مستقبل السياسة الأمريكية في العراق في عهد أوباما

::cck::1343::/cck::
::introtext::

على الرغم من خصوصية الساحة الأمريكية وخاصة في مجال إدارة وتوجيه وصنع السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يتفق أغلب المراقبين والباحثين في مجال الشؤون الدولية على أن الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة مؤسسات، ولا توجد هناك تغييرات جوهرية وجذرية في السياسة الخارجية لإدارة واشنطن عندما يتغير الرئيس الأمريكي المنتخب، فإن هذا لا يعني أن الرئيس الأمريكي الذي سيدخل دفة الحكم ليست له مواقف واضحة تجاه الملفات الدولية الساخنة منذ قيامه بعرض برنامجه الانتخابي أثناء ماراثون الانتخابات الأمريكية وإلى ما بعد ذلك. ويبدو أن هذه الصورة تقترب كثيراً من شخصية باراك أوباما الرئيس الرابع والأربعين وموقفه تجاه العراق قبل الاحتلال الأمريكي وبعده.

::/introtext::
::fulltext::

على الرغم من خصوصية الساحة الأمريكية وخاصة في مجال إدارة وتوجيه وصنع السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يتفق أغلب المراقبين والباحثين في مجال الشؤون الدولية على أن الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة مؤسسات، ولا توجد هناك تغييرات جوهرية وجذرية في السياسة الخارجية لإدارة واشنطن عندما يتغير الرئيس الأمريكي المنتخب، فإن هذا لا يعني أن الرئيس الأمريكي الذي سيدخل دفة الحكم ليست له مواقف واضحة تجاه الملفات الدولية الساخنة منذ قيامه بعرض برنامجه الانتخابي أثناء ماراثون الانتخابات الأمريكية وإلى ما بعد ذلك. ويبدو أن هذه الصورة تقترب كثيراً من شخصية باراك أوباما الرئيس الرابع والأربعين وموقفه تجاه العراق قبل الاحتلال الأمريكي وبعده.

 ملامح ومواقف الإدارة الأمريكية من العراق في عهد أوباما

يرصد خبراء السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية الخيوط الرئيسية لمواقف أوباما تجاه العراق قبل الاحتلال وبعده، إذ يرى هولاء أن أوباما لا يؤمن باستخدام القوة العسكرية، إلا أنه لن يستثني الدفاع عن المصالح الأمريكية في المنطقة، واستخدام القوة إذا اضطر إلى ذلك.

وتسربت معلومات عن تفاصيل أخرى من مواقف أوباما في العلاقات الدولية، ولاسيما تجاه العراق قبل الغزو والاحتلال، إذ ذاعت عبارته المشهورة (إنني أعارض الحروب الغبية)، وهي إشارة لتوجه إدارة جورج بوش الابن تجاه الحرب واحتلال العراق، وجاءت إشارة أخرى لأوباما في إحدى خطبه عام 2002 من باب استقرائه لتداعيات احتلال العراق، إذ قال آنذاك أن الحرب واحتلال العراق (ستتطلب احتلالاً أمريكياً طويل الأمد، وتكلفة غير محدودة، وآثاراً غير محدودة).

الإدارة الأمريكية في عهد أوباما بدأت توجه جل أنظارها لسحب قواتها من العراق

ومما يثير الانتباه أن استراتيجية أوباما قبل وبعد استلامه للحكم خاصة بالنسبة للجيش الأمريكي داخل العراق تتحدد في انتهاء الحرب بشكل منظم، وعلى الرغم من كل ذلك فقد أقرت خطة أوباما في العراق الإبقاء على قوات أمريكية بحجة مساعدة القوات العراقية في مجال التدريب، ومواجهة ما يسمى (العمليات الإرهابية)، لكنه كان يكرر دائماً بأنه (لن تكون هناك قواعد عسكرية دائمة).

والأكثر من ذلك فإن الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في الفترة الأخيرة كانت لها تداعيات داخل الساحة الأمريكية مما حدا بأوباما إلى الربط بين الأزمة ووجود قوات الاحتلال الأمريكي داخل العراق، إذ أكد أوباما ونائبه جوزيف بايدن أن قمة أولوياتهما تنطوي على إرساء الاستقرار الاقتصادي وتعزيزه ووضع حد للمغامرة المكلفة في العراق. وقد لاحظ المراقبون طبيعة خطاب أوباما عندما ربط بين هموم الناخبين الاقتصادية وتحقيق الاستقرار المالي والإنفاق على الحرب في العراق.

ربط أوباما بين الأزمة المالية العالمية ومسألة الانسحاب من العراق

وقد أوضح وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس في نهاية فبراير الماضي أن (استراتيجية الرئيس باراك أوباما للانسحاب من العراق تتوافق مع متطلبات اتفاقية وضع القوات (الاتفاقية الأمنية) بين واشنطن وبغداد، وتنص على ضرورة انسحاب أي وجود عسكري أمريكي في العراق بعد نهاية عام 2011، وأي تعديل محتمل يتطلب مفاوضات جديدة، واتفاقية مع الحكومة العراقية بمبادرة منها).

وأكد غيتس (أن القوات الأمريكية ستكون بالكامل خارج العراق بنهاية عام 2011)، وأضاف أن (مصدر القلق الحقيقي في الخطط الأمريكية بالانسحاب من العراق هو كيفية تجاوز الأحداث التي سيشهدها عام 2009 من إقامة الانتخابات العراقية في المحافظات، وعقد الانتخابات التشريعية بنهاية العام نفسه).

ولفت غيتس النظر إلى أن (كافة الوحدات الأمريكية المقاتلة ستكون خارج العراق بنهاية أغسطس 2010 إلا أن القوات المتبقية ستكون لديها قدرات قتالية أيضاً للقيام بعمليات محددة لمكافحة الإرهاب، وتدريب القوات العراقية).

وكان الرئيس أوباما قد أعلن قبل ذلك (عزمه سحب كافة القوات الأمريكية والمقاتلين من العراق بنهاية أغسطس من عام 2010، والإبقاء على قوة دعم تتراوح بين 35-50 ألف جندي، مع سحبها بالكامل نهاية عام 2011).

وفي الثامن والعشرين من فبراير الماضي قال أوباما في كلمة أمام أفراد قوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) في معسكر (ليهوني) في كارولينا الشمالية (إن العراق ليس آمناً بصورة كاملة حالياً، وإن العنف لن ينتهي بشكل نهائي)، وأشار إلى أن الخطة للانسحاب من العراق جاءت بعد أن استمع إلى رأي القادة العسكريين حول الوضع على الأرض في العراق، وبناء على الاتفاقية الأمنية)، مؤكداً أن (القرارات في النهاية يجب أن تكون سياسية لا عسكرية).

وأوضح أوباما (أن مراجعتنا للعراق اكتملت، وأن الأمور تسير بموجب الاستراتيجية الجديدة التي تم وضعها والتي تقوم على أساس تعزيز حكومة عراقية قوية وعادلة، قابلة للمساءلة)، وذكر (أن الجزء الأول من الاستراتيجية هو سحب القوات من العراق على مرحلتين أساسيتين: الأولى تشمل سحب الجزء الأكبر من تلك القوات بحلول 31 أغسطس 2010، والثانية سحب بقية القوات بنهاية ديسمبر2011)، وأوضح (أن مهمة القوات الأمريكية ستتغير بعد تطبيق الجزء الأول من الاستراتيجية، حيث ستنتقل من القتال إلى الدعم)، مشيراً إلى (بناء قوة أمريكية لتقديم المشورة للقوات العراقية)، وقال إن (الجزء الثاني من الاستراتيجية الجديدة يتمثل في الدبلوماسية المستمرة)، مؤكداً أن (استراتيجية إنهاء الحرب على القوات لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تتعداه إلى السياسي والدبلوماسي).

وفي إشارة واضحة للورطة الأمريكية في المستنقع العراقي قال أوباما (لا نستطيع الاستمرار إلى أجل غير مسمى في التزام يمثل عبئاً على جيشنا، وسيكلف الشعب الأمريكي ما يقرب من تريليون دولار).

وتتوافق دعوة أوباما بعد أن أصبحت مسألة الانسحاب من العراق بالنسبة لكثير من الأمريكيين أكبر أهمية بالنظر إلى الركود الكبير الذي جعل كثيرين يكافحون لتوفير احتياجاتهم، وتسبب في فقدان ملايين الوظائف.

الخطط الأمريكية للانسحاب من العراق لم تأت من فراغ ولم يراع فيها الجانب الإنساني للشعب العراقي 

ويبدو أن الرئيس أوباما كان قد اطلع على مؤشرات مهمة داخل الساحة الأمريكية تعكس تداعيات احتلال العراق على الرأي العام الأمريكي، وأثرت في توجهاته، وتوجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العراق حالياً وفي المستقبل، إذ شكلت الحرب في العراق الأولوية الثانية بعد الأولوية الأولى التي تمثلت في الاقتصاد وخصوصاً قضية البطالة، وإيجاد وظائف جديدة كأولوية أولى لدى المواطن الأمريكي، إذ اعتبر 20 في المائة من المشاركين في استطلاع رأي (CBS NEWS) و(NEW YORK TIMES POLL) أن هذه الحرب هي ثاني أكبر القضايا أهمية التي تواجه الولايات المتحدة، واعتبر87 في المائة من المشاركين في استطلاع رأي أجرته (U.S.A TODY) و(GALLUP OPLL) أن تصويتهم سيتأثر بشكل مهم بموقف المرشح الرئاسي من هذه القضية.

ويرى المراقبون أن موقف الأمريكيين من هذه القضية يمثل انعكاساً لتداعيات هذه الحرب، خاصة ما يتعلق بالخسائر البشرية، والتداعيات الاقتصادية، وحسب موقع (ANTI WAR) الأمريكي، فقد بلغ عدد القتلى من الجنود الأمريكيين في العراق منذ بداية الحرب وحتى نهاية نوفمبر2008 أكثر من 4000 قتيل، كما بلغ عدد المصابين رسمياً 29395 مصاباً خلال الفترة ذاتها، ولذلك فإن هذه الأرقام قللت من شعبية الحرب في العراق، ودفعت الأمريكيين إلى المطالبة بوضع حلول لها خاصة مع بعض التقارير التي تتحدث عن عدم تحقيق نتائج تذكر في العراق.

ومن جانب آخر قدر مركز التقديرات الاستراتيجية والميزانية الأمريكي (CENTER FOR STRATEGIC AND BUDGETARY ASSESSMENTS) التكلفة الكلية للعمليات العسكرية المستمرة في العراق حتى عام 2007 بما بين 835 مليار دولار إلى 1,26 تريليون دولار.

وفي الاتجاه نفسه أكد تيد جالن كاربنتر في مقال نشر على موقع معهد (كاتو الأمريكي) بعنوان (بالهروب من الفخ: لماذا يتوجب على الولايات المتحدة ترك العراق؟)في 14 فبراير2007 (إن البقاء في العراق خطأ قاتل، وإنه حان الوقت للاعتراف بأن المهمة قد فشلت، ومهما كان الثمن الذي سندفعه من أجل الانسحاب من العراق فيجب أن يحسب بالنظر إلى التكلفة المحتملة في الدم والمال)، مشيراً إلى فقد (الولايات المتحدة جنودها بمعدل 800 جندي في السنة بالإضافة إلى التكلفة المالية التي بلغت 8 مليارات دولار شهرياً).

 تأثير مراكز البحوث الأمريكية في السياسة الخارجية لإدارة أوباما تجاه العراق

تؤكد أغلب الدراسات الأكاديمية الرصينة أهمية مراكز البحوث غير الحكومية الأمريكية (THINK TANKS) في تنظير السياسات، وصناعتها في الوقت نفسه، إذ تساهم في تقديم الرأي الاستشاري لصانع القرار الأمريكي أو زجها مباشرة في مواقع صنع القرار لتقوم بواجبها الفعلي في صياغة وتقديم التوجيهات تجاه القضايا الساخنة، وخاصة قضايا الشرق الأوسط ومنها قضية احتلال العراق.

ولم يكن أوباما غريباً عن هذا التوجه، إذ بدأ بزج مجموعات منتخبة من خبراء السلطة التي تحمل رؤى متناقضة ضمن الهياكل الوسطى لصناعة السياسات خاصة عبر فرق مراجعة الوكالات (AGENCY REVIEW TEMS) ومجموعات عمل السياسات (WORKING GROUPSPOLICY) لممارسة عملها، ورفده برؤى وأفكار لحل الأزمات التي يمكن أن تحصل أثناء ولايته في الحكم وخاصة تجاه ملف احتلال العراق.

ويمكن استعراض أبرز هذه المراكز:

1- مركز الأمن الأمريكي الجديد: أسس هذا المركز بعد أربع سنوات من احتلال العراق عام 2007 من قبل ميشال فلورين، وكرت كامبال، وويندي تيرمان المكلفة من قبل أوباما بمراجعة وصنع السياسة الخارجية لوزارة الخارجية الأمريكية، وسوزان رايس أحد أبرز مستشاري أوباما في السياسة الخارجية وهي عاملة في الإدارة الانتقالية في ملف الأمن القومي وهما عضوان في مجلس إدارة المركز، ويختص هذا المركز بشكل دقيق في الشؤون الخارجية، وأن أغلب عناصره بمن فيهم مؤسسوه من بين الأكاديميين الذين عملوا سابقاً في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون ، كما أن عدداً منهم لا يزال ينشط في معهد بروكينغز الذي برز في عهد كلينتون.

ويبرز جون ناغل أحد أهم مستشاري أوباما في ملف أفغانستان وخاصة موضوع حرب العصابات، إذ كان من بين أهم الخبراء الذين أعادوا صياغة خطط القيادة العسكرية الأمريكية في هذا المجال خاصة في قضية احتلال العراق وتداعياته تحت إشراف الجنرال باتريوس.

وقد نشر المركز مقالاً كتبه أحد كبار باحثيه في 17 نوفمبر2008 يتحدث عن الاتفاقية الأمنية بوصفها إطاراً زمنياً للانسحاب وهو موقف يختلف عن الجداول الزمنية التي أعلنها أوباما سابقاً بين 16و18 شهراً، فضلاً عن ذلك صدرت أوراق بحثية تعكس اهتماماً خاصاً من قبل المركز بمواقف القوى الآسيوية المهمة كاليابان والهند والصين من الحرب والغزو واحتلال العراق.

2- المجلس من أجل عالم يمكن العيش فيه:

يترأس المركز غاري هارت، ومديره التنفيذي جون أيزاكس، ويعتبر من بين أهم مراكز البحوث التي ارتبطت بشكل مباشر بأوباما. ويبدو أن هذا المركز كان جل اهتمامه يتركز في ملف غزو واحتلال العراق، إذ إن الذي يطلع على الأوراق البحثية الصادرة عنه يرى أنها تعكس رؤية أمريكية مفادها عدم الاتكال على ما وصل إليه الوضع الداخلي العراقي، ومن ثمة الظروف الأمنية المتأثرة بذلك وهو موقف يتعارض مع رؤى القيادات العسكرية الأمريكية التي بدأت تضغط على أوباما في اتجاه ربط الانسحاب من العراق بالظروف الأمنية في الميدان.

3- المركز من أجل التقدم الأمريكي:

يعتبر هذا المركز من المراكز المهمة التي لها تأثير في عملية صناعة سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة. ويترأس المركز جون بوديستا الذي يعتبر من أبرز المشرفين بشكل عام على الفريق الانتقالي للإدارة الأمريكية الجديدة.

ويدعم المركز المليونير جورج سورس المعروف بانتقاداته الحادة للمحافظين الجدد، كما أن الأوراق البحثية للمركز متجانسة مع المواقف العامة لأوباما في السياسة الخارجية بما في ذلك الانسحاب من العراق مقابل زيادة القوات الأمريكية في أفغانستان.

4- معهد السلام التابع للكونغرس الأمريكي:

وهو مؤسسة أمريكية مستقلة غير حزبية أسسها ومولها الكونغرس الأمريكي ويهتم في منع الصراعات وإدارتها وحلها، وذلك بمساعدة آخرين عن طريق تزويدهم بالمعرفة والمهارات والموارد.

وطرح هذا المركز في دراسة حديثة ومهمة جداً بعنوان (أوباما والعراق) خمس عشرة توصية بصدد ملف غزو واحتلال العراق منها (إطلاق دبلوماسية شخصية بالاتصال المباشر بين أوباما والقادة العراقيين لطمأنتهم على التزامه بالاتفاقية الأمنية ودعم الاستقرار، والاستعداد للانسحاب وفقاً لخطة بديلة إذا رفض العراقيون الاتفاقية) وأوصت الدراسة (بالاستعداد الأمريكي للتدخل العسكري في حالة تفجر العنف بعد الانسحاب، ودعم الانتخابات البرلمانية العراقية أواخر عام 2009، واحترام نتائجها، وحل مشكلة اللاجئين العراقيين في الخارج).

وتعتبر الدراسة أن (التوترات السياسية هي الأخطر على استقرار العراق وليس العنف رغم أنها توقعت أن يستمر إلى فترة طويلة، غير أنها لم تقدم تفسيراً لتوقعها بتراجع العنف سوى أن ذلك جاء قياساً على التراجع المستمر في وتيرته طوال الأشهر الماضية).

 استنتاجات عامة:

بعد هذه الجولة السريعة والمكثفة لاستقراء الآفاق المستقبلية للسياسة الأمريكية في العراق بعد الاحتلال في عهد أوباما يمكن الوصول إلى الاستنتاجات التالية:

1- إن مستقبل الخطط الأمريكية تجاه العراق في إطار المستقبل القريب وخاصة في مجال سحب القوات الأمريكية لم تأت من فراغ، ولم تكن تتدخل فيها أية مراعاة أمريكية للجانب الإنساني والكارثي الذي تضرر به شعب العراق جراء الغزو والاحتلال الأمريكي للتخفيف عنه، لا بل إن النتيجة مغايرة تماماً، ويسعفنا التحليل السياسي الموضوعي في هذا المجال باعتبار أنه لا توجد صداقات دائمة ولا توجد أيضاً عداوات دائمة بل توجد مصالح دائمة، وفي هذا الإطار يبدو أن استراتيجية الرئيس أوباما الجديدة في العراق ليست من أجل إنقإذ العراق فقط، لكن لإنقاذ نفسه ومستقبله السياسي، والخشية من عدم الوقوع أكثر داخل المستنقع العراقي بعد تصاعد عمليات فصائل المقاومة العراقية المسلحة التي لاحقت جنود وآليات الاحتلال على طول مساحة العراق. المهم أن أوباما في حركته التكتيكية في سحب القوات من العراق يدخل من باب حماية قواته من العمليات المسلحة التي تقودها المقاومة العراقية من أجل ألا يتحول هذا العامل إلى مصدر تهديد للمصالح الأمريكية، وهذا المنطق يتفق مع تحليلات خبراء السلطة الأمريكيين الذين يؤكدون (أن العراق لن يغرق ولن يطفو). ومعنى ذلك (أن العراق لن تمزقه الحرب الأهلية مجدداً على الأقل في ظل بقاء قوات أمريكية بعد موعد الانسحاب، لكن في الوقت نفسه لن ينعم بالسلام والاستقرار الكاملين، أي أنه سيبقى لمدة غير معلومة يتأرجح في تلك المساحة الشاسعة بين الانهيار الشامل والاستقرار التام).

2- يبدو أن مستقبل النفوذ الأمريكي في العراق لم تتوضح ملامحه ما عدا الوجود العسكري في المستقبل القريب، إلا أن هناك عدة مؤشرات يمكن البناء عليها وفق التحليل السياسي الموضوعي وأولها وجود أكبر سفارة أمريكية من حيث المساحة وحجم الموظفين في المنطقة العربية والشرق الأوسط، لا بل يمكن القول إن فيها أكبر عدد من الدبلوماسيين في العالم بوجود 1000 دبلوماسي يعمل فيها مع انتشار القنصليات الأمريكية في المحافظات العراقية بضمنها في إقليم كردستان، كل هذه العوامل يمكن أن تضع صورة يرسمها المراقبون لما ستكون عليه السياسة الأمريكية في المستقبل المنظور لغاية عام 2015م وتأثيراتها في الساحة العراقية.

3- لا يمكن التنبؤ بما سيؤول إليه المشهد السياسي والميداني العراقي خلال هذه الفترة ولغاية عام 2011 خاصة أن هناك مؤشرات جديدة بدأت بالتصاعد ومنها ازدياد وتائر العنف في أغلب محافظات العراق بعد ذيوع الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، وانتهاء انتخابات مجالس المحافظات فهل سينخفض العنف أم سيزداد من الآن وإلى غاية حدوث الانتخابات البرلمانية العراقية أواخر عام 2009 حيث ستخبرنا الأيام المقبلة بالتطورات اللاحقة؟ أشار الأمريكيون إلى أنهم على استعداد لزيادة الوجود العسكري في حالة تصاعد العنف، مما يعني أن حالة التوتر ستظل قائمة في الأفق مع رفض فصائل المقاومة المسلحة العراقية لوجود قوات الاحتلال الأجنبي واحتمال تصاعد العمليات المسلحة تجاه تلك القوات مما سيؤثر في المشهد الأمني والسياسي في الساحة العراقية.

4- إن الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس أوباما بدأت توجه جل أنظارها لسحب قواتها من العراق نظراً للخسائر الفادحة التي تكبدتها جراء غزوها واحتلالها للعراق، وأن الشارع الأمريكي بدأ يصعد من ضغوطه على الرأي العام للضغط على الإدارة الأمريكية لحسم موقفها من الوجود العسكري في العراق، لأنه أدرك أن بقاءهم في العراق مستقبلاً سيكلف الخزينة الأمريكية أموالاً طائلة لا سيما أنها تعيش تداعيات الأزمة المالية في ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها الساحة الأمريكية من ركود اقتصادي وبطالة وأزمات أخرى.

 

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1343::/cck::
::introtext::

على الرغم من خصوصية الساحة الأمريكية وخاصة في مجال إدارة وتوجيه وصنع السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يتفق أغلب المراقبين والباحثين في مجال الشؤون الدولية على أن الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة مؤسسات، ولا توجد هناك تغييرات جوهرية وجذرية في السياسة الخارجية لإدارة واشنطن عندما يتغير الرئيس الأمريكي المنتخب، فإن هذا لا يعني أن الرئيس الأمريكي الذي سيدخل دفة الحكم ليست له مواقف واضحة تجاه الملفات الدولية الساخنة منذ قيامه بعرض برنامجه الانتخابي أثناء ماراثون الانتخابات الأمريكية وإلى ما بعد ذلك. ويبدو أن هذه الصورة تقترب كثيراً من شخصية باراك أوباما الرئيس الرابع والأربعين وموقفه تجاه العراق قبل الاحتلال الأمريكي وبعده.

::/introtext::
::fulltext::

على الرغم من خصوصية الساحة الأمريكية وخاصة في مجال إدارة وتوجيه وصنع السياسة الخارجية الأمريكية، حيث يتفق أغلب المراقبين والباحثين في مجال الشؤون الدولية على أن الولايات المتحدة الأمريكية هي دولة مؤسسات، ولا توجد هناك تغييرات جوهرية وجذرية في السياسة الخارجية لإدارة واشنطن عندما يتغير الرئيس الأمريكي المنتخب، فإن هذا لا يعني أن الرئيس الأمريكي الذي سيدخل دفة الحكم ليست له مواقف واضحة تجاه الملفات الدولية الساخنة منذ قيامه بعرض برنامجه الانتخابي أثناء ماراثون الانتخابات الأمريكية وإلى ما بعد ذلك. ويبدو أن هذه الصورة تقترب كثيراً من شخصية باراك أوباما الرئيس الرابع والأربعين وموقفه تجاه العراق قبل الاحتلال الأمريكي وبعده.

 ملامح ومواقف الإدارة الأمريكية من العراق في عهد أوباما

يرصد خبراء السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية الخيوط الرئيسية لمواقف أوباما تجاه العراق قبل الاحتلال وبعده، إذ يرى هولاء أن أوباما لا يؤمن باستخدام القوة العسكرية، إلا أنه لن يستثني الدفاع عن المصالح الأمريكية في المنطقة، واستخدام القوة إذا اضطر إلى ذلك.

وتسربت معلومات عن تفاصيل أخرى من مواقف أوباما في العلاقات الدولية، ولاسيما تجاه العراق قبل الغزو والاحتلال، إذ ذاعت عبارته المشهورة (إنني أعارض الحروب الغبية)، وهي إشارة لتوجه إدارة جورج بوش الابن تجاه الحرب واحتلال العراق، وجاءت إشارة أخرى لأوباما في إحدى خطبه عام 2002 من باب استقرائه لتداعيات احتلال العراق، إذ قال آنذاك أن الحرب واحتلال العراق (ستتطلب احتلالاً أمريكياً طويل الأمد، وتكلفة غير محدودة، وآثاراً غير محدودة).

الإدارة الأمريكية في عهد أوباما بدأت توجه جل أنظارها لسحب قواتها من العراق

ومما يثير الانتباه أن استراتيجية أوباما قبل وبعد استلامه للحكم خاصة بالنسبة للجيش الأمريكي داخل العراق تتحدد في انتهاء الحرب بشكل منظم، وعلى الرغم من كل ذلك فقد أقرت خطة أوباما في العراق الإبقاء على قوات أمريكية بحجة مساعدة القوات العراقية في مجال التدريب، ومواجهة ما يسمى (العمليات الإرهابية)، لكنه كان يكرر دائماً بأنه (لن تكون هناك قواعد عسكرية دائمة).

والأكثر من ذلك فإن الأزمة المالية العالمية التي اندلعت في الفترة الأخيرة كانت لها تداعيات داخل الساحة الأمريكية مما حدا بأوباما إلى الربط بين الأزمة ووجود قوات الاحتلال الأمريكي داخل العراق، إذ أكد أوباما ونائبه جوزيف بايدن أن قمة أولوياتهما تنطوي على إرساء الاستقرار الاقتصادي وتعزيزه ووضع حد للمغامرة المكلفة في العراق. وقد لاحظ المراقبون طبيعة خطاب أوباما عندما ربط بين هموم الناخبين الاقتصادية وتحقيق الاستقرار المالي والإنفاق على الحرب في العراق.

ربط أوباما بين الأزمة المالية العالمية ومسألة الانسحاب من العراق

وقد أوضح وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس في نهاية فبراير الماضي أن (استراتيجية الرئيس باراك أوباما للانسحاب من العراق تتوافق مع متطلبات اتفاقية وضع القوات (الاتفاقية الأمنية) بين واشنطن وبغداد، وتنص على ضرورة انسحاب أي وجود عسكري أمريكي في العراق بعد نهاية عام 2011، وأي تعديل محتمل يتطلب مفاوضات جديدة، واتفاقية مع الحكومة العراقية بمبادرة منها).

وأكد غيتس (أن القوات الأمريكية ستكون بالكامل خارج العراق بنهاية عام 2011)، وأضاف أن (مصدر القلق الحقيقي في الخطط الأمريكية بالانسحاب من العراق هو كيفية تجاوز الأحداث التي سيشهدها عام 2009 من إقامة الانتخابات العراقية في المحافظات، وعقد الانتخابات التشريعية بنهاية العام نفسه).

ولفت غيتس النظر إلى أن (كافة الوحدات الأمريكية المقاتلة ستكون خارج العراق بنهاية أغسطس 2010 إلا أن القوات المتبقية ستكون لديها قدرات قتالية أيضاً للقيام بعمليات محددة لمكافحة الإرهاب، وتدريب القوات العراقية).

وكان الرئيس أوباما قد أعلن قبل ذلك (عزمه سحب كافة القوات الأمريكية والمقاتلين من العراق بنهاية أغسطس من عام 2010، والإبقاء على قوة دعم تتراوح بين 35-50 ألف جندي، مع سحبها بالكامل نهاية عام 2011).

وفي الثامن والعشرين من فبراير الماضي قال أوباما في كلمة أمام أفراد قوات مشاة البحرية الأمريكية (المارينز) في معسكر (ليهوني) في كارولينا الشمالية (إن العراق ليس آمناً بصورة كاملة حالياً، وإن العنف لن ينتهي بشكل نهائي)، وأشار إلى أن الخطة للانسحاب من العراق جاءت بعد أن استمع إلى رأي القادة العسكريين حول الوضع على الأرض في العراق، وبناء على الاتفاقية الأمنية)، مؤكداً أن (القرارات في النهاية يجب أن تكون سياسية لا عسكرية).

وأوضح أوباما (أن مراجعتنا للعراق اكتملت، وأن الأمور تسير بموجب الاستراتيجية الجديدة التي تم وضعها والتي تقوم على أساس تعزيز حكومة عراقية قوية وعادلة، قابلة للمساءلة)، وذكر (أن الجزء الأول من الاستراتيجية هو سحب القوات من العراق على مرحلتين أساسيتين: الأولى تشمل سحب الجزء الأكبر من تلك القوات بحلول 31 أغسطس 2010، والثانية سحب بقية القوات بنهاية ديسمبر2011)، وأوضح (أن مهمة القوات الأمريكية ستتغير بعد تطبيق الجزء الأول من الاستراتيجية، حيث ستنتقل من القتال إلى الدعم)، مشيراً إلى (بناء قوة أمريكية لتقديم المشورة للقوات العراقية)، وقال إن (الجزء الثاني من الاستراتيجية الجديدة يتمثل في الدبلوماسية المستمرة)، مؤكداً أن (استراتيجية إنهاء الحرب على القوات لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تتعداه إلى السياسي والدبلوماسي).

وفي إشارة واضحة للورطة الأمريكية في المستنقع العراقي قال أوباما (لا نستطيع الاستمرار إلى أجل غير مسمى في التزام يمثل عبئاً على جيشنا، وسيكلف الشعب الأمريكي ما يقرب من تريليون دولار).

وتتوافق دعوة أوباما بعد أن أصبحت مسألة الانسحاب من العراق بالنسبة لكثير من الأمريكيين أكبر أهمية بالنظر إلى الركود الكبير الذي جعل كثيرين يكافحون لتوفير احتياجاتهم، وتسبب في فقدان ملايين الوظائف.

الخطط الأمريكية للانسحاب من العراق لم تأت من فراغ ولم يراع فيها الجانب الإنساني للشعب العراقي 

ويبدو أن الرئيس أوباما كان قد اطلع على مؤشرات مهمة داخل الساحة الأمريكية تعكس تداعيات احتلال العراق على الرأي العام الأمريكي، وأثرت في توجهاته، وتوجهات السياسة الخارجية الأمريكية تجاه العراق حالياً وفي المستقبل، إذ شكلت الحرب في العراق الأولوية الثانية بعد الأولوية الأولى التي تمثلت في الاقتصاد وخصوصاً قضية البطالة، وإيجاد وظائف جديدة كأولوية أولى لدى المواطن الأمريكي، إذ اعتبر 20 في المائة من المشاركين في استطلاع رأي (CBS NEWS) و(NEW YORK TIMES POLL) أن هذه الحرب هي ثاني أكبر القضايا أهمية التي تواجه الولايات المتحدة، واعتبر87 في المائة من المشاركين في استطلاع رأي أجرته (U.S.A TODY) و(GALLUP OPLL) أن تصويتهم سيتأثر بشكل مهم بموقف المرشح الرئاسي من هذه القضية.

ويرى المراقبون أن موقف الأمريكيين من هذه القضية يمثل انعكاساً لتداعيات هذه الحرب، خاصة ما يتعلق بالخسائر البشرية، والتداعيات الاقتصادية، وحسب موقع (ANTI WAR) الأمريكي، فقد بلغ عدد القتلى من الجنود الأمريكيين في العراق منذ بداية الحرب وحتى نهاية نوفمبر2008 أكثر من 4000 قتيل، كما بلغ عدد المصابين رسمياً 29395 مصاباً خلال الفترة ذاتها، ولذلك فإن هذه الأرقام قللت من شعبية الحرب في العراق، ودفعت الأمريكيين إلى المطالبة بوضع حلول لها خاصة مع بعض التقارير التي تتحدث عن عدم تحقيق نتائج تذكر في العراق.

ومن جانب آخر قدر مركز التقديرات الاستراتيجية والميزانية الأمريكي (CENTER FOR STRATEGIC AND BUDGETARY ASSESSMENTS) التكلفة الكلية للعمليات العسكرية المستمرة في العراق حتى عام 2007 بما بين 835 مليار دولار إلى 1,26 تريليون دولار.

وفي الاتجاه نفسه أكد تيد جالن كاربنتر في مقال نشر على موقع معهد (كاتو الأمريكي) بعنوان (بالهروب من الفخ: لماذا يتوجب على الولايات المتحدة ترك العراق؟)في 14 فبراير2007 (إن البقاء في العراق خطأ قاتل، وإنه حان الوقت للاعتراف بأن المهمة قد فشلت، ومهما كان الثمن الذي سندفعه من أجل الانسحاب من العراق فيجب أن يحسب بالنظر إلى التكلفة المحتملة في الدم والمال)، مشيراً إلى فقد (الولايات المتحدة جنودها بمعدل 800 جندي في السنة بالإضافة إلى التكلفة المالية التي بلغت 8 مليارات دولار شهرياً).

 تأثير مراكز البحوث الأمريكية في السياسة الخارجية لإدارة أوباما تجاه العراق

تؤكد أغلب الدراسات الأكاديمية الرصينة أهمية مراكز البحوث غير الحكومية الأمريكية (THINK TANKS) في تنظير السياسات، وصناعتها في الوقت نفسه، إذ تساهم في تقديم الرأي الاستشاري لصانع القرار الأمريكي أو زجها مباشرة في مواقع صنع القرار لتقوم بواجبها الفعلي في صياغة وتقديم التوجيهات تجاه القضايا الساخنة، وخاصة قضايا الشرق الأوسط ومنها قضية احتلال العراق.

ولم يكن أوباما غريباً عن هذا التوجه، إذ بدأ بزج مجموعات منتخبة من خبراء السلطة التي تحمل رؤى متناقضة ضمن الهياكل الوسطى لصناعة السياسات خاصة عبر فرق مراجعة الوكالات (AGENCY REVIEW TEMS) ومجموعات عمل السياسات (WORKING GROUPSPOLICY) لممارسة عملها، ورفده برؤى وأفكار لحل الأزمات التي يمكن أن تحصل أثناء ولايته في الحكم وخاصة تجاه ملف احتلال العراق.

ويمكن استعراض أبرز هذه المراكز:

1- مركز الأمن الأمريكي الجديد: أسس هذا المركز بعد أربع سنوات من احتلال العراق عام 2007 من قبل ميشال فلورين، وكرت كامبال، وويندي تيرمان المكلفة من قبل أوباما بمراجعة وصنع السياسة الخارجية لوزارة الخارجية الأمريكية، وسوزان رايس أحد أبرز مستشاري أوباما في السياسة الخارجية وهي عاملة في الإدارة الانتقالية في ملف الأمن القومي وهما عضوان في مجلس إدارة المركز، ويختص هذا المركز بشكل دقيق في الشؤون الخارجية، وأن أغلب عناصره بمن فيهم مؤسسوه من بين الأكاديميين الذين عملوا سابقاً في إدارة الرئيس السابق بيل كلينتون ، كما أن عدداً منهم لا يزال ينشط في معهد بروكينغز الذي برز في عهد كلينتون.

ويبرز جون ناغل أحد أهم مستشاري أوباما في ملف أفغانستان وخاصة موضوع حرب العصابات، إذ كان من بين أهم الخبراء الذين أعادوا صياغة خطط القيادة العسكرية الأمريكية في هذا المجال خاصة في قضية احتلال العراق وتداعياته تحت إشراف الجنرال باتريوس.

وقد نشر المركز مقالاً كتبه أحد كبار باحثيه في 17 نوفمبر2008 يتحدث عن الاتفاقية الأمنية بوصفها إطاراً زمنياً للانسحاب وهو موقف يختلف عن الجداول الزمنية التي أعلنها أوباما سابقاً بين 16و18 شهراً، فضلاً عن ذلك صدرت أوراق بحثية تعكس اهتماماً خاصاً من قبل المركز بمواقف القوى الآسيوية المهمة كاليابان والهند والصين من الحرب والغزو واحتلال العراق.

2- المجلس من أجل عالم يمكن العيش فيه:

يترأس المركز غاري هارت، ومديره التنفيذي جون أيزاكس، ويعتبر من بين أهم مراكز البحوث التي ارتبطت بشكل مباشر بأوباما. ويبدو أن هذا المركز كان جل اهتمامه يتركز في ملف غزو واحتلال العراق، إذ إن الذي يطلع على الأوراق البحثية الصادرة عنه يرى أنها تعكس رؤية أمريكية مفادها عدم الاتكال على ما وصل إليه الوضع الداخلي العراقي، ومن ثمة الظروف الأمنية المتأثرة بذلك وهو موقف يتعارض مع رؤى القيادات العسكرية الأمريكية التي بدأت تضغط على أوباما في اتجاه ربط الانسحاب من العراق بالظروف الأمنية في الميدان.

3- المركز من أجل التقدم الأمريكي:

يعتبر هذا المركز من المراكز المهمة التي لها تأثير في عملية صناعة سياسات الإدارة الأمريكية الجديدة. ويترأس المركز جون بوديستا الذي يعتبر من أبرز المشرفين بشكل عام على الفريق الانتقالي للإدارة الأمريكية الجديدة.

ويدعم المركز المليونير جورج سورس المعروف بانتقاداته الحادة للمحافظين الجدد، كما أن الأوراق البحثية للمركز متجانسة مع المواقف العامة لأوباما في السياسة الخارجية بما في ذلك الانسحاب من العراق مقابل زيادة القوات الأمريكية في أفغانستان.

4- معهد السلام التابع للكونغرس الأمريكي:

وهو مؤسسة أمريكية مستقلة غير حزبية أسسها ومولها الكونغرس الأمريكي ويهتم في منع الصراعات وإدارتها وحلها، وذلك بمساعدة آخرين عن طريق تزويدهم بالمعرفة والمهارات والموارد.

وطرح هذا المركز في دراسة حديثة ومهمة جداً بعنوان (أوباما والعراق) خمس عشرة توصية بصدد ملف غزو واحتلال العراق منها (إطلاق دبلوماسية شخصية بالاتصال المباشر بين أوباما والقادة العراقيين لطمأنتهم على التزامه بالاتفاقية الأمنية ودعم الاستقرار، والاستعداد للانسحاب وفقاً لخطة بديلة إذا رفض العراقيون الاتفاقية) وأوصت الدراسة (بالاستعداد الأمريكي للتدخل العسكري في حالة تفجر العنف بعد الانسحاب، ودعم الانتخابات البرلمانية العراقية أواخر عام 2009، واحترام نتائجها، وحل مشكلة اللاجئين العراقيين في الخارج).

وتعتبر الدراسة أن (التوترات السياسية هي الأخطر على استقرار العراق وليس العنف رغم أنها توقعت أن يستمر إلى فترة طويلة، غير أنها لم تقدم تفسيراً لتوقعها بتراجع العنف سوى أن ذلك جاء قياساً على التراجع المستمر في وتيرته طوال الأشهر الماضية).

 استنتاجات عامة:

بعد هذه الجولة السريعة والمكثفة لاستقراء الآفاق المستقبلية للسياسة الأمريكية في العراق بعد الاحتلال في عهد أوباما يمكن الوصول إلى الاستنتاجات التالية:

1- إن مستقبل الخطط الأمريكية تجاه العراق في إطار المستقبل القريب وخاصة في مجال سحب القوات الأمريكية لم تأت من فراغ، ولم تكن تتدخل فيها أية مراعاة أمريكية للجانب الإنساني والكارثي الذي تضرر به شعب العراق جراء الغزو والاحتلال الأمريكي للتخفيف عنه، لا بل إن النتيجة مغايرة تماماً، ويسعفنا التحليل السياسي الموضوعي في هذا المجال باعتبار أنه لا توجد صداقات دائمة ولا توجد أيضاً عداوات دائمة بل توجد مصالح دائمة، وفي هذا الإطار يبدو أن استراتيجية الرئيس أوباما الجديدة في العراق ليست من أجل إنقإذ العراق فقط، لكن لإنقاذ نفسه ومستقبله السياسي، والخشية من عدم الوقوع أكثر داخل المستنقع العراقي بعد تصاعد عمليات فصائل المقاومة العراقية المسلحة التي لاحقت جنود وآليات الاحتلال على طول مساحة العراق. المهم أن أوباما في حركته التكتيكية في سحب القوات من العراق يدخل من باب حماية قواته من العمليات المسلحة التي تقودها المقاومة العراقية من أجل ألا يتحول هذا العامل إلى مصدر تهديد للمصالح الأمريكية، وهذا المنطق يتفق مع تحليلات خبراء السلطة الأمريكيين الذين يؤكدون (أن العراق لن يغرق ولن يطفو). ومعنى ذلك (أن العراق لن تمزقه الحرب الأهلية مجدداً على الأقل في ظل بقاء قوات أمريكية بعد موعد الانسحاب، لكن في الوقت نفسه لن ينعم بالسلام والاستقرار الكاملين، أي أنه سيبقى لمدة غير معلومة يتأرجح في تلك المساحة الشاسعة بين الانهيار الشامل والاستقرار التام).

2- يبدو أن مستقبل النفوذ الأمريكي في العراق لم تتوضح ملامحه ما عدا الوجود العسكري في المستقبل القريب، إلا أن هناك عدة مؤشرات يمكن البناء عليها وفق التحليل السياسي الموضوعي وأولها وجود أكبر سفارة أمريكية من حيث المساحة وحجم الموظفين في المنطقة العربية والشرق الأوسط، لا بل يمكن القول إن فيها أكبر عدد من الدبلوماسيين في العالم بوجود 1000 دبلوماسي يعمل فيها مع انتشار القنصليات الأمريكية في المحافظات العراقية بضمنها في إقليم كردستان، كل هذه العوامل يمكن أن تضع صورة يرسمها المراقبون لما ستكون عليه السياسة الأمريكية في المستقبل المنظور لغاية عام 2015م وتأثيراتها في الساحة العراقية.

3- لا يمكن التنبؤ بما سيؤول إليه المشهد السياسي والميداني العراقي خلال هذه الفترة ولغاية عام 2011 خاصة أن هناك مؤشرات جديدة بدأت بالتصاعد ومنها ازدياد وتائر العنف في أغلب محافظات العراق بعد ذيوع الاتفاقية الأمنية بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية، وانتهاء انتخابات مجالس المحافظات فهل سينخفض العنف أم سيزداد من الآن وإلى غاية حدوث الانتخابات البرلمانية العراقية أواخر عام 2009 حيث ستخبرنا الأيام المقبلة بالتطورات اللاحقة؟ أشار الأمريكيون إلى أنهم على استعداد لزيادة الوجود العسكري في حالة تصاعد العنف، مما يعني أن حالة التوتر ستظل قائمة في الأفق مع رفض فصائل المقاومة المسلحة العراقية لوجود قوات الاحتلال الأجنبي واحتمال تصاعد العمليات المسلحة تجاه تلك القوات مما سيؤثر في المشهد الأمني والسياسي في الساحة العراقية.

4- إن الإدارة الأمريكية في عهد الرئيس أوباما بدأت توجه جل أنظارها لسحب قواتها من العراق نظراً للخسائر الفادحة التي تكبدتها جراء غزوها واحتلالها للعراق، وأن الشارع الأمريكي بدأ يصعد من ضغوطه على الرأي العام للضغط على الإدارة الأمريكية لحسم موقفها من الوجود العسكري في العراق، لأنه أدرك أن بقاءهم في العراق مستقبلاً سيكلف الخزينة الأمريكية أموالاً طائلة لا سيما أنها تعيش تداعيات الأزمة المالية في ظل الأزمات الاقتصادية الخانقة التي تعيشها الساحة الأمريكية من ركود اقتصادي وبطالة وأزمات أخرى.

 

 

::/fulltext::
::cck::1343::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *