الحروب وتأثيرها في الجامعات والبحث العلمي في العراق
::cck::1327::/cck::
::introtext::
للجامعات وأهلها حرمة تصل إلى حد التقديس، نظراً إلى نوعية ذويها وإمكاناتهم وما يقدمون من خدمات جليلة للمجتمع والأمة، هذه الحرمة لا يجوز خرقها من أية جهة كانت ولأي سبب كان، ولم تأت هذه الحصانة أو الحرمة من كونها مؤسسة فيها أساتذة وإداريون وطلبة، وأبنية مثل أية مؤسسة أخرى، وإنما جاءت تقديساً لهذه النخبة الخيرة من أهل العلم وإعلامه التي هي صفوة المجتمع وعنوان نهضته وتقدمه وبنائه.
::/introtext::
::fulltext::
للجامعات وأهلها حرمة تصل إلى حد التقديس، نظراً إلى نوعية ذويها وإمكاناتهم وما يقدمون من خدمات جليلة للمجتمع والأمة، هذه الحرمة لا يجوز خرقها من أية جهة كانت ولأي سبب كان، ولم تأت هذه الحصانة أو الحرمة من كونها مؤسسة فيها أساتذة وإداريون وطلبة، وأبنية مثل أية مؤسسة أخرى، وإنما جاءت تقديساً لهذه النخبة الخيرة من أهل العلم وإعلامه التي هي صفوة المجتمع وعنوان نهضته وتقدمه وبنائه.
إن الجامعة هي صانعة التطوير والتحديث في أي مجتمع، على اعتبار أنها مسؤولة عن قيادة عملية الارتقاء بالمؤسسات الرسمية وغير الرسمية ومنظمات المجتمع المدني. وسلاحها في ذلك العلم والمعرفة، ورجالها هم أساتذة الجامعات، ومخرجاتها الأطباء والمهندسون والمحامون وعموم المتعلمين.
ورغم أن دعاة الحروب وأهميتها رفضوا القول بالتأثيرات السلبية للحروب على المجتمع، إذ كتب ونستون تشرشل في كتابه الأزمة العالمية (إن قصة الجنس البشري هي الحرب، ومن المؤكد أنه يصعب على أي شخص اليوم تأييد الاعتقاد الحر القديم الذي يعود إلى القرن التاسع عشر بأن الحروب مقاطعة مؤسفة لتطور الحضارة الإنسانية السلمي المألوف)، ورغم أن أصحاب النظرية المحافظة في البحث عن آثار الحرب الاجتماعية هم أولئك الذين يوغلون في الإصرار على أن الأحداث العظيمة في التاريخ هي المعارك.. إذ إن الحروب تنطوي على إعادة تنظيم المجتمع، من ذلك المقولة الشهيرة لـ توريلي بارنيت الحرب هي مدقق المؤسسات العظيم، وأيضاً المقولة الشهيرة لمادسون ويلز (لقد كانت في إيطاليا في أثناء حكم آل بورجيا حروب واغتيال وسفك دماء طوال الثلاثين عاماً، إلا أنهم أنتجوا مايكل أنجيلو وليونارد دافنشي وعصر النهضة. وفي سويسرا ساد الحب الأخوي وخمسمائة عام من الديمقراطية والسلام ولكن ماذا أنتجوا.. ساعة الوقواق). رغم هذه الدعوات، إلا أن الأمر في العراق أدى إلى نتيجة مهمة بين الحروب والجامعات، وهي أن الجامعات تأثرت سلبياً وبشكل مهول نتيجة للحروب التي مر بها العراق منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى الآن، ولا سيما بعد احتلال العراق عام 2003.
يقسم علماء النفس التأثيرات التي يمكن أن تتركها الحروب في الأفراد ومن ضمنهم العاملون في الجامعات إلى الآتي:
أـ التأثير الجسدي، إذ إن الحروب تؤثر في عدد كبير من الأفراد بفقدهم أجزاء من جسدهم أو كل الجسد بسبب تعرضهم للانفجارات ووسائل التعذيب وأيضاً عدم القدرة على التكيف مع الأحداث، الأمر الذي يؤدي إلى ازدياد الإصابة بأمراض معينة.
ب ـ التأثيرالنفسي، إذ تترك الحروب آثاراً نفسية كبيرة على المجتمع منها التفكير بالموت، الأمر الذي يترك آثاراً سلبية عديدة على شخصية الإنسان فتنتابه حالات من الخوف والأرق.
ج ـ التأثير الاجتماعي، عندما يتأثر الفرد جسدياً ونفسياً، فإن ذلك يؤدي إلى التأثير في الجوانب الاجتماعية، وهنا يحدث للفرد ما يطلق عليه بالشلل الاجتماعي وعندها تتأثر القيم والعادات التي يؤمن بها الفرد والمجتمع.
هذا الرأي لتأثير الحروب في المجتمع ينطلق من الواقع المعاش، ولنا في العراق تجربة تؤكد هذه الحقيقة، وقد تدرج تأثير الحروب في الجامعات العراقية بحسب مخرجات تلك الحروب. ففي حرب الثماني سنوات مع ايران انحصر التأثير في الجامعات بالتأثير الاقتصادي، (والنفسي إلى حد ما)، إذ وجهت الحكومة العراقية آنذاك الأموال نحو شراء الأسلحة وتطوير الصناعات العسكرية، وإن كانت تقول إن ذلك لم يضر بالدعم المقدم للجامعات، إلا أن حقيقة الأمر أن الجامعات فقدت جزءاً كبيراً من الميزانية التي كان يجب أن تقدم لها، أضف إلى ذلك تأخر الناتج العلمي المحلي عن الناتج العلمي العالمي، إذ انحدرت إلى مستوى كبير نسبة البعثات العلمية المرسلة إلى الخارج بسبب ظروف الحرب.
وبعد حرب الكويت، ازداد تأثير المخرجات في الجامعات العراقية، إذ انحدر المستوى التعليمي كثيراً بسبب سياسات الحصار الجائر المفروض من مجلس الأمن الدولي، فانحدر المستوى الاقتصادي للأستاذ الجامعي، كما مورست ضغوط عديدة لصالح إخراج الكفاءات العلمية من العراق أملاً بالتأثير في المستوى العلمي العراقي، فقدمت دول عديدة من بينها الولايات المتحدة حوافز كثيرة للعلماء العراقيين إذا ما تركوا العراق وسافروا إليها. ولذلك ازدادت الضغوط الاقتصادية والنفسية على الأستاذ الجامعي، الأمر الذي أسفر عن (سبات) الارتقاء العلمي العراقي، وانقطاع تواصله مع العالم الخارجي، ففي حين شهدت الجامعات العالمية قفزات واسعة من التطور العلمي، فإن الجامعات العراقية ظلت تراوح في مكانها إن لم تكن قد تراجعت في المستوى.
الجامعات العراقية ظلت تراوح في مكانها إن لم تكن قد تراجعت في المستوى
وإذا كانت الجامعات العراقية قد عانت منذ الفترة (1980 ـ 2003) في الجانب الاقتصادي بالدرجة الأساس حيث قلة التمويل، واتجاه أموال كبيرة من التعليم نحو التسلح والحرب وإعادة البناء المدمر بسبب الحرب، وأيضاً الجانب البشري حيث وجهت خبرات أعداد كبيرة من الكفاءات العلمية نحو ساحات الحرب بدلاً من الجامعات، فإن الوضع بعد عام 2003 شهد تصاعداً واضحاً في تأثير الحرب في الجامعات العراقية، نتيجة للآثار العديدة التي خلفتها حرب الاحتلال، والتي يمكن تلمسها بالآتي:
أولاًـ الآثار على صعيد القتل والتهميش والتهجير.
ثانياًـ الآثار المادية على مستوى الجامعات والأساتذة والتي أسهمت في التأثير على صعيد البحث العلمي.
1 ـ الآثار على صعيد القتل والتهميش والتهجير.
المشروع العلمي العراقي معروف ومشخص إقليمياً وعالمياً، فقد عرف العراق بعلمائه في كل النواحي كالطب والقانون والأدب والفن والاقتصاد. وقد استهدف المشروع العلمي العراقي أكثر من مرة، وكانت البؤرة الأساسية للاستهداف هي قلب هذا المشروع أي الكفاءات العلمية، إذ أريد إفراغ العراق من طاقاته الفكرية وعلمائه. وقضية استهداف الكفاءات العراقية ليست قضية عادية وإن حاول البعض تفسيرها من زاوية البعد الطائفي (على اعتبار انها ارتفعت بشكل مطرد بعد أحداث سامراء 2006)، لكن مثل هذا التفسير لا يختلف في خطورته عن خطورة تصفية العلماء نفسها، لأنه يسهم في تضليل الرأي العام، ويوفر الفرصة السانحة للجهة التي تستهدف إفراغ العراق من طاقاته العلمية.
إن قضية إفراغ العراق من طاقاته العلمية ليست وليدة الاحتلال وتوابعه، بل إنها قضية مهمة لدى الولايات المتحدة وأعداء الارتقاء العلمي العراقي منذ عقود، وقد عبر عن ذلك بوضوح مارك كلايتون في يوليو عام 2002 حين كتب في صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) الأمريكية محذراً من العقول العراقية المفكرة قائلاً: (إن هؤلاء العلماء والفنيين أخطر من أسلحة العراق الحربية، وقد اتخذت واشنطن العديد من الإجراءات لتحقيق هدفها في تفريغ العراق من علمائه قبل إعلان الحرب عليه، فقد أصرت على تضمين قرار مجلس الأمن رقم (1441) الذي صدر عام 2002 فقرة تجبرالعراق على السماح للمفتشين الدوليين باستجواب علمائه وفنييه، حتى لو تطلب الأمر تسفيرهم وعائلاتهم خارج البلاد لضمان الحصول على معلومات منهم عن برامج التسليح العراقية المزعومة).
وفي مطلع عام 2003 أقر الكونغرس الأمريكي قانون هجرة العلماء العراقيين الذي ينص على منح العلماء العراقيين الذين يوافقون على تقديم معلومات ذات مصداقية بشأن برامج السلاح العراقية، تصريح إقامة دائمة في الولايات المتحدة. وتشير الدراسات إلى أنه بين عامي (1991 – 1998) غادر العراق أكثر من 735 عالماً تلقفتهم دول أوروبية وكندا والولايات المتحدة وغيرها، 76 في المائة منهم أساتذة جامعيون، و23 في المائة مدرسون من مراكز أبحاث علمية، ومن بين هذا العدد الضخم كان 83 في المائة قد درسوا في جامعات أمريكية وأوروبية، أما الباقون فقد درسوا في جامعات عربية أو أوروبا الشرقية.
وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق زادت حالات اغتيال الأساتذة الجامعيين، وإفراغ العراق من الكفاءات العلمية، فالأستاذ الجامعي إما يهاجر خارج العراق أو يتعرض للاعتقال والاستجواب المهين من قبل قوات الاحتلال، أو يقتل ولا يعرف أحد القاتل، ويقال إن ذلك بسبب الإرهابيين والميليشيات.
لقد أعلن الدكتور سامي المظفر في يونيو 2004 عندما كان رئيساً لجامعة بغداد (أن قوات الاحتلال اعتقلت عشرات العلماء العراقيين، بينهم عدد كبير من كبار أساتذة الجامعات، خاصة جامعة بغداد والمستنصرية والجامعة التكنولوجية).
وفي شهر أغسطس عام 2004 أطلق البروفيسور الأمريكي في جامعة جورج تاون أندرو روبن جملة احتجاج ضد ما وصفه الاغتيال المنظم والخطف والاعتقال والترويع والتهجير الذي يطال العلماء والأكاديميين العراقيين بمن فيهم الأطباء. وتناولت الصحافة الغربية معاناة العلماء والأكاديميين العراقيين المتعددة الأشكال والوجوه العامة والخاصة، كما ذكر الصحفي البريطاني روبرت فيسك في صحيفة (الإندبندت) البريطانية، وقد حمل البروفيسور روبرت حكومة الولايات المتحدة مسؤولية ما يحصل في العراق باعتبارها (قوة احتلال).
العراق مهدد بالقضاء على كفاءاته العلمية والطبية جراء تعرضها للاغتيال والتهديد والتهجير
وقد لفت الدكتور صباح الحسيني وكيل وزارة الصحة العراقية الانتباه إلى أن العراق مهدد بالقضاء على كفاءاته العلمية والطبية جراء تعرضها للاغتيال والتهديد والتهجير، دعا إلى تشكيل لجنة وطنية عليا لحماية العقول العراقية ـ ومنهم الأطباء الذين تم تهجير أكثر من ألف منهم (حتى عام 2006) من ذوي الاختصاصات النادرة.
ولا توجد إلى حد الآن أرقام موحدة للأساتذة الجامعيين الذين قتلوا وتمت تصفيتهم ولا حتى للأساتذة الذين هاجروا إلى خارج العراق، وتتراوح أعداد الأساتذة الشهداء بين 180 و500 أستاذ جامعي، فإلى حد تاريخ فبراير 2006 أحصت رابطة الأستاذة الجامعيين قتل 181 أستاذاً جامعياً، فيما أوردت مصادر أنه حتى نهاية عام 2008 اغتيل 550 عالماً وأستاذاً جامعياً، كما أشارت تقارير عديدة إلى توجه ما يفوق 1000 أستاذ جامعي صوب الخارج.
عموماً، يمكن إيراد الإحصائيات التالية لإيضاح حجم المأساة التي تعيشها الجامعات العراقية بسبب الحروب (عام 2006 نموذجاً):
1- أدت عمليات الاعتداء على أكاديميين عراقيين من إبريل 2003 إلى إبريل 2006 إلى وفاة 74 في المائة منهم في مقابل 26 في المائة على قيد الحياة، غالبيتهم العظمى من الذكور (95 في المائة) والباقي من الإناث، وذلك بحسب الإحصائيات التي قدمت إلى مؤتمر مدريد حول العراق 2006.
وتوزعت معظم عمليات الاغتيال ومحاولات الاعتداء في العاصمة بغداد (57 في المائة) تليها البصرة (14 في المائة) الموصل (11 في المائة) وبقية المناطق العراقية.
أ- تقسمت الاغتيالات إلى الآتي:
حملة شهادة الدكتوراه 64 في المائة، ماجستير 14 في المائة، حملة بكالوريوس 6 في المائة، شهادات أخرى 16 في المائة.
ب- الاختصاصات الرئيسية المستهدفة في الاغتيالات:
علوم 31 في المائة، الحقل الطبي 23 في المائة، العلوم الإنسانية 21 في المائة، العلوم الاجتماعية 12 في المائة، دون اختصاص 13 في المائة.
ج- إحصاء الاغتيالات حسب الرتبة والمنصب:
رئيس جامعة 2 في المائة، عميد كلية أو معاون عميد 11 في المائة، رؤساء أقسام 6 في المائة، مساعدون 59 في المائة، محاضرون 6 في المائة، أكاديميون 13 في المائة، طلاب 3 في المائة.
د- اعتداءات غير مميتة
اعتقالات 33 في المائة، محاولات اغتيال 23 في المائة، اختطاف 16 في المائة، تهديد بالقتل 11 في المائة، حوادث أخرى 17 في المائة.
إن ما يمكن أن نخرج به من دراسة الحالات السابقة، ان اغتيال الأكاديميين ظاهرة جديدة في العراق لم تحصل قبل إبريل 2003، كما أن القتل والخطف والتهديدات بالقتل لإجبار الأكاديميين على مغادرة العراق لا تنحصر في أية ديانة أو نموذج طائفي معيّن، كما أن هناك العديد من التهديدات لم تُدوَّن، وأن العديد من عمليات الاغتيال ينتج عنها موت أعضاء آخرين من الأسرة والمرافقين ممن ليس لهم أي دخل في هذا الموضوع، وأن التهديدات المتكررة هي لإرغام الكفاءات على مغادرة العراق، وهذا كله يعني كمية ونوعية الآثار السلبية التي خلفتها الحرب على الأداة الأساسية للجامعات العراقية.
2 ـ الآثار المادية على مستوى الجامعات والأساتذة والتي أسهمت في التأثير على صعيد البحث العلمي.
وهي الآثار التي رتبتها نتائج الحروب على الجامعات بهياكلها ومؤسساتها العلمية والبحثية والإدارية، وكذلك الآثار التي رتبتها الحروب على العطاء المادي للأستاذ الجامعي لا سيما على صعيد البحث العلمي.
لقد وجهت تداعيات الحرب ضربة قوية لقاعدة البحث والتطوير العلمي بمجاليها المدني والعسكري، لا سيما أن أحد أهم أهداف الحرب المعلنة على العراق هو تدمير بنيته التحتية في المجال العسكري. وإذا كان من الصعب تقدير حجم الخسائر في مجالات البحث العسكرية التي تم تدميرها من قبل قوات الاحتلال الأمريكي، فإن تقدير خسائر القاعدة العلمية في المجال المدني يظل محل اهتمام وتساؤل.
اتخذت واشنطن العديد من الإجراءات لتحقيق هدفها في تفريغ العراق من علمائه قبل إعلان الحرب عليه
ويقول رئيس إدارة البحث والتطوير في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور أسامة العاني إن القصف الأمريكي وعمليات النهب والسلب دمرت أكثر من 70 في المائة من المعامل والأجهزة داخل الجامعات العراقية ومراكز البحث العلمي. ومن الأمور الواجب توافرها – حسب الدكتور العاني – لاستعادة القاعدة العلمية للعراق عافيتها ضرورة إعادة الأمن والاستقرار إلى البلد، بالإضافة إلى إعادة التقدير المادي والأدبي للعالم والأستاذ الجامعي ومراكز البحث العلمي.
وحسب تقديرات (اليونسكو)، فإن 84 في المائة من بنية مؤسسات التعليم العالي العراقية حطمت أو نهبت، وهناك نقص بحوالي 30 ألف حاسوب و2000 مختبر علمي، وأن حوالي 45 في المائة من الأكاديميين إما قتلوا أو أجبروا على الهجرة أو اضطروا للبقاء في منازلهم.
لقد أثرت هذه المسببات في نتيجة البحث العلمي بالعراق، وإذا كان البحث العلمي في الوطن العربي بشكل عام متخلفاً عن البحث العلمي العالمي، فلنا أن نقدر حجم التراجع الذي يعانيه البحث العلمي في العراق.
ولتوضيح حجم التخلف في جانب البحث العلمي بالنسبة للدول العربية مجتمعة ومنها العراق لمعرفة مدى تأثير الحروب التي مرت بها المنطقة العربية على مستوى البحث العلمي، الأمر الذي أفرز فجوة يعاني منها العقل العربي، نذكر الأمثلة البسيطة التالية:
* ينفق العالم العربي على البحوث والتطوير 2 في المائة من إجمالي ناتجه المحلي، أي ما يعادل سبع المتوسط العالمي( 14 في المائة).
* نسبة البلدان العربية من النشر العالمي لا تتعدى 7 في المائة أي أقل من سدس نسبة العرب إلى إجمالي عدد السكان عالمياً.
* معدل الإنفاق على البحوث والتطوير لكل نسمة 6 دولارات مقابل 953 دولاراً في الولايات المتحدة و40 دولاراً في الصين.
* معدل الإنفاق الحكومي سنوياً على كل طالب جامعي 240 دولاراً في مقابل 1200 دولار في دولة مثل إسبانيا.
* عدد براءات الاختراع العربية المسجلة في الولايات المتحدة خلال العقد للمدة من (1990- 2000) لا يتجاوز 300 في مقابل 16328 في كوريا الجنوبية و7652 لإسرائيل.
إن ما ذكر يخص فجوة العقل القائم، أي ما قبل النقلة المعلوماتية، ومن المؤكد أن تقييم العقل الممكن، أي المؤهل لاستقبال النقلة المعلوماتية وهو الأهم، سيحتاج إلى استحداث مؤشرات جديدة تعكس مدى استيعاب هذا العقل لخصائص علم عصر المعلومات.
وإذا كان هذا هو حال الدول العربية التي لم يتعرض الكثير منها لحروب أو آثار كارثية كالتي تعرض لها العراق، فكيف بالمؤسسات العراقية التي عانت الأمرين جراء نتائج حرب الاحتلال.
إن ما ذكرناه ما هو إلا مثال بسيط على حجم المأساة التي خلفتها الحروب على الجامعات العراقية، ولم نعرج على قضايا عديدة مثل ضعف الجانب التعليمي بسبب النقص الكبير في ذوي الاختصاص، تحويل الجامعات إلى منابر سياسية ناطقة باسم حركات وأحزاب معينة، قلة مخصصات الأستاذ الجامعي بالمقارنة بأقرانه في الدول المجاورة (رغم الزيادات المستحدثة التي طرأت بعد عام 2008)، أيضاً ضعف التقدير العام للأستاذ الجامعي، والفجوة بينه وبين القوى الحاكمة، كل تلك العوامل هي مواريث للحروب التي كانت لها آثار سلبية واضحة في الجامعات بالعراق.
وعندما تحقق شيء من الأمن النسبي، فإن خطوة للأمام قد أنجزت على طريق احترام قدرات الأستاذ الجامعي وتقديره، وعلى طريق إصلاح الجامعات العراقية. وعندما زار رئيس الوزراء نوري المالكي جامعة بغداد منتصف لعام 2007 ورفض المظاهر السياسية والحزبية في الجامعات، فإن رفضه كان بحاجة إلى تطبيق عملي، وهو أمر لمسناه متاخراً، وهو ما أعاد للجامعات هيبتها بصفتها منابر للعلم فقط.
عموماً، كلما كان السياسيون أذكياء، تجنبوا الحروب، ولكن إذا ما فرضت الحروب عليهم، فإنهم عندئذ ملزمون بتجنب آثارها، وإذا ما فرضت عليهم آثارها السلبية، فإنهم ملزمون بتقليص حجم تلك الآثار، وهذه دعوة إلى كل المسؤولين العراقيين الذين يهمهم أمر الجامعات العراقية بأن يفعلوا ما بوسعهم لتجنب الآثار السلبية التي خلفتها حرب الاحتلال عام 2003 على العراق، وأن يستنهضوا الهمم للارتقاء بعمل الجامعات العراقية، وهي مهمة جليلة سيذكرها التاريخ لأن إصلاح الجامعات يعني إضاءة التاريخ بأنوار لامعة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1327::/cck::
::introtext::
للجامعات وأهلها حرمة تصل إلى حد التقديس، نظراً إلى نوعية ذويها وإمكاناتهم وما يقدمون من خدمات جليلة للمجتمع والأمة، هذه الحرمة لا يجوز خرقها من أية جهة كانت ولأي سبب كان، ولم تأت هذه الحصانة أو الحرمة من كونها مؤسسة فيها أساتذة وإداريون وطلبة، وأبنية مثل أية مؤسسة أخرى، وإنما جاءت تقديساً لهذه النخبة الخيرة من أهل العلم وإعلامه التي هي صفوة المجتمع وعنوان نهضته وتقدمه وبنائه.
::/introtext::
::fulltext::
للجامعات وأهلها حرمة تصل إلى حد التقديس، نظراً إلى نوعية ذويها وإمكاناتهم وما يقدمون من خدمات جليلة للمجتمع والأمة، هذه الحرمة لا يجوز خرقها من أية جهة كانت ولأي سبب كان، ولم تأت هذه الحصانة أو الحرمة من كونها مؤسسة فيها أساتذة وإداريون وطلبة، وأبنية مثل أية مؤسسة أخرى، وإنما جاءت تقديساً لهذه النخبة الخيرة من أهل العلم وإعلامه التي هي صفوة المجتمع وعنوان نهضته وتقدمه وبنائه.
إن الجامعة هي صانعة التطوير والتحديث في أي مجتمع، على اعتبار أنها مسؤولة عن قيادة عملية الارتقاء بالمؤسسات الرسمية وغير الرسمية ومنظمات المجتمع المدني. وسلاحها في ذلك العلم والمعرفة، ورجالها هم أساتذة الجامعات، ومخرجاتها الأطباء والمهندسون والمحامون وعموم المتعلمين.
ورغم أن دعاة الحروب وأهميتها رفضوا القول بالتأثيرات السلبية للحروب على المجتمع، إذ كتب ونستون تشرشل في كتابه الأزمة العالمية (إن قصة الجنس البشري هي الحرب، ومن المؤكد أنه يصعب على أي شخص اليوم تأييد الاعتقاد الحر القديم الذي يعود إلى القرن التاسع عشر بأن الحروب مقاطعة مؤسفة لتطور الحضارة الإنسانية السلمي المألوف)، ورغم أن أصحاب النظرية المحافظة في البحث عن آثار الحرب الاجتماعية هم أولئك الذين يوغلون في الإصرار على أن الأحداث العظيمة في التاريخ هي المعارك.. إذ إن الحروب تنطوي على إعادة تنظيم المجتمع، من ذلك المقولة الشهيرة لـ توريلي بارنيت الحرب هي مدقق المؤسسات العظيم، وأيضاً المقولة الشهيرة لمادسون ويلز (لقد كانت في إيطاليا في أثناء حكم آل بورجيا حروب واغتيال وسفك دماء طوال الثلاثين عاماً، إلا أنهم أنتجوا مايكل أنجيلو وليونارد دافنشي وعصر النهضة. وفي سويسرا ساد الحب الأخوي وخمسمائة عام من الديمقراطية والسلام ولكن ماذا أنتجوا.. ساعة الوقواق). رغم هذه الدعوات، إلا أن الأمر في العراق أدى إلى نتيجة مهمة بين الحروب والجامعات، وهي أن الجامعات تأثرت سلبياً وبشكل مهول نتيجة للحروب التي مر بها العراق منذ ثمانينات القرن الماضي وحتى الآن، ولا سيما بعد احتلال العراق عام 2003.
يقسم علماء النفس التأثيرات التي يمكن أن تتركها الحروب في الأفراد ومن ضمنهم العاملون في الجامعات إلى الآتي:
أـ التأثير الجسدي، إذ إن الحروب تؤثر في عدد كبير من الأفراد بفقدهم أجزاء من جسدهم أو كل الجسد بسبب تعرضهم للانفجارات ووسائل التعذيب وأيضاً عدم القدرة على التكيف مع الأحداث، الأمر الذي يؤدي إلى ازدياد الإصابة بأمراض معينة.
ب ـ التأثيرالنفسي، إذ تترك الحروب آثاراً نفسية كبيرة على المجتمع منها التفكير بالموت، الأمر الذي يترك آثاراً سلبية عديدة على شخصية الإنسان فتنتابه حالات من الخوف والأرق.
ج ـ التأثير الاجتماعي، عندما يتأثر الفرد جسدياً ونفسياً، فإن ذلك يؤدي إلى التأثير في الجوانب الاجتماعية، وهنا يحدث للفرد ما يطلق عليه بالشلل الاجتماعي وعندها تتأثر القيم والعادات التي يؤمن بها الفرد والمجتمع.
هذا الرأي لتأثير الحروب في المجتمع ينطلق من الواقع المعاش، ولنا في العراق تجربة تؤكد هذه الحقيقة، وقد تدرج تأثير الحروب في الجامعات العراقية بحسب مخرجات تلك الحروب. ففي حرب الثماني سنوات مع ايران انحصر التأثير في الجامعات بالتأثير الاقتصادي، (والنفسي إلى حد ما)، إذ وجهت الحكومة العراقية آنذاك الأموال نحو شراء الأسلحة وتطوير الصناعات العسكرية، وإن كانت تقول إن ذلك لم يضر بالدعم المقدم للجامعات، إلا أن حقيقة الأمر أن الجامعات فقدت جزءاً كبيراً من الميزانية التي كان يجب أن تقدم لها، أضف إلى ذلك تأخر الناتج العلمي المحلي عن الناتج العلمي العالمي، إذ انحدرت إلى مستوى كبير نسبة البعثات العلمية المرسلة إلى الخارج بسبب ظروف الحرب.
وبعد حرب الكويت، ازداد تأثير المخرجات في الجامعات العراقية، إذ انحدر المستوى التعليمي كثيراً بسبب سياسات الحصار الجائر المفروض من مجلس الأمن الدولي، فانحدر المستوى الاقتصادي للأستاذ الجامعي، كما مورست ضغوط عديدة لصالح إخراج الكفاءات العلمية من العراق أملاً بالتأثير في المستوى العلمي العراقي، فقدمت دول عديدة من بينها الولايات المتحدة حوافز كثيرة للعلماء العراقيين إذا ما تركوا العراق وسافروا إليها. ولذلك ازدادت الضغوط الاقتصادية والنفسية على الأستاذ الجامعي، الأمر الذي أسفر عن (سبات) الارتقاء العلمي العراقي، وانقطاع تواصله مع العالم الخارجي، ففي حين شهدت الجامعات العالمية قفزات واسعة من التطور العلمي، فإن الجامعات العراقية ظلت تراوح في مكانها إن لم تكن قد تراجعت في المستوى.
الجامعات العراقية ظلت تراوح في مكانها إن لم تكن قد تراجعت في المستوى
وإذا كانت الجامعات العراقية قد عانت منذ الفترة (1980 ـ 2003) في الجانب الاقتصادي بالدرجة الأساس حيث قلة التمويل، واتجاه أموال كبيرة من التعليم نحو التسلح والحرب وإعادة البناء المدمر بسبب الحرب، وأيضاً الجانب البشري حيث وجهت خبرات أعداد كبيرة من الكفاءات العلمية نحو ساحات الحرب بدلاً من الجامعات، فإن الوضع بعد عام 2003 شهد تصاعداً واضحاً في تأثير الحرب في الجامعات العراقية، نتيجة للآثار العديدة التي خلفتها حرب الاحتلال، والتي يمكن تلمسها بالآتي:
أولاًـ الآثار على صعيد القتل والتهميش والتهجير.
ثانياًـ الآثار المادية على مستوى الجامعات والأساتذة والتي أسهمت في التأثير على صعيد البحث العلمي.
1 ـ الآثار على صعيد القتل والتهميش والتهجير.
المشروع العلمي العراقي معروف ومشخص إقليمياً وعالمياً، فقد عرف العراق بعلمائه في كل النواحي كالطب والقانون والأدب والفن والاقتصاد. وقد استهدف المشروع العلمي العراقي أكثر من مرة، وكانت البؤرة الأساسية للاستهداف هي قلب هذا المشروع أي الكفاءات العلمية، إذ أريد إفراغ العراق من طاقاته الفكرية وعلمائه. وقضية استهداف الكفاءات العراقية ليست قضية عادية وإن حاول البعض تفسيرها من زاوية البعد الطائفي (على اعتبار انها ارتفعت بشكل مطرد بعد أحداث سامراء 2006)، لكن مثل هذا التفسير لا يختلف في خطورته عن خطورة تصفية العلماء نفسها، لأنه يسهم في تضليل الرأي العام، ويوفر الفرصة السانحة للجهة التي تستهدف إفراغ العراق من طاقاته العلمية.
إن قضية إفراغ العراق من طاقاته العلمية ليست وليدة الاحتلال وتوابعه، بل إنها قضية مهمة لدى الولايات المتحدة وأعداء الارتقاء العلمي العراقي منذ عقود، وقد عبر عن ذلك بوضوح مارك كلايتون في يوليو عام 2002 حين كتب في صحيفة (كريستيان ساينس مونيتور) الأمريكية محذراً من العقول العراقية المفكرة قائلاً: (إن هؤلاء العلماء والفنيين أخطر من أسلحة العراق الحربية، وقد اتخذت واشنطن العديد من الإجراءات لتحقيق هدفها في تفريغ العراق من علمائه قبل إعلان الحرب عليه، فقد أصرت على تضمين قرار مجلس الأمن رقم (1441) الذي صدر عام 2002 فقرة تجبرالعراق على السماح للمفتشين الدوليين باستجواب علمائه وفنييه، حتى لو تطلب الأمر تسفيرهم وعائلاتهم خارج البلاد لضمان الحصول على معلومات منهم عن برامج التسليح العراقية المزعومة).
وفي مطلع عام 2003 أقر الكونغرس الأمريكي قانون هجرة العلماء العراقيين الذي ينص على منح العلماء العراقيين الذين يوافقون على تقديم معلومات ذات مصداقية بشأن برامج السلاح العراقية، تصريح إقامة دائمة في الولايات المتحدة. وتشير الدراسات إلى أنه بين عامي (1991 – 1998) غادر العراق أكثر من 735 عالماً تلقفتهم دول أوروبية وكندا والولايات المتحدة وغيرها، 76 في المائة منهم أساتذة جامعيون، و23 في المائة مدرسون من مراكز أبحاث علمية، ومن بين هذا العدد الضخم كان 83 في المائة قد درسوا في جامعات أمريكية وأوروبية، أما الباقون فقد درسوا في جامعات عربية أو أوروبا الشرقية.
وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق زادت حالات اغتيال الأساتذة الجامعيين، وإفراغ العراق من الكفاءات العلمية، فالأستاذ الجامعي إما يهاجر خارج العراق أو يتعرض للاعتقال والاستجواب المهين من قبل قوات الاحتلال، أو يقتل ولا يعرف أحد القاتل، ويقال إن ذلك بسبب الإرهابيين والميليشيات.
لقد أعلن الدكتور سامي المظفر في يونيو 2004 عندما كان رئيساً لجامعة بغداد (أن قوات الاحتلال اعتقلت عشرات العلماء العراقيين، بينهم عدد كبير من كبار أساتذة الجامعات، خاصة جامعة بغداد والمستنصرية والجامعة التكنولوجية).
وفي شهر أغسطس عام 2004 أطلق البروفيسور الأمريكي في جامعة جورج تاون أندرو روبن جملة احتجاج ضد ما وصفه الاغتيال المنظم والخطف والاعتقال والترويع والتهجير الذي يطال العلماء والأكاديميين العراقيين بمن فيهم الأطباء. وتناولت الصحافة الغربية معاناة العلماء والأكاديميين العراقيين المتعددة الأشكال والوجوه العامة والخاصة، كما ذكر الصحفي البريطاني روبرت فيسك في صحيفة (الإندبندت) البريطانية، وقد حمل البروفيسور روبرت حكومة الولايات المتحدة مسؤولية ما يحصل في العراق باعتبارها (قوة احتلال).
العراق مهدد بالقضاء على كفاءاته العلمية والطبية جراء تعرضها للاغتيال والتهديد والتهجير
وقد لفت الدكتور صباح الحسيني وكيل وزارة الصحة العراقية الانتباه إلى أن العراق مهدد بالقضاء على كفاءاته العلمية والطبية جراء تعرضها للاغتيال والتهديد والتهجير، دعا إلى تشكيل لجنة وطنية عليا لحماية العقول العراقية ـ ومنهم الأطباء الذين تم تهجير أكثر من ألف منهم (حتى عام 2006) من ذوي الاختصاصات النادرة.
ولا توجد إلى حد الآن أرقام موحدة للأساتذة الجامعيين الذين قتلوا وتمت تصفيتهم ولا حتى للأساتذة الذين هاجروا إلى خارج العراق، وتتراوح أعداد الأساتذة الشهداء بين 180 و500 أستاذ جامعي، فإلى حد تاريخ فبراير 2006 أحصت رابطة الأستاذة الجامعيين قتل 181 أستاذاً جامعياً، فيما أوردت مصادر أنه حتى نهاية عام 2008 اغتيل 550 عالماً وأستاذاً جامعياً، كما أشارت تقارير عديدة إلى توجه ما يفوق 1000 أستاذ جامعي صوب الخارج.
عموماً، يمكن إيراد الإحصائيات التالية لإيضاح حجم المأساة التي تعيشها الجامعات العراقية بسبب الحروب (عام 2006 نموذجاً):
1- أدت عمليات الاعتداء على أكاديميين عراقيين من إبريل 2003 إلى إبريل 2006 إلى وفاة 74 في المائة منهم في مقابل 26 في المائة على قيد الحياة، غالبيتهم العظمى من الذكور (95 في المائة) والباقي من الإناث، وذلك بحسب الإحصائيات التي قدمت إلى مؤتمر مدريد حول العراق 2006.
وتوزعت معظم عمليات الاغتيال ومحاولات الاعتداء في العاصمة بغداد (57 في المائة) تليها البصرة (14 في المائة) الموصل (11 في المائة) وبقية المناطق العراقية.
أ- تقسمت الاغتيالات إلى الآتي:
حملة شهادة الدكتوراه 64 في المائة، ماجستير 14 في المائة، حملة بكالوريوس 6 في المائة، شهادات أخرى 16 في المائة.
ب- الاختصاصات الرئيسية المستهدفة في الاغتيالات:
علوم 31 في المائة، الحقل الطبي 23 في المائة، العلوم الإنسانية 21 في المائة، العلوم الاجتماعية 12 في المائة، دون اختصاص 13 في المائة.
ج- إحصاء الاغتيالات حسب الرتبة والمنصب:
رئيس جامعة 2 في المائة، عميد كلية أو معاون عميد 11 في المائة، رؤساء أقسام 6 في المائة، مساعدون 59 في المائة، محاضرون 6 في المائة، أكاديميون 13 في المائة، طلاب 3 في المائة.
د- اعتداءات غير مميتة
اعتقالات 33 في المائة، محاولات اغتيال 23 في المائة، اختطاف 16 في المائة، تهديد بالقتل 11 في المائة، حوادث أخرى 17 في المائة.
إن ما يمكن أن نخرج به من دراسة الحالات السابقة، ان اغتيال الأكاديميين ظاهرة جديدة في العراق لم تحصل قبل إبريل 2003، كما أن القتل والخطف والتهديدات بالقتل لإجبار الأكاديميين على مغادرة العراق لا تنحصر في أية ديانة أو نموذج طائفي معيّن، كما أن هناك العديد من التهديدات لم تُدوَّن، وأن العديد من عمليات الاغتيال ينتج عنها موت أعضاء آخرين من الأسرة والمرافقين ممن ليس لهم أي دخل في هذا الموضوع، وأن التهديدات المتكررة هي لإرغام الكفاءات على مغادرة العراق، وهذا كله يعني كمية ونوعية الآثار السلبية التي خلفتها الحرب على الأداة الأساسية للجامعات العراقية.
2 ـ الآثار المادية على مستوى الجامعات والأساتذة والتي أسهمت في التأثير على صعيد البحث العلمي.
وهي الآثار التي رتبتها نتائج الحروب على الجامعات بهياكلها ومؤسساتها العلمية والبحثية والإدارية، وكذلك الآثار التي رتبتها الحروب على العطاء المادي للأستاذ الجامعي لا سيما على صعيد البحث العلمي.
لقد وجهت تداعيات الحرب ضربة قوية لقاعدة البحث والتطوير العلمي بمجاليها المدني والعسكري، لا سيما أن أحد أهم أهداف الحرب المعلنة على العراق هو تدمير بنيته التحتية في المجال العسكري. وإذا كان من الصعب تقدير حجم الخسائر في مجالات البحث العسكرية التي تم تدميرها من قبل قوات الاحتلال الأمريكي، فإن تقدير خسائر القاعدة العلمية في المجال المدني يظل محل اهتمام وتساؤل.
اتخذت واشنطن العديد من الإجراءات لتحقيق هدفها في تفريغ العراق من علمائه قبل إعلان الحرب عليه
ويقول رئيس إدارة البحث والتطوير في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي الدكتور أسامة العاني إن القصف الأمريكي وعمليات النهب والسلب دمرت أكثر من 70 في المائة من المعامل والأجهزة داخل الجامعات العراقية ومراكز البحث العلمي. ومن الأمور الواجب توافرها – حسب الدكتور العاني – لاستعادة القاعدة العلمية للعراق عافيتها ضرورة إعادة الأمن والاستقرار إلى البلد، بالإضافة إلى إعادة التقدير المادي والأدبي للعالم والأستاذ الجامعي ومراكز البحث العلمي.
وحسب تقديرات (اليونسكو)، فإن 84 في المائة من بنية مؤسسات التعليم العالي العراقية حطمت أو نهبت، وهناك نقص بحوالي 30 ألف حاسوب و2000 مختبر علمي، وأن حوالي 45 في المائة من الأكاديميين إما قتلوا أو أجبروا على الهجرة أو اضطروا للبقاء في منازلهم.
لقد أثرت هذه المسببات في نتيجة البحث العلمي بالعراق، وإذا كان البحث العلمي في الوطن العربي بشكل عام متخلفاً عن البحث العلمي العالمي، فلنا أن نقدر حجم التراجع الذي يعانيه البحث العلمي في العراق.
ولتوضيح حجم التخلف في جانب البحث العلمي بالنسبة للدول العربية مجتمعة ومنها العراق لمعرفة مدى تأثير الحروب التي مرت بها المنطقة العربية على مستوى البحث العلمي، الأمر الذي أفرز فجوة يعاني منها العقل العربي، نذكر الأمثلة البسيطة التالية:
* ينفق العالم العربي على البحوث والتطوير 2 في المائة من إجمالي ناتجه المحلي، أي ما يعادل سبع المتوسط العالمي( 14 في المائة).
* نسبة البلدان العربية من النشر العالمي لا تتعدى 7 في المائة أي أقل من سدس نسبة العرب إلى إجمالي عدد السكان عالمياً.
* معدل الإنفاق على البحوث والتطوير لكل نسمة 6 دولارات مقابل 953 دولاراً في الولايات المتحدة و40 دولاراً في الصين.
* معدل الإنفاق الحكومي سنوياً على كل طالب جامعي 240 دولاراً في مقابل 1200 دولار في دولة مثل إسبانيا.
* عدد براءات الاختراع العربية المسجلة في الولايات المتحدة خلال العقد للمدة من (1990- 2000) لا يتجاوز 300 في مقابل 16328 في كوريا الجنوبية و7652 لإسرائيل.
إن ما ذكر يخص فجوة العقل القائم، أي ما قبل النقلة المعلوماتية، ومن المؤكد أن تقييم العقل الممكن، أي المؤهل لاستقبال النقلة المعلوماتية وهو الأهم، سيحتاج إلى استحداث مؤشرات جديدة تعكس مدى استيعاب هذا العقل لخصائص علم عصر المعلومات.
وإذا كان هذا هو حال الدول العربية التي لم يتعرض الكثير منها لحروب أو آثار كارثية كالتي تعرض لها العراق، فكيف بالمؤسسات العراقية التي عانت الأمرين جراء نتائج حرب الاحتلال.
إن ما ذكرناه ما هو إلا مثال بسيط على حجم المأساة التي خلفتها الحروب على الجامعات العراقية، ولم نعرج على قضايا عديدة مثل ضعف الجانب التعليمي بسبب النقص الكبير في ذوي الاختصاص، تحويل الجامعات إلى منابر سياسية ناطقة باسم حركات وأحزاب معينة، قلة مخصصات الأستاذ الجامعي بالمقارنة بأقرانه في الدول المجاورة (رغم الزيادات المستحدثة التي طرأت بعد عام 2008)، أيضاً ضعف التقدير العام للأستاذ الجامعي، والفجوة بينه وبين القوى الحاكمة، كل تلك العوامل هي مواريث للحروب التي كانت لها آثار سلبية واضحة في الجامعات بالعراق.
وعندما تحقق شيء من الأمن النسبي، فإن خطوة للأمام قد أنجزت على طريق احترام قدرات الأستاذ الجامعي وتقديره، وعلى طريق إصلاح الجامعات العراقية. وعندما زار رئيس الوزراء نوري المالكي جامعة بغداد منتصف لعام 2007 ورفض المظاهر السياسية والحزبية في الجامعات، فإن رفضه كان بحاجة إلى تطبيق عملي، وهو أمر لمسناه متاخراً، وهو ما أعاد للجامعات هيبتها بصفتها منابر للعلم فقط.
عموماً، كلما كان السياسيون أذكياء، تجنبوا الحروب، ولكن إذا ما فرضت الحروب عليهم، فإنهم عندئذ ملزمون بتجنب آثارها، وإذا ما فرضت عليهم آثارها السلبية، فإنهم ملزمون بتقليص حجم تلك الآثار، وهذه دعوة إلى كل المسؤولين العراقيين الذين يهمهم أمر الجامعات العراقية بأن يفعلوا ما بوسعهم لتجنب الآثار السلبية التي خلفتها حرب الاحتلال عام 2003 على العراق، وأن يستنهضوا الهمم للارتقاء بعمل الجامعات العراقية، وهي مهمة جليلة سيذكرها التاريخ لأن إصلاح الجامعات يعني إضاءة التاريخ بأنوار لامعة.
::/fulltext::
::cck::1327::/cck::
