم في إيران، فإن رجل الأعمال الذي ينجح في إيران يظل ذلك الذي يتلقى دعم الدولة. والمعروف، في هذا الإطار، أن المرشد الأعلى للثورة ? الذي يعتبر العمود الفقري للنظام الإيراني بحكم إشرافه على السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية – هو من يتولى رسم الخطوط العريضة لتوجهات البلاد السياسية والاقتصادية. ويعتبر جهاز الحرس الثوري الإيراني أو ما يعرف بالباسدران، الذي أسسه الإمام الخميني في بداية الثورة الإيرانية، من أقرب الأجهزة إلى المرشد الأعلى للثورة، وقد عُهِدَ للحرس الثوري الأمن الداخلي والخارجي والإشراف على جميع الصناعات العسكرية والنفطية والزراعية، وأصبح قادته هم من يسيطر على الاقتصاد الإيراني من دون أي منافس. وهذا الأمر يعني جهاز الباسدران هو المسير الفعلي للاقتصاد الإيراني على حساب حرية ممارسة التجارة وديناميكية السوق.

┤ولعل حقيقة سيطرة هذا الجهاز العسكري على أغلب القطاعات في إيران هي التي دعت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى القول إن إيران (تتجه نحو دكتاتورية عسكرية) بفعل قوة الحرس الثوري الكبيرة جداً والمتضخمة باطراد. والواضح أن هذا الجهاز العسكري ما فتئ يشعر بالخطر في ظل توالي الضغوط على الجبهة الداخلية، واستمرار المعارضة الإيرانية بحركتها السياسية والميدانية، وكلما زادت وتيرة هذه الضغوط اتجه إلى فرض قبضته بصورة أكبر على مقاليد الأمور في البلاد، وتشديد سيطرته على مختلف المؤسسات وفي مقدمتها المؤسسات الاقتصادية.

في المقابل، وعلى الرغم من انتهاج الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد سياسات اقتصادية تحظى بشعبية كبيرة منذ انتخابه للمرة الأولى في عام 2005، حيث وزع مبالغ نقدية وقروضاً لإشباع المطالب المحلية، لكنه في الواقع أبطأ من وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والخصخصة التي بدأها أسلافه. وبحسب قول محمد شاكيل، الخبير في الاقتصاد الإيراني بوحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجلة (الإيكونوميست) البريطانية، (لا تزال الخصخصة على جدول الأعمال، لكن التباطؤ الرسمي مستمر لضمان سيطرة حكومية شبه كاملة على كبريات المؤسسات التجارية).

وفي التحليل النهائي، يمكن القول إن الاقتصاد الإيراني يمر هذه الأيام بمرحلة مؤلمة وصعبة للغاية، على عكس ما تروج لها بعض أجهزة النظام الإعلامية وأبواقه الدعائية. صحيح أن الصناعات الإيرانية عرفت بعض التطور، إلا أنها تبقى بعيدة كل البعد عن التنافسية الدولية أو حتى الإقليمية، فعلى سبيل المثال لا تزال إيران تحاول الوصول إلى الجودة المعترف بها دولياً في صناعة السيارات. فضلاً عن ذلك، فإن كل الصناعات الإيرانية بكافة أنواعها لا تشكل سوى نسبة قليلة لا تتعدى 15 في المائة من الناتج المحلي لإيران. وما هو بحكم المؤكد، في هذا السياق، أن الثروات الطبيعية الهائلة التي تمتلكها إيران، والأرقام والإحصائيات المهولة المعلنة من ناتج قومي وخلافه، لا تمثل حقيقة الاقتصاد الإيراني من الداخل، إذ إن الحجم الفعلي للاقتصاد الإيراني المعلن لا يرصد كل الأنشطة، وهناك جانب منه يعيش تحت الأرض نتيجة لما تمر به البلاد من تخبط ومشكلات سياسية ومنهجية وتنظيمية، وأيضاً (حرس ثوري) يقود إلى دكتاتورية عسكرية اقتصادية إن صح التعبير؛ وكل هذا يضع أمامنا علامة استفهام كبيرة حول القدرة الفعلية للاقتصاد الإيراني، وإلى أي مدى يمكنه أن يؤكد صموده وقدرته على التحدي أمام كل هذه المصاعب والمشكلات التي تواجهه؟

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1185::/cck::
::introtext::

(من يعانون الفقر المدقع يزدادون فقراً، وفاحشو الثراء يزدادون ثراء) هذه الكلمات تلخص حالة الشعب الإيراني الذي يعيش في ظل اقتصاد يعاني التخبط وعدم وجود رؤية اقتصادية واضحة اليوم. فتسعة ملايين إيراني يصنفون كفقراء و20 مليون نسمة عاطلون من أصل 68 مليون نسمة هم عدد سكان إيران. وعلى الرغم من أن الحكومات الإيرانية المتعاقبة أبدت حرصها على العمل من أجل تحسين الأوضاع المعيشية لمواطنيها من خلال ما تعرضه ميزانية الدولة، إلا أن الجمهور الإيراني ما زال يعيش أوضاعاً سيئة.

 

::/introtext::
::fulltext::

(من يعانون الفقر المدقع يزدادون فقراً، وفاحشو الثراء يزدادون ثراء) هذه الكلمات تلخص حالة الشعب الإيراني الذي يعيش في ظل اقتصاد يعاني التخبط وعدم وجود رؤية اقتصادية واضحة اليوم. فتسعة ملايين إيراني يصنفون كفقراء و20 مليون نسمة عاطلون من أصل 68 مليون نسمة هم عدد سكان إيران. وعلى الرغم من أن الحكومات الإيرانية المتعاقبة أبدت حرصها على العمل من أجل تحسين الأوضاع المعيشية لمواطنيها من خلال ما تعرضه ميزانية الدولة، إلا أن الجمهور الإيراني ما زال يعيش أوضاعاً سيئة.

دعونا في البداية نذكر ببعض حقائق الاقتصاد الإيراني الأكثر أهمية؛ فإيران تعد أقدم منتج للنفط في المنطقة منذ العام 1913، إذ لا تزال تمتلك 10 في المائة من احتياطي النفط العالمي، وهي قديمة العهد بالصناعة والتقنية مقارنة بجاراتها. وقد بدأت إيران بالتصنيع الثقيل (عربات وأسلحة) منذ ستينات القرن الماضي ولا تزال صناعة سلاحها تلقى ازدهاراً ورواجاً، إذ يعمل بها قرابة 80 ألف عامل وتستثمر فيها أكثر من 200 شركة خاصة. لكن إيران التي تعتبر اليوم رابع أكبر مصدر للنفط في العالم بعد كل من السعودية وروسيا والولايات المتحدة، وتمتلك ثاني أكبر احتياطي للغاز بعد روسيا، لم تستطع أن تخفي حجم مشكلاتها الاقتصادية التي تواجهها بسبب استمرار مسلسل العقوبات التي فرضت – ولا تزال تفرض – بسبب مضيها في مساعيها النووية المثيرة لريبة الغرب، بالإضافة إلى حالة الاضطراب السياسي طويل الأمد، والذي ازداد تأزماً على خلفية أزمة الانتخابات الرئاسية الأخيرة والنزاع حول نتائجها.

والحال أن الاقتصاد الإيراني يبدو اليوم في وضع لا يحسد عليه حتى إن لم تعترف السلطات الرسمية بذلك، كما أن القلاقل السياسية التي أعقبت الانتخابات الأخيرة، وما زالت تداعياتها مستمرة حتى اللحظة، تؤكد أن إيران أمام أزمة كبيرة، لن تقف تداعياتها عند مستوى الجدال السياسي، خصوصاً إذا تمت بالفعل ترجمة التهديدات الغربية والأمريكية بالتحديد بفرض عقوبات أشد قسوة على إيران إذا لم تستجب لمطالب التعاون بخصوص برنامجها النووي الذي كلفها أموالاً طائلة على حساب برامج تنموية أخرى؛ فالتقديرات تشير إلى أن مجمل التكلفة التي تحملتها إيران في الاستثمار في نشاطات مرتبطة بدورة الوقود النووية تتراوح ما بين 600 مليون ومليار دولار، وهذا بلا شك يضرّ الاقتصاد الإيراني من نواح مختلفة.

والملاحظ هنا أن الاقتصاد الإيراني يعيش بشكل أساسي على الإعانات المالية الضخمة التي تقدمها الدولة، والتي تعود إلى موجة التأميم العالية التي بدأت بعد نجاح الثورة الإيرانية عام 1979، وعلى خلفية تأثّر مرشد الثورة (الخميني) بكتاب (اقتصادنا) للإمام محمد باقر الصدر، الذي قدم فيه رؤية اشتراكية إلى حد ما، بالإضافة إلى استشراء الفساد في المرحلة السابقة للثورة، الأمر الذي دفع الخميني إلى تأميم الكثير من القطاعات الحيوية مثل القطاع المالي والصناعي والسلع الاستهلاكية، لكن قبل وفاته بأشهر وافق على خطة هاشمي رفسنجاني الخاصة بطلب قروض خارجية، واعتبر الكثير من الاقتصاديين غير الإيرانيين أن ما فعله الخميني يعد نقطة تحول وخطوة مهمة لتطهير المؤسسات الإيرانية وتطويرها.

فضلاً عن هذا، يعد الاقتصاد الإيراني اقتصاداً ريعياً بامتياز، لأنه يعتمد بشكل أساسي على الصادرات النفطية، فالذهب الأسود يشكل 85 في المائة من إجمالي الصادرات، ولا شك في أن غياب التنوع في نشاطات التصدير يضرّ بالاقتصاد لأنه يقوم على التخصص في قطاعات أولية غير متطورة وغير قادرة على مواجهة المنافسة. أضف إلى ذلك أن الضعف التكنولوجي للاقتصاد الإيراني يفرض عليه التموين من الخارج، وهي عملية مكلفة ولها تداعياتها السالبة لاسيما في بلد يهاجر منه كثير من ذوي الكفاءات الذين يتجهون للعمل والعيش في بلدان الغرب؛ فإيران تعتبر أكبر مُصدِّر للعقول في العالم، حيث يسافر ما بين 150 و300 ألف شخص معظمهم من المتعلمين والمؤهلين إلى الخارج سنوياً، وهو أمر له انعكاسات سلبية مباشرة على نمو الاقتصاد الإيراني، واستمرار فاعليته، وكذا على تنوّع قطاعاته الإنتاجية.

ومما يزيد المشهد قتامة أن الاقتصاد الإيراني يعاني حالياً تضخماً حاداً يتجاوز 26 في المائة، حسب البيانات الرسمية للبنك المركزي الإيراني، ويعود التضخم بشكل أساسي إلى الحصار الاقتصادي المفروض على إيران، وذلك على خلفية برنامجها النووي. والظاهر أن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما، التي تعرف مقدار هشاشة الواقع الاقتصادي في إيران، تحاول استخدام الورقة الاقتصادية للضغط على الأخيرة في ما يخص معالجة ملفها النووي المُستعصي على الحل حتى الآن.

وعلى الرغم من أن إيران تعتبر رابع منتج للنفط في العالم، إلا أنها تعد أكبر مستورد للبنزين، نظراً لعدم امتلاكها القدرة الكافية على التكرير وتلبية الطلب المتزايد بواقع 10 في المائة سنوياً. فإيران تستورد 40 في المائة من حاجتها إلى البنزين، وبلغت تكلفة هذه الواردات 2.5 مليار دولار أمريكي خلال النصف الأول من 2006، فيما تبلغ التكلفة السنوية لدعم البنزين 10.8 مليار دولار. كما تشير الأرقام الرسمية أيضاً إلى أن نسبة البطالة في البلاد تتخطى حاجز الـ 11 في المائة ، وتصل إلى 21 في المائة بين الشباب، إلا أن الخبراء يقدرونها بأكثر من ذلك.

من ناحية أخرى، وبسبب التركيبة المعقدة لنظام الحكم في إيران، فإن رجل الأعمال الذي ينجح في إيران يظل ذلك الذي يتلقى دعم الدولة. والمعروف، في هذا الإطار، أن المرشد الأعلى للثورة ? الذي يعتبر العمود الفقري للنظام الإيراني بحكم إشرافه على السلطات الثلاث: التنفيذية والتشريعية والقضائية – هو من يتولى رسم الخطوط العريضة لتوجهات البلاد السياسية والاقتصادية. ويعتبر جهاز الحرس الثوري الإيراني أو ما يعرف بالباسدران، الذي أسسه الإمام الخميني في بداية الثورة الإيرانية، من أقرب الأجهزة إلى المرشد الأعلى للثورة، وقد عُهِدَ للحرس الثوري الأمن الداخلي والخارجي والإشراف على جميع الصناعات العسكرية والنفطية والزراعية، وأصبح قادته هم من يسيطر على الاقتصاد الإيراني من دون أي منافس. وهذا الأمر يعني جهاز الباسدران هو المسير الفعلي للاقتصاد الإيراني على حساب حرية ممارسة التجارة وديناميكية السوق.

┤ولعل حقيقة سيطرة هذا الجهاز العسكري على أغلب القطاعات في إيران هي التي دعت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون إلى القول إن إيران (تتجه نحو دكتاتورية عسكرية) بفعل قوة الحرس الثوري الكبيرة جداً والمتضخمة باطراد. والواضح أن هذا الجهاز العسكري ما فتئ يشعر بالخطر في ظل توالي الضغوط على الجبهة الداخلية، واستمرار المعارضة الإيرانية بحركتها السياسية والميدانية، وكلما زادت وتيرة هذه الضغوط اتجه إلى فرض قبضته بصورة أكبر على مقاليد الأمور في البلاد، وتشديد سيطرته على مختلف المؤسسات وفي مقدمتها المؤسسات الاقتصادية.

في المقابل، وعلى الرغم من انتهاج الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد سياسات اقتصادية تحظى بشعبية كبيرة منذ انتخابه للمرة الأولى في عام 2005، حيث وزع مبالغ نقدية وقروضاً لإشباع المطالب المحلية، لكنه في الواقع أبطأ من وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والخصخصة التي بدأها أسلافه. وبحسب قول محمد شاكيل، الخبير في الاقتصاد الإيراني بوحدة الاستخبارات الاقتصادية التابعة لمجلة (الإيكونوميست) البريطانية، (لا تزال الخصخصة على جدول الأعمال، لكن التباطؤ الرسمي مستمر لضمان سيطرة حكومية شبه كاملة على كبريات المؤسسات التجارية).

وفي التحليل النهائي، يمكن القول إن الاقتصاد الإيراني يمر هذه الأيام بمرحلة مؤلمة وصعبة للغاية، على عكس ما تروج لها بعض أجهزة النظام الإعلامية وأبواقه الدعائية. صحيح أن الصناعات الإيرانية عرفت بعض التطور، إلا أنها تبقى بعيدة كل البعد عن التنافسية الدولية أو حتى الإقليمية، فعلى سبيل المثال لا تزال إيران تحاول الوصول إلى الجودة المعترف بها دولياً في صناعة السيارات. فضلاً عن ذلك، فإن كل الصناعات الإيرانية بكافة أنواعها لا تشكل سوى نسبة قليلة لا تتعدى 15 في المائة من الناتج المحلي لإيران. وما هو بحكم المؤكد، في هذا السياق، أن الثروات الطبيعية الهائلة التي تمتلكها إيران، والأرقام والإحصائيات المهولة المعلنة من ناتج قومي وخلافه، لا تمثل حقيقة الاقتصاد الإيراني من الداخل، إذ إن الحجم الفعلي للاقتصاد الإيراني المعلن لا يرصد كل الأنشطة، وهناك جانب منه يعيش تحت الأرض نتيجة لما تمر به البلاد من تخبط ومشكلات سياسية ومنهجية وتنظيمية، وأيضاً (حرس ثوري) يقود إلى دكتاتورية عسكرية اقتصادية إن صح التعبير؛ وكل هذا يضع أمامنا علامة استفهام كبيرة حول القدرة الفعلية للاقتصاد الإيراني، وإلى أي مدى يمكنه أن يؤكد صموده وقدرته على التحدي أمام كل هذه المصاعب والمشكلات التي تواجهه؟

::/fulltext::
::cck::1185::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *