الأمم المتحدة ومجلس التعاون الخليجي: أهداف مشتركة نحو مستقبل مشترك
::cck::1369::/cck::
::introtext::
لم تُبرز دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت في سبتمبر من العام الماضي الدور المهم الذي يؤديه مجلس التعاون الخليجي ككتلة إقليمية وحسب، بل أبرزت أيضاً أن دول الخليج العربية تشهد تحولاً له انعكاسات إيجابية على المجتمع الدولي ككل.
::/introtext::
::fulltext::
لم تُبرز دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت في سبتمبر من العام الماضي الدور المهم الذي يؤديه مجلس التعاون الخليجي ككتلة إقليمية وحسب، بل أبرزت أيضاً أن دول الخليج العربية تشهد تحولاً له انعكاسات إيجابية على المجتمع الدولي ككل.
رغم أن الكلمات الافتتاحية التي تلقيها الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة خلال دورات الجمعية العامة تمر في الغالب مرور الكرام، إلا أنها قد تزود المرء بنظرة عامة عن أفكار وقيم وأهداف وهواجس الدول الأعضاء. فخلال جلسات هذه الدورة تحديداً، عكست الكلمات الافتتاحية التي ألقتها دول مجلس التعاون الخليجي قراءة دول المجلس للتطورات الدولية الراهنة، وطبيعة الدور الذي تُفضل الاضطلاع به.
أكدت دول المجلس مجدداً أنها مصممة على إقامة علاقات وثيقة مع أوروبا
ففي تلك الكلمات الافتتاحية، لم تتطرق دول مجلس التعاون الخليجي لموضوعات مشتركة تتعلق بإنجازاتها المحلية وهواجسها الوطنية فقط، بل تطرقت أيضاً لمجمل القضايا الدولية التي ينبغي على المجتمع الدولي أن يعالجها، إذ ركزت الإمارات والبحرين والكويت، بوجه خاص، على الإصلاحات الداخلية التي أُنجزت في مجالي التعليم وتوسيع مشاركة المرأة في الحكم. فقد أشارت دولة الإمارات ، مثلاً، إلى أنها عينت مؤخراً أول سفيرتين وأول قاضية اتحادية في تاريخ البلاد. وبخصوص أوضاع العمالة الوافدة، أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية على (تعزيز دورهم ومشاركتهم في سوق العمل)، وأشار إلى الجهود التي بذلتها دولة الإمارات لتحسين أوضاع حقوق العمال ولتشكيل هيئات متخصصة، تُعنى بمراقبة وضمان سلامتهم وتوفير الحياة الكريمة لهم. وبالطبع، لا يزال من المبكر الحكم على مدى نجاعة مثل هذه الإصلاحات في الخليج والنتائج الملموسة التي ستحققها. لكن الحقيقة المتمثلة في أن هذه الدول تطرقت إلى قضاياها المحلية في خطاباتها التي ألقتها أمام الجمعية العامة تُعد مؤشراً واضحاً إلى ثقتها القوية، بما أحرزته من تقدم وإنجازات على الصعيد الداخلي. ففي الماضي، كانت دول المجلس تتفادى الحديث عن مثل هذه القضايا. وبالتالي، فإن دول المجلس، ومن خلال التأكيد على استعدادها ورغبتها في التحدث عن موضوعات لا تزال تُعتبر حساسة، إنما ترسل رسالة قوية مفادها أنها مستعدة هذه المرة لخوض نقاشات جادة تدافع خلالها عن رؤاها وإنجازاتها على المستوى الداخلي.
وفي هذا السياق، حرصت أيضاً كافة دول الخليج تقريباً على تناول مسألة (الأهداف التنموية للألفية)، حيث أكدت دول المجلس كافة أن التقدم نحو إنجاز هذه الأهداف خطوةٌ مهمة نحو ضمان تحقيق التنمية العالمية المستدامة. وفيما أعلنت الكويت بكل فخر عن إنجاز كل (الأهداف التنموية للألفية) المتعلقة ببلدها، أبدت الإمارات والبحرين والكويت قلقها من إمكانية عدم إنجاز الأهداف التنموية للألفية في الموعد المحدد؛ أي بحلول عام 2015.
وإدراكاً منها لأهمية إنجاز الأهداف التنموية للألفية، أعربت دول المجلس أيضاً عن رغبتها المشتركة في مساعدة الدول المحتاجة. فقد أشارت بضع الدول إلى المساعدات الخارجية باعتبارها أولوية رئيسية. إذ أعلنت المملكة العربية السعودية، مثلاً، أنها خصصت مؤخراً 500 مليون دولار لدعم برنامج الغذاء العالمي، بالإضافة إلى شطب أكثر من ستة مليارات دولار من القروض التي منحتها إلى دول نامية. كما أشارت المملكة إلى أن مجموع القروض التي منحتها إلى الدول المحتاجة تجاوز التسعين مليار دولار. وأبلغت دولة الإمارات الجمعية العامة أنها أرسلت أكثر من مليوني طن من الحنطة إلى اليمن وسوريا ومصر، وأنشأت العديد من المؤسسات الخيرية في العالم النامي. في حين، أشارت الكويت إلى أنها تبرعت بحوالي 250 مليون دولار للصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، الذي يقدم هبات وقروضاً إلى الدول النامية. وتجلى من خلال ذلك أن الخليج كمنطقة يهتم بالتنمية الإقليمية والدولية، ويدعم نمو دول الجوار، ويساهم في تسريع تقدمها. ومن المؤكد أن الخليج قادر على التبرع بالمزيد، لكن مساهمته الحالية تمثل خطوةً كبيرة في الاتجاه الصحيح، خصوصاً في ضوء الأزمة المالية التي تعصف بالعديد من الدول الصناعية الغربية.
وإضافة إلى القلق بشأن التنمية، برز الهاجس الأمني بقوة في كل الخطابات التي ألقتها دول مجلس التعاون الخليجي أمام الجمعية العامة، فقد تمحور خطاب قطر، بالذات، حول موضوع السلام حيث أوردت قطر أمثلة عن اتفاقيات سابقة بين بريطانيا وفرنسا في عام 1904، والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في عام 1971 لإثبات أن الدبلوماسية ضرورية لحل المشكلات الدولية الراهنة. وينبع هذا الاهتمام الخليجي الخاص بقضايا الأمن من حقيقة أن منطقة الخليج نفسها تواجه تحديات أمنية كبيرة. كما أعربت دول المجلس عن قلقها العميق من انتشار الأسلحة النووية. فعندما أوضحت بعض دول المجلس مواقفها من تطوير برامج لاستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، تبين أن قضية انتشار الأسلحة النووية تثير عميق القلق لدى العديد من هذه الدول. وفي هذا السياق، شددت دولة الإمارات على أهمية جعل منطقة الشرق الأوسط، بما فيها الخليج، منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وركزت بشكل خاص على برنامج إيران النووي، الذي يمثل مصدر قلق جدي بالنسبة لكافة دول مجلس التعاون الخليجي. فقد أُشير إلى أن أنشطة إيران النووية تنطوي على تداعيات خطيرة قد تطال المنطقة بأسرها. لذا، دعا العديد من دول المجلس كلاً من الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية لمراقبة وضبط تلك الأنشطة الحساسة.
ومع أن القضية النووية الإيرانية طغت على بقية القضايا الأمنية لمنطقة الخليج، إلا أنه أُلقيَ الضوء أيضاً على قضايا أمنية أخرى تتعلق ببقية منطقة الشرق الأوسط، لا سيما قضية النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي؛ التي كان طرحها متوقعاً. فقد أعرب وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عن اعتقاده بأن هذا النزاع (ألقى بظلاله على كافة القضايا الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، وأوجد بيئة مناسبة لازدهار التطرف وانتشار الإرهاب). ولئن كررت دول المجلس إدانتها الشديدة للنشاط الاستيطاني الإسرائيلي المستمر وإغلاق إسرائيل للمعابر الحدودية مع قطاع غزة، وإقامتها للحواجز التعسفية في الضفة الغربية؛ إلا أنها قامت أيضاً بعدد من الأنشطة الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز الاستقرار في المنطقة. فعلى سبيل المثال، نشطت قطر على أكثر من جبهة، واستحقت ثناء بقية دول المجلس والأمم المتحدة على الوساطة التي قامت بها لحل الأزمة السياسية اللبنانية. كما عملت المملكة العربية السعودية على تحسين الوضع السياسي في الشرق الأوسط من خلال محاولة حل النزاع السياسي الفلسطيني، الذي نشب بين حركتي حماس وفتح، فضلاً عن إعادة إحياء المبادرة العربية للسلام التي اقترحتها المملكة أصلاً. علاوة على ذلك، وبمبادرة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز ، أُطلقت قمة حوار الأديان التي احتضنتها مدريد، والتي تلاها مؤتمر أكبر لحوار الأديان عُقد برعاية الأمم المتحدة وفي مقرها في نوفمبر الماضي، بهدف تعزيز ثقافة الحوار وتحسين صورة الإسلام في العالم. ومن خلال مثل هذه المبادرات والتوجهات تتجلى الأهداف المشتركة لدول المجلس في بناء مستقبل أفضل لمنطقة الشرق الأوسط.
دول الخليج العربية تشهد تحولاً له انعكاسات إيجابية على المجتمع الدولي ككل
ولا بد من الإشارة إلى أن خطابات دول المجلس غطت مجموعة متنوعة من الموضوعات الأخرى. إذ تطرق العديد من وزراء دول المجلس لقضايا البيئة والأمن الغذائي، حيث أبرزوا أهمية معالجة ظاهرة التغير المناخي والابتكار والاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة، فأثبتوا بذلك أن دول الخليج العربية تدرك حجم التحديات المستقبلية، خاصة أنها بدأت باتخاذ إجراءات ملموسة من أجل التصدي لها. فقد ركزت البحرين على قضية تغير المناخ، حيث أبرزت أهمية إيجاد ترتيب فاعل يخلف معاهدة (كيوتو). كما أعلنت المملكة العربية السعودية عن تبرعها بمبلغ 300 مليون دولار لإنشاء صندوق للبحث العلمي في مجالي البيئة وتغير المناخ. أما دولة الإمارات العربية المتحدة، ذات النمو السكاني المتصاعد والذي يُثقل كاهل بناها التحتية، فقد أعلنت من خلال سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان عن عزمها تنفيذ برامج استراتيجية عدة، بما فيها إطلاق مبادرة مشروع مصدَر للتنمية المستدامة الذي يستهدف إنشاء أول مدينة خالية من الانبعاثات الكربونية في العالم. كما أُشير إلى أن تقنيات حديثة، مثل تقنيات الطاقة الشمسية لتحلية مياه البحر قد تسود المنطقة قريباً. ويكتسي مثل هذا النقاش بالغ الأهمية، خاصة أن آخر تقرير حول البصمات البيئية أظهر أن البصمة البيئية للفرد في الإمارات العربية المتحدة هي الأسوأ في العالم، وأن الكويت من بين الدول العشر الأكثر تلويثاً للبيئة.لذا، فإن الإمارات الآن بصدد إعداد خطط لاستخدام وسائل نقل عام أعلى كفاءة بالتوازي مع ضمان خفض مستويات انبعاثات السيارات الخاصة.

على صعيد آخر، ركزت دول المجلس على الحاجة لمزيد من الإصلاحات في نظام الأمم المتحدة، فقد انتهزت البحرين والإمارات والكويت فرص مخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة لإبراز هواجسها المتعلقة بهذه المسألة. إذ قالت البحرين إننا بحاجة إلى (إصلاح وتجديد وتطوير منظمتنا الدولية وهيئاتها لتعزيز قدرتها على تلبية احتياجات العالم الجديد). وفيما لخصت البحرين أسباب الحاجة لإحداث تغيير شامل في الأمم المتحدة، ركزت دول أخرى على الحاجة لإصلاح مجلس الأمن الدولي. إذ طالبت دولة الإمارات بـ (تمثيل عادل في مجلس الأمن الدولي وبتوسيع عضويته)، كما دعت الكويت إلى تحسين طرق عمل المجلس بما في ذلك تعزيز الشفافية، واقترحت زيادة عدد أعضائه. هذه المقترحات تعكس قناعة دول الخليج العربية بأن توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي سيتيح تمثيلاً أفضل للأسرة الدولية، وسيفضي إلى مقاربة أكثر توازناً للقضايا الدولية، لا سيما قضايا منطقة الشرق الأوسط.
أخيراً، لطالما انتهزت دول الخليج العربية فرصة المشاركة في دورات الجمعية العامة لإجراء سلسلة من الاجتماعات الثنائية بهدف تعزيز فرص تحقيق مصالحها. وأبرز ما تمخضت عنه هذه اللقاءات هو الاجتماع المنتظم بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، الذي أصبح اليوم حدثاً سنوياً منتظماً. وفي الاجتماع نفسه، ركز وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ونظراؤهم الأوروبيون على عدد من القضايا المهمة، مثل قضية فلسطين وتطورات العراق وطموحات إيران النووية، بالإضافة إلى الوضع العام للعلاقات بينهما وسبل تعزيزها. كما حضر الاجتماع من الجانب الأوروبي كل من خافيير سولانا والمفوض الأوروبي للعلاقات الخارجية بنيتا فريرو ڤالدنر . لكن للأسف الشديد، وخلافاً للتوقعات، لم يُحرَز أي تقدم بين هاتين الكتلتين الإقليميتين على صعيد اتفاقية التجارة الحرة. غير أن انعقاد مثل هذا اللقاء مثّل، بحد ذاته، مؤشراً واضحاً إلى التزام الاتحاد الأوروبي بالحفاظ على علاقات إيجابية مع مجلس التعاون الخليجي، وعلى وجود جهود تُبذل من أجل تعزيز العلاقات بين هاتين الكتلتين. فقد أكدت دول المجلس مجدداً أنها مصممة على إقامة علاقات وثيقة مع أوروبا، بدلاً من الاعتماد فقط على دعم شريكها الأمني التقليدي البعيد والذي يقع على الضفة الأخرى من الأطلسي ـ الولايات المتحدة.
وتمثل مخاطبة المجتمع الدولي أحد مطالب أعضاء الجمعية العامة كافة. ومن حيث الجوهر، تُعد الخطابات التي تُلقى أمام الجمعية العامة إجراءً شكلياً أو تقليداً دولياً يتيح لكافة الدول الأعضاء فرصة مخاطبة المجتمع الدولي، لكن المسألة المهمة التي يتعين التركيز عليها، هنا، هي مضمون ومدلولات مثل هذه الخطابات. فقد أعربت دول الخليج العربية من خلال خطاباتها عن رغبتها في المساهمة في التنمية العالمية، وتحدثت عن هواجسها المرتبطة بانتشار الأسلحة النووية، والانعكاسات السلبية للأزمة الإسرائيلية ـ الفلسطينية؛ كما اعترفت، في الوقت ذاته، بالتطلعات الإصلاحية الداخلية، وبرهنت على أنها جادة في تلبيتها وأنها تدرك حقيقة أن دول المنطقة والمجتمع الدولي بحاجة ماسة لمعالجة تغير المناخ. ومع أن الشوط الذي يتعين أن تقطعه دول المجلس في العديد من المجالات الآنفة الذكر لا يزال طويلاً، إلا أن خطاباتها أبرزت أهدافاً مشتركة لها انعكاسات إيجابية على بقية المجتمع الدولي. ومن خلال إظهار رغبتها الصادقة في تحسين أوضاع المنطقة وحل قضاياها الرئيسية، أثبتت دول المجلس أنها مستعدة للاضطلاع بدور متنام.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1369::/cck::
::introtext::
لم تُبرز دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت في سبتمبر من العام الماضي الدور المهم الذي يؤديه مجلس التعاون الخليجي ككتلة إقليمية وحسب، بل أبرزت أيضاً أن دول الخليج العربية تشهد تحولاً له انعكاسات إيجابية على المجتمع الدولي ككل.
::/introtext::
::fulltext::
لم تُبرز دورة الجمعية العامة للأمم المتحدة التي عقدت في سبتمبر من العام الماضي الدور المهم الذي يؤديه مجلس التعاون الخليجي ككتلة إقليمية وحسب، بل أبرزت أيضاً أن دول الخليج العربية تشهد تحولاً له انعكاسات إيجابية على المجتمع الدولي ككل.
رغم أن الكلمات الافتتاحية التي تلقيها الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة خلال دورات الجمعية العامة تمر في الغالب مرور الكرام، إلا أنها قد تزود المرء بنظرة عامة عن أفكار وقيم وأهداف وهواجس الدول الأعضاء. فخلال جلسات هذه الدورة تحديداً، عكست الكلمات الافتتاحية التي ألقتها دول مجلس التعاون الخليجي قراءة دول المجلس للتطورات الدولية الراهنة، وطبيعة الدور الذي تُفضل الاضطلاع به.
أكدت دول المجلس مجدداً أنها مصممة على إقامة علاقات وثيقة مع أوروبا
ففي تلك الكلمات الافتتاحية، لم تتطرق دول مجلس التعاون الخليجي لموضوعات مشتركة تتعلق بإنجازاتها المحلية وهواجسها الوطنية فقط، بل تطرقت أيضاً لمجمل القضايا الدولية التي ينبغي على المجتمع الدولي أن يعالجها، إذ ركزت الإمارات والبحرين والكويت، بوجه خاص، على الإصلاحات الداخلية التي أُنجزت في مجالي التعليم وتوسيع مشاركة المرأة في الحكم. فقد أشارت دولة الإمارات ، مثلاً، إلى أنها عينت مؤخراً أول سفيرتين وأول قاضية اتحادية في تاريخ البلاد. وبخصوص أوضاع العمالة الوافدة، أكد سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية على (تعزيز دورهم ومشاركتهم في سوق العمل)، وأشار إلى الجهود التي بذلتها دولة الإمارات لتحسين أوضاع حقوق العمال ولتشكيل هيئات متخصصة، تُعنى بمراقبة وضمان سلامتهم وتوفير الحياة الكريمة لهم. وبالطبع، لا يزال من المبكر الحكم على مدى نجاعة مثل هذه الإصلاحات في الخليج والنتائج الملموسة التي ستحققها. لكن الحقيقة المتمثلة في أن هذه الدول تطرقت إلى قضاياها المحلية في خطاباتها التي ألقتها أمام الجمعية العامة تُعد مؤشراً واضحاً إلى ثقتها القوية، بما أحرزته من تقدم وإنجازات على الصعيد الداخلي. ففي الماضي، كانت دول المجلس تتفادى الحديث عن مثل هذه القضايا. وبالتالي، فإن دول المجلس، ومن خلال التأكيد على استعدادها ورغبتها في التحدث عن موضوعات لا تزال تُعتبر حساسة، إنما ترسل رسالة قوية مفادها أنها مستعدة هذه المرة لخوض نقاشات جادة تدافع خلالها عن رؤاها وإنجازاتها على المستوى الداخلي.
وفي هذا السياق، حرصت أيضاً كافة دول الخليج تقريباً على تناول مسألة (الأهداف التنموية للألفية)، حيث أكدت دول المجلس كافة أن التقدم نحو إنجاز هذه الأهداف خطوةٌ مهمة نحو ضمان تحقيق التنمية العالمية المستدامة. وفيما أعلنت الكويت بكل فخر عن إنجاز كل (الأهداف التنموية للألفية) المتعلقة ببلدها، أبدت الإمارات والبحرين والكويت قلقها من إمكانية عدم إنجاز الأهداف التنموية للألفية في الموعد المحدد؛ أي بحلول عام 2015.
وإدراكاً منها لأهمية إنجاز الأهداف التنموية للألفية، أعربت دول المجلس أيضاً عن رغبتها المشتركة في مساعدة الدول المحتاجة. فقد أشارت بضع الدول إلى المساعدات الخارجية باعتبارها أولوية رئيسية. إذ أعلنت المملكة العربية السعودية، مثلاً، أنها خصصت مؤخراً 500 مليون دولار لدعم برنامج الغذاء العالمي، بالإضافة إلى شطب أكثر من ستة مليارات دولار من القروض التي منحتها إلى دول نامية. كما أشارت المملكة إلى أن مجموع القروض التي منحتها إلى الدول المحتاجة تجاوز التسعين مليار دولار. وأبلغت دولة الإمارات الجمعية العامة أنها أرسلت أكثر من مليوني طن من الحنطة إلى اليمن وسوريا ومصر، وأنشأت العديد من المؤسسات الخيرية في العالم النامي. في حين، أشارت الكويت إلى أنها تبرعت بحوالي 250 مليون دولار للصندوق الكويتي للتنمية الاقتصادية العربية، الذي يقدم هبات وقروضاً إلى الدول النامية. وتجلى من خلال ذلك أن الخليج كمنطقة يهتم بالتنمية الإقليمية والدولية، ويدعم نمو دول الجوار، ويساهم في تسريع تقدمها. ومن المؤكد أن الخليج قادر على التبرع بالمزيد، لكن مساهمته الحالية تمثل خطوةً كبيرة في الاتجاه الصحيح، خصوصاً في ضوء الأزمة المالية التي تعصف بالعديد من الدول الصناعية الغربية.
وإضافة إلى القلق بشأن التنمية، برز الهاجس الأمني بقوة في كل الخطابات التي ألقتها دول مجلس التعاون الخليجي أمام الجمعية العامة، فقد تمحور خطاب قطر، بالذات، حول موضوع السلام حيث أوردت قطر أمثلة عن اتفاقيات سابقة بين بريطانيا وفرنسا في عام 1904، والولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي في عام 1971 لإثبات أن الدبلوماسية ضرورية لحل المشكلات الدولية الراهنة. وينبع هذا الاهتمام الخليجي الخاص بقضايا الأمن من حقيقة أن منطقة الخليج نفسها تواجه تحديات أمنية كبيرة. كما أعربت دول المجلس عن قلقها العميق من انتشار الأسلحة النووية. فعندما أوضحت بعض دول المجلس مواقفها من تطوير برامج لاستخدام الطاقة النووية لأغراض سلمية، تبين أن قضية انتشار الأسلحة النووية تثير عميق القلق لدى العديد من هذه الدول. وفي هذا السياق، شددت دولة الإمارات على أهمية جعل منطقة الشرق الأوسط، بما فيها الخليج، منطقة خالية من أسلحة الدمار الشامل، وركزت بشكل خاص على برنامج إيران النووي، الذي يمثل مصدر قلق جدي بالنسبة لكافة دول مجلس التعاون الخليجي. فقد أُشير إلى أن أنشطة إيران النووية تنطوي على تداعيات خطيرة قد تطال المنطقة بأسرها. لذا، دعا العديد من دول المجلس كلاً من الأمم المتحدة والوكالة الدولية للطاقة الذرية لمراقبة وضبط تلك الأنشطة الحساسة.
ومع أن القضية النووية الإيرانية طغت على بقية القضايا الأمنية لمنطقة الخليج، إلا أنه أُلقيَ الضوء أيضاً على قضايا أمنية أخرى تتعلق ببقية منطقة الشرق الأوسط، لا سيما قضية النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي؛ التي كان طرحها متوقعاً. فقد أعرب وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عن اعتقاده بأن هذا النزاع (ألقى بظلاله على كافة القضايا الأخرى في منطقة الشرق الأوسط، وأوجد بيئة مناسبة لازدهار التطرف وانتشار الإرهاب). ولئن كررت دول المجلس إدانتها الشديدة للنشاط الاستيطاني الإسرائيلي المستمر وإغلاق إسرائيل للمعابر الحدودية مع قطاع غزة، وإقامتها للحواجز التعسفية في الضفة الغربية؛ إلا أنها قامت أيضاً بعدد من الأنشطة الدبلوماسية الرامية إلى تعزيز الاستقرار في المنطقة. فعلى سبيل المثال، نشطت قطر على أكثر من جبهة، واستحقت ثناء بقية دول المجلس والأمم المتحدة على الوساطة التي قامت بها لحل الأزمة السياسية اللبنانية. كما عملت المملكة العربية السعودية على تحسين الوضع السياسي في الشرق الأوسط من خلال محاولة حل النزاع السياسي الفلسطيني، الذي نشب بين حركتي حماس وفتح، فضلاً عن إعادة إحياء المبادرة العربية للسلام التي اقترحتها المملكة أصلاً. علاوة على ذلك، وبمبادرة من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز ، أُطلقت قمة حوار الأديان التي احتضنتها مدريد، والتي تلاها مؤتمر أكبر لحوار الأديان عُقد برعاية الأمم المتحدة وفي مقرها في نوفمبر الماضي، بهدف تعزيز ثقافة الحوار وتحسين صورة الإسلام في العالم. ومن خلال مثل هذه المبادرات والتوجهات تتجلى الأهداف المشتركة لدول المجلس في بناء مستقبل أفضل لمنطقة الشرق الأوسط.
دول الخليج العربية تشهد تحولاً له انعكاسات إيجابية على المجتمع الدولي ككل
ولا بد من الإشارة إلى أن خطابات دول المجلس غطت مجموعة متنوعة من الموضوعات الأخرى. إذ تطرق العديد من وزراء دول المجلس لقضايا البيئة والأمن الغذائي، حيث أبرزوا أهمية معالجة ظاهرة التغير المناخي والابتكار والاستثمار في مجالات الطاقة المتجددة، فأثبتوا بذلك أن دول الخليج العربية تدرك حجم التحديات المستقبلية، خاصة أنها بدأت باتخاذ إجراءات ملموسة من أجل التصدي لها. فقد ركزت البحرين على قضية تغير المناخ، حيث أبرزت أهمية إيجاد ترتيب فاعل يخلف معاهدة (كيوتو). كما أعلنت المملكة العربية السعودية عن تبرعها بمبلغ 300 مليون دولار لإنشاء صندوق للبحث العلمي في مجالي البيئة وتغير المناخ. أما دولة الإمارات العربية المتحدة، ذات النمو السكاني المتصاعد والذي يُثقل كاهل بناها التحتية، فقد أعلنت من خلال سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان عن عزمها تنفيذ برامج استراتيجية عدة، بما فيها إطلاق مبادرة مشروع مصدَر للتنمية المستدامة الذي يستهدف إنشاء أول مدينة خالية من الانبعاثات الكربونية في العالم. كما أُشير إلى أن تقنيات حديثة، مثل تقنيات الطاقة الشمسية لتحلية مياه البحر قد تسود المنطقة قريباً. ويكتسي مثل هذا النقاش بالغ الأهمية، خاصة أن آخر تقرير حول البصمات البيئية أظهر أن البصمة البيئية للفرد في الإمارات العربية المتحدة هي الأسوأ في العالم، وأن الكويت من بين الدول العشر الأكثر تلويثاً للبيئة.لذا، فإن الإمارات الآن بصدد إعداد خطط لاستخدام وسائل نقل عام أعلى كفاءة بالتوازي مع ضمان خفض مستويات انبعاثات السيارات الخاصة.

على صعيد آخر، ركزت دول المجلس على الحاجة لمزيد من الإصلاحات في نظام الأمم المتحدة، فقد انتهزت البحرين والإمارات والكويت فرص مخاطبة الجمعية العامة للأمم المتحدة لإبراز هواجسها المتعلقة بهذه المسألة. إذ قالت البحرين إننا بحاجة إلى (إصلاح وتجديد وتطوير منظمتنا الدولية وهيئاتها لتعزيز قدرتها على تلبية احتياجات العالم الجديد). وفيما لخصت البحرين أسباب الحاجة لإحداث تغيير شامل في الأمم المتحدة، ركزت دول أخرى على الحاجة لإصلاح مجلس الأمن الدولي. إذ طالبت دولة الإمارات بـ (تمثيل عادل في مجلس الأمن الدولي وبتوسيع عضويته)، كما دعت الكويت إلى تحسين طرق عمل المجلس بما في ذلك تعزيز الشفافية، واقترحت زيادة عدد أعضائه. هذه المقترحات تعكس قناعة دول الخليج العربية بأن توسيع عضوية مجلس الأمن الدولي سيتيح تمثيلاً أفضل للأسرة الدولية، وسيفضي إلى مقاربة أكثر توازناً للقضايا الدولية، لا سيما قضايا منطقة الشرق الأوسط.
أخيراً، لطالما انتهزت دول الخليج العربية فرصة المشاركة في دورات الجمعية العامة لإجراء سلسلة من الاجتماعات الثنائية بهدف تعزيز فرص تحقيق مصالحها. وأبرز ما تمخضت عنه هذه اللقاءات هو الاجتماع المنتظم بين مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي، الذي أصبح اليوم حدثاً سنوياً منتظماً. وفي الاجتماع نفسه، ركز وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي ونظراؤهم الأوروبيون على عدد من القضايا المهمة، مثل قضية فلسطين وتطورات العراق وطموحات إيران النووية، بالإضافة إلى الوضع العام للعلاقات بينهما وسبل تعزيزها. كما حضر الاجتماع من الجانب الأوروبي كل من خافيير سولانا والمفوض الأوروبي للعلاقات الخارجية بنيتا فريرو ڤالدنر . لكن للأسف الشديد، وخلافاً للتوقعات، لم يُحرَز أي تقدم بين هاتين الكتلتين الإقليميتين على صعيد اتفاقية التجارة الحرة. غير أن انعقاد مثل هذا اللقاء مثّل، بحد ذاته، مؤشراً واضحاً إلى التزام الاتحاد الأوروبي بالحفاظ على علاقات إيجابية مع مجلس التعاون الخليجي، وعلى وجود جهود تُبذل من أجل تعزيز العلاقات بين هاتين الكتلتين. فقد أكدت دول المجلس مجدداً أنها مصممة على إقامة علاقات وثيقة مع أوروبا، بدلاً من الاعتماد فقط على دعم شريكها الأمني التقليدي البعيد والذي يقع على الضفة الأخرى من الأطلسي ـ الولايات المتحدة.
وتمثل مخاطبة المجتمع الدولي أحد مطالب أعضاء الجمعية العامة كافة. ومن حيث الجوهر، تُعد الخطابات التي تُلقى أمام الجمعية العامة إجراءً شكلياً أو تقليداً دولياً يتيح لكافة الدول الأعضاء فرصة مخاطبة المجتمع الدولي، لكن المسألة المهمة التي يتعين التركيز عليها، هنا، هي مضمون ومدلولات مثل هذه الخطابات. فقد أعربت دول الخليج العربية من خلال خطاباتها عن رغبتها في المساهمة في التنمية العالمية، وتحدثت عن هواجسها المرتبطة بانتشار الأسلحة النووية، والانعكاسات السلبية للأزمة الإسرائيلية ـ الفلسطينية؛ كما اعترفت، في الوقت ذاته، بالتطلعات الإصلاحية الداخلية، وبرهنت على أنها جادة في تلبيتها وأنها تدرك حقيقة أن دول المنطقة والمجتمع الدولي بحاجة ماسة لمعالجة تغير المناخ. ومع أن الشوط الذي يتعين أن تقطعه دول المجلس في العديد من المجالات الآنفة الذكر لا يزال طويلاً، إلا أن خطاباتها أبرزت أهدافاً مشتركة لها انعكاسات إيجابية على بقية المجتمع الدولي. ومن خلال إظهار رغبتها الصادقة في تحسين أوضاع المنطقة وحل قضاياها الرئيسية، أثبتت دول المجلس أنها مستعدة للاضطلاع بدور متنام.
::/fulltext::
::cck::1369::/cck::
