هل يمكن صياغة مقاربة استراتيجية لأمن الخليج تقلص النفوذ الأجنبي؟
::cck::1288::/cck::
::introtext::
بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت منطقة الخليج من أكثر مناطق العالم حساسية وحيوية لعدة عوامل اقتصادية وسياسية، أبرزها الثقل الاقتصادي الذي اكتسبته المنطقة نتيجة لظهور النفط بكميات ضخمة الذي حوّل الإقليم إلى واحد من أهم الأقاليم المنتجة لمصادر الطاقة في العالم. فبالإضافة إلى تبديد جهود دول الخليج وبقية الدول العربية وتقسيمها، أقامت بريطانيا ما يشبه الواقع الاقتصادي والديموغرافي الشاذ في منطقة الشرق الأوسط سمي بدولة إسرائيل.
::/introtext::
::fulltext::
بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت منطقة الخليج من أكثر مناطق العالم حساسية وحيوية لعدة عوامل اقتصادية وسياسية، أبرزها الثقل الاقتصادي الذي اكتسبته المنطقة نتيجة لظهور النفط بكميات ضخمة الذي حوّل الإقليم إلى واحد من أهم الأقاليم المنتجة لمصادر الطاقة في العالم. فبالإضافة إلى تبديد جهود دول الخليج وبقية الدول العربية وتقسيمها، أقامت بريطانيا ما يشبه الواقع الاقتصادي والديموغرافي الشاذ في منطقة الشرق الأوسط سمي بدولة إسرائيل.
انتقل ملف أمن الخليج بالكامل إلى الإدارة الأمريكية من بريطانيا بعد اتفاق في عام 1968، وحاولت دول منطقة الخليج صياغة أمن إقليمي خليجي مشترك بعيداً عن النفوذ الأجنبي تم التوقيع عليه في اتفاق الجزائر عام 1975 بين الشاه وصدام حسين، لكن لتباطؤ هذه الدول في تنفيذ الاتفاقية كان الغرب الأسبق في دعم الثورة الخمينية التي أطاحت بالشاه عام 1979. ومنذ ذلك التاريخ تتابعت تطبيقات متعددة لصياغة أمن الخليج بعيدة عن الصياغة الإقليمية بعدما سيطرت الإيديولوجيا على المنطقة (صراع الاختلاف المذهبي) مما ولد أزمة ثقة مزمنة بين دول المنطقة، وتسبب في تقسيم إيديولوجي قائم على المذهب والعرق.
وبسبب غياب أفق سياسي ومراكز أبحاث متخصصة في المنطقة بديلة عن اعتمادها على مراكز الأبحاث الغربية انخرطت دول المنطقة مكرهة بملاحم متلاحقة استنزفت ثرواتها البشرية والاقتصادية وعطلت مسيرة التنمية، فاتسعت فجوة النمو بينها وبين الدول المتقدمة.
وحاولت دول الخليج قبل الثورة الخمينية بعد حرب رمضان المشاركة بإنشاء الهيئة العربية للتصنيع الحربي في إبريل 1975 التي ضمت كلاً من قطر والسعودية والإمارات ومصر برأسمال أولي بلغ 1,04 مليار دولار وفرته الدوحة والرياض وأبوظبي بالتساوي. في حين شاركت القاهرة بتوفير البنية الأساسية للمشروع والتكنولوجيا اللازمة والأيدي العاملة، واستمرت هيئة التصنيع في الإعداد حتى عام 1979. حيث أجهض هذا المولود الجديد زيارة الرئيس محمد أنور السادات إلى القدس، وكانت نقطة النهاية في تاريخ التعاون العسكري المصري-الخليجي حتى إعلان دمشق عام 1991م.
وبرزت صيغ أخرى للتعاون عبر إنشاء كل من السعودية والعراق والكويت وقطر والإمارات هيئة عربية أخرى للتصنيع الحربي اتخذت من الإمارات مقراً لها برأسمال قدره ثمانية مليارات دولار، بيد أن الهيئة هي الأخرى لم يكتب لها النجاح، اتجهت بعدها الدول العربية كل على حدة إلى تطوير قدراتها الذاتية على صعيد الإنتاج الحربي إلى جانب الاعتماد على استيراد السلاح الذي تصل قيمته إلى 7 في المائة من الدخل القومي، ويتحمل كل مواطن خليجي سنوياً أكثر من 950 دولاراً لصالح الإنفاق العسكري.
إن مستقبل الدور الأمني لمجلس التعاون لم يكن مطروحاً بالأهمية نفسها في الوقت الحاضر، لأن التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون تختلف عن التحديات التقليدية التي نشأ عليها المجلس لمواجهتها، فالأمر لم يعد مقتصراً على تهديدات موجهة من جانب قوى إقليمية ودولية طامحة إلى لعب دور في التفاعلات الجارية، بل إنها تهديدات مباشرة تواجه دول المجلس نابعة من الداخل في الأساس.
وفي أعقاب حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق التي استمرت حتى عام 1988 ثم أعقبها غزو العراق للكويت، وفي أعقاب انتهاء حرب الخليج الثانية طرح في عام 1991 (إعلان دمشق) الذي كان يقضي بإشراك قوات عسكرية مصرية وسورية تشارك في حماية أمن الخليج إلا أن المشروع أجهض بسبب مواجهته رفض أمريكي – إيراني مشترك، كما أنه لا يمكن تلمس رؤية عربية واحدة لأمن الخليج على خلفية تشابك المصالح وتباين مدركات التهديدات.

يتحمل كل مواطن خليجي سنوياً أكثر من 950 دولاراً لصالح الإنفاق العسكري
فاختزال أمن الخليج في البعد العسكري بدلاً من الأمن التنموي جعل الأمن مبهماً إلى جانب الحساسية المفرطة من الدورين الإيراني والتركي في ذلك الوقت الذي لم يكن هناك انسجام في تشخيص التحديات التي يواجهها أمن الخليج. حتى الخيارات الإقليمية والدولية تباينت حول صياغة أمن الخليج، وأسهمت في إضعاف الموقف العربي من قضية أمن الخليج، فبرز إلى الساحة الحاجة الماسة إلى تعاون عسكري خليجي – خليجي بديلاً عن الدور العربي المتباين، لكن في ضوء التباطؤ الشديد في تدشين أي نوع من أنواع التعاون العسكري بين دول مجلس التعاون إلى جانب غياب الفكر الأمني الاستراتيجي، لأن الدول الصغيرة أدركت أنها لا تملك عمقاً استراتيجياً يشمل الأرض والبشر، فلم تتحمس كثيراً للتعاون العسكري الخليجي أو تعرضت لهامش ابتزاز من قوى إقليمية وقوى كبرى، فعجزت دول الخليج مرة أخرى عن حماية أمنها القومي مما دعاها إلى الاستعانة بقوات حماية أجنبية مثلما استعانت بها في حرب الخليج الثانية التي جوبهت برفض شعبي واسع لهذا الوجود العسكري في منطقة الخليج كانت السبب الأبرز في بداية بروز الإرهاب وتصاعد وتيرته خاصة في المملكة العربية السعودية، رغم أن القوات الأمريكية خرجت من السعودية إلى قاعدة (العيديد) في قطر وقاعدة بحرية في البحرين، لكن هذا الخروج عزز تزايد دور بعض الدول الصغيرة في دول المجلس مما تسبب في توترات بين دول المجلس بعدما كانت تستظل الدول الصغيرة في ظل الدولة الكبرى في المنطقة وهي السعودية، فأصيب الأمن الجماعي في دول المجلس بمقتل واهتز شعار أمن الخليج (مسؤولية أبنائه)، ولم تتمكن دول الخليج بعد انطلاقة عام 1981 الذي كان فيه الأمن حجر الأساس وفي تجسيد الفكرة، واتجهت دول الخليج إلى تلمس ما بينها من قواسم مشتركة وأرادت قطع الطريق أمام القوى الكبرى التي تتربص بالمنطقة، ولم تتمكن من تحقيق درجة عالية من الاستقلالية العسكرية ولا القضاء على التبعية لمصادر السلاح التي ترفض مدها بأسلحة متطورة وكلّفتها جزءاً كبيراً من خزينة دول الخليج.
إن مجلس التعاون الخليجي إذاً جاء كردة فعل على قيام الثورة الخمينية التي عزم قادتها على تصديرها إلى دول الجوار بل إلى الدول العربية والإسلامية، لكن لم يصل هذا المجلس حتى الآن إلى مستوى الردع، ولم يستطع كما في الفكر الاستراتيجي إحباط أي شي يدبر ضد دوله، ولم تتمكن من تحويل الكابوس الإيراني إلى طرف يمكن التحاور معه والوصول إلى نقاط التقاء بدلاً من أن يصبح طرفاً مع الولايات المتحدة يتقاسمان الأدوار على حساب مصالح دول المجلس، وكما لإيران أوراق تلعب بها وتفاوض عليها، فإن دول المجلس لديها من الأوراق ما يفوق الأوراق التي بيد إيران، لكنها بحاجة إلى تحديد الأهداف والأولويات والمصالح.
فأمن الخليج يمثل قضية خلافية بين إيران ودول المجلس، فإيران تطالب بأن يكون لها دور في الترتيبات الأمنية الخاصة بالمنطقة انطلاقاً من أن أمن الخليج هو مسؤولية دوله، لكن دول الخليج لا تثق بالنوايا الإيرانية وترى في الوجود الأجنبي ضامناً لأمنها، وفي ظل هذا الاختلاف تُطرح العديد من الصيغ التي لم تؤد كلها إلى اتفاق من قبل كافة الأطراف عليها.
ولم يعد أمن الخليج يهم الدول الخليجية الست فقط، بل يهم روسيا أيضاً خاصة أن خضوع العراق لسيطرة الغرب واحتمال خضوع إيران لها أيضاً يثيران قلقاً عميقاً لدى موسكو لأنها تؤمن بأن هذه السيطرة تلحق الأذى بمصالحها كما ألحقت الأذى بمصالحها في العراق وتهدد أمنها، ومع أن روسيا حريصة على علاقات طيبة مع واشنطن، فإنها لا يمكن أن تتم من دون إسرائيل التي اكتسبت روابط ذات قوة خاصة مع روسيا لأن روسيا تنظر إلى التعاون الوثيق مع إسرائيل كشرط ضروري مسبق لأية علاقة مستقبلية مع واشنطن، لكن روسيا تنظر إلى دول الخليج كضرورة استراتيجية، فهي معنية بتقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة خاصة أن إيران تقع على ضفتها وهي المتصدية للدفاع عن إيران، كما أنها قلقة في الوقت نفسه من البرنامج النووي الإيراني، لذلك ترى روسيا أن تشديد العقوبات على إيران يضر بشكل مباشر بمصالحها الاقتصادية في إيران وفي العالم.
وبالتالي يصبح لروسيا دور في توازن القوى والأمن الإقليمي في منطقة الخليج، كما أنها بحكم علاقتها القوية مع إيران وفي الوقت نفسه علاقاتها المتطورة باطراد مع دول الخليج يمكن أن تلعب دوراً أساسياً في دعم الأمن الإقليمي والسلام والاستقرار في المنطقة، خاصة أن روسيا قالت لإسرائيل القلقة من بيع إيران صواريخ روسية أرض – جو من طراز (إس 300) إنها ستعيد النظر في هذه الصفقة لأنها حريصة على هذا التوازن، وتلعب روسيا دوراً رئيسياً في استقراره لقربها الجغرافي من منطقة الخليج على عكس الولايات المتحدة التي تنظر إلى المنطقة كمورد للطاقة تهدف إلى تعزيز هيمنتها عليه.
إن المواجهة الإقليمية التي تقودها إيران من أجل السيطرة على قضايا العالم العربي بما في ذلك فلسطين والعراق ولبنان واليمن ليست مسؤولية دول الخليج فقط، بل مسؤولية مشتركة مع بقية الدول العربية والمجتمع الدولي، فالتقارب السعودي-السوري-التركي بعدما استطاعت دمشق سحب الورقة التركية من الجيب الإسرائيلي وتحويل الفراق المؤلم بين سوريا وتركيا والخصومة المتبادلة إلى وئام، واستدارة تركيا إلى البيئة الإقليمية العربية، يمكن أن تضعف تلك العلاقة المركبة للدور الإيراني وتحاصره، خصوصاً في ظل الظروف الداخلية التي تعيشها إيران، وتجعل إيران تعيد التفكير مرة أخرى في ظل الوساطة التركية بين طهران وواشنطن في الملف النووي.
فالمنافسون القدامى يمكن أن يصبحوا شركاء جدداً هكذا علمنا التاريخ، فقد أصبح هناك تحالف تركي-روسي كشركاء بعدما كانوا منافسين قدامى. لذا يمكن لهذه المتغيرات التي طرأت على الخريطة السياسية أن تستغلها دول الخليج في إعادة ترتيب صياغة أمن إقليمي جديد قائم على تبادل المصالح تحاول إقناع إيران بأن الوقت قد حان لأن تدخل كشريك في هذا الأمن بدلاً من الإصرار على ممارسة التمدد والنفوذ في المنطقة اللذين يعززان من الصراع، وأن دول المنطقة أصبحت لديها أوراق يمكن أن تلعب بها، في الوقت الذي فقدت فيه إيران الكثير من أوراقها التي كانت تلعب وتفاوض بها.
انخرطت دول المنطقة مكرهة بملاحم متلاحقة استنزفت ثرواتها البشرية والاقتصادية وعطلت مسيرة التنمية
إذاً لا بد أن تتجه دول المجلس إلى المبادرة لإنجاز استراتيجي كبير على مستوى علاقات المنطقة الإقليمية والدولية، وإخراج المنطقة من هيمنة القطب الأوحد إلى تعددية أقطاب المصالح، بعدما فشلت كل التطبيقات الذاتية والإقليمية والدولية في صياغة أمن للخليج يتوافق عليه الجميع، وتحويل المنطقة إلى جسر عبور يتعادل فيه نفوذ دول المنطقة لإيقاف الصراع الإقليمي والهيمنة الأجنبية.
وهناك ثمة إشكاليات تواجه مشاركة (الناتو) في أمن الخليج (التي تسمى مبادرة اسطنبول للتعاون) وهو الاسم الرسمي للشراكة بين 4 دول خليجية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تضع إطاراً للتعامل بين (الناتو) ودول مجلس التعاون الخليجي فقد أطلق (الناتو) هذه المبادرة عام 2004 في قمته في اسطنبول انضمت إليها حتى الآن أربع دول هي الكويت أول دولة انضمت في الأول من ديسمبر 2004، بينما الإمارات هي أحدث المنضمين إليها في يونيو 2005 بجانب كل من قطر والبحرين، ويتبقى من دول المجلس المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان اللتان تدرسان الانضمام إليها، لأن السعودية ترى أن هناك صعوبة في التوفيق بين التزامات دول المجلس في إطار الاتفاقيات الأمنية الثنائية المبرمة مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، فضلاً عن الدفاع المشترك في إطار قوات (درع الجزيرة) إلى جانب منع دول المجلس من التعاون مع أطراف المنظومة الأمنية الإقليمية (يقصد الناتو بها إيران)، لكنه يطالب دول المجلس بالتعاون مع تركيا وإسرائيل، فتركيا دولة مرغوب التعامل معها بينما إسرائيل لا ترغب السعودية التعامل معها إلا بعد أن يتحقق السلام مع الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1288::/cck::
::introtext::
بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت منطقة الخليج من أكثر مناطق العالم حساسية وحيوية لعدة عوامل اقتصادية وسياسية، أبرزها الثقل الاقتصادي الذي اكتسبته المنطقة نتيجة لظهور النفط بكميات ضخمة الذي حوّل الإقليم إلى واحد من أهم الأقاليم المنتجة لمصادر الطاقة في العالم. فبالإضافة إلى تبديد جهود دول الخليج وبقية الدول العربية وتقسيمها، أقامت بريطانيا ما يشبه الواقع الاقتصادي والديموغرافي الشاذ في منطقة الشرق الأوسط سمي بدولة إسرائيل.
::/introtext::
::fulltext::
بعد الحرب العالمية الثانية أصبحت منطقة الخليج من أكثر مناطق العالم حساسية وحيوية لعدة عوامل اقتصادية وسياسية، أبرزها الثقل الاقتصادي الذي اكتسبته المنطقة نتيجة لظهور النفط بكميات ضخمة الذي حوّل الإقليم إلى واحد من أهم الأقاليم المنتجة لمصادر الطاقة في العالم. فبالإضافة إلى تبديد جهود دول الخليج وبقية الدول العربية وتقسيمها، أقامت بريطانيا ما يشبه الواقع الاقتصادي والديموغرافي الشاذ في منطقة الشرق الأوسط سمي بدولة إسرائيل.
انتقل ملف أمن الخليج بالكامل إلى الإدارة الأمريكية من بريطانيا بعد اتفاق في عام 1968، وحاولت دول منطقة الخليج صياغة أمن إقليمي خليجي مشترك بعيداً عن النفوذ الأجنبي تم التوقيع عليه في اتفاق الجزائر عام 1975 بين الشاه وصدام حسين، لكن لتباطؤ هذه الدول في تنفيذ الاتفاقية كان الغرب الأسبق في دعم الثورة الخمينية التي أطاحت بالشاه عام 1979. ومنذ ذلك التاريخ تتابعت تطبيقات متعددة لصياغة أمن الخليج بعيدة عن الصياغة الإقليمية بعدما سيطرت الإيديولوجيا على المنطقة (صراع الاختلاف المذهبي) مما ولد أزمة ثقة مزمنة بين دول المنطقة، وتسبب في تقسيم إيديولوجي قائم على المذهب والعرق.
وبسبب غياب أفق سياسي ومراكز أبحاث متخصصة في المنطقة بديلة عن اعتمادها على مراكز الأبحاث الغربية انخرطت دول المنطقة مكرهة بملاحم متلاحقة استنزفت ثرواتها البشرية والاقتصادية وعطلت مسيرة التنمية، فاتسعت فجوة النمو بينها وبين الدول المتقدمة.
وحاولت دول الخليج قبل الثورة الخمينية بعد حرب رمضان المشاركة بإنشاء الهيئة العربية للتصنيع الحربي في إبريل 1975 التي ضمت كلاً من قطر والسعودية والإمارات ومصر برأسمال أولي بلغ 1,04 مليار دولار وفرته الدوحة والرياض وأبوظبي بالتساوي. في حين شاركت القاهرة بتوفير البنية الأساسية للمشروع والتكنولوجيا اللازمة والأيدي العاملة، واستمرت هيئة التصنيع في الإعداد حتى عام 1979. حيث أجهض هذا المولود الجديد زيارة الرئيس محمد أنور السادات إلى القدس، وكانت نقطة النهاية في تاريخ التعاون العسكري المصري-الخليجي حتى إعلان دمشق عام 1991م.
وبرزت صيغ أخرى للتعاون عبر إنشاء كل من السعودية والعراق والكويت وقطر والإمارات هيئة عربية أخرى للتصنيع الحربي اتخذت من الإمارات مقراً لها برأسمال قدره ثمانية مليارات دولار، بيد أن الهيئة هي الأخرى لم يكتب لها النجاح، اتجهت بعدها الدول العربية كل على حدة إلى تطوير قدراتها الذاتية على صعيد الإنتاج الحربي إلى جانب الاعتماد على استيراد السلاح الذي تصل قيمته إلى 7 في المائة من الدخل القومي، ويتحمل كل مواطن خليجي سنوياً أكثر من 950 دولاراً لصالح الإنفاق العسكري.
إن مستقبل الدور الأمني لمجلس التعاون لم يكن مطروحاً بالأهمية نفسها في الوقت الحاضر، لأن التحديات التي تواجه دول مجلس التعاون تختلف عن التحديات التقليدية التي نشأ عليها المجلس لمواجهتها، فالأمر لم يعد مقتصراً على تهديدات موجهة من جانب قوى إقليمية ودولية طامحة إلى لعب دور في التفاعلات الجارية، بل إنها تهديدات مباشرة تواجه دول المجلس نابعة من الداخل في الأساس.
وفي أعقاب حرب الخليج الأولى بين إيران والعراق التي استمرت حتى عام 1988 ثم أعقبها غزو العراق للكويت، وفي أعقاب انتهاء حرب الخليج الثانية طرح في عام 1991 (إعلان دمشق) الذي كان يقضي بإشراك قوات عسكرية مصرية وسورية تشارك في حماية أمن الخليج إلا أن المشروع أجهض بسبب مواجهته رفض أمريكي – إيراني مشترك، كما أنه لا يمكن تلمس رؤية عربية واحدة لأمن الخليج على خلفية تشابك المصالح وتباين مدركات التهديدات.

يتحمل كل مواطن خليجي سنوياً أكثر من 950 دولاراً لصالح الإنفاق العسكري
فاختزال أمن الخليج في البعد العسكري بدلاً من الأمن التنموي جعل الأمن مبهماً إلى جانب الحساسية المفرطة من الدورين الإيراني والتركي في ذلك الوقت الذي لم يكن هناك انسجام في تشخيص التحديات التي يواجهها أمن الخليج. حتى الخيارات الإقليمية والدولية تباينت حول صياغة أمن الخليج، وأسهمت في إضعاف الموقف العربي من قضية أمن الخليج، فبرز إلى الساحة الحاجة الماسة إلى تعاون عسكري خليجي – خليجي بديلاً عن الدور العربي المتباين، لكن في ضوء التباطؤ الشديد في تدشين أي نوع من أنواع التعاون العسكري بين دول مجلس التعاون إلى جانب غياب الفكر الأمني الاستراتيجي، لأن الدول الصغيرة أدركت أنها لا تملك عمقاً استراتيجياً يشمل الأرض والبشر، فلم تتحمس كثيراً للتعاون العسكري الخليجي أو تعرضت لهامش ابتزاز من قوى إقليمية وقوى كبرى، فعجزت دول الخليج مرة أخرى عن حماية أمنها القومي مما دعاها إلى الاستعانة بقوات حماية أجنبية مثلما استعانت بها في حرب الخليج الثانية التي جوبهت برفض شعبي واسع لهذا الوجود العسكري في منطقة الخليج كانت السبب الأبرز في بداية بروز الإرهاب وتصاعد وتيرته خاصة في المملكة العربية السعودية، رغم أن القوات الأمريكية خرجت من السعودية إلى قاعدة (العيديد) في قطر وقاعدة بحرية في البحرين، لكن هذا الخروج عزز تزايد دور بعض الدول الصغيرة في دول المجلس مما تسبب في توترات بين دول المجلس بعدما كانت تستظل الدول الصغيرة في ظل الدولة الكبرى في المنطقة وهي السعودية، فأصيب الأمن الجماعي في دول المجلس بمقتل واهتز شعار أمن الخليج (مسؤولية أبنائه)، ولم تتمكن دول الخليج بعد انطلاقة عام 1981 الذي كان فيه الأمن حجر الأساس وفي تجسيد الفكرة، واتجهت دول الخليج إلى تلمس ما بينها من قواسم مشتركة وأرادت قطع الطريق أمام القوى الكبرى التي تتربص بالمنطقة، ولم تتمكن من تحقيق درجة عالية من الاستقلالية العسكرية ولا القضاء على التبعية لمصادر السلاح التي ترفض مدها بأسلحة متطورة وكلّفتها جزءاً كبيراً من خزينة دول الخليج.
إن مجلس التعاون الخليجي إذاً جاء كردة فعل على قيام الثورة الخمينية التي عزم قادتها على تصديرها إلى دول الجوار بل إلى الدول العربية والإسلامية، لكن لم يصل هذا المجلس حتى الآن إلى مستوى الردع، ولم يستطع كما في الفكر الاستراتيجي إحباط أي شي يدبر ضد دوله، ولم تتمكن من تحويل الكابوس الإيراني إلى طرف يمكن التحاور معه والوصول إلى نقاط التقاء بدلاً من أن يصبح طرفاً مع الولايات المتحدة يتقاسمان الأدوار على حساب مصالح دول المجلس، وكما لإيران أوراق تلعب بها وتفاوض عليها، فإن دول المجلس لديها من الأوراق ما يفوق الأوراق التي بيد إيران، لكنها بحاجة إلى تحديد الأهداف والأولويات والمصالح.
فأمن الخليج يمثل قضية خلافية بين إيران ودول المجلس، فإيران تطالب بأن يكون لها دور في الترتيبات الأمنية الخاصة بالمنطقة انطلاقاً من أن أمن الخليج هو مسؤولية دوله، لكن دول الخليج لا تثق بالنوايا الإيرانية وترى في الوجود الأجنبي ضامناً لأمنها، وفي ظل هذا الاختلاف تُطرح العديد من الصيغ التي لم تؤد كلها إلى اتفاق من قبل كافة الأطراف عليها.
ولم يعد أمن الخليج يهم الدول الخليجية الست فقط، بل يهم روسيا أيضاً خاصة أن خضوع العراق لسيطرة الغرب واحتمال خضوع إيران لها أيضاً يثيران قلقاً عميقاً لدى موسكو لأنها تؤمن بأن هذه السيطرة تلحق الأذى بمصالحها كما ألحقت الأذى بمصالحها في العراق وتهدد أمنها، ومع أن روسيا حريصة على علاقات طيبة مع واشنطن، فإنها لا يمكن أن تتم من دون إسرائيل التي اكتسبت روابط ذات قوة خاصة مع روسيا لأن روسيا تنظر إلى التعاون الوثيق مع إسرائيل كشرط ضروري مسبق لأية علاقة مستقبلية مع واشنطن، لكن روسيا تنظر إلى دول الخليج كضرورة استراتيجية، فهي معنية بتقليص النفوذ الأمريكي في المنطقة خاصة أن إيران تقع على ضفتها وهي المتصدية للدفاع عن إيران، كما أنها قلقة في الوقت نفسه من البرنامج النووي الإيراني، لذلك ترى روسيا أن تشديد العقوبات على إيران يضر بشكل مباشر بمصالحها الاقتصادية في إيران وفي العالم.
وبالتالي يصبح لروسيا دور في توازن القوى والأمن الإقليمي في منطقة الخليج، كما أنها بحكم علاقتها القوية مع إيران وفي الوقت نفسه علاقاتها المتطورة باطراد مع دول الخليج يمكن أن تلعب دوراً أساسياً في دعم الأمن الإقليمي والسلام والاستقرار في المنطقة، خاصة أن روسيا قالت لإسرائيل القلقة من بيع إيران صواريخ روسية أرض – جو من طراز (إس 300) إنها ستعيد النظر في هذه الصفقة لأنها حريصة على هذا التوازن، وتلعب روسيا دوراً رئيسياً في استقراره لقربها الجغرافي من منطقة الخليج على عكس الولايات المتحدة التي تنظر إلى المنطقة كمورد للطاقة تهدف إلى تعزيز هيمنتها عليه.
إن المواجهة الإقليمية التي تقودها إيران من أجل السيطرة على قضايا العالم العربي بما في ذلك فلسطين والعراق ولبنان واليمن ليست مسؤولية دول الخليج فقط، بل مسؤولية مشتركة مع بقية الدول العربية والمجتمع الدولي، فالتقارب السعودي-السوري-التركي بعدما استطاعت دمشق سحب الورقة التركية من الجيب الإسرائيلي وتحويل الفراق المؤلم بين سوريا وتركيا والخصومة المتبادلة إلى وئام، واستدارة تركيا إلى البيئة الإقليمية العربية، يمكن أن تضعف تلك العلاقة المركبة للدور الإيراني وتحاصره، خصوصاً في ظل الظروف الداخلية التي تعيشها إيران، وتجعل إيران تعيد التفكير مرة أخرى في ظل الوساطة التركية بين طهران وواشنطن في الملف النووي.
فالمنافسون القدامى يمكن أن يصبحوا شركاء جدداً هكذا علمنا التاريخ، فقد أصبح هناك تحالف تركي-روسي كشركاء بعدما كانوا منافسين قدامى. لذا يمكن لهذه المتغيرات التي طرأت على الخريطة السياسية أن تستغلها دول الخليج في إعادة ترتيب صياغة أمن إقليمي جديد قائم على تبادل المصالح تحاول إقناع إيران بأن الوقت قد حان لأن تدخل كشريك في هذا الأمن بدلاً من الإصرار على ممارسة التمدد والنفوذ في المنطقة اللذين يعززان من الصراع، وأن دول المنطقة أصبحت لديها أوراق يمكن أن تلعب بها، في الوقت الذي فقدت فيه إيران الكثير من أوراقها التي كانت تلعب وتفاوض بها.
انخرطت دول المنطقة مكرهة بملاحم متلاحقة استنزفت ثرواتها البشرية والاقتصادية وعطلت مسيرة التنمية
إذاً لا بد أن تتجه دول المجلس إلى المبادرة لإنجاز استراتيجي كبير على مستوى علاقات المنطقة الإقليمية والدولية، وإخراج المنطقة من هيمنة القطب الأوحد إلى تعددية أقطاب المصالح، بعدما فشلت كل التطبيقات الذاتية والإقليمية والدولية في صياغة أمن للخليج يتوافق عليه الجميع، وتحويل المنطقة إلى جسر عبور يتعادل فيه نفوذ دول المنطقة لإيقاف الصراع الإقليمي والهيمنة الأجنبية.
وهناك ثمة إشكاليات تواجه مشاركة (الناتو) في أمن الخليج (التي تسمى مبادرة اسطنبول للتعاون) وهو الاسم الرسمي للشراكة بين 4 دول خليجية وحلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تضع إطاراً للتعامل بين (الناتو) ودول مجلس التعاون الخليجي فقد أطلق (الناتو) هذه المبادرة عام 2004 في قمته في اسطنبول انضمت إليها حتى الآن أربع دول هي الكويت أول دولة انضمت في الأول من ديسمبر 2004، بينما الإمارات هي أحدث المنضمين إليها في يونيو 2005 بجانب كل من قطر والبحرين، ويتبقى من دول المجلس المملكة العربية السعودية وسلطنة عُمان اللتان تدرسان الانضمام إليها، لأن السعودية ترى أن هناك صعوبة في التوفيق بين التزامات دول المجلس في إطار الاتفاقيات الأمنية الثنائية المبرمة مع كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا، فضلاً عن الدفاع المشترك في إطار قوات (درع الجزيرة) إلى جانب منع دول المجلس من التعاون مع أطراف المنظومة الأمنية الإقليمية (يقصد الناتو بها إيران)، لكنه يطالب دول المجلس بالتعاون مع تركيا وإسرائيل، فتركيا دولة مرغوب التعامل معها بينما إسرائيل لا ترغب السعودية التعامل معها إلا بعد أن يتحقق السلام مع الدول العربية في منطقة الشرق الأوسط.
::/fulltext::
::cck::1288::/cck::
