إيران تصنّع القنبلة النووية (الجزء الأول)

::cck::1376::/cck::
::introtext::

فيما يتواصل النقاش حول اختفاء أسلحة الدمار الشامل العراقية، تلوح في الأفق بوادر أزمة أسلحة دمار شامل جديدة في منطقة الشرق الأوسط، ذلك بأن إيران تسعى إلى الحصول تدريجياً على التكنولوجيا والخبرات الضرورية لإنتاج الأسلحة النووية، تحت غطاء برامج الأبحاث المدنية. وتشكل الخطى الإيرانية الحثيثة نحو إنتاج القنبلة النووية أحد التحديات الصعبة التي يتعينعلى الإدارة الأمريكية أن تواجهها في منطقة الخليج العربي.

::/introtext::
::fulltext::

فيما يتواصل النقاش حول اختفاء أسلحة الدمار الشامل العراقية، تلوح في الأفق بوادر أزمة أسلحة دمار شامل جديدة في منطقة الشرق الأوسط، ذلك بأن إيران تسعى إلى الحصول تدريجياً على التكنولوجيا والخبرات الضرورية لإنتاج الأسلحة النووية، تحت غطاء برامج الأبحاث المدنية. وتشكل الخطى الإيرانية الحثيثة نحو إنتاج القنبلة النووية أحد التحديات الصعبة التي يتعينعلى الإدارة الأمريكية أن تواجهها في منطقة الخليج العربي.

خلال السنوات القليلة الماضية، جرى كشف النقاب عن سلسلة من الحقائق التي فاجأت المجتمع الدولي، مما اضطر معه عدد من وكالات وأجهزة الاستخبارات إلى إعادة النظر في سابق تقييماتها لبعض القضايا الدولية. وقعت الصدمة الأولى في أغسطس 2002، إثر اكتشاف منشأة (ناتانز)، التي أثبتت أن الإيرانيين قطعوا شوطاً تكنولوجياً كبيراً في عملية التخصيب المعقدة، مما يمكـّـنـهـم من تخصيب اليورانيوم إلى درجات تكاد تكون كافية لاستخدامه في إنتاج الأسلحة النووية. ليس هذا فحسب، بل لقد ثبت أن إيران تنشط أيضاً في مجال تطوير تكنولوجيا فصل مادة البلوتونيوم الضرورية لبناء قدرات نووية ذاتية. ويشير ما لدى إيران من منشآت للماء الثقيل في مدينة أصفهان واقتراب انتهائها من بناء محطة نووية في (أراك) (Arak)، إلى حقيقة أن إمكانات إيران في مجال تخصيب اليورانيوم هي أكثر بكثير مما كان متوقعاً. وعلى الرغم من تلقي الإيرانيين مساعدات خارجية أسهمت في دعم وتطوير برنامجهم النووي في بعض مراحلهالأولى ـ خصوصاً من روسيا وشبكة عبدالقدير خان الشهيرة ـ يظهر التطور الذي بلغته المنشآت النووية الإيرانية، أن إيران حققت قدراً من الاكتفاء الذاتي في مجال التكنولوجيا النووية الخطيرة، مما يجعل الإجراءات التي يتم اتخاذها عادة لمكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل ـ كتشديد الرقابة على الواردات وتقليص المساعدات الخارجية ـ ذات تأثير محدودفي الجدول الزمني لأنشطتها النووية. وأكد الرئيس الإيراني السابق، آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني ـ وهو من الشخصيات البارزة التي تتمتع بنفوذ واسع في إيران ـ مؤخراً هذا الاستنتاج بالقول(يصيب من يقول إننا على وشك تحقيق اختراقنووي).

ونظراً للتقدم الواضح الذي أحرزته إيران، ولتركيزها المكثف على الجانب التكنولوجي لبرنامجها النووي، فإنه من المحتمل أن يكون الإيرانيون قد أظهروا جدولاً زمنيًا مزوَّراً لإخفاء أنشطتهم النووية السرية. وتشير الوقائع التاريخية إلى أنه عندما ترغب دولة ما في إطلاق برنامجها النووي، فإنها تحشد له تأييد نخبة من السياسيين البارزين والدعم الجماهيري الواسع لإيجاد القوة الوطنية المحرّكة لمشروعها النووي. وهذا ما حدث فعلاً في الهند وباكستان. فبعد اكتمال المقومات الأساسية لبرنامجيْهما النوويـَـيْـن، قامت الحكومتان باجتذاب بعض الشخصيات السياسية البارزة، التي حشدت التأييد الجماهيري لهما، مستخدمة الشعارات والعبارات الحماسية، كعزة الوطن وسيادته ومكانة الأمة بين الشعوب، ونالت تأييد القادة العسكريين عبر إغرائهم بامتلاك أسلحة مرعبة وفتاكة، بالإضافة إلى دور المؤسسة العلمية في الترويج لذلك البرنامج، على أنه مشروع مربح جداً ويؤمن فرص عمل جديدة. فتطوير هذا النوع من التحالف والمؤيدين عملية استراتيجية بالغة الأهمية، لأنها تشكل بحد ذاتها (نقطة اللاعودة السياسية)، وذلك سنوات قبل التوصل إلى بناء القنبلة النووية الأولى، وقد تجلت هذه الظاهرة بكامل تفاصيلها وبمنتهى الوضوح في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

يلاحظ أنه فيالوقت نفسه الذي تواصل فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسيرتها النووية الخطيرة، اكتفت واشنطن حتى الآن باستراتيجية ترك معالجة هذه المسألة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. غير أن النتيجة الحتمية التي ستؤدي إليها هذه الاستراتيجية الأمريكية، هي مشكلة تحول إيران إلى العضو الجديد في نادي الدول النووية. ذلك لأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تركز فقط على تشديد المراقبة على المواد المستوردة، وتفتيش المنشآت الإيرانية ومحاولة الحيلولة دون حصول إيران على الإمكانات التكنولوجية المحظورة، وتحذير الإيرانيين من أن الخروقات الموثقة ستدفع المجتمع الدولي إلى فرض عقوبات متعددة عليهم. لكنّ أيـاً من هذه الإجراءات لا يتعامل مع السبب الجوهري الذي يدفع إيران إلى العمل على امتلاك القنبلة النووية، وهو شعور الإيرانيين بعدم الأمان وبقدرة مناهضيهم ـ الذين يتفوقون عليهم عسكرياً ـ على إلحاق الأذى بهم أو النيل منهم. لذلك، ستؤدي إجراءات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في النهاية إلى نتائج عكسية،لأن هذه الوكالة تتعامل بالتهديد تارة وبالترغيب تارة أخرى مع دولة أصبحت في غاية القلق على وضعها الأمني، وستكون النتيجة الوحيدة لهذه الإجراءات هي اتخاذ الإيرانيين من التهديدات الخارجية مبرراً لبناء ترسانة نووية.

تشهد إيران في الوقت الراهن حواراً داخلياً مكثفاً لتحديد اتجاه برنامجها النووي، الذي ربما ستعتمد نتيجته النهائية على تطور العلاقات الإيرانيةـ الأمريكية، والهيكليات الأمنية المستقبلية في منطقة الخليج العربي، وعلى طبيعة مستجدات السياسة الداخلية الإيرانية. فالمعارضون يسعون إلى إقناع المتشددين في السلطة الدينية الإيرانية بتغيير موقفهم الداعم والمؤيد لبرنامج نووي واسع. وعندما تتغير التحالفات ويتراجع المؤيدون، وتتحول السياسات والمواقف في أروقة السلطة الدينية الإيرانية عن مسارها الحالي، ستتوفر الفرصة السانحة لواشنطن للتأثير في الاتجاه الذي سيتخذه الحوار النووي الإيراني قبل فوات الأوان. لأن أي تسوية ثنائية أمريكية ـ إيرانية تنطوي على تنازلات متبادلة من الطرفين، من شأنها تعزيز موقف أعضاء المؤسسة الدينية الحاكمة الداعين إلى إيقاف برنامج تخصيب اليورانيوم الرامي إلى إنتاج الوقود النووي، حسب الادعاءات الإيرانية الرسمية. وعند معالجة الأزمة النووية الإيرانية، تعتبر قيادة الولايات المتحدة للجهود التي تبذل لإيجاد حل لتلك الأزمة، وانخراط واشنطن المباشر بتلك الجهود أمرين لا يمكن الاستغناء عنهما.

لماذا ترغب إيران في امتلاك الأسلحة النووية؟

بخلاف كثير من الافتراضات الغربية، فإن رغبة إيران في الحصول على الأسلحة النووية لا تقوم على أسس إيديولوجية غير منطقية، بل تنطلق من محاولة حكيمة لبناء قدرات ذاتية حيوية رادعة تمكّنها من مواجهة جملة من التهديدات. وكثيراً ما تتم المحاججة بأن خطورة البيئة المحيطة بإيران وعدم قابلية التنبؤ بالتطورات التي قد تشهدها، هما العاملان اللذان قد يدفعان إيران إلى امتلاك الأسلحة النووية، لكن يصعب على المرء فهم ضرورة امتلاك إيران للأسلحة النووية وكيفية استخدامها لتلك الأسلحة لتخفيف الاضطرابات التي تحدث في الدول المجاورة لها. وربما يكون عدم الاستقرار الذي تشهده أفغانستان وآسيا الوسطى يشكل مصدر قلق كبير لواضعي الخطط الدفاعية في إيران، لكن الأسلحة النووية لن تسهم في حل مثل تلك الأزمات. إن دراسة ظروف ومعطيات الحالة الإيرانية بعناية تظهر أن هناك بعض التهديدات ـ وهي أكثر حدّة من مشكلات آسيا الوسطى، وأكبر حجماً من الأخطار التي قد تواجهها إيران بسبب أوضاع أفغانستان غير المستقرة ـ هي التي تسببت بظهور البرنامج النووي الإيراني. إن حاجة الإيرانيين إلى مواجهة التهديدين العراقي والأمريكي، هي السبب الرئيسي الذي دفعهم إلى تطوير برنامجهم النووي.

من المهم في مستهل الحديث عن أسباب التوجه النووي الإيراني وضع المسألة الإسرائيلية في سياقها الصحيح. فكثيراً ماطرح أن العداء القائم بين إيران إسرائيل التي تمتلك الأسلحة النووية، هو السبب الرئيسي الذي دفع الإيرانيين نحو الخيار النووي. وتكفي نظرة سريعة على خطاب النخبة الدينية الحاكمة في إيران للتأكد من تكرار استعاذتهم بالله من التهديد الإسرائيلي. وفي الحقيقة، لا تزال إسرائيل في نظر جيل من رجال الدين الإيرانيين كياناً غير مشروع، لأنها برأيهم قامت على أساس اغتصاب أراضٍ إسلامية، وتقوم بأدوار عميلة للإمبريالية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. هذا النوع من العداء الإيديولوجي تسبب أيضاً في دعم إيران لبعض المنظمات (الإرهابية) والمنظمات الفلسطينية الرافضة للسلام مع إسرائيل، والتي تقاتل ضد الدولة اليهودية. ومهما يكن من أمر، فقد استطاعت كل من إيران وإسرائيل السيطرة على نزاعاتهما المنخفضة الحدّة وتجنبتا بكثير من اللياقة والبراعة وقوع مواجهات عسكرية مباشرة بينهما. وهكذا، يستنتج أن الخطاب الإيراني الداعي إلى توخي الحيطة والحذر من حجم التهديد الإسرائيلي، ليس سوى محاولة لحشد التأييد المحلي والإقليمي لنظام ينتهج سياسة معادية لإسرائيل، ولا يعكس أي قلق إيراني رسمي حقيقي من التهديد الإسرائيلي. لذلك، ربما تكون إسرائيل بالنسبة للجمهورية الإسلامية عدواً إيديولوجياً وتحدياً ثقافياً، ولكنها لا تشكل أي تهديد لوجود إيران، الأمر الذي لا يستدعي بالطبع امتلاكها أي أسلحة نووية.

وفي حين يمكن اعتبار التحدي الإسرائيلي مسألة ثانوية بالنسبة لإيران، تعتبر تطورات منطقة الخليج العربي المسألة المحورية التي جعلت الإيرانيين يتطلعون إلى امتلاك أسلحة غير تقليدية. ويعتبر الخليج من منظور طهران أهم المناطق الاستراتيجية على الإطلاق، لأنه يشكل منفذ إيران الحيوي إلى أسواق النفط العالمية. ولم تقتصر مساعي عراق صدام على محاولات السيطرة على منطقة الخليج، بل كانت تهدف إلى الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط برمتها، لذلك شن عراق صدام على إيران حرباً طويلة وطاحنة، دامت ثمانية أعوام وجلبت على الإيرانيين العديد من المآسي. وفي تلك الحرب، استخدم العراقيون الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين والعسكريين الإيرانيين على حد سواء، مما أسفرعن وقوع خمسين ألف ضحية في صفوفهم، الأمر الذي ترك آثاراً نفسية عميقة لدى الإيرانيين. ولاتزال ذكرى الحرب العراقية ـ الإيرانية حاضرة في عقول وضمائر الإيرانيين، إذ تناقش تلك الحرب وآثارها وتداعياتها يومياً في الصحف الإيرانية، وفي قاعات الجامعات، وأروقة البرلمان الإيراني. وقد ورد مؤخراً في صحيفة (يا لثارات) الإيرانية ما يلي: (لا يزال المرء قادراً على رؤية مآسي وجروح محاربينا القدامى جراء الغازات السامة الألمانية والفرنسية الصنع التي استخدمها صدام حسين ضدهم).لقد تسببت الذكريات والمظاهر المأساوية لتلك الحرب بصيحات: (لن نسمح بتكرار ذلك!)، أطلقتها جموع غفيرة من الإيرانيين في العديد من المناسبات، ما أدى إلى وقوف الشعب الإيراني بحزم وراء الرغبة في بناء قدرات ذاتية رادعة تمكّنهم من الانتقام أو الرد الحاسم على أي هجوم محتمل.

لقد أدت الإطاحة بنظام صدام حسين إلى تقليص التحدي العراقي فقط ولم تزله بشكل كامل، لأن طبيعة تطورات الساحة العراقية التي لا يمكن التنبؤ بها، تثير مزيداً من القلق لدى الإيرانيين وتسهم في تمسكهم بالخيار النووي. وإذا تحول العراق إلى حليف وثيق لواشنطن، وقبل القيام بدور شرطي منطقة الخليج بدعم ورعاية الأمريكيين، فسيعاني الإيرانيون من التهميش والعزلة. وفي الواقع، أظهرت الحكومات العراقية المتعاقبة رغبتها الحقيقية في السيطرة على منطقة الخليج العربي، مما قد يشجع الولايات المتحدة التي تسعى إلى استقطاب مزيد من الحلفاء في تلك المنطقة على تغذية هذا التوجه العراقي في إطار محاولاتها لاحتواء دول متعنتة ومتمردة كإيران. إن إعادة إحياء مبدأ نيكسون ـ حيث سعت الولايات المتحدة إلى ضمان الاستقرار في منطقة الخليج العربي عبر دعم حليفها الإيراني المطيع والوفي في ظل حكم الشاه ـ مع عراق يقوم بالدور الذي أوكل لإيران سابقاً، ستحدّ من خيارات طهران بشكل كبير. ولذلك سيؤدي امتلاك إيران الأسلحة النووية إلى تعزيز قدرتها على حماية مصالحها الوطنية وفرض الضغوط اللازمة لدعم قضاياها، إلا أن عدم قابلية التنبؤ بسياسات الحكومة العراقية المستقبلية كاملة السيادة، يطرح على القيادة الدينية في إيران جملة من الاحتمالات، مما ستضطر معه إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الضرورية ـ للحفاظ على أمنها ووحدة أراضيها وصيانة مصالحها ـ والتي من ضمنها تطوير برنامج متكامل للأبحاث النووية.

وتشير الوقائع إلى احتمال بقاء العراق فترة طويلة مصدر قلق كبير بالنسبة لإيران، لكن الولايات المتحدة تبقى التحدي الاستراتيجي الأول الذي يجب على الإيرانيين مواجهته في الوقت الراهن، وهي أيضاً السبب الرئيسي لبحثهم عن سبل امتلاك الردع النووي، لما شهدته العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية من تدهور خطير في السنوات الأخيرة. يضاف إلى ذلك ظهور مبدأ الرئيس جورج بوش الابن، الذي ادعت الولايات المتحدة بموجبه الحق لنفسها بالتدخل عسكرياً أينما اقتضت الضرورة ذلك كإجراء استباقي لمكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل أو لتغيير أنظمة حكم معينة بهدف نزع أسلحتها. إن انتشار القوات الأمريكية في الدول المحيطة بإيران في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر 2001، يعزز مصداقية ادعاءات الإيرانيين المتكررة بأن الولايات المتحدة الأمريكية تحكم الطوق على بلادهم. وصورت الصحيفة الإيرانية المحافظة واسعة الانتشار، (ماردوم ـ سالاري)، المأزق الإيراني على النحو التالي: (بعد احتلال العراق، اكتمل الطوق الذي تضربه الدول المعادية والتحالفات العدوة والدول غير الصديقة حول إيران). وفي صحيفة (أفتابي يازد) ورد أنه في ظل المخاطر الإقليمية التي تواجهها إيران: (… ربما يفكر الإيرانيون بالجانب العسكري للطاقة النووية في المستقبل المنظور).

لقد ترك النجاح الباهر الذي حققته عملية تحرير العراق ـ بما في ذلك الإطاحة بنظام صدام حسين ـانطباعاً رهيباً لدى القيادة الإيرانية. وبناء على التوقعات بامتلاك العراق لمخزون من الأسلحة الكيميائية أقدمت واشنطن على تلك الحرب غير آبهة أو مردوعة بتلك الأسلحة. إضافة إلى ذلك، أفصح أحد المسؤولين الإيرانيين عن نظرته إلى عملية تحرير العراق بقوله (.. لم تستغرق عملية الإطاحة بصدام حسين أكثر من واحد وعشرين يوماً فقط. يجب أن تثير هذه الحقيقة قلقاً كبيراً لدى كافة دول المنطقة). وعلى نقيض العراق تشكل تجربة كوريا الشمالية مدرسة قائمة بحد ذاتها، لأن القدرات النووية التي يفترض أن بيونغ يانغ تمتلكها، لم تكن كفيلة بإبعاد شبح أي غزو عسكري أمريكي استباقي لها فقط، بل لقد أسهمت في تعزيز أمنها وتحقيقها مكاسب اقتصادية كبيرة. قد ينظر الرئيس بوش إلى خصمه الكوري الشمالي كيم يونغإيل بازدراء، لكن إلى جانب الاحتمال الضئيل بالقيام بعمل عسكري ضد كوريا الشمالية، تتدارس الولايات المتحدة وحلفاؤها عرض صفقة على كوريا الشمالية ترمي إلى تحسين أوضاعها الاقتصادية وتقديم ضمانات أمنية لها لثنيها عن مواصلة مسيرتها النووية. إن مصيري العراق وكوريا الشمالية المتناقضين يزيدان بكل تأكيد من أهمية الأسلحة النووية بالنسبة للنخبة الدينية الحاكمة في إيران.

لقد اتسمت الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، بنتائج متناقضة بالنسبة لإيران، إذ أطيح بعدوين لدودين لها، وهما: حركة طالبان وصدام حسين. ولكن بالمقابل، ازداد عداء الإيرانيين للولايات المتحدة واشتدت نزعتهم للانتقام منها، فتورطوا في المستنقع العراقي، ما استنفد بعضاً من مواردهم وكبح رغبتهم في الانتقام من الأمريكيين.

ومهما يكن من أمر، فإن النخبة الدينية الحاكمة في إيران تتوقع مستقبلاً مملوءاً بالتوتر والاضطربات الداخلية وعدم الاستقرار الإقليمي، مما سيعمّق توجساتهم الأمنية، خصوصاً في ظل الحضور العسكري الأمريكي المكثف الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ منطقة الخليج العربي ودول أخرى مجاورة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. ليس هذا فحسب، فقد يشهد العراق تحت الوصاية الأمريكية تحولاً جذرياً مصحوباً بجملة من التحديات الصعبة، إن لم تكن قاهرة، سيتعيّن على الإيرانيين مواجهتها بكل حزم. هذا النوع من التحديات والمخاطر المحتملة يدفع المسؤولين الإيرانيين إلى التمسك بالاستراتيجية النووية لفاعليتها في مواجهة تلك التحديات، التي يتخذون منها مسوغاً لامتلاك الأسلحة النووية، انطلاقاً من مشروعية الحفاظ على نظامهم السياسي ووحدة أراضيهم. لكن من المفاجئ فعلاً، أنه حتى عندما يتعلق الأمر بقضية مركزية كهذه، يلاحظ وجود أصوات معارضة للمشروع النووي الإيراني حتى داخل المؤسسة الدينية نفسها. والأهم من ذلك أن هؤلاء المعارضين يتمتعون بالنفوذ الكافي لتغييراتجاه ذلك المشروع الحساس.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1376::/cck::
::introtext::

فيما يتواصل النقاش حول اختفاء أسلحة الدمار الشامل العراقية، تلوح في الأفق بوادر أزمة أسلحة دمار شامل جديدة في منطقة الشرق الأوسط، ذلك بأن إيران تسعى إلى الحصول تدريجياً على التكنولوجيا والخبرات الضرورية لإنتاج الأسلحة النووية، تحت غطاء برامج الأبحاث المدنية. وتشكل الخطى الإيرانية الحثيثة نحو إنتاج القنبلة النووية أحد التحديات الصعبة التي يتعينعلى الإدارة الأمريكية أن تواجهها في منطقة الخليج العربي.

::/introtext::
::fulltext::

فيما يتواصل النقاش حول اختفاء أسلحة الدمار الشامل العراقية، تلوح في الأفق بوادر أزمة أسلحة دمار شامل جديدة في منطقة الشرق الأوسط، ذلك بأن إيران تسعى إلى الحصول تدريجياً على التكنولوجيا والخبرات الضرورية لإنتاج الأسلحة النووية، تحت غطاء برامج الأبحاث المدنية. وتشكل الخطى الإيرانية الحثيثة نحو إنتاج القنبلة النووية أحد التحديات الصعبة التي يتعينعلى الإدارة الأمريكية أن تواجهها في منطقة الخليج العربي.

خلال السنوات القليلة الماضية، جرى كشف النقاب عن سلسلة من الحقائق التي فاجأت المجتمع الدولي، مما اضطر معه عدد من وكالات وأجهزة الاستخبارات إلى إعادة النظر في سابق تقييماتها لبعض القضايا الدولية. وقعت الصدمة الأولى في أغسطس 2002، إثر اكتشاف منشأة (ناتانز)، التي أثبتت أن الإيرانيين قطعوا شوطاً تكنولوجياً كبيراً في عملية التخصيب المعقدة، مما يمكـّـنـهـم من تخصيب اليورانيوم إلى درجات تكاد تكون كافية لاستخدامه في إنتاج الأسلحة النووية. ليس هذا فحسب، بل لقد ثبت أن إيران تنشط أيضاً في مجال تطوير تكنولوجيا فصل مادة البلوتونيوم الضرورية لبناء قدرات نووية ذاتية. ويشير ما لدى إيران من منشآت للماء الثقيل في مدينة أصفهان واقتراب انتهائها من بناء محطة نووية في (أراك) (Arak)، إلى حقيقة أن إمكانات إيران في مجال تخصيب اليورانيوم هي أكثر بكثير مما كان متوقعاً. وعلى الرغم من تلقي الإيرانيين مساعدات خارجية أسهمت في دعم وتطوير برنامجهم النووي في بعض مراحلهالأولى ـ خصوصاً من روسيا وشبكة عبدالقدير خان الشهيرة ـ يظهر التطور الذي بلغته المنشآت النووية الإيرانية، أن إيران حققت قدراً من الاكتفاء الذاتي في مجال التكنولوجيا النووية الخطيرة، مما يجعل الإجراءات التي يتم اتخاذها عادة لمكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل ـ كتشديد الرقابة على الواردات وتقليص المساعدات الخارجية ـ ذات تأثير محدودفي الجدول الزمني لأنشطتها النووية. وأكد الرئيس الإيراني السابق، آية الله أكبر هاشمي رفسنجاني ـ وهو من الشخصيات البارزة التي تتمتع بنفوذ واسع في إيران ـ مؤخراً هذا الاستنتاج بالقول(يصيب من يقول إننا على وشك تحقيق اختراقنووي).

ونظراً للتقدم الواضح الذي أحرزته إيران، ولتركيزها المكثف على الجانب التكنولوجي لبرنامجها النووي، فإنه من المحتمل أن يكون الإيرانيون قد أظهروا جدولاً زمنيًا مزوَّراً لإخفاء أنشطتهم النووية السرية. وتشير الوقائع التاريخية إلى أنه عندما ترغب دولة ما في إطلاق برنامجها النووي، فإنها تحشد له تأييد نخبة من السياسيين البارزين والدعم الجماهيري الواسع لإيجاد القوة الوطنية المحرّكة لمشروعها النووي. وهذا ما حدث فعلاً في الهند وباكستان. فبعد اكتمال المقومات الأساسية لبرنامجيْهما النوويـَـيْـن، قامت الحكومتان باجتذاب بعض الشخصيات السياسية البارزة، التي حشدت التأييد الجماهيري لهما، مستخدمة الشعارات والعبارات الحماسية، كعزة الوطن وسيادته ومكانة الأمة بين الشعوب، ونالت تأييد القادة العسكريين عبر إغرائهم بامتلاك أسلحة مرعبة وفتاكة، بالإضافة إلى دور المؤسسة العلمية في الترويج لذلك البرنامج، على أنه مشروع مربح جداً ويؤمن فرص عمل جديدة. فتطوير هذا النوع من التحالف والمؤيدين عملية استراتيجية بالغة الأهمية، لأنها تشكل بحد ذاتها (نقطة اللاعودة السياسية)، وذلك سنوات قبل التوصل إلى بناء القنبلة النووية الأولى، وقد تجلت هذه الظاهرة بكامل تفاصيلها وبمنتهى الوضوح في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

يلاحظ أنه فيالوقت نفسه الذي تواصل فيه الجمهورية الإسلامية الإيرانية مسيرتها النووية الخطيرة، اكتفت واشنطن حتى الآن باستراتيجية ترك معالجة هذه المسألة للوكالة الدولية للطاقة الذرية. غير أن النتيجة الحتمية التي ستؤدي إليها هذه الاستراتيجية الأمريكية، هي مشكلة تحول إيران إلى العضو الجديد في نادي الدول النووية. ذلك لأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تركز فقط على تشديد المراقبة على المواد المستوردة، وتفتيش المنشآت الإيرانية ومحاولة الحيلولة دون حصول إيران على الإمكانات التكنولوجية المحظورة، وتحذير الإيرانيين من أن الخروقات الموثقة ستدفع المجتمع الدولي إلى فرض عقوبات متعددة عليهم. لكنّ أيـاً من هذه الإجراءات لا يتعامل مع السبب الجوهري الذي يدفع إيران إلى العمل على امتلاك القنبلة النووية، وهو شعور الإيرانيين بعدم الأمان وبقدرة مناهضيهم ـ الذين يتفوقون عليهم عسكرياً ـ على إلحاق الأذى بهم أو النيل منهم. لذلك، ستؤدي إجراءات الوكالة الدولية للطاقة الذرية في النهاية إلى نتائج عكسية،لأن هذه الوكالة تتعامل بالتهديد تارة وبالترغيب تارة أخرى مع دولة أصبحت في غاية القلق على وضعها الأمني، وستكون النتيجة الوحيدة لهذه الإجراءات هي اتخاذ الإيرانيين من التهديدات الخارجية مبرراً لبناء ترسانة نووية.

تشهد إيران في الوقت الراهن حواراً داخلياً مكثفاً لتحديد اتجاه برنامجها النووي، الذي ربما ستعتمد نتيجته النهائية على تطور العلاقات الإيرانيةـ الأمريكية، والهيكليات الأمنية المستقبلية في منطقة الخليج العربي، وعلى طبيعة مستجدات السياسة الداخلية الإيرانية. فالمعارضون يسعون إلى إقناع المتشددين في السلطة الدينية الإيرانية بتغيير موقفهم الداعم والمؤيد لبرنامج نووي واسع. وعندما تتغير التحالفات ويتراجع المؤيدون، وتتحول السياسات والمواقف في أروقة السلطة الدينية الإيرانية عن مسارها الحالي، ستتوفر الفرصة السانحة لواشنطن للتأثير في الاتجاه الذي سيتخذه الحوار النووي الإيراني قبل فوات الأوان. لأن أي تسوية ثنائية أمريكية ـ إيرانية تنطوي على تنازلات متبادلة من الطرفين، من شأنها تعزيز موقف أعضاء المؤسسة الدينية الحاكمة الداعين إلى إيقاف برنامج تخصيب اليورانيوم الرامي إلى إنتاج الوقود النووي، حسب الادعاءات الإيرانية الرسمية. وعند معالجة الأزمة النووية الإيرانية، تعتبر قيادة الولايات المتحدة للجهود التي تبذل لإيجاد حل لتلك الأزمة، وانخراط واشنطن المباشر بتلك الجهود أمرين لا يمكن الاستغناء عنهما.

لماذا ترغب إيران في امتلاك الأسلحة النووية؟

بخلاف كثير من الافتراضات الغربية، فإن رغبة إيران في الحصول على الأسلحة النووية لا تقوم على أسس إيديولوجية غير منطقية، بل تنطلق من محاولة حكيمة لبناء قدرات ذاتية حيوية رادعة تمكّنها من مواجهة جملة من التهديدات. وكثيراً ما تتم المحاججة بأن خطورة البيئة المحيطة بإيران وعدم قابلية التنبؤ بالتطورات التي قد تشهدها، هما العاملان اللذان قد يدفعان إيران إلى امتلاك الأسلحة النووية، لكن يصعب على المرء فهم ضرورة امتلاك إيران للأسلحة النووية وكيفية استخدامها لتلك الأسلحة لتخفيف الاضطرابات التي تحدث في الدول المجاورة لها. وربما يكون عدم الاستقرار الذي تشهده أفغانستان وآسيا الوسطى يشكل مصدر قلق كبير لواضعي الخطط الدفاعية في إيران، لكن الأسلحة النووية لن تسهم في حل مثل تلك الأزمات. إن دراسة ظروف ومعطيات الحالة الإيرانية بعناية تظهر أن هناك بعض التهديدات ـ وهي أكثر حدّة من مشكلات آسيا الوسطى، وأكبر حجماً من الأخطار التي قد تواجهها إيران بسبب أوضاع أفغانستان غير المستقرة ـ هي التي تسببت بظهور البرنامج النووي الإيراني. إن حاجة الإيرانيين إلى مواجهة التهديدين العراقي والأمريكي، هي السبب الرئيسي الذي دفعهم إلى تطوير برنامجهم النووي.

من المهم في مستهل الحديث عن أسباب التوجه النووي الإيراني وضع المسألة الإسرائيلية في سياقها الصحيح. فكثيراً ماطرح أن العداء القائم بين إيران إسرائيل التي تمتلك الأسلحة النووية، هو السبب الرئيسي الذي دفع الإيرانيين نحو الخيار النووي. وتكفي نظرة سريعة على خطاب النخبة الدينية الحاكمة في إيران للتأكد من تكرار استعاذتهم بالله من التهديد الإسرائيلي. وفي الحقيقة، لا تزال إسرائيل في نظر جيل من رجال الدين الإيرانيين كياناً غير مشروع، لأنها برأيهم قامت على أساس اغتصاب أراضٍ إسلامية، وتقوم بأدوار عميلة للإمبريالية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. هذا النوع من العداء الإيديولوجي تسبب أيضاً في دعم إيران لبعض المنظمات (الإرهابية) والمنظمات الفلسطينية الرافضة للسلام مع إسرائيل، والتي تقاتل ضد الدولة اليهودية. ومهما يكن من أمر، فقد استطاعت كل من إيران وإسرائيل السيطرة على نزاعاتهما المنخفضة الحدّة وتجنبتا بكثير من اللياقة والبراعة وقوع مواجهات عسكرية مباشرة بينهما. وهكذا، يستنتج أن الخطاب الإيراني الداعي إلى توخي الحيطة والحذر من حجم التهديد الإسرائيلي، ليس سوى محاولة لحشد التأييد المحلي والإقليمي لنظام ينتهج سياسة معادية لإسرائيل، ولا يعكس أي قلق إيراني رسمي حقيقي من التهديد الإسرائيلي. لذلك، ربما تكون إسرائيل بالنسبة للجمهورية الإسلامية عدواً إيديولوجياً وتحدياً ثقافياً، ولكنها لا تشكل أي تهديد لوجود إيران، الأمر الذي لا يستدعي بالطبع امتلاكها أي أسلحة نووية.

وفي حين يمكن اعتبار التحدي الإسرائيلي مسألة ثانوية بالنسبة لإيران، تعتبر تطورات منطقة الخليج العربي المسألة المحورية التي جعلت الإيرانيين يتطلعون إلى امتلاك أسلحة غير تقليدية. ويعتبر الخليج من منظور طهران أهم المناطق الاستراتيجية على الإطلاق، لأنه يشكل منفذ إيران الحيوي إلى أسواق النفط العالمية. ولم تقتصر مساعي عراق صدام على محاولات السيطرة على منطقة الخليج، بل كانت تهدف إلى الهيمنة على منطقة الشرق الأوسط برمتها، لذلك شن عراق صدام على إيران حرباً طويلة وطاحنة، دامت ثمانية أعوام وجلبت على الإيرانيين العديد من المآسي. وفي تلك الحرب، استخدم العراقيون الأسلحة الكيميائية ضد المدنيين والعسكريين الإيرانيين على حد سواء، مما أسفرعن وقوع خمسين ألف ضحية في صفوفهم، الأمر الذي ترك آثاراً نفسية عميقة لدى الإيرانيين. ولاتزال ذكرى الحرب العراقية ـ الإيرانية حاضرة في عقول وضمائر الإيرانيين، إذ تناقش تلك الحرب وآثارها وتداعياتها يومياً في الصحف الإيرانية، وفي قاعات الجامعات، وأروقة البرلمان الإيراني. وقد ورد مؤخراً في صحيفة (يا لثارات) الإيرانية ما يلي: (لا يزال المرء قادراً على رؤية مآسي وجروح محاربينا القدامى جراء الغازات السامة الألمانية والفرنسية الصنع التي استخدمها صدام حسين ضدهم).لقد تسببت الذكريات والمظاهر المأساوية لتلك الحرب بصيحات: (لن نسمح بتكرار ذلك!)، أطلقتها جموع غفيرة من الإيرانيين في العديد من المناسبات، ما أدى إلى وقوف الشعب الإيراني بحزم وراء الرغبة في بناء قدرات ذاتية رادعة تمكّنهم من الانتقام أو الرد الحاسم على أي هجوم محتمل.

لقد أدت الإطاحة بنظام صدام حسين إلى تقليص التحدي العراقي فقط ولم تزله بشكل كامل، لأن طبيعة تطورات الساحة العراقية التي لا يمكن التنبؤ بها، تثير مزيداً من القلق لدى الإيرانيين وتسهم في تمسكهم بالخيار النووي. وإذا تحول العراق إلى حليف وثيق لواشنطن، وقبل القيام بدور شرطي منطقة الخليج بدعم ورعاية الأمريكيين، فسيعاني الإيرانيون من التهميش والعزلة. وفي الواقع، أظهرت الحكومات العراقية المتعاقبة رغبتها الحقيقية في السيطرة على منطقة الخليج العربي، مما قد يشجع الولايات المتحدة التي تسعى إلى استقطاب مزيد من الحلفاء في تلك المنطقة على تغذية هذا التوجه العراقي في إطار محاولاتها لاحتواء دول متعنتة ومتمردة كإيران. إن إعادة إحياء مبدأ نيكسون ـ حيث سعت الولايات المتحدة إلى ضمان الاستقرار في منطقة الخليج العربي عبر دعم حليفها الإيراني المطيع والوفي في ظل حكم الشاه ـ مع عراق يقوم بالدور الذي أوكل لإيران سابقاً، ستحدّ من خيارات طهران بشكل كبير. ولذلك سيؤدي امتلاك إيران الأسلحة النووية إلى تعزيز قدرتها على حماية مصالحها الوطنية وفرض الضغوط اللازمة لدعم قضاياها، إلا أن عدم قابلية التنبؤ بسياسات الحكومة العراقية المستقبلية كاملة السيادة، يطرح على القيادة الدينية في إيران جملة من الاحتمالات، مما ستضطر معه إلى اتخاذ العديد من الإجراءات الضرورية ـ للحفاظ على أمنها ووحدة أراضيها وصيانة مصالحها ـ والتي من ضمنها تطوير برنامج متكامل للأبحاث النووية.

وتشير الوقائع إلى احتمال بقاء العراق فترة طويلة مصدر قلق كبير بالنسبة لإيران، لكن الولايات المتحدة تبقى التحدي الاستراتيجي الأول الذي يجب على الإيرانيين مواجهته في الوقت الراهن، وهي أيضاً السبب الرئيسي لبحثهم عن سبل امتلاك الردع النووي، لما شهدته العلاقات الإيرانية ـ الأمريكية من تدهور خطير في السنوات الأخيرة. يضاف إلى ذلك ظهور مبدأ الرئيس جورج بوش الابن، الذي ادعت الولايات المتحدة بموجبه الحق لنفسها بالتدخل عسكرياً أينما اقتضت الضرورة ذلك كإجراء استباقي لمكافحة انتشار أسلحة الدمار الشامل أو لتغيير أنظمة حكم معينة بهدف نزع أسلحتها. إن انتشار القوات الأمريكية في الدول المحيطة بإيران في أعقاب الحادي عشر من سبتمبر 2001، يعزز مصداقية ادعاءات الإيرانيين المتكررة بأن الولايات المتحدة الأمريكية تحكم الطوق على بلادهم. وصورت الصحيفة الإيرانية المحافظة واسعة الانتشار، (ماردوم ـ سالاري)، المأزق الإيراني على النحو التالي: (بعد احتلال العراق، اكتمل الطوق الذي تضربه الدول المعادية والتحالفات العدوة والدول غير الصديقة حول إيران). وفي صحيفة (أفتابي يازد) ورد أنه في ظل المخاطر الإقليمية التي تواجهها إيران: (… ربما يفكر الإيرانيون بالجانب العسكري للطاقة النووية في المستقبل المنظور).

لقد ترك النجاح الباهر الذي حققته عملية تحرير العراق ـ بما في ذلك الإطاحة بنظام صدام حسين ـانطباعاً رهيباً لدى القيادة الإيرانية. وبناء على التوقعات بامتلاك العراق لمخزون من الأسلحة الكيميائية أقدمت واشنطن على تلك الحرب غير آبهة أو مردوعة بتلك الأسلحة. إضافة إلى ذلك، أفصح أحد المسؤولين الإيرانيين عن نظرته إلى عملية تحرير العراق بقوله (.. لم تستغرق عملية الإطاحة بصدام حسين أكثر من واحد وعشرين يوماً فقط. يجب أن تثير هذه الحقيقة قلقاً كبيراً لدى كافة دول المنطقة). وعلى نقيض العراق تشكل تجربة كوريا الشمالية مدرسة قائمة بحد ذاتها، لأن القدرات النووية التي يفترض أن بيونغ يانغ تمتلكها، لم تكن كفيلة بإبعاد شبح أي غزو عسكري أمريكي استباقي لها فقط، بل لقد أسهمت في تعزيز أمنها وتحقيقها مكاسب اقتصادية كبيرة. قد ينظر الرئيس بوش إلى خصمه الكوري الشمالي كيم يونغإيل بازدراء، لكن إلى جانب الاحتمال الضئيل بالقيام بعمل عسكري ضد كوريا الشمالية، تتدارس الولايات المتحدة وحلفاؤها عرض صفقة على كوريا الشمالية ترمي إلى تحسين أوضاعها الاقتصادية وتقديم ضمانات أمنية لها لثنيها عن مواصلة مسيرتها النووية. إن مصيري العراق وكوريا الشمالية المتناقضين يزيدان بكل تأكيد من أهمية الأسلحة النووية بالنسبة للنخبة الدينية الحاكمة في إيران.

لقد اتسمت الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في فترة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، بنتائج متناقضة بالنسبة لإيران، إذ أطيح بعدوين لدودين لها، وهما: حركة طالبان وصدام حسين. ولكن بالمقابل، ازداد عداء الإيرانيين للولايات المتحدة واشتدت نزعتهم للانتقام منها، فتورطوا في المستنقع العراقي، ما استنفد بعضاً من مواردهم وكبح رغبتهم في الانتقام من الأمريكيين.

ومهما يكن من أمر، فإن النخبة الدينية الحاكمة في إيران تتوقع مستقبلاً مملوءاً بالتوتر والاضطربات الداخلية وعدم الاستقرار الإقليمي، مما سيعمّق توجساتهم الأمنية، خصوصاً في ظل الحضور العسكري الأمريكي المكثف الذي لم يسبق له مثيل في تاريخ منطقة الخليج العربي ودول أخرى مجاورة للجمهورية الإسلامية الإيرانية. ليس هذا فحسب، فقد يشهد العراق تحت الوصاية الأمريكية تحولاً جذرياً مصحوباً بجملة من التحديات الصعبة، إن لم تكن قاهرة، سيتعيّن على الإيرانيين مواجهتها بكل حزم. هذا النوع من التحديات والمخاطر المحتملة يدفع المسؤولين الإيرانيين إلى التمسك بالاستراتيجية النووية لفاعليتها في مواجهة تلك التحديات، التي يتخذون منها مسوغاً لامتلاك الأسلحة النووية، انطلاقاً من مشروعية الحفاظ على نظامهم السياسي ووحدة أراضيهم. لكن من المفاجئ فعلاً، أنه حتى عندما يتعلق الأمر بقضية مركزية كهذه، يلاحظ وجود أصوات معارضة للمشروع النووي الإيراني حتى داخل المؤسسة الدينية نفسها. والأهم من ذلك أن هؤلاء المعارضين يتمتعون بالنفوذ الكافي لتغييراتجاه ذلك المشروع الحساس.

::/fulltext::
::cck::1376::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *