الاقتصاد العراقي “طائر العنقاء” هل سينهض من تحت الرماد؟
::cck::1367::/cck::
::introtext::
يستلزم تحقيق التنمية وتصحيح الاختلالات الهيكلية في الدول النفطية، أن تمنح السياسات الاقتصادية الأولوية لهدف التنويع الاقتصادي لضمان توظيف الإيرادات النفطية في تمويل الاستثمار الإنتاجي والاستثمار في رأس المال الاجتماعي وتنمية الموارد البشرية والموارد الطبيعية وحماية الثروات العامة كسبيل وحيد لاستثمار الفرصة الذهبية والتاريخية التي وفرتها الثروة النفطية في تحقيق التقدم الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، أما الخيار البديل وهو استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية، فيمكن أن يلحق أفدح الأضرار بعملية التوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في المستقبل.
::/introtext::
::fulltext::
يستلزم تحقيق التنمية وتصحيح الاختلالات الهيكلية في الدول النفطية، أن تمنح السياسات الاقتصادية الأولوية لهدف التنويع الاقتصادي لضمان توظيف الإيرادات النفطية في تمويل الاستثمار الإنتاجي والاستثمار في رأس المال الاجتماعي وتنمية الموارد البشرية والموارد الطبيعية وحماية الثروات العامة كسبيل وحيد لاستثمار الفرصة الذهبية والتاريخية التي وفرتها الثروة النفطية في تحقيق التقدم الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، أما الخيار البديل وهو استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية، فيمكن أن يلحق أفدح الأضرار بعملية التوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في المستقبل.
ينبغي لأي استراتيجية لتحقيق التنمية في الدول النفطية أن تنظر إلى النفط كعامل استراتيجي في تحقيق التوازن بين عوامل النمو الاقتصادي المستدام، والاستقرار السياسي، والاحتياجات الاجتماعية.
وتقدم تجربة العراق في هذا السياق نموذجاً فريداً للإخفاق التنموي، في دولة غنية بالموارد المادية والبشرية. فعلى الرغم من امتلاك هذا البلد لاحتياطي نفطي مؤكديقدر بأكثر من 115 مليار برميل، فضلاً عما يحظى به من مزايا مادية وبشرية، وهيكل إنتاجي متنوع مقارنة ببقية الدول العربية النفطية، إلا أنه يرقد الآن تحت رماد الحروب والفتن والتمزق الاجتماعي والسياسي، التي دفعته إلى مقدمة الترتيب العالمي في تصنيف الدول الفاشلة، وفقاًَ للمؤشرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
تاريخ العراق السياسي هو عبارة عن سلسلة طويلة من الانقلابات والانقلابات المضادّة
يأتي ذلك بعد إنفاق مئات المليارات من الدولارات التي تحققت من بيع النفط،على مجالات ضعيفة الصلة بعملية التنمية، في مقدمتها الإنفاق العسكري والأمني الذي كرس لتمويل الحروب وصناعة المؤامرات والانقلابات العسكرية والمغامرات ولخدمة أهداف الاستئثار بالسلطة، وتكشف ضحالة الإنجاز التنموي الذي تحقق خلال العقود الستة الماضية (1950-2010) عن فشل الحكومات، وبدرجات متفاوتة، في تطبيق الاستراتيجيات والسياسات الاقتصادية القادرة على بناء اقتصاد قادر على تحقيق التنمية والاستقرار الاقتصادي، عبر تأمين فرص التشغيل المنتج، ودعم الأنشطة الإنتاجية غير النفطية وتمويل مشاريع البنية الأساسية والمرافق والخدمات العامة.إذ تؤكد تلك التجربة أن لا برامج مجلس الإعمار التي نفذت في نهاية العهد الملكي (1952-1958)، ولا خطط التنمية الوطنية التي نفذت خلال حكم قاسم (1958-1963) وحكم الأخوين عارف (1963-1968)، ولا مركزية التخطيط المدعمة بالسياسات الاقتصادية المختلطة خلال حكم البعث (1968-2003)، ولا تحرير السياسات الاقتصادية في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي (2003 – إلى حد الآن)تمكنت من الاستفادة من الثروة النفطية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام وزيادة فرص التشغيل، وتقليل الاعتماد على إيرادات النفط.
ولذلك يمكن الربط بين استفحال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتراكم أخطاء وإخفاقات السياسات الاقتصادية من ناحية وغيابالرؤية الوطنية والاستراتيجية الاقتصادية الموحدة وفشل تجارب التخطيط في معالجة الاختلالات الهيكلية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي من ناحية ثانية.
وبلغت الأزمة البنيوية ذروتها بعد فرض الحصار الاقتصادي الدولي (1990-2003) وما تلاه من احتلال أمريكي في إبريل 2003.
فقد وضعت ظروف الحصار الدولي عراقيل جديدة أمام عملية التنمية، في مقدمتها الارتفاع الكبير في معدلات التضخم والارتفاع في معدلات البطالة والارتفاع الكبير في المديونية الخارجية والتعويضات المترتبة على غزو الكويت في آب 1990. ثم جاءت ظروف الاحتلال الأمريكي، وما رافقها من أعمال سلب ونهب وأعمال إرهابية لتجهز على ما تبقى من البنية الإنتاجية، وتدمر الجزء الأكبر من البنية التحتية وبخاصة خطوط أنابيب وخطوط نقل الطاقة الكهربائية ومحطات توليد الكهرباء،فضلاً عن ذلك فإن استمرار الاحتلال،قد ساهم في استمرار التدهور الأمني، واستفحال ظاهرة الفساد المالي والإداري في معظم مؤسسات الدولة، وتعقيد مهمة إعادة الإعمار واستئناف عملية التنمية، وكانت محصلة ذلك هي استفحال مظاهر الأزمة الاقتصادية، كنتيجة للتوقف شبه التام لمعظم قطاعات الإنتاج وبخاصة قطاع الزراعة والصناعة التحويلية والطاقة الكهربائية والمياه والبناء والتشييد والخدمات الأساسية، كما ساهم نظام المحاصصة الطائفية والحزبية في استفحال المشكلات السياسية الداخلية وتمزق النسيج الاجتماعي.
العراق بحاجة إلى دور نشط للقطاع الخاص المحلي ومبادرات المنظمين الفرديين
وتعزى كل تلك التطورات إلى ضعف إدراك الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق للعلاقة السببية القوية بين استمرار المشكلات السياسية والاجتماعية واستمرار المشكلات الاقتصادية. فالإيمان المغالى به بقدرة موارد الريع النفطي على معالجة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، دفع تلك الأنظمة إلى تحقيق أقصى قدر من الإيرادات النفطية من دون أن يستند هذا الإفراط في الإيرادات إلى رؤية وطنية واضحة واستراتيجية اقتصادية أو سياسات اقتصادية، مما فسح المجال للإفراط في الإنفاق الحكومي الاستهلاكي المتحيز لسياسات الاستئثار في السلطة، وسياسات إشعال الحروب وإيقاظ الفتن وصناعة المؤامرات والمغامرات. ومن الطبيعي أن يقود هذا التوجه إلى سوء استخدام وتوزيع الإيرادات النفطية، وتغذية جذور الصراع السياسي والاجتماعي، وتعزيز حالة عدم الاستقرار السياسي في العراق.
ملامح المشهد الاقتصادي في العراق
أسهمت التطورات السابقة في صياغة الملامح الرئيسية للمشهد الاقتصادي في العراق وكان من أبرزها:
1-هيمنة حالة عدم الاستقرار السياسي:
إن تاريخ العراق السياسي هو عبارة عن سلسلة طويلة من الانقلابات، والانقلابات المضادّة، والمؤامرات، والتطهير، والتطهير المضاد، والاستيلاء على السلطة بالعنف، والقمع الشديد للمخالفين في الرأي، وأخيراً وليس آخراً الحروب والمغامرات والعقوبات. وخلال كل هذا التاريخ لم يكن للشعب صوت بسبب غياب المؤسسات الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وكانت التغيرات في الحكومة والقيادة في العراق، متكررة وعنيفة ومفاجئة، وبما أن تغير القيادة السياسية يتبعه تغير الشخصيات ومن ثم تغير الأولويات الاقتصادية والاتجاه والسياسات، لذا حرمت عملية التنمية من حالة الاستقرار والتواصل الضرورية، فنجم عن ذلك فشل المخططين والمنفذين في إنفاق الأموال المخصصة في برامج خطط التنمية وفي كافة قطاعات الخطة، وفق معيار كفاءة الأداء أو كفاءة الإنفاق. ونسفت فوائد التخطيط. ولم يكن عدم الاستقرار السياسي الداخلي العامل الوحيد المعرقل لسيرورة التنمية الاقتصادية في العراق،حيث زادت حالة عدم الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط في الطين بلّة.
2-ربط عملية الإنفاق على التنمية بالزيادة في الإيرادات النفطية:
ربطتكافة الحكومات المتعاقبة، وبصرف النظر عن ميولها الإيديولوجية عملية الإنفاق على التنمية بالزيادة في الإيرادات النفطية مندون مراعاة حدود الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، أو مدى توفر المتطلبات التكنولوجية والبشرية المتخصصة، ولم يطرأ أي تغيّر تقريباً على أهم ملامح السياسة التنموية: حماستها، إطار عملها، أهدافها، تخصيصاتها القطاعية، أداؤها الكلي والقطاعي، ومشكلاتها، واعتمادها التام على النفط. رغم تميّز تلك الحقبة بعدة خطط للتنمية، وبعدة أنظمة، ووزارات كثيرة، فلم تكن التغييرات بالمستوى الذي كانت تدعيه أي من تلك الحكومات.
3- فشل السياسات الاقتصادية:
لقد فشلت معظم إجراءات السياسات الاقتصادية في العراق سواء في جانبها المالي أو النقدي أو التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو غيرها من السياسات وكان من أبرز ملامح هذا الفشل:
أ-فشل سياسة التنمية الزراعية الذي عكسه التراجع المستمر في مساهمة قطاع الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي، وانعكس هذا الفشل في هبوط الإنتاجية الزراعية، وأدى إلى تحول العراق من بلد مصدّر للمواد الغذائية إلى بلد مستورد لها، وفشلت تلك السياسة أيضاً في إعادة توزيع الدخل بصورة ملموسة.
ب- فشل سياسة التنمية الصناعية الذي عكسه التراجع المستمر في مساهمة قطاع الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي وفي التشغيل،فضلاً عن الفشل في بناء هيكل صناعي ناضج ومتكامل، فما زال الهيكل الإنتاجي بدائياً ويعتمد على مجموعة من الصناعات الكبيرة المعوضة عن الاستيراد والتي تتميز بكثافة مدخلاتها الإنتاجية المستوردة، والتي لا تقوى على البقاء إلا في ظل الحمايةوالدعم الحكوميين إلى جانب مجموعة من الصناعات الصغيرة والحرفية.
ج- تعمق حالة عدم التناسب بين القطاعات التي تشكل مصادر العرض المحلي للناتج غير النفطي،والقطاعات التي تعمل كروافد للطلب المحلي، مما أدى إلى اختلال العلاقة بين القدرات الإنتاجية الحقيقية المتولدة في الاقتصاد الوطني،والتي تعبر عنها القيم المضافة المتحققة في قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية، والقدرات الاستهلاكية الكبيرة المتمثلة في الدخول المتولدة عن الأنشطة غير السلعية، وخاصة أنشطة الإدارة العامة والدفاع.
د- تشوه عمل آليات السوق الحرة، كنتيجة للتشوه في سعر صرف الدينار، وفي أسعار السلع والخدمات، وأسعار الفائدة، وأيضاً التشوه في نظام الضرائب، والتشوهات في نظام توزيع الدخل والثروة، فضلاً عن التشوهات الناجمة عن ضعف التنسيق بين السياسات الاقتصادية.
4- طغيان تأثيرات الإيرادات النفطية على عمليات التنمية الاقتصادية الطبيعية،حيث يعمل الناس بجد، وتظهر مبادراتهم الفردية، وتتزايد مدخراتهم الخاصة ويتراكم رأس المال (الاستثمار)، وتتحسن إنتاجيتهم، وتعبأ الضرائب لتمويل النفقات الحكومية والاستثمارات العامة في البنية الأساسية، ونتيجة لذلك استرخى الادخار الخاص وعم السلوك الاستهلاكي، وساهم ذلك في تعميق التوجه نحو زيادة الإيرادات النفطية لتغطية الزيادات في الإنفاق الاستهلاكي العام وخاصة الإنفاق الأمني والدفاعي، وفتح ذلك الباب واسعاً لانتشار كافةمظاهر الهدر للمال العام ومظاهر الفساد المالي والإداري في كافة أنشطة الدولة.
5-هيمنة مؤسسات القطاع العام ومركزية التخطيط الاقتصادي والمركزية الشديدة في عمليات صنع القرار، التي ثبت أنها لم تحقق الكفاءة في استخدام الموارد المتاحة وسببت مشكلات هيكلية خطيرة، وقادت إلى تبديد الموارد النفطية على الحروب والمغامرات.ومن هنا،فإن العراق بحاجة إلى دور نشط للقطاع الخاص المحلي ومبادرات المنظمين الفرديين، بالإضافة إلى دور الدولة في إيجاد بيئة أعمال واستثمار ملائمة تسمح للمبادرات الطوعية الجديدة بالعمل في إطار السوق التنافسية الحرة.
ما العمل لنهوض الاقتصاد العراقي؟
لضمان خروج العراق من المأزق التنموي الحالي، وزيادة معدلات النمو والتشغيل وتحقيق الاستقرار الاقتصادي ينبغي تطبيق السياسات التي تشجع على تحقيق ما يأتي:
1-زيادة مساهمة الاستثمار الوطني والأجنبي، خصوصاً في القطاعات غير النفطية لرفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى ما لا يقل عن 80 في المائة.
2-زيادة مساهمة الناتج غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي وفي الموازنة العامة إلى ما لا يقل عن 80 في المائة.
3- ضمان التحول التدريجي إلى اقتصاد مؤسسي يخضع لشروط السوق الحرة.
4-اتخاذ الإجراءات الكفيلة بزيادة صادرات العراق السلعية الصناعية والزراعية وتقليص الاستيرادات.
5-تطبيق مكثف لبرامج التنمية البشرية وبرامج إعادة تأهيل المهارات وتحسين الإنتاجية؛ وإدخال التكنولوجيا المتقدمة في مجالات الإنتاج والاتصالات والمعلومات
6-تخصيص الإيرادات النفطية لتمويل مشاريع البنية التحتية، والخدمات الاجتماعية الأساسية،والمرافق العامة.
7-وضع برنامج بعيد المدى لترشيد التصرف بموارد النقد الأجنبي،ووضع الآليات الكفيلة بحسن توظيف تلك الموارد، وتأخذ في الحسبان إمكانات تعويض الاستيراد وتنويع هيكل الإنتاج وهيكل الصادرات.
8- توفير بيئة اقتصادية مناسبة تعزز حالة التنافس بين القطاعين العام والخاص على أساس اعتبارات الكفاءة الإنتاجية والخضوع لقوى السوق، ومنح القطاع الخاص الفرصة الكاملة للقيام بدوره في عملية التنمية.
9-إعادة توزيع القوى العاملة على الأنشطة الاقتصادية، بما يكفل زيادة مستويات الكفاءة الإنتاجية للعاملين، وإضفاء نوع من المرونة على سياسات التشغيل والتوظيف وخاصة في مجال الاستغناء عن خدمات العمالة الفائضة.
10- تعزيز سلطة القانون والتعجيل بإنهاء دور الميليشيات التي شاركت في إشاعة الفوضى والتخريب والقتل وتعطيل العملية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
-11اتخاذ خطوات جادة وفاعلة لمكافحة الفساد الإداري والمالي.
-12 تفعيل دور التنظيماتوالأحزاب والشخصيات الديمقراطية صاحبة المصلحة الحقيقية في وجود العراق الديمقراطي الموحد.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1367::/cck::
::introtext::
يستلزم تحقيق التنمية وتصحيح الاختلالات الهيكلية في الدول النفطية، أن تمنح السياسات الاقتصادية الأولوية لهدف التنويع الاقتصادي لضمان توظيف الإيرادات النفطية في تمويل الاستثمار الإنتاجي والاستثمار في رأس المال الاجتماعي وتنمية الموارد البشرية والموارد الطبيعية وحماية الثروات العامة كسبيل وحيد لاستثمار الفرصة الذهبية والتاريخية التي وفرتها الثروة النفطية في تحقيق التقدم الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، أما الخيار البديل وهو استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية، فيمكن أن يلحق أفدح الأضرار بعملية التوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في المستقبل.
::/introtext::
::fulltext::
يستلزم تحقيق التنمية وتصحيح الاختلالات الهيكلية في الدول النفطية، أن تمنح السياسات الاقتصادية الأولوية لهدف التنويع الاقتصادي لضمان توظيف الإيرادات النفطية في تمويل الاستثمار الإنتاجي والاستثمار في رأس المال الاجتماعي وتنمية الموارد البشرية والموارد الطبيعية وحماية الثروات العامة كسبيل وحيد لاستثمار الفرصة الذهبية والتاريخية التي وفرتها الثروة النفطية في تحقيق التقدم الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، أما الخيار البديل وهو استمرار الاعتماد على الإيرادات النفطية، فيمكن أن يلحق أفدح الأضرار بعملية التوازن الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في المستقبل.
ينبغي لأي استراتيجية لتحقيق التنمية في الدول النفطية أن تنظر إلى النفط كعامل استراتيجي في تحقيق التوازن بين عوامل النمو الاقتصادي المستدام، والاستقرار السياسي، والاحتياجات الاجتماعية.
وتقدم تجربة العراق في هذا السياق نموذجاً فريداً للإخفاق التنموي، في دولة غنية بالموارد المادية والبشرية. فعلى الرغم من امتلاك هذا البلد لاحتياطي نفطي مؤكديقدر بأكثر من 115 مليار برميل، فضلاً عما يحظى به من مزايا مادية وبشرية، وهيكل إنتاجي متنوع مقارنة ببقية الدول العربية النفطية، إلا أنه يرقد الآن تحت رماد الحروب والفتن والتمزق الاجتماعي والسياسي، التي دفعته إلى مقدمة الترتيب العالمي في تصنيف الدول الفاشلة، وفقاًَ للمؤشرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
تاريخ العراق السياسي هو عبارة عن سلسلة طويلة من الانقلابات والانقلابات المضادّة
يأتي ذلك بعد إنفاق مئات المليارات من الدولارات التي تحققت من بيع النفط،على مجالات ضعيفة الصلة بعملية التنمية، في مقدمتها الإنفاق العسكري والأمني الذي كرس لتمويل الحروب وصناعة المؤامرات والانقلابات العسكرية والمغامرات ولخدمة أهداف الاستئثار بالسلطة، وتكشف ضحالة الإنجاز التنموي الذي تحقق خلال العقود الستة الماضية (1950-2010) عن فشل الحكومات، وبدرجات متفاوتة، في تطبيق الاستراتيجيات والسياسات الاقتصادية القادرة على بناء اقتصاد قادر على تحقيق التنمية والاستقرار الاقتصادي، عبر تأمين فرص التشغيل المنتج، ودعم الأنشطة الإنتاجية غير النفطية وتمويل مشاريع البنية الأساسية والمرافق والخدمات العامة.إذ تؤكد تلك التجربة أن لا برامج مجلس الإعمار التي نفذت في نهاية العهد الملكي (1952-1958)، ولا خطط التنمية الوطنية التي نفذت خلال حكم قاسم (1958-1963) وحكم الأخوين عارف (1963-1968)، ولا مركزية التخطيط المدعمة بالسياسات الاقتصادية المختلطة خلال حكم البعث (1968-2003)، ولا تحرير السياسات الاقتصادية في مرحلة ما بعد الاحتلال الأمريكي (2003 – إلى حد الآن)تمكنت من الاستفادة من الثروة النفطية لتحقيق النمو الاقتصادي المستدام وزيادة فرص التشغيل، وتقليل الاعتماد على إيرادات النفط.
ولذلك يمكن الربط بين استفحال الأزمة الاقتصادية والاجتماعية وتراكم أخطاء وإخفاقات السياسات الاقتصادية من ناحية وغيابالرؤية الوطنية والاستراتيجية الاقتصادية الموحدة وفشل تجارب التخطيط في معالجة الاختلالات الهيكلية وتحقيق الاستقرار الاقتصادي من ناحية ثانية.
وبلغت الأزمة البنيوية ذروتها بعد فرض الحصار الاقتصادي الدولي (1990-2003) وما تلاه من احتلال أمريكي في إبريل 2003.
فقد وضعت ظروف الحصار الدولي عراقيل جديدة أمام عملية التنمية، في مقدمتها الارتفاع الكبير في معدلات التضخم والارتفاع في معدلات البطالة والارتفاع الكبير في المديونية الخارجية والتعويضات المترتبة على غزو الكويت في آب 1990. ثم جاءت ظروف الاحتلال الأمريكي، وما رافقها من أعمال سلب ونهب وأعمال إرهابية لتجهز على ما تبقى من البنية الإنتاجية، وتدمر الجزء الأكبر من البنية التحتية وبخاصة خطوط أنابيب وخطوط نقل الطاقة الكهربائية ومحطات توليد الكهرباء،فضلاً عن ذلك فإن استمرار الاحتلال،قد ساهم في استمرار التدهور الأمني، واستفحال ظاهرة الفساد المالي والإداري في معظم مؤسسات الدولة، وتعقيد مهمة إعادة الإعمار واستئناف عملية التنمية، وكانت محصلة ذلك هي استفحال مظاهر الأزمة الاقتصادية، كنتيجة للتوقف شبه التام لمعظم قطاعات الإنتاج وبخاصة قطاع الزراعة والصناعة التحويلية والطاقة الكهربائية والمياه والبناء والتشييد والخدمات الأساسية، كما ساهم نظام المحاصصة الطائفية والحزبية في استفحال المشكلات السياسية الداخلية وتمزق النسيج الاجتماعي.
العراق بحاجة إلى دور نشط للقطاع الخاص المحلي ومبادرات المنظمين الفرديين
وتعزى كل تلك التطورات إلى ضعف إدراك الأنظمة التي تعاقبت على حكم العراق للعلاقة السببية القوية بين استمرار المشكلات السياسية والاجتماعية واستمرار المشكلات الاقتصادية. فالإيمان المغالى به بقدرة موارد الريع النفطي على معالجة الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، دفع تلك الأنظمة إلى تحقيق أقصى قدر من الإيرادات النفطية من دون أن يستند هذا الإفراط في الإيرادات إلى رؤية وطنية واضحة واستراتيجية اقتصادية أو سياسات اقتصادية، مما فسح المجال للإفراط في الإنفاق الحكومي الاستهلاكي المتحيز لسياسات الاستئثار في السلطة، وسياسات إشعال الحروب وإيقاظ الفتن وصناعة المؤامرات والمغامرات. ومن الطبيعي أن يقود هذا التوجه إلى سوء استخدام وتوزيع الإيرادات النفطية، وتغذية جذور الصراع السياسي والاجتماعي، وتعزيز حالة عدم الاستقرار السياسي في العراق.
ملامح المشهد الاقتصادي في العراق
أسهمت التطورات السابقة في صياغة الملامح الرئيسية للمشهد الاقتصادي في العراق وكان من أبرزها:
1-هيمنة حالة عدم الاستقرار السياسي:
إن تاريخ العراق السياسي هو عبارة عن سلسلة طويلة من الانقلابات، والانقلابات المضادّة، والمؤامرات، والتطهير، والتطهير المضاد، والاستيلاء على السلطة بالعنف، والقمع الشديد للمخالفين في الرأي، وأخيراً وليس آخراً الحروب والمغامرات والعقوبات. وخلال كل هذا التاريخ لم يكن للشعب صوت بسبب غياب المؤسسات الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة، وكانت التغيرات في الحكومة والقيادة في العراق، متكررة وعنيفة ومفاجئة، وبما أن تغير القيادة السياسية يتبعه تغير الشخصيات ومن ثم تغير الأولويات الاقتصادية والاتجاه والسياسات، لذا حرمت عملية التنمية من حالة الاستقرار والتواصل الضرورية، فنجم عن ذلك فشل المخططين والمنفذين في إنفاق الأموال المخصصة في برامج خطط التنمية وفي كافة قطاعات الخطة، وفق معيار كفاءة الأداء أو كفاءة الإنفاق. ونسفت فوائد التخطيط. ولم يكن عدم الاستقرار السياسي الداخلي العامل الوحيد المعرقل لسيرورة التنمية الاقتصادية في العراق،حيث زادت حالة عدم الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط في الطين بلّة.
2-ربط عملية الإنفاق على التنمية بالزيادة في الإيرادات النفطية:
ربطتكافة الحكومات المتعاقبة، وبصرف النظر عن ميولها الإيديولوجية عملية الإنفاق على التنمية بالزيادة في الإيرادات النفطية مندون مراعاة حدود الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، أو مدى توفر المتطلبات التكنولوجية والبشرية المتخصصة، ولم يطرأ أي تغيّر تقريباً على أهم ملامح السياسة التنموية: حماستها، إطار عملها، أهدافها، تخصيصاتها القطاعية، أداؤها الكلي والقطاعي، ومشكلاتها، واعتمادها التام على النفط. رغم تميّز تلك الحقبة بعدة خطط للتنمية، وبعدة أنظمة، ووزارات كثيرة، فلم تكن التغييرات بالمستوى الذي كانت تدعيه أي من تلك الحكومات.
3- فشل السياسات الاقتصادية:
لقد فشلت معظم إجراءات السياسات الاقتصادية في العراق سواء في جانبها المالي أو النقدي أو التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو غيرها من السياسات وكان من أبرز ملامح هذا الفشل:
أ-فشل سياسة التنمية الزراعية الذي عكسه التراجع المستمر في مساهمة قطاع الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي، وانعكس هذا الفشل في هبوط الإنتاجية الزراعية، وأدى إلى تحول العراق من بلد مصدّر للمواد الغذائية إلى بلد مستورد لها، وفشلت تلك السياسة أيضاً في إعادة توزيع الدخل بصورة ملموسة.
ب- فشل سياسة التنمية الصناعية الذي عكسه التراجع المستمر في مساهمة قطاع الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي وفي التشغيل،فضلاً عن الفشل في بناء هيكل صناعي ناضج ومتكامل، فما زال الهيكل الإنتاجي بدائياً ويعتمد على مجموعة من الصناعات الكبيرة المعوضة عن الاستيراد والتي تتميز بكثافة مدخلاتها الإنتاجية المستوردة، والتي لا تقوى على البقاء إلا في ظل الحمايةوالدعم الحكوميين إلى جانب مجموعة من الصناعات الصغيرة والحرفية.
ج- تعمق حالة عدم التناسب بين القطاعات التي تشكل مصادر العرض المحلي للناتج غير النفطي،والقطاعات التي تعمل كروافد للطلب المحلي، مما أدى إلى اختلال العلاقة بين القدرات الإنتاجية الحقيقية المتولدة في الاقتصاد الوطني،والتي تعبر عنها القيم المضافة المتحققة في قطاعي الزراعة والصناعة التحويلية، والقدرات الاستهلاكية الكبيرة المتمثلة في الدخول المتولدة عن الأنشطة غير السلعية، وخاصة أنشطة الإدارة العامة والدفاع.
د- تشوه عمل آليات السوق الحرة، كنتيجة للتشوه في سعر صرف الدينار، وفي أسعار السلع والخدمات، وأسعار الفائدة، وأيضاً التشوه في نظام الضرائب، والتشوهات في نظام توزيع الدخل والثروة، فضلاً عن التشوهات الناجمة عن ضعف التنسيق بين السياسات الاقتصادية.
4- طغيان تأثيرات الإيرادات النفطية على عمليات التنمية الاقتصادية الطبيعية،حيث يعمل الناس بجد، وتظهر مبادراتهم الفردية، وتتزايد مدخراتهم الخاصة ويتراكم رأس المال (الاستثمار)، وتتحسن إنتاجيتهم، وتعبأ الضرائب لتمويل النفقات الحكومية والاستثمارات العامة في البنية الأساسية، ونتيجة لذلك استرخى الادخار الخاص وعم السلوك الاستهلاكي، وساهم ذلك في تعميق التوجه نحو زيادة الإيرادات النفطية لتغطية الزيادات في الإنفاق الاستهلاكي العام وخاصة الإنفاق الأمني والدفاعي، وفتح ذلك الباب واسعاً لانتشار كافةمظاهر الهدر للمال العام ومظاهر الفساد المالي والإداري في كافة أنشطة الدولة.
5-هيمنة مؤسسات القطاع العام ومركزية التخطيط الاقتصادي والمركزية الشديدة في عمليات صنع القرار، التي ثبت أنها لم تحقق الكفاءة في استخدام الموارد المتاحة وسببت مشكلات هيكلية خطيرة، وقادت إلى تبديد الموارد النفطية على الحروب والمغامرات.ومن هنا،فإن العراق بحاجة إلى دور نشط للقطاع الخاص المحلي ومبادرات المنظمين الفرديين، بالإضافة إلى دور الدولة في إيجاد بيئة أعمال واستثمار ملائمة تسمح للمبادرات الطوعية الجديدة بالعمل في إطار السوق التنافسية الحرة.
ما العمل لنهوض الاقتصاد العراقي؟
لضمان خروج العراق من المأزق التنموي الحالي، وزيادة معدلات النمو والتشغيل وتحقيق الاستقرار الاقتصادي ينبغي تطبيق السياسات التي تشجع على تحقيق ما يأتي:
1-زيادة مساهمة الاستثمار الوطني والأجنبي، خصوصاً في القطاعات غير النفطية لرفع مساهمته في الناتج المحلي الإجمالي إلى ما لا يقل عن 80 في المائة.
2-زيادة مساهمة الناتج غير النفطي في الناتج المحلي الإجمالي وفي الموازنة العامة إلى ما لا يقل عن 80 في المائة.
3- ضمان التحول التدريجي إلى اقتصاد مؤسسي يخضع لشروط السوق الحرة.
4-اتخاذ الإجراءات الكفيلة بزيادة صادرات العراق السلعية الصناعية والزراعية وتقليص الاستيرادات.
5-تطبيق مكثف لبرامج التنمية البشرية وبرامج إعادة تأهيل المهارات وتحسين الإنتاجية؛ وإدخال التكنولوجيا المتقدمة في مجالات الإنتاج والاتصالات والمعلومات
6-تخصيص الإيرادات النفطية لتمويل مشاريع البنية التحتية، والخدمات الاجتماعية الأساسية،والمرافق العامة.
7-وضع برنامج بعيد المدى لترشيد التصرف بموارد النقد الأجنبي،ووضع الآليات الكفيلة بحسن توظيف تلك الموارد، وتأخذ في الحسبان إمكانات تعويض الاستيراد وتنويع هيكل الإنتاج وهيكل الصادرات.
8- توفير بيئة اقتصادية مناسبة تعزز حالة التنافس بين القطاعين العام والخاص على أساس اعتبارات الكفاءة الإنتاجية والخضوع لقوى السوق، ومنح القطاع الخاص الفرصة الكاملة للقيام بدوره في عملية التنمية.
9-إعادة توزيع القوى العاملة على الأنشطة الاقتصادية، بما يكفل زيادة مستويات الكفاءة الإنتاجية للعاملين، وإضفاء نوع من المرونة على سياسات التشغيل والتوظيف وخاصة في مجال الاستغناء عن خدمات العمالة الفائضة.
10- تعزيز سلطة القانون والتعجيل بإنهاء دور الميليشيات التي شاركت في إشاعة الفوضى والتخريب والقتل وتعطيل العملية الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.
-11اتخاذ خطوات جادة وفاعلة لمكافحة الفساد الإداري والمالي.
-12 تفعيل دور التنظيماتوالأحزاب والشخصيات الديمقراطية صاحبة المصلحة الحقيقية في وجود العراق الديمقراطي الموحد.
::/fulltext::
::cck::1367::/cck::
