المأزق الأمريكي وأزمة الانتخابات العراقية

::cck::1297::/cck::
::introtext::

عجزت الولايات المتحدة الأمريكية عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية وأيضاً تحقيق السيطرة الثابتة والمستقرة في العراق وأفغانستان، على الرغم من مزاوجتها بين القوة الصلبة والناعمة واستخدام القوة الذكية لتطبيع الاحتلال سياسياً.

::/introtext::
::fulltext::

عجزت الولايات المتحدة الأمريكية عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية وأيضاً تحقيق السيطرة الثابتة والمستقرة في العراق وأفغانستان، على الرغم من مزاوجتها بين القوة الصلبة والناعمة واستخدام القوة الذكية لتطبيع الاحتلال سياسياً.

لعل الغطرسة الأمريكية والنزعة العسكرية التوسعية واستخدام القوة المفرط فاقمت الأزمات واختلقت بؤر عنف هلامية، واتجهت بالعراق نحو الفوضى الشاملة بل عزل شعبه الذي تمتد حضارته آلاف السنين، وسخرت منظوماته السياسية والإعلامية لتنمط أبناءه الشرفاء بالإرهاب مما غيّر من طبيعة الصراع والتهديدات وحرّك بوصلتها نحو المعادلة الصفرية ونسف أي منحى عقلاني أو مخرج سياسي للأزمة، وانعكس ذلك على نوع التهديدات الأمنية الداخلية المثقلة بعمليات (شبحية) تعكس صراعات دموية لأجندات أجنبية وإقليمية تحتل العراق اليوم، وتعبث بأمن شعبه عبر الشركات الأمنية (المرتزقة) والميليشيات الطائفية والعرقية، ناهيك عن تعاظم التهديدات الحربية في المنطقة باتجاه آخر، مما تسبب بأزمات إقليمية خطرة في كل من العراق ولبنان وفلسطين واليمن والسودان والصومال وأفغانستان وباكستان، وجعل كل منها رقع حرب دموية متقدة، مما أدى إلى انفلات في المفاهيم السياسية والقانونية والأمنية الدولية، وانعكس سلباً على توازن المصالح الدولية.

مأزق خانق وهروب إلى الأمام

 يكمن المأزق الأمريكي في النزعة العسكرية التوسعية وبيروقراطية التفكير والتدبير والإجراءات التي تقتصر على الدعاية السياسية والإعلامية، كما أن الفشل السياسي والعسكري في العراق وأفغانستان وعواقبه الكارثية في كافة المجالات زاد من هشاشة الأمن العالمي، وفرض متغيرات في معادلة التوازن الإقليمي، وبتنا نشاهد تخبطاً واضحاً في سياسة الولايات المتحدة وهي متوغلة بالحروب والأزمات كمستنقعات العراق وأفغانستان وباكستان، ويبدو أن الإدارة الجديدة لم تخرج عن منهجية سابقتها وخصوصاً محاور الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي ويمكن رصد أهم ملامحها كما يلي:

1- افتعال وخلق الأزمات السياسية ضد دول العالم العربي والإسلامي.

2- توفير الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري والإعلامي اللا محدود لما تسميه أمريكا (قارب النجاة في الشرق الأوسط) والمقصود به (إسرائيل)، وتأييد مخططاتها التوسعية والاستيطانية في فلسطين المحتلة وتعزيز نفوذها الليبرالي في كل من العراق والخليج وإفريقيا.

3- هوس الوجود العسكري في المنطقة عبر التسهيلات وشبكة القواعد العسكرية وتشكيل نظم سياسيةتابعة لها تعزز مصالحها الأحادية القطب يصاحبه قهر مجتمعي لشعوب دول المنطقة.

4- إطلاق يد الشركات القابضة العملاقة لإذكاء الحروب والنزاعات الطائفية والأزمات الإقليمية بغية فتح أسواق تصريف (دموية) على حساب دول وشعوب المنطقة.

5- استخدام بشع للحرب الديموغرافية ضمن فلسفة التقطيع الناعم وإشعال الصراعات الدينية وتعزيز الانقسامات في العالم الإسلامي، وخاصة بين السنة والشيعة.

6- تطوير أسلحة دمار شامل والقدرات الفضائية الأمريكية ضمن سباق تسلح وإغفال خطورة شركات ومصانع السلاح الخفيف والمتفجرات التي تفتح أسواقاً كبرى في دول العالم العربي والإسلامي بما يؤمن حقل تجارب مجانياً ضد الشعوب والتي فاقت ضحاياهم مئات المرات ضحايا أسلحة الدمار الشامل التي استخدمت جيوشاً لتدمير دول بزعم نزعها.

أزمة انتخابات على رمال متحركة

أضحى المشهد العراقي أرض رمال متحركة تهيئ فيها الانتخابات العراقية تحت حراب الاحتلال والتي أعد لها لكي تكون مفصلاً حيوياً ضمن خطة الخداع الاستراتيجي وصرف الأنظار عن استمرار احتلال العراق ونقض تعهدات الرئيس الأمريكي باراك أوباما للشعب الأمريكي والعالم العربي والإسلامي حول إنهاء الحرب والانسحاب من العراق وإغلاق المعتقلات ومحاسبة المقصرين من العناصر التي ارتكبت جرائم التعذيب والاغتصاب، ونلمس اليوم هروباً إلى الأمام نحو إدامة الحروب، وهذا ما يؤكده تصريح الجنرال كيسي رئيس أركان القوات الأمريكية حيث يقول (على البنتاغون أن تخطط لتوسيع عمليات القتال والاستقرار في حربين لغاية عشر سنوات على عكس خطابات السلام).

لذا يفتقر العراق إلى بيئة سياسية مستقرة لإجراء الانتخابات الديمقراطية في ظل مشهد قاتم دموي تسوده الاعتقالات والتهجير والتقتيل والتعذيب وفشل سياسي وعسكري واقتصادي طال كافة مرافق الحياة فيه، حيث يصف الخبراء المشهد العراقي بأرض رمال متحركة وبيئة حربية متقدة لما تشهده من عمليات حربية وعنف مفرط وجريمة منظمة وفوضى شاملة وتدمير منظم طال العراق وشعبه، كما أنها لا تتسق ومفاهيم وقيم الممارسات الديمقراطية مثل: السيادة والاستقلال والاستقرار السياسي، رصانة وتجانس الطبقة السياسية، التكامل العسكري، منظومة القوانين، نظم صيانة الممارسات الديمقراطية، تداول السلطة السلمي، بنى تحتية رصينة تؤدي مهامها الأساسية بدقة وحرفية متناهية تحكمها طواقم مساءلة رصينة تقيّم الأداء وتصحح الأخطاء، انتعاش الطبقة الوسطى، دخل الفرد، التنمية، الادخار،الاستثمار، التربية، التعليم، التطوير، مناخ وطني ديمقراطي بعيداً عن طغيان السلطة وقمع القوات الأجنبية المحتلة، وهذا ما يفتقده المشهد العراقي بالكامل منذ الغزو وإلى الآن. وفي الواقع أن مقومات ما يسمى العملية السياسية ارتكزت على (زعانف) ذات صبغة سياسية طائفية وعرقية، عدد كبير منها يمثل أجندات أجنبية وإقليمية غيبت فيها الإرادة الوطنية والشعبية العراقية المستقلة، حيث رسخت الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية مفاهيم سياسية واجتماعية وقانونية وأمنية هجينة ومشوهة، واغتالت منظومة القيم الوطنية المتعارف عليها دولياً، وقسمت العراق سياسياً وعسكرياً واقتصادياً إلى ثلاث دويلات أو محميات تقودها الأحزاب الطائفية والعرقية تمهيداً لمشروع تقسيم العراق، وبذلك أصبح الشعب العراقي طوائف وأعراقاً ( شيعة، سنة، أكراد، تركمان، كلدان، آشوريون، شبك.. إلخ) كل يبحث عن مغانم وقتية وإثراء غير شرعي، ونشهد ملامح الهروب إلى الأمام في السياسة الأمريكية وترحيل الأزمات واختلاق المواقف التي تساهم في تعقيد المشهد العراقي وتبتعد عن المعالجة الحقيقية للأزمات والملفات المتفجرة التي تعصف بالعراق، ويبدو أن الغاية هي إظهار الإنتاج الأمريكي ليكون مقبولاً عربياً وإسلامياً مما يؤمن له شرعية نسبية للهيمنة على ثروات العراق وتأمين الأمن السياسي لقواته في العراق على حساب أمن المواطن والمجتمع العراقي، فعلى سبيل المثال عقد الاتفاقيات المختلفة ومنها الاتفاقية الأمنية.

يفتقر العراق إلى بيئة سياسية مستقرة لإجراء الانتخابات الديمقراطية 

قواعد اللعبة الأمريكية

يجري الحديث كثيراً بين القوى والشخصيات الوطنية عن ضرورة وجدوى الولوج والاندماج في العملية السياسية وإجراء التعديلات والتحسينات لإنقاذ العراق وهو تفكير مشروع لذوي النية الحسنة في ظل دوامة الدم والعنف والخراب والتدمير والفساد وانهيار قدرات العراق المحسوسة، بينما نرى في الاتجاه الآخر من البورصة الانتخابية شخصيات تعقد صفقات تحت الطاولة في العراق ودول أخرى وفي فنادق خمس نجوم، كما أن بعض القوى السياسية تمنح صكوك تأييد لأشخاص وقوائم انتخابية في الظل وفي العلن ترفض. وحقيقة الأمر أن تجسيد تضاريس المشهد العراقي على الأرض يخالف تماماً تلك الفرضية وهناك الكثير من المعوقات التي تجعل التغير شبه مستحيل في ظل الاحتلال ما لم يتم اللجوء إلى المنحى العقلاني والموضوعي لمعالجة الملفات السوداء التي خلفها غزو العراق. ولا يمكن تجاهل وسائل التأثير الأمريكي المباشر أو غير المباشر باستخدام المال(الرشوة) أو التهديد بالفضائح والتشهير وأحياناً بالتصفية الجسدية وغالباً تلفيق ملفات الإرهاب كما جرى لعدد من السياسيين، وتلك محددات ومعوقات العمل السياسي في ظل الاحتلال، وهنا حظوظ التغيير والتعبير محدودة جداً. وإذا افترضنا تيسر معابر الوصول إلى صنع واتخاذ القرار، فنجد أن قواعد اللعبة الأمريكية ومنهجيتها في العراق تقف عائقاً ولا تتسق مع المنحى العقلاني والمعالجة الموضوعية في تفكيك الأزمة العراقية، حيث تعرّض الناخب العراقي إلى كوارث دموية وممارسات تنتهك حقوق الإنسان ومجازر وجرائم حرب ومداهمات واعتقالات طائفية لم تعالج بشكل موضوعي وعقلاني وإنساني ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. وكان الأكثر إثارة للجدل سياسياً وشعبياً هو الدستور الذي أسس على أساس تقسيم المغانم بين الأحزاب الطائفية والعرقية وخصخصتها إلى رؤساء الأحزاب وإلغاء مفهوم الوطن وهويته وتقسيمه، وكانت أبرز إيجابية في الدستور (الحقوق والحريات) التي لم تطبق أبداً حيث جرى تعطيل الحياة الدستورية بالكامل من قبل الحكومة. وبالتالي لا يوجد تناغم وتجانس واحترام في عمل السلطات الثلاث وهي أبرز مقومات العمل الديمقراطي، ولم نشهد تطبيق البرامج الانتخابية التي طرحت للرأي العام قبيل الانتخابات السابقة، بل شاهدنا مؤخراً تشظي وانشطار وتناسل الأحزاب الطائفية والعرقية لتشترك في ماراثون التحالفات والائتلافات وبيافطات ذات شعارات وطنية من دون مبالاة بما يعانيه الشعب على الرغم من أنهم لا يزالون يشكلون أبعاد المشهد السياسي العراقي. واللافت للنظر أن المشهد تدهور نحو الأسوأ والبيئة الشعبية تتجه إلى العزوف الشامل عن الانتخابات، ويستحيل تطبيق ممارسة ديمقراطية حقيقية في ظل بيئة حربية متقدة وسياسية قلقة واجتماعية متشظية تنخرها البطالة والجوع والجريمة واستخدام القوة اللاشرعي ضد الشعب العراقي. ناهيك عن منظومات مؤسساتية هشة متسرطنة بالمحاصصة الطائفية والعرقية والفساد في كافة أرجائها وكذب وتضليل وتزييف الحقائق والمواقف مما أفقد ثقة الشعب بالطبقة السياسية والمؤسسات التنفيذية. وهنا أتساءل كيف نمني أنفسنا بالتغيير السياسي وانتهاج الممارسات الرصينة والخروج من الأزمة العراقية بسلام وهناك خلاف كبير بين الركيزة الأساسية الشعب وقواه ومقاومته والطبقة السياسية الحاكمة؟ ولا يمكن أن ننسى المحرقة العراقية فهناك مليونا مفقود وشهيد، وخمسة ملايين مهجرين في الدول العربية وأوروبا وأمريكا وهم ضحايا التهجير والحرب الديموغرافية والتغيير السكاني للمدن العراقية الذي مارسته المؤسسات الرسمية والميليشيات والأحزاب الحاكمة والمرتبطة بأجندات أجنبية وإقليمية حاقدة، بالإضافة إلى ملايين الأرامل والأيتام وجيوش العاطلين عن العمل وسجون تفترش أرض العراق نزلاؤها المعتقلون الأبرياء والذين تم اعتقالهم بدوافع طائفية وفق وشاية (المخبر السري)، بالإضافة إلى فقدان الخدمات الأساسية والرعاية الاجتماعية والصحية وجيش من الميليشيات في الجيش وقوانين وإصلاحات سياسية وقانونية معطلة لم تنفذ كي تحقق المصالحة السياسية والتوافق والإجماع الوطني، وهذه كلها تشكل فجوة كبيرة في المشهد الانتخابي وتنعكس أيضاً على من يرغب في التغيير كون الوقائع مؤلمة ومحبطة والقوانين معطلة ومستهلكة وفاقدة الصلاحية والتركة ثقيلة، وبذلك يشك في تحقيق انتخابات حرة وشفافة في ظل تحنيط المشهد الحالي، خاصة أننا نعلم هشاشة مفوضية الانتخابات الحالية وكيف تشكلت وارتباطات المفاصل التنفيذية، حيث تخضع لمعايير المحاصصة الطائفية والحزبية، والحقائق تشير إلى كم هائل من التزوير والفساد، ولا يمكن أن نستثني عاملاً مهماً هو الارستقراطية السياسية، هذه الطبقة التي تعيش بشكل طفيلي على معاناة الشعب العراقي وفي بيئة مرفهة وتحتكم على ملايين الدولارات من الإثراء غير الشرعي وهو مال الشعب، ناهيك عن قمع السلطة وتسخير أموال الدولة والشعب لأغراض انتخابية تخدم شخصاً أو حزباً بذاته، ويمكن أن نطلق على ذلك الفساد الانتخابي، كما لا يزال هناك عدم ثقة شعبية وسياسية حول الانسحاب الأمريكي وضماناته، ناهيك عن عناصر الضغط والتهديدات من ذوي النفوذ الإقليمي المتغلغل في العراق والتي تلقي بظلالها على المشهد الانتخابي وتؤثر في نتائجه وتسعى إلى تحقيق مواقع متقدمة ضمن لوحة المصالح، وبالتأكيد أن المصلحة العليا للعراق وشعبه غائبة ومغيبة عن تلك اللوحة طيلة السنوات الماضية.

رسخت الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية مفاهيم سياسية واجتماعية وقانونية وأمنية هجينة ومشوهة 

وأخيراً بالتأكيد أن الأمور تقاس بالنتائج، هكذا يقيم أداء البرنامج السياسي لأي سياسي أو قوة سياسية أو نظام سياسي أو مؤسسات دولة ونترك حرية التقييم والاختيار والتغيير للشعب العراقي، وعلى الرغم من الحرب الإعلامية الأمريكية التي نشهد ملامحها الظالمة اليوم والتي تنفذها دوائر ومنظومات الاحتلال لتسويق أزمة الانتخابات العراقية كممارسة ديمقراطية وضرورة إنجاحها إعلامياً وفق أساليب الدعاية السياسية والإعلامية عن طريق وسائل الإعلام المأجورة التابعة والملحقة بالمشروع الأمريكي، لكنها لا تغير من واقع المشهد العراقي شيئاً فإن الوضع العراقي لا يزال أشبه (بأرض رمال متحركة).

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1297::/cck::
::introtext::

عجزت الولايات المتحدة الأمريكية عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية وأيضاً تحقيق السيطرة الثابتة والمستقرة في العراق وأفغانستان، على الرغم من مزاوجتها بين القوة الصلبة والناعمة واستخدام القوة الذكية لتطبيع الاحتلال سياسياً.

::/introtext::
::fulltext::

عجزت الولايات المتحدة الأمريكية عن تحقيق أهدافها الاستراتيجية وأيضاً تحقيق السيطرة الثابتة والمستقرة في العراق وأفغانستان، على الرغم من مزاوجتها بين القوة الصلبة والناعمة واستخدام القوة الذكية لتطبيع الاحتلال سياسياً.

لعل الغطرسة الأمريكية والنزعة العسكرية التوسعية واستخدام القوة المفرط فاقمت الأزمات واختلقت بؤر عنف هلامية، واتجهت بالعراق نحو الفوضى الشاملة بل عزل شعبه الذي تمتد حضارته آلاف السنين، وسخرت منظوماته السياسية والإعلامية لتنمط أبناءه الشرفاء بالإرهاب مما غيّر من طبيعة الصراع والتهديدات وحرّك بوصلتها نحو المعادلة الصفرية ونسف أي منحى عقلاني أو مخرج سياسي للأزمة، وانعكس ذلك على نوع التهديدات الأمنية الداخلية المثقلة بعمليات (شبحية) تعكس صراعات دموية لأجندات أجنبية وإقليمية تحتل العراق اليوم، وتعبث بأمن شعبه عبر الشركات الأمنية (المرتزقة) والميليشيات الطائفية والعرقية، ناهيك عن تعاظم التهديدات الحربية في المنطقة باتجاه آخر، مما تسبب بأزمات إقليمية خطرة في كل من العراق ولبنان وفلسطين واليمن والسودان والصومال وأفغانستان وباكستان، وجعل كل منها رقع حرب دموية متقدة، مما أدى إلى انفلات في المفاهيم السياسية والقانونية والأمنية الدولية، وانعكس سلباً على توازن المصالح الدولية.

مأزق خانق وهروب إلى الأمام

 يكمن المأزق الأمريكي في النزعة العسكرية التوسعية وبيروقراطية التفكير والتدبير والإجراءات التي تقتصر على الدعاية السياسية والإعلامية، كما أن الفشل السياسي والعسكري في العراق وأفغانستان وعواقبه الكارثية في كافة المجالات زاد من هشاشة الأمن العالمي، وفرض متغيرات في معادلة التوازن الإقليمي، وبتنا نشاهد تخبطاً واضحاً في سياسة الولايات المتحدة وهي متوغلة بالحروب والأزمات كمستنقعات العراق وأفغانستان وباكستان، ويبدو أن الإدارة الجديدة لم تخرج عن منهجية سابقتها وخصوصاً محاور الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم العربي والإسلامي ويمكن رصد أهم ملامحها كما يلي:

1- افتعال وخلق الأزمات السياسية ضد دول العالم العربي والإسلامي.

2- توفير الدعم السياسي والاقتصادي والعسكري والإعلامي اللا محدود لما تسميه أمريكا (قارب النجاة في الشرق الأوسط) والمقصود به (إسرائيل)، وتأييد مخططاتها التوسعية والاستيطانية في فلسطين المحتلة وتعزيز نفوذها الليبرالي في كل من العراق والخليج وإفريقيا.

3- هوس الوجود العسكري في المنطقة عبر التسهيلات وشبكة القواعد العسكرية وتشكيل نظم سياسيةتابعة لها تعزز مصالحها الأحادية القطب يصاحبه قهر مجتمعي لشعوب دول المنطقة.

4- إطلاق يد الشركات القابضة العملاقة لإذكاء الحروب والنزاعات الطائفية والأزمات الإقليمية بغية فتح أسواق تصريف (دموية) على حساب دول وشعوب المنطقة.

5- استخدام بشع للحرب الديموغرافية ضمن فلسفة التقطيع الناعم وإشعال الصراعات الدينية وتعزيز الانقسامات في العالم الإسلامي، وخاصة بين السنة والشيعة.

6- تطوير أسلحة دمار شامل والقدرات الفضائية الأمريكية ضمن سباق تسلح وإغفال خطورة شركات ومصانع السلاح الخفيف والمتفجرات التي تفتح أسواقاً كبرى في دول العالم العربي والإسلامي بما يؤمن حقل تجارب مجانياً ضد الشعوب والتي فاقت ضحاياهم مئات المرات ضحايا أسلحة الدمار الشامل التي استخدمت جيوشاً لتدمير دول بزعم نزعها.

أزمة انتخابات على رمال متحركة

أضحى المشهد العراقي أرض رمال متحركة تهيئ فيها الانتخابات العراقية تحت حراب الاحتلال والتي أعد لها لكي تكون مفصلاً حيوياً ضمن خطة الخداع الاستراتيجي وصرف الأنظار عن استمرار احتلال العراق ونقض تعهدات الرئيس الأمريكي باراك أوباما للشعب الأمريكي والعالم العربي والإسلامي حول إنهاء الحرب والانسحاب من العراق وإغلاق المعتقلات ومحاسبة المقصرين من العناصر التي ارتكبت جرائم التعذيب والاغتصاب، ونلمس اليوم هروباً إلى الأمام نحو إدامة الحروب، وهذا ما يؤكده تصريح الجنرال كيسي رئيس أركان القوات الأمريكية حيث يقول (على البنتاغون أن تخطط لتوسيع عمليات القتال والاستقرار في حربين لغاية عشر سنوات على عكس خطابات السلام).

لذا يفتقر العراق إلى بيئة سياسية مستقرة لإجراء الانتخابات الديمقراطية في ظل مشهد قاتم دموي تسوده الاعتقالات والتهجير والتقتيل والتعذيب وفشل سياسي وعسكري واقتصادي طال كافة مرافق الحياة فيه، حيث يصف الخبراء المشهد العراقي بأرض رمال متحركة وبيئة حربية متقدة لما تشهده من عمليات حربية وعنف مفرط وجريمة منظمة وفوضى شاملة وتدمير منظم طال العراق وشعبه، كما أنها لا تتسق ومفاهيم وقيم الممارسات الديمقراطية مثل: السيادة والاستقلال والاستقرار السياسي، رصانة وتجانس الطبقة السياسية، التكامل العسكري، منظومة القوانين، نظم صيانة الممارسات الديمقراطية، تداول السلطة السلمي، بنى تحتية رصينة تؤدي مهامها الأساسية بدقة وحرفية متناهية تحكمها طواقم مساءلة رصينة تقيّم الأداء وتصحح الأخطاء، انتعاش الطبقة الوسطى، دخل الفرد، التنمية، الادخار،الاستثمار، التربية، التعليم، التطوير، مناخ وطني ديمقراطي بعيداً عن طغيان السلطة وقمع القوات الأجنبية المحتلة، وهذا ما يفتقده المشهد العراقي بالكامل منذ الغزو وإلى الآن. وفي الواقع أن مقومات ما يسمى العملية السياسية ارتكزت على (زعانف) ذات صبغة سياسية طائفية وعرقية، عدد كبير منها يمثل أجندات أجنبية وإقليمية غيبت فيها الإرادة الوطنية والشعبية العراقية المستقلة، حيث رسخت الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية مفاهيم سياسية واجتماعية وقانونية وأمنية هجينة ومشوهة، واغتالت منظومة القيم الوطنية المتعارف عليها دولياً، وقسمت العراق سياسياً وعسكرياً واقتصادياً إلى ثلاث دويلات أو محميات تقودها الأحزاب الطائفية والعرقية تمهيداً لمشروع تقسيم العراق، وبذلك أصبح الشعب العراقي طوائف وأعراقاً ( شيعة، سنة، أكراد، تركمان، كلدان، آشوريون، شبك.. إلخ) كل يبحث عن مغانم وقتية وإثراء غير شرعي، ونشهد ملامح الهروب إلى الأمام في السياسة الأمريكية وترحيل الأزمات واختلاق المواقف التي تساهم في تعقيد المشهد العراقي وتبتعد عن المعالجة الحقيقية للأزمات والملفات المتفجرة التي تعصف بالعراق، ويبدو أن الغاية هي إظهار الإنتاج الأمريكي ليكون مقبولاً عربياً وإسلامياً مما يؤمن له شرعية نسبية للهيمنة على ثروات العراق وتأمين الأمن السياسي لقواته في العراق على حساب أمن المواطن والمجتمع العراقي، فعلى سبيل المثال عقد الاتفاقيات المختلفة ومنها الاتفاقية الأمنية.

يفتقر العراق إلى بيئة سياسية مستقرة لإجراء الانتخابات الديمقراطية 

قواعد اللعبة الأمريكية

يجري الحديث كثيراً بين القوى والشخصيات الوطنية عن ضرورة وجدوى الولوج والاندماج في العملية السياسية وإجراء التعديلات والتحسينات لإنقاذ العراق وهو تفكير مشروع لذوي النية الحسنة في ظل دوامة الدم والعنف والخراب والتدمير والفساد وانهيار قدرات العراق المحسوسة، بينما نرى في الاتجاه الآخر من البورصة الانتخابية شخصيات تعقد صفقات تحت الطاولة في العراق ودول أخرى وفي فنادق خمس نجوم، كما أن بعض القوى السياسية تمنح صكوك تأييد لأشخاص وقوائم انتخابية في الظل وفي العلن ترفض. وحقيقة الأمر أن تجسيد تضاريس المشهد العراقي على الأرض يخالف تماماً تلك الفرضية وهناك الكثير من المعوقات التي تجعل التغير شبه مستحيل في ظل الاحتلال ما لم يتم اللجوء إلى المنحى العقلاني والموضوعي لمعالجة الملفات السوداء التي خلفها غزو العراق. ولا يمكن تجاهل وسائل التأثير الأمريكي المباشر أو غير المباشر باستخدام المال(الرشوة) أو التهديد بالفضائح والتشهير وأحياناً بالتصفية الجسدية وغالباً تلفيق ملفات الإرهاب كما جرى لعدد من السياسيين، وتلك محددات ومعوقات العمل السياسي في ظل الاحتلال، وهنا حظوظ التغيير والتعبير محدودة جداً. وإذا افترضنا تيسر معابر الوصول إلى صنع واتخاذ القرار، فنجد أن قواعد اللعبة الأمريكية ومنهجيتها في العراق تقف عائقاً ولا تتسق مع المنحى العقلاني والمعالجة الموضوعية في تفكيك الأزمة العراقية، حيث تعرّض الناخب العراقي إلى كوارث دموية وممارسات تنتهك حقوق الإنسان ومجازر وجرائم حرب ومداهمات واعتقالات طائفية لم تعالج بشكل موضوعي وعقلاني وإنساني ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا. وكان الأكثر إثارة للجدل سياسياً وشعبياً هو الدستور الذي أسس على أساس تقسيم المغانم بين الأحزاب الطائفية والعرقية وخصخصتها إلى رؤساء الأحزاب وإلغاء مفهوم الوطن وهويته وتقسيمه، وكانت أبرز إيجابية في الدستور (الحقوق والحريات) التي لم تطبق أبداً حيث جرى تعطيل الحياة الدستورية بالكامل من قبل الحكومة. وبالتالي لا يوجد تناغم وتجانس واحترام في عمل السلطات الثلاث وهي أبرز مقومات العمل الديمقراطي، ولم نشهد تطبيق البرامج الانتخابية التي طرحت للرأي العام قبيل الانتخابات السابقة، بل شاهدنا مؤخراً تشظي وانشطار وتناسل الأحزاب الطائفية والعرقية لتشترك في ماراثون التحالفات والائتلافات وبيافطات ذات شعارات وطنية من دون مبالاة بما يعانيه الشعب على الرغم من أنهم لا يزالون يشكلون أبعاد المشهد السياسي العراقي. واللافت للنظر أن المشهد تدهور نحو الأسوأ والبيئة الشعبية تتجه إلى العزوف الشامل عن الانتخابات، ويستحيل تطبيق ممارسة ديمقراطية حقيقية في ظل بيئة حربية متقدة وسياسية قلقة واجتماعية متشظية تنخرها البطالة والجوع والجريمة واستخدام القوة اللاشرعي ضد الشعب العراقي. ناهيك عن منظومات مؤسساتية هشة متسرطنة بالمحاصصة الطائفية والعرقية والفساد في كافة أرجائها وكذب وتضليل وتزييف الحقائق والمواقف مما أفقد ثقة الشعب بالطبقة السياسية والمؤسسات التنفيذية. وهنا أتساءل كيف نمني أنفسنا بالتغيير السياسي وانتهاج الممارسات الرصينة والخروج من الأزمة العراقية بسلام وهناك خلاف كبير بين الركيزة الأساسية الشعب وقواه ومقاومته والطبقة السياسية الحاكمة؟ ولا يمكن أن ننسى المحرقة العراقية فهناك مليونا مفقود وشهيد، وخمسة ملايين مهجرين في الدول العربية وأوروبا وأمريكا وهم ضحايا التهجير والحرب الديموغرافية والتغيير السكاني للمدن العراقية الذي مارسته المؤسسات الرسمية والميليشيات والأحزاب الحاكمة والمرتبطة بأجندات أجنبية وإقليمية حاقدة، بالإضافة إلى ملايين الأرامل والأيتام وجيوش العاطلين عن العمل وسجون تفترش أرض العراق نزلاؤها المعتقلون الأبرياء والذين تم اعتقالهم بدوافع طائفية وفق وشاية (المخبر السري)، بالإضافة إلى فقدان الخدمات الأساسية والرعاية الاجتماعية والصحية وجيش من الميليشيات في الجيش وقوانين وإصلاحات سياسية وقانونية معطلة لم تنفذ كي تحقق المصالحة السياسية والتوافق والإجماع الوطني، وهذه كلها تشكل فجوة كبيرة في المشهد الانتخابي وتنعكس أيضاً على من يرغب في التغيير كون الوقائع مؤلمة ومحبطة والقوانين معطلة ومستهلكة وفاقدة الصلاحية والتركة ثقيلة، وبذلك يشك في تحقيق انتخابات حرة وشفافة في ظل تحنيط المشهد الحالي، خاصة أننا نعلم هشاشة مفوضية الانتخابات الحالية وكيف تشكلت وارتباطات المفاصل التنفيذية، حيث تخضع لمعايير المحاصصة الطائفية والحزبية، والحقائق تشير إلى كم هائل من التزوير والفساد، ولا يمكن أن نستثني عاملاً مهماً هو الارستقراطية السياسية، هذه الطبقة التي تعيش بشكل طفيلي على معاناة الشعب العراقي وفي بيئة مرفهة وتحتكم على ملايين الدولارات من الإثراء غير الشرعي وهو مال الشعب، ناهيك عن قمع السلطة وتسخير أموال الدولة والشعب لأغراض انتخابية تخدم شخصاً أو حزباً بذاته، ويمكن أن نطلق على ذلك الفساد الانتخابي، كما لا يزال هناك عدم ثقة شعبية وسياسية حول الانسحاب الأمريكي وضماناته، ناهيك عن عناصر الضغط والتهديدات من ذوي النفوذ الإقليمي المتغلغل في العراق والتي تلقي بظلالها على المشهد الانتخابي وتؤثر في نتائجه وتسعى إلى تحقيق مواقع متقدمة ضمن لوحة المصالح، وبالتأكيد أن المصلحة العليا للعراق وشعبه غائبة ومغيبة عن تلك اللوحة طيلة السنوات الماضية.

رسخت الدوائر السياسية والعسكرية الأمريكية مفاهيم سياسية واجتماعية وقانونية وأمنية هجينة ومشوهة 

وأخيراً بالتأكيد أن الأمور تقاس بالنتائج، هكذا يقيم أداء البرنامج السياسي لأي سياسي أو قوة سياسية أو نظام سياسي أو مؤسسات دولة ونترك حرية التقييم والاختيار والتغيير للشعب العراقي، وعلى الرغم من الحرب الإعلامية الأمريكية التي نشهد ملامحها الظالمة اليوم والتي تنفذها دوائر ومنظومات الاحتلال لتسويق أزمة الانتخابات العراقية كممارسة ديمقراطية وضرورة إنجاحها إعلامياً وفق أساليب الدعاية السياسية والإعلامية عن طريق وسائل الإعلام المأجورة التابعة والملحقة بالمشروع الأمريكي، لكنها لا تغير من واقع المشهد العراقي شيئاً فإن الوضع العراقي لا يزال أشبه (بأرض رمال متحركة).

::/fulltext::
::cck::1297::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *