خصخصة التعليم.. لماذا؟
::cck::1323::/cck::
::introtext::
تضفي الطبيعة الديناميكية (الحركية المتغيرة) على التعليم صبغة التطوير والتجديد والإصلاح والتغيير، فصيحات إصلاح التعليم رفعت مباشرة منذ بداياته الأولى. فعندنا في الوطن العربي كان النداء قديماً من أيام ابن عاشور 1910م وكتابه الشهير (أليس الصبح بقريب). ومنذ ذلك الوقت فالنداءات لا تزال مستمرة ترتفع كلما نوقشت أية قضية من قضايا المجتمع والتنمية.
::/introtext::
::fulltext::
تضفي الطبيعة الديناميكية (الحركية المتغيرة) على التعليم صبغة التطوير والتجديد والإصلاح والتغيير، فصيحات إصلاح التعليم رفعت مباشرة منذ بداياته الأولى. فعندنا في الوطن العربي كان النداء قديماً من أيام ابن عاشور 1910م وكتابه الشهير (أليس الصبح بقريب). ومنذ ذلك الوقت فالنداءات لا تزال مستمرة ترتفع كلما نوقشت أية قضية من قضايا المجتمع والتنمية.
لا تعنى بالضرورة هذه الصيحات بأن التعليم فاسد ويجب إصلاحه بل أن غالبها يقصد به تطوير التعليم وتحديثه ليتعاطى مع المأمول منه، ويرتقي ليتناسب مع طموحات المجتمع الاقتصادية والعلمية وكذلك التنموية بمفهومها الواسع. ومن نافذة التطوير والتحديث تطل برأسها إشكالية العام والخاص في التعليم وتعلو أصوات تجد في خصخصة التعليم قارب النجاة الوحيد الذي يضمن للتعليم الوصول إلى شاطئ الأمان الذي عليه تتحقق كل تطلعات المجتمع وأحلامه المرجوة من التعليم. تقابلها – على الجانب الموازي- أصوات متحفظة تنظر إلى التعليم العام (الحكومي) على أنه آخر قلاع التعليم الحصينة، التي تعطي للتعليم وقاره واحترامه وتبعده عن طرقات (التسويق والمتاجرة). وما بين هذا وذاك يقف المراقب للمشهد التعليمي باحثاً عن إجابات شافية لتساؤلات كثيرة وكبيرة.
لماذا الخصخصة؟
يخطئ من يظن أن خصخصة التعليم في الوطن العربي أمر مستحدث لم يكن موجوداً في ثقافتنا العربية قديماً. فها هو النبي- صلى الله عليه وسلم- يشترط على أسرى بدر من القرشيين أن يقوم الفرد منهم بتعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة مقابل حريته وفك أسره. وهكذا حتى تاريخ قريب كان الناس يعلمون أولادهم بدفع قيمة تعليمهم سواءً كان ذلك في الكتّاب أو لدى معلمين يدفع لهم. وهنا قد يكون من الضروري التمييز بين مصطلحي الخصخصة والخاص، حيث إن الالتباس في مفهومهما وارد لدى كثير من الناس. وباختصار أن الخاص قام من الأساس على أن يكون خاصاً وملكية خاصة، والخصخصة (Privatization) كما يعرفها أصحاب الاختصاص (هي مجموعة من السياسات المتكاملة التي تستهدف التحويل بشكل جزئي أو كلي إلى مؤسسات إنتاجية أو خدمية تملكها الدولة للقطاع الخاص لتحقيق آليات السوق وأيضاً تحقيق الميزات التنافسية، والاستفادة من مبادرات القطاع الخاص من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية). أي أن الخصخصة هي لعام حوّل إلى خاص، لكن بشكل يكون فيه الإشراف أكثر وأوضح من قبل الحكومة. بمعنى آخر أن الحكومة تركت دورها للقطاع الخاص للقيام به كأن توكل الصحة أو الطرق والمواصلات، والآن التعليم إلى شركات خاصة لتقدم خدماتها للجمهور. وهذا أمر لا ينكر على الحكومات بحيث تتفرغ هي لأمور الإشراف وتحسين العمل ووضع الخطط الاستراتيجية وغيرها، ويقوم المختصون في كل قطاع بعملهم الذي هم أدرى به من الحكومات وأكثر معرفة وخبرة. وتزخر أدبيات التربية بدراسات معمقة عن الخصخصة ودواعيها وكيف أن القضية تتناول بالشد والجذب بين معارض ومؤيد وكل يقدم رأيه بطريقة مقنعة. فالمؤيدون يرون أن الخصخصة تؤدي إلى الحصول على الخدمات (التعليم هنا) بجودة أكبر وبسعر أقل وتنوع أكبر نتيجة لزيادة المنافسة، كذلك فهي تساعد على التقليل من البيروقراطية والروتين الحكومي وتساعد على إعطاء الفرص للمجتمع للمشاركة في أفكار وأساليب مبتكرة وجديدة تصب في نهاية الأمر في تحسين المنتج وطريقة تقديمه.
تجارب خصخصة التعليم في الوطن العربي
عانت كثير من الدول العربية –ولاتزال- من ضعف نظامها التعليمي ومن ضعف مخرجاته مما أثر سلباً في التنمية في هذه الدول. ويعد التعليم في أي بلد واحداً من أهم مقومات التنمية التي تعول عليها الدول في الانتقال بها من حال إلى حال آخر أفضل. وبشكل عام أثبت التعليم العام في هذه الدول أنه لا يقوم بدوره التنموي على ما يرام أو بالشكل الذي يتوقعه المجتمع وصانعو السياسات فيه. وذهب بعض التجار العرب في أحد المؤتمرات الخاصة بالتعليم في الوطن العربي إلى اتهام مجانية التعليم بإفساده، حيث رأى أن مشكلة التعليم في الوطن العربي هي أنه عام ومتاح للجميع، فلذلك فقد هان قدره بين الناس، وأصبحت قيمته قليلة وذلك انعكس على جودته وجودة مخرجاته. ومن هنا تأتي فكرة خصخصة التعليم من باب أن الإنسان عندما يضطر أن يشتري سلعة ما ( التعليم في هذه الحالة) فهو لا محالة سيقوم بدراسة ما إذا كانت السلعة التي حصل عليها تعادل ما دفع لها من مال. وتجارب خصخصة التعليم في الوطن العربي على قلتها لم تؤت أوكلها المنشودة خاصة في التعليم العام، ناهيك عن التعليم الجامعي الذي يبدو في غالبه ذا طابع تجاري بجدارة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وتعد تجربتا قطر والإمارات رائدتين في مجال خصخصة التعليم العام، حيث اتجهتا إلى النوع المحبذ من الخصخصة وهي الشراكة بين القطاعين العام والخاص بحيث يكون إشراف الحكومة على عمل القطاع الخاص واضحاً فلا يترك المجال له ليفعل ما يريد. ورغم ذلك، فإن التجربتين ( واستخدام كلمة تجربة هنا مقصود، ومهم) لم تلاقيا النجاح المنشود، ولم يلمس المتابع للمشهد التربوي أي تطور حقيقي في جودة التعليم بوجود هذا النوع من الشراكة، بل على العكس تماماً حيث قوبل بموجة امتعاض عام لدى التربويين وأولياء الأمور وتشكيك كبير في نجاح التجربة. وليس دفاعاً عن التجربتين، ولكن لإفشاء روح التفاؤل في أية محاولات للتطوير التربوي فإنني أرى أن التجربة في حاجة ماسة لأن تعطى وقتها الكافي حتى يكون الحكم عليها عادلاً ومنصفاً برغم اتفاقنا على أن التجريب في الأمور التربوية أمر في غاية الحساسية، حيث لا يمكن اعتبار التعليم ميداناً للتجارب بأي حال من الأحوال، لكن يمكن العمل على تطويره وتحسين مدخلاته ومخرجاته بطرق مختلفة.

التعليم في أي بلد يعد واحداً من أهم مقومات التنمية التي تعول عليها الدول
أما التعليم العالي والجامعات الخاصة فإن الأمر في الوقت الراهن أقرب ما يكون إلى سوق الأسهم المنفلت الذي لا تحكمه قواعد ولا قوانين والهدف منه الربح السريع بغض النظر عما يعود به هذا التعليم من فائدة على المجتمع وعلى التنمية بشكل دقيق. إن الإقبال الكبير على التعليم العالي والتعليم بشكل عام، حيث أصبحت المعرفة هي الثروة في عالم المعرفة بدلاً من الثروات الطبيعية، أدى إلى إقبال أكبر على التعليم العالي أكثر من أي وقت مضى و بصورة لم يسبق لها مثيل من قبل في التاريخ مما شكل ضغطاً على التعليم الحكومي، وأصبحت الدولة عاجزة عن توفير مقاعد لكل من يرغب في التعليم وفق قواعد وأنظمة تحد من الأعداد الكبيرة لدخول الجامعات. إن فتح الباب على مصراعيه للتعليم الخاص ليتولى هذه المسؤولية الجسيمة ويشارك مع الحكومة في توفير فرص تعليم مناسبة لشريحة كبيرة من طالبي الشهادات الجامعية والذين يتعذر على الجامعات الحكومية استيعاب عدد كبير منهم ، خرّج للمجتمع –وللأسف- حملة شهادات، ولكنهم في حقيقة الأمر غير متعلمين. إن الجامعات الخاصة تعد داعماً كبيراً للتعليم وتوفر مقاعد دراسية لأولئك الذين لظروف مختلفة تعذر عليهم أن يجدوها في الجامعات الحكومية، لكن الهدف الأكبر من هدف الربح والتجارة كان يجب أن يكون التعليم النوعي الجيد وليس فقط مؤسسات ومراكز تمنح (تبيع) شهادات لمن يملك المال لكنه لا يملك الوقت ولا الاستعداد النفسي ولا الذهني للتعلم.
مع أم ضد خصخصة التعليم؟
ليس من الحكمة أن نطلق أحكاماً مطلقة على قضايا الاختلاف فيها وارد أو أن نقيّم تجارب لم تنضج بعد، لكن يمكن تحليل الواقع بحسب معطياته الآنية والتي ربما تتغير وبالتالي تتغير الأحكام والتفسيرات نتيجة لذلك. وعلى ذلك فإن الرأي في موضوع الخصخصة شأنه شأن الآراء في المواضع التربوية المختلفة والتي تتغير فيها الآراء بحسب الزمن والمجتمع وعوامل ومعطيات كثيرة تتغير الآراء بناء على تغيرها. إن ايجابيات خصخصة التعليم كما تندرج تحت ايجابيات وفوائد الخصخصة بشكل عام في كل القطاعات، حيث إنها بحسب شعاراتها ستساعد على تحقيق آليات السوق وتحقيق الميزات التنافسية، والاستفادة من مبادرات القطاع الخاص من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وهي أيضاً سوف تقدم فرص تعليمية لأولئك الذين لم يتسن لهم التعليم لأسباب مختلفة، ناهيك عن مساعدة الحكومة على تخفيف العبء عنها في أمور الخدمات للتفرغ هي لرسم السياسات. إلا أن الأمر ليس كله خير كما يظن البعض، حيث إن لخصخصة التعليم جوانب ونقاط معتمة كثيرة يجب الالتفات إليها بغية تفاديها لما لها من آثار سلبية كثيرة في المجتمع. ومن ذلك أن خصخصة التعليم سوف تضعف التعليم العام الحكومي، حيث سيقلل اهتمام الحكومة بهذا التعليم، ويكون البديل التعليم الخاص الذي لن يكون متاحاً للجميع، لكنه فقط لأولئك الذين يملكون دخولاً مناسبة بحيث يمكنهم دخول أفضل المدارس وأفضل الجامعات، وبالتالي يكون هناك نوعان من التعليم : تعليم ذو جودة لا يحصل عليه سوى أصحاب الدخول المرتفعة، وتعليم ضعيف (عادي) يحصل عليه الفقراء، وبالتالي لن يتمكن العدد الأكبر من الطلاب في الوطن العربي من الحصول على تعليم جيد بهذه المعادلة غير العادلة. والمطلوب هنا هو العكس تماما حيث ننتظر تقديم تعليم ذي جودة عالية لأكبر شريحة ممكنة من الطلاب في الوطن العربي ليساعدهم هذا التعليم على إيجاد فرص عمل أفضل، وبالتالي المشاركة في التنمية حيث سيقدم هذا التعليم للمجتمع خريجين ذوي معارف ومهارات وتجارب تزيد من حجم الإنتاج وترفع من درجات الجودة فيه.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1323::/cck::
::introtext::
تضفي الطبيعة الديناميكية (الحركية المتغيرة) على التعليم صبغة التطوير والتجديد والإصلاح والتغيير، فصيحات إصلاح التعليم رفعت مباشرة منذ بداياته الأولى. فعندنا في الوطن العربي كان النداء قديماً من أيام ابن عاشور 1910م وكتابه الشهير (أليس الصبح بقريب). ومنذ ذلك الوقت فالنداءات لا تزال مستمرة ترتفع كلما نوقشت أية قضية من قضايا المجتمع والتنمية.
::/introtext::
::fulltext::
تضفي الطبيعة الديناميكية (الحركية المتغيرة) على التعليم صبغة التطوير والتجديد والإصلاح والتغيير، فصيحات إصلاح التعليم رفعت مباشرة منذ بداياته الأولى. فعندنا في الوطن العربي كان النداء قديماً من أيام ابن عاشور 1910م وكتابه الشهير (أليس الصبح بقريب). ومنذ ذلك الوقت فالنداءات لا تزال مستمرة ترتفع كلما نوقشت أية قضية من قضايا المجتمع والتنمية.
لا تعنى بالضرورة هذه الصيحات بأن التعليم فاسد ويجب إصلاحه بل أن غالبها يقصد به تطوير التعليم وتحديثه ليتعاطى مع المأمول منه، ويرتقي ليتناسب مع طموحات المجتمع الاقتصادية والعلمية وكذلك التنموية بمفهومها الواسع. ومن نافذة التطوير والتحديث تطل برأسها إشكالية العام والخاص في التعليم وتعلو أصوات تجد في خصخصة التعليم قارب النجاة الوحيد الذي يضمن للتعليم الوصول إلى شاطئ الأمان الذي عليه تتحقق كل تطلعات المجتمع وأحلامه المرجوة من التعليم. تقابلها – على الجانب الموازي- أصوات متحفظة تنظر إلى التعليم العام (الحكومي) على أنه آخر قلاع التعليم الحصينة، التي تعطي للتعليم وقاره واحترامه وتبعده عن طرقات (التسويق والمتاجرة). وما بين هذا وذاك يقف المراقب للمشهد التعليمي باحثاً عن إجابات شافية لتساؤلات كثيرة وكبيرة.
لماذا الخصخصة؟
يخطئ من يظن أن خصخصة التعليم في الوطن العربي أمر مستحدث لم يكن موجوداً في ثقافتنا العربية قديماً. فها هو النبي- صلى الله عليه وسلم- يشترط على أسرى بدر من القرشيين أن يقوم الفرد منهم بتعليم عشرة من أبناء المسلمين القراءة والكتابة مقابل حريته وفك أسره. وهكذا حتى تاريخ قريب كان الناس يعلمون أولادهم بدفع قيمة تعليمهم سواءً كان ذلك في الكتّاب أو لدى معلمين يدفع لهم. وهنا قد يكون من الضروري التمييز بين مصطلحي الخصخصة والخاص، حيث إن الالتباس في مفهومهما وارد لدى كثير من الناس. وباختصار أن الخاص قام من الأساس على أن يكون خاصاً وملكية خاصة، والخصخصة (Privatization) كما يعرفها أصحاب الاختصاص (هي مجموعة من السياسات المتكاملة التي تستهدف التحويل بشكل جزئي أو كلي إلى مؤسسات إنتاجية أو خدمية تملكها الدولة للقطاع الخاص لتحقيق آليات السوق وأيضاً تحقيق الميزات التنافسية، والاستفادة من مبادرات القطاع الخاص من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية). أي أن الخصخصة هي لعام حوّل إلى خاص، لكن بشكل يكون فيه الإشراف أكثر وأوضح من قبل الحكومة. بمعنى آخر أن الحكومة تركت دورها للقطاع الخاص للقيام به كأن توكل الصحة أو الطرق والمواصلات، والآن التعليم إلى شركات خاصة لتقدم خدماتها للجمهور. وهذا أمر لا ينكر على الحكومات بحيث تتفرغ هي لأمور الإشراف وتحسين العمل ووضع الخطط الاستراتيجية وغيرها، ويقوم المختصون في كل قطاع بعملهم الذي هم أدرى به من الحكومات وأكثر معرفة وخبرة. وتزخر أدبيات التربية بدراسات معمقة عن الخصخصة ودواعيها وكيف أن القضية تتناول بالشد والجذب بين معارض ومؤيد وكل يقدم رأيه بطريقة مقنعة. فالمؤيدون يرون أن الخصخصة تؤدي إلى الحصول على الخدمات (التعليم هنا) بجودة أكبر وبسعر أقل وتنوع أكبر نتيجة لزيادة المنافسة، كذلك فهي تساعد على التقليل من البيروقراطية والروتين الحكومي وتساعد على إعطاء الفرص للمجتمع للمشاركة في أفكار وأساليب مبتكرة وجديدة تصب في نهاية الأمر في تحسين المنتج وطريقة تقديمه.
تجارب خصخصة التعليم في الوطن العربي
عانت كثير من الدول العربية –ولاتزال- من ضعف نظامها التعليمي ومن ضعف مخرجاته مما أثر سلباً في التنمية في هذه الدول. ويعد التعليم في أي بلد واحداً من أهم مقومات التنمية التي تعول عليها الدول في الانتقال بها من حال إلى حال آخر أفضل. وبشكل عام أثبت التعليم العام في هذه الدول أنه لا يقوم بدوره التنموي على ما يرام أو بالشكل الذي يتوقعه المجتمع وصانعو السياسات فيه. وذهب بعض التجار العرب في أحد المؤتمرات الخاصة بالتعليم في الوطن العربي إلى اتهام مجانية التعليم بإفساده، حيث رأى أن مشكلة التعليم في الوطن العربي هي أنه عام ومتاح للجميع، فلذلك فقد هان قدره بين الناس، وأصبحت قيمته قليلة وذلك انعكس على جودته وجودة مخرجاته. ومن هنا تأتي فكرة خصخصة التعليم من باب أن الإنسان عندما يضطر أن يشتري سلعة ما ( التعليم في هذه الحالة) فهو لا محالة سيقوم بدراسة ما إذا كانت السلعة التي حصل عليها تعادل ما دفع لها من مال. وتجارب خصخصة التعليم في الوطن العربي على قلتها لم تؤت أوكلها المنشودة خاصة في التعليم العام، ناهيك عن التعليم الجامعي الذي يبدو في غالبه ذا طابع تجاري بجدارة بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. وتعد تجربتا قطر والإمارات رائدتين في مجال خصخصة التعليم العام، حيث اتجهتا إلى النوع المحبذ من الخصخصة وهي الشراكة بين القطاعين العام والخاص بحيث يكون إشراف الحكومة على عمل القطاع الخاص واضحاً فلا يترك المجال له ليفعل ما يريد. ورغم ذلك، فإن التجربتين ( واستخدام كلمة تجربة هنا مقصود، ومهم) لم تلاقيا النجاح المنشود، ولم يلمس المتابع للمشهد التربوي أي تطور حقيقي في جودة التعليم بوجود هذا النوع من الشراكة، بل على العكس تماماً حيث قوبل بموجة امتعاض عام لدى التربويين وأولياء الأمور وتشكيك كبير في نجاح التجربة. وليس دفاعاً عن التجربتين، ولكن لإفشاء روح التفاؤل في أية محاولات للتطوير التربوي فإنني أرى أن التجربة في حاجة ماسة لأن تعطى وقتها الكافي حتى يكون الحكم عليها عادلاً ومنصفاً برغم اتفاقنا على أن التجريب في الأمور التربوية أمر في غاية الحساسية، حيث لا يمكن اعتبار التعليم ميداناً للتجارب بأي حال من الأحوال، لكن يمكن العمل على تطويره وتحسين مدخلاته ومخرجاته بطرق مختلفة.

التعليم في أي بلد يعد واحداً من أهم مقومات التنمية التي تعول عليها الدول
أما التعليم العالي والجامعات الخاصة فإن الأمر في الوقت الراهن أقرب ما يكون إلى سوق الأسهم المنفلت الذي لا تحكمه قواعد ولا قوانين والهدف منه الربح السريع بغض النظر عما يعود به هذا التعليم من فائدة على المجتمع وعلى التنمية بشكل دقيق. إن الإقبال الكبير على التعليم العالي والتعليم بشكل عام، حيث أصبحت المعرفة هي الثروة في عالم المعرفة بدلاً من الثروات الطبيعية، أدى إلى إقبال أكبر على التعليم العالي أكثر من أي وقت مضى و بصورة لم يسبق لها مثيل من قبل في التاريخ مما شكل ضغطاً على التعليم الحكومي، وأصبحت الدولة عاجزة عن توفير مقاعد لكل من يرغب في التعليم وفق قواعد وأنظمة تحد من الأعداد الكبيرة لدخول الجامعات. إن فتح الباب على مصراعيه للتعليم الخاص ليتولى هذه المسؤولية الجسيمة ويشارك مع الحكومة في توفير فرص تعليم مناسبة لشريحة كبيرة من طالبي الشهادات الجامعية والذين يتعذر على الجامعات الحكومية استيعاب عدد كبير منهم ، خرّج للمجتمع –وللأسف- حملة شهادات، ولكنهم في حقيقة الأمر غير متعلمين. إن الجامعات الخاصة تعد داعماً كبيراً للتعليم وتوفر مقاعد دراسية لأولئك الذين لظروف مختلفة تعذر عليهم أن يجدوها في الجامعات الحكومية، لكن الهدف الأكبر من هدف الربح والتجارة كان يجب أن يكون التعليم النوعي الجيد وليس فقط مؤسسات ومراكز تمنح (تبيع) شهادات لمن يملك المال لكنه لا يملك الوقت ولا الاستعداد النفسي ولا الذهني للتعلم.
مع أم ضد خصخصة التعليم؟
ليس من الحكمة أن نطلق أحكاماً مطلقة على قضايا الاختلاف فيها وارد أو أن نقيّم تجارب لم تنضج بعد، لكن يمكن تحليل الواقع بحسب معطياته الآنية والتي ربما تتغير وبالتالي تتغير الأحكام والتفسيرات نتيجة لذلك. وعلى ذلك فإن الرأي في موضوع الخصخصة شأنه شأن الآراء في المواضع التربوية المختلفة والتي تتغير فيها الآراء بحسب الزمن والمجتمع وعوامل ومعطيات كثيرة تتغير الآراء بناء على تغيرها. إن ايجابيات خصخصة التعليم كما تندرج تحت ايجابيات وفوائد الخصخصة بشكل عام في كل القطاعات، حيث إنها بحسب شعاراتها ستساعد على تحقيق آليات السوق وتحقيق الميزات التنافسية، والاستفادة من مبادرات القطاع الخاص من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. وهي أيضاً سوف تقدم فرص تعليمية لأولئك الذين لم يتسن لهم التعليم لأسباب مختلفة، ناهيك عن مساعدة الحكومة على تخفيف العبء عنها في أمور الخدمات للتفرغ هي لرسم السياسات. إلا أن الأمر ليس كله خير كما يظن البعض، حيث إن لخصخصة التعليم جوانب ونقاط معتمة كثيرة يجب الالتفات إليها بغية تفاديها لما لها من آثار سلبية كثيرة في المجتمع. ومن ذلك أن خصخصة التعليم سوف تضعف التعليم العام الحكومي، حيث سيقلل اهتمام الحكومة بهذا التعليم، ويكون البديل التعليم الخاص الذي لن يكون متاحاً للجميع، لكنه فقط لأولئك الذين يملكون دخولاً مناسبة بحيث يمكنهم دخول أفضل المدارس وأفضل الجامعات، وبالتالي يكون هناك نوعان من التعليم : تعليم ذو جودة لا يحصل عليه سوى أصحاب الدخول المرتفعة، وتعليم ضعيف (عادي) يحصل عليه الفقراء، وبالتالي لن يتمكن العدد الأكبر من الطلاب في الوطن العربي من الحصول على تعليم جيد بهذه المعادلة غير العادلة. والمطلوب هنا هو العكس تماما حيث ننتظر تقديم تعليم ذي جودة عالية لأكبر شريحة ممكنة من الطلاب في الوطن العربي ليساعدهم هذا التعليم على إيجاد فرص عمل أفضل، وبالتالي المشاركة في التنمية حيث سيقدم هذا التعليم للمجتمع خريجين ذوي معارف ومهارات وتجارب تزيد من حجم الإنتاج وترفع من درجات الجودة فيه.
::/fulltext::
::cck::1323::/cck::
