الأحواز (عربستان): القضية المنسية في أجندة الشرق الأوسط

::cck::1417::/cck::
::introtext::

جاءت التطورات السياسية في منطقة الخليج العربي بعد احتلال العراق والتلويح الأمريكي باستخدام القوة ضد إيران باعتبارها الطرف الثاني على قائمة دول (محور الشر) الأمريكية سابقاً، متزامنة مع انتفاضة العرب في الأحواز (أو الأهواز) في عام 2003م، إثر الاعتداءات المهينة التي تعرض لها العرب هناك على يد الشرطة الإيرانية التي أباحت لنفسها حجب الحياة والحرية عن الأقلية العربية في الأحواز بعد تواصلهم الإعلامي مع أشقائهم العرب في المنطقة، وانفتاحهم على الفضائيات العربية والدولية التي بدأت تتعرف شيئاً فشيئاً إلى قضيتهم.

::/introtext::
::fulltext::

جاءت التطورات السياسية في منطقة الخليج العربي بعد احتلال العراق والتلويح الأمريكي باستخدام القوة ضد إيران باعتبارها الطرف الثاني على قائمة دول (محور الشر) الأمريكية سابقاً، متزامنة مع انتفاضة العرب في الأحواز (أو الأهواز) في عام 2003م، إثر الاعتداءات المهينة التي تعرض لها العرب هناك على يد الشرطة الإيرانية التي أباحت لنفسها حجب الحياة والحرية عن الأقلية العربية في الأحواز بعد تواصلهم الإعلامي مع أشقائهم العرب في المنطقة، وانفتاحهم على الفضائيات العربية والدولية التي بدأت تتعرف شيئاً فشيئاً إلى قضيتهم.

إن مجمل تلك التطورات بالإضافة إلى فشل مؤتمرات القمة العربية في وضع حلول علاجية للمشكلات العالقة بين العرب وإيران، تؤكد من جديد على عمق الهوة القائمة في الحوار العربي – الإيراني حيال العديد من القضايا العالقة بينهما بدءاً من قضية الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى)، ومروراً بقضية عربستان (الأحواز) الغائبة عن ساحة النظام الإقليمي العربي والشرق الأوسط برمته، وصولاً إلى خطر التسلح الإيراني في المنطقة والذي يشكل عامل تهديد قائماً لدول الخليج العربية، رغم ما تشهده المنطقة من تغيرات استراتيجية عميقة تبعد احتمال أي تصادم إيراني – خليجي في ظل الهيمنة الأمريكية على أجندة توازن القوى في الخليج العربي.

وقد مثّل المناخ السائد في العلاقات العربية – الإيرانية، عاملاً في إثارة ملحة حول سر غياب قضية عربستان (الأحواز) عن دائرة الاهتمام العربي والدولي، خصوصاً أن الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية في الإقليم كانت ولا تزال مضطربة نتيجة لعوامل عدة أهمها التفاعلات الصراعية بين إيران والعراق، والتي بلغت ذروتها إبان حرب الثماني سنوات، والمقاومة المتواصلة التي يبديها شعب عربستان -الذي يعد أكبر الشعوب العربية في الخليج العربي بعد الشعبين العراقي والسعودي، حيث يزيد تعدادهُ على عشرة ملايين نسمة – في وجه السياسات الإيرانية الهادفة إلى طمس هويته الثقافية والقومية.

وبدأت قصة معاناة الإقليم في العشرين من نيسان عام 1925م عندما قامت إيران الشاه باحتلال إقليم الأحواز (عربستان)، بعد أن تم استدراج الشيخ خزعل الكعبي حاكم الإقليم إلى فخ نصبله من قبل قائد الجيش الإيراني الجنرال زهدي من أجل إجراء مباحثات، إلا أن الجنرال زهدي قام باعتقال الشيخ خزعل وتم إيداعه سجون طهران مع مجموعة من مرافقيه حتى عام 1936 حيث تم اغتياله هناك.

ومنذ احتلال الأحواز وحتى اليوم كانت-ولاتزال- قضية عربستان أو الأحواز القضية العربية والإقليمية والدولية المغيّبة عن خريطة الشرق الأوسط تارة للطمس الثقافي والقومي الذي تُمارسه إيران ضد هذا الإقليم والعرب القاطنين فيه، وتارة أخرى للتجاهل الإعلامي العربي والدولي لهذا الإقليم العربي، وتارة للظروف الإقليمية والعربية التي كانت منشغلة في قضايا أخرى على حساب هذه القضية المهمة في إطار النظام الإقليمي العربي، الأمر الذي نجم عنه في نهاية المطاف أن يشارك عرب الأحواز أشقاءهم العرب في كل همومهم ومشكلاتهم وأحزانهم ويتظاهرون مع كل هبوب أزمة عربية هنا أو هناك مقابل تناسي وإغفال عربي رسمي وشعبي لقضيتهم هناك، حيث التجاهل والمعاناة والتخلف الثقافي والتغريب القومي الذي تُمارسه السلطات الإيرانية ضدهم.

عرب الأحواز يشاركون أشقاءهم العرب في كل همومهم و مشكلاتهم وأحزانهم و يتفاعلون معها 

ومنذ اليوم الأول للاحتلال قامت الثورات الأحوازية في مواجهة المحتل الإيراني الذي مارس سياسة الأرض المحروقة التي كان يتبعها الاستعمار في ذلك الوقت، فقاموا بتدمير القرى والمدن العربية الأحوازية وتم إعدام الشباب الأحوازي من دون أي محاكمة أو فرصة للدفاع عن أنفسهم من أجل إرهاب بقية الأهالي. وحتى الآثار لم تنج من التدمير والتخريب من أجل طمس هوية الأحواز العربية وإنهاء ارتباطها التاريخي بعروبتها وربطها بالتاريخ الفارسي، فعمدت إلى تزوير التاريخ والادعاء بحقها بالأحواز التي غيرت اسمها إلى (الأهواز)، كما قامت بتغيير أسماء المدن العربية إلى أسماء فارسية، فالمحمرة العاصمة التاريخية للأحواز حولوا اسمها الى خورمشهر وعبادان إلى آبادان والحوزة إلى الهويزة حتى الأحواز تم تسميتها بخوزستان، كل ذلك ضمن سياسة (التفريس) المتبعة، ولم تنجو الأسماء الشخصية من التفريس، فكل الأسماء العربية تم تحويلها إلى أسماء فارسية ولم يعد من حق أي أسرة أن تسمي أولادها إلا بأسماء فارسية.

ولم تكتف الحكومات الإيرانية بذلك، بل سعت إلى عملية التهجير للقبائل العربية المقيمة في الأحواز إلى مناطق الشمال الإيراني واستجلاب سكان هذه المناطق إلى الأحواز وإسكانهم فيها، كما مارست سياسة التجويع للشباب الأحوازي نتيجة لانعدام فرص العمل ومن أجل إجباره على الهجرة نحو الداخل الإيراني، وبالتالي يتم إبعادهم عن وطنهم وأهلهم وانتمائهم وإدماجهم بمناطق جديدة بعادات وأعراف أخرى أو الهجرة خارج البلاد وفقدهم لهويتهم العربية من خلال ارتباطهم بمعيشتهم وهمومهم الخاصة.

قضية الأحواز غائبة عن ساحة النظام الإقليمي العربي و الشرق الأوسط برمته 

وقد أصدرت الحكومة الفارسية بعد احتلال الأحواز وأثناء أسر الشيخ خزعل في طهران بياناً ادعت فيه أن الشيخ خزعل هو الذي أصدره بعد وصوله طهران، وقد جاء في البيان ما يأتي:

1- يتنازل أمير عربستان الشيخ خزعل المحيسن عن الحكم الى ابنه جاسب المحيسن.

2- يحق للدولة الإيرانية أن تشرف على الحكم الداخلي في عربستان.

3- تقطع عربستان علاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى التي كانت قد عقدت معها معاهدات تجارية أو أقامت معها علاقات سياسية.

فقد كان لعربستان بالفعل علاقات سياسية وتجارية مع دول عربية وأجنبية عديدة منها: العراق والإمارات العربية في الخليج وبريطانيا وروسيا وتركيا، بالإضافة إلى إيران.

ويمكن القول إن أسباب نكبة الأحواز، تتمثل في عاملين : الأول داخلي والثاني خارجي.

أما العامل الداخلي، فيتمثل في ضعف بنية أبناء الأحواز بما أصابهم من فقر وجهل ومرض وانخفاض مستوى المعيشة وانعدام الوعي السياسي والاجتماعي في زمن إمارة (البوكاسب) الكعبية وعدم الشعور بالمسؤولية نتيجة للنفوذ الأجنبي من جهة، والحيف الذي لحق بهم من حكم الشيخ خزعل وحاشيته من جهة أخرى.

أما العوامل الخارجية: فقد تضافرت في عوامل عدة للإطاحة بإمارة الأحواز العربية، ومن أهم هذه العوامل:

1- ظهور النفط في الأحواز سنة 1908م.

2- وصول الشيوعيين بقيادة لينين الى السلطة في روسيا عام 1917، مما شكل تهديداً لمصالح الغرب في الأحواز ومنطقة الخليج العربي.

3- ظهور رضا خان بهلوي في السلطة في فارس والذي يمثل العنصرية الفارسية المعادية للقومية العربية، حيث عمل ما بوسعه لإزالة كل أثر عربي في الأحواز (عربستان)، كما فصل كل الروابط والوشائج العربية التي تربط الأحواز بالوطن العربي.

4- تأييد الإنكليز للاحتلال الفارسي لقطر الأحواز، حيث ساهم الى حد كبير في نكبة العرب الأحوازيين وقد اعترف بذلك الإنكليز أنفسهم.

5- الموقف المتفرج الذي وقفه الحكام العرب من مسألة إمارة الأحواز (عربستان) بسبب السيطرة البريطانية، وهو ما اعتبر مساهمة غير مباشرة في نكبة الأحواز مستقبلاً.

وفي عام 1979م قامت الثورة الإيرانية التي ساهم فيها الشعب العربي في عربستان، وكان هدفها الخلاص من حكم الشاه الذي احتل عربستان وهجّر شعبها العربي واستولى على ممتلكاتهم بالقوة، ووضعوا كامل ثقلهم على النظام الخميني الإسلامي الجديد الذي سيقيم موازين الحق والعدل ويمنح الإقليم حريته واستقلاله الذاتي –كما توهموا-، وكانت مساهمتهم فعّالة في إضرابات عمال النفط التي شلت قدرات نظام الشاه وعجلت بسقوطه، ولكن لم تمضِ شهور حتى اندلعت المواجهات بين أبناء عربستان والنظام الثوري الإسلامي الجديد، وذلك بعد أن رفض الاعتراف بحقوقهم القومية والثقافية التي انتهكها نظام الشاه، ومن ثم ارتكب حاكم الإقليم الجنرال (أحمد مدني) في مايو 1979م مجازر بشعة راح ضحيتها مئات من أهالي مدينتي المحمرة وعبادان الذين قاوموا محاولة السلطات الإيرانية إغلاق المراكز السياسية والثقافية العربية في الإقليم، وشهدت عربستان إثر ذلك إعدامات عشوائية، ونفي زعيمها الروحي أية الله آل شبير الخاقاني إلى قم حيث توفي في ظروف غامضة.

وفي عام 1985 تجددت الثورات والانتفاضة الداخلية في عربستان، حيث قامت انتفاضة شعبية عارمة في كل أنحاء الإقليم احتجاجاً على مقال نشر في صحيفة إيرانية وجّه إهانات جارحة للعرب في الإقليم بشكل خاص والأمة العربية بشكل عام، لاسيما أن هذه التوترات والمواجهات جاءت في ظل الحرب العراقية – الإيرانية التي أخذت بعداً قومياً وثقافياً.

وفي عام 1994م اندلعت مواجهات دامية بين قوات الأمن الإيرانية وبين العرب الذين صُودرت أراضيهم في إطار مشروع قصب السكر في الإقليم، والتي قتل وجرح فيها العشرات من أصحاب الأراضي، وفي سابقة أحدثت تطوراً غير متوقعاً على سير القضية الأحوازية، عيّن الرئيس الإيراني الإصلاحي السابق محمد خاتمي وزيراً من العرب، وهو الأميرال علي شمخاني الذي شكّل حالة استثنائية في الجمهورية الإسلامية، حيث إنه من القلة العربية الأحوازية التي تسلمت مناصب حكومة عليا في إيران.

تاريخ عربستان السياسي حافل برفض الخضوع أو الاعتراف بالحكم الايراني عليه 

ومع مطلع عام 2000م وقعت مصادمات عنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين العرب الذين احتجوا على تزوير نتائج الانتخابات البرلمانية، واندلعت مواجهات دامية بين قوات الأمن وأهالي مدينة عبادان الذين تظاهروا احتجاجاً على تلوث مياه الشرب والتي خلّفت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى.

وفي ديسمبر من عام 2002 وحتى بداية يناير 2003، شهدت عربستان أو الأحواز فصلاً آخر من فصول المواجهة العنيفة بين قوات الأمن الإيرانية والأحوازيين هناك، فقد اتهم رئيس المحاكم في مدينة الأحواز المحلات التي تمت مداهمتها بأنها تبيع الأقراص المضغوطة والأشرطة العربية المبتذلة وغير المسموح بها وفقاً لقوانين الجمهورية الإسلامية في إيران، وقد شملت المداهمات التي قامت بها قوات الشرطة، دخول بعض البيوت ومصادرة (أطباق الستالايت) التي توجد بكثرة ليس في بيوت العرب فحسب، بل في بيوت غير العرب أيضاً.

وكانت آخر انتفاضات الأحوازيين تلك الانتفاضة التي اندلعت في 15 إبريل 2005 على أثر تسرب وثيقة منسوبة لمكتب الرئيس الإيراني في ذلك الوقت محمد خاتمي وتنص على ضرورة (تفريس) ثلثي سكان الأحواز وتوزيعهم على مختلف المناطق الإيرانية، وهي الوثيقة التي تؤكد الحكومة الإيرانية أنها مزورة، بينما يقول الناشطون الأحوازيون إنها حقيقية.

وتكتسب قضية الأحواز العربي اليوم، بعد تفاقم الصراع الدائر على أرض العراق المحتل، أهمية خاصة لدى المحتل الإيراني، فالمؤسسات الإيرانية تشارك بشكل مباشر في احتلال العراق وتساهم إلى جانب قوات الغزو الأمريكية والبريطانية في محاربة الشعب العراقي، كما تقوم إيران عبر بعض القوى العراقية الشعوبية في تدمير مقدرات وإمكانات الدولة العراقية وإبادة سكانه، وتعمل وعملاؤها العراقيون على تمزيق هذا البلد العربي وتقسيمه إلى دويلات لإفشال أي جهود ممكنة لتوحده من جديد، وبالتالي إضعاف مقاومة الشعب الأحوازي على الجانب الآخر من ساحل الخليج من تحقيق حلم الاستقلال والانفصال عن بلاد فارس.

إن الأحواز الوطن العربي التوأم للعراق المحتل أصبح من أهم ساحات الصراع العربي – الإيراني، ومن خلال شعبه وأرضه يقرر مستقبل تلك العلاقات المزمنة والمتوترة باستمرار، ويجب على الدول العربية أن تدرك حقيقة أن تحقيق استقلال العراق التام وحل قضية الأحواز العربية بشكل كامل وإعادة الجزر الإماراتية المحتلة وتحجيم دور التدخل الإيراني في الشؤون العربية، هي السبل الكفيلة لحوار عربي – إيراني يؤسس لتحالف استراتيجي بينهما.

خلاصة القول مما سبق، أن التاريخ السياسي لعربستان تاريخ حافل برفض الخضوع أو الاعتراف بالحكم الإيراني عليه، لإدراك العرب الأحواز حقهم التاريخي والثقافي والقومي في عروبة هذا الإقليم، وحقهم في تقرير المصير والاستقلال عن الجمهورية الإيرانية التي لم تختلف في عنفها وسلوكها البشع مع العرب هناك عن نظام الشاه الذي أباح لنظامه البائد القتل والتنكيل بأبناء عربستان من دون وجه حق، ولعل ما يطلبه أهل عربستان هو فقط الوقوف والتضامن معهم كأضعف الإيمان، وإن لم يكن من باب العروبة والقومية، فمن باب الشعور الإنساني البحت على الأقل.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1417::/cck::
::introtext::

جاءت التطورات السياسية في منطقة الخليج العربي بعد احتلال العراق والتلويح الأمريكي باستخدام القوة ضد إيران باعتبارها الطرف الثاني على قائمة دول (محور الشر) الأمريكية سابقاً، متزامنة مع انتفاضة العرب في الأحواز (أو الأهواز) في عام 2003م، إثر الاعتداءات المهينة التي تعرض لها العرب هناك على يد الشرطة الإيرانية التي أباحت لنفسها حجب الحياة والحرية عن الأقلية العربية في الأحواز بعد تواصلهم الإعلامي مع أشقائهم العرب في المنطقة، وانفتاحهم على الفضائيات العربية والدولية التي بدأت تتعرف شيئاً فشيئاً إلى قضيتهم.

::/introtext::
::fulltext::

جاءت التطورات السياسية في منطقة الخليج العربي بعد احتلال العراق والتلويح الأمريكي باستخدام القوة ضد إيران باعتبارها الطرف الثاني على قائمة دول (محور الشر) الأمريكية سابقاً، متزامنة مع انتفاضة العرب في الأحواز (أو الأهواز) في عام 2003م، إثر الاعتداءات المهينة التي تعرض لها العرب هناك على يد الشرطة الإيرانية التي أباحت لنفسها حجب الحياة والحرية عن الأقلية العربية في الأحواز بعد تواصلهم الإعلامي مع أشقائهم العرب في المنطقة، وانفتاحهم على الفضائيات العربية والدولية التي بدأت تتعرف شيئاً فشيئاً إلى قضيتهم.

إن مجمل تلك التطورات بالإضافة إلى فشل مؤتمرات القمة العربية في وضع حلول علاجية للمشكلات العالقة بين العرب وإيران، تؤكد من جديد على عمق الهوة القائمة في الحوار العربي – الإيراني حيال العديد من القضايا العالقة بينهما بدءاً من قضية الجزر الإماراتية التي تحتلها إيران (طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى)، ومروراً بقضية عربستان (الأحواز) الغائبة عن ساحة النظام الإقليمي العربي والشرق الأوسط برمته، وصولاً إلى خطر التسلح الإيراني في المنطقة والذي يشكل عامل تهديد قائماً لدول الخليج العربية، رغم ما تشهده المنطقة من تغيرات استراتيجية عميقة تبعد احتمال أي تصادم إيراني – خليجي في ظل الهيمنة الأمريكية على أجندة توازن القوى في الخليج العربي.

وقد مثّل المناخ السائد في العلاقات العربية – الإيرانية، عاملاً في إثارة ملحة حول سر غياب قضية عربستان (الأحواز) عن دائرة الاهتمام العربي والدولي، خصوصاً أن الأوضاع السياسية والأمنية والاجتماعية في الإقليم كانت ولا تزال مضطربة نتيجة لعوامل عدة أهمها التفاعلات الصراعية بين إيران والعراق، والتي بلغت ذروتها إبان حرب الثماني سنوات، والمقاومة المتواصلة التي يبديها شعب عربستان -الذي يعد أكبر الشعوب العربية في الخليج العربي بعد الشعبين العراقي والسعودي، حيث يزيد تعدادهُ على عشرة ملايين نسمة – في وجه السياسات الإيرانية الهادفة إلى طمس هويته الثقافية والقومية.

وبدأت قصة معاناة الإقليم في العشرين من نيسان عام 1925م عندما قامت إيران الشاه باحتلال إقليم الأحواز (عربستان)، بعد أن تم استدراج الشيخ خزعل الكعبي حاكم الإقليم إلى فخ نصبله من قبل قائد الجيش الإيراني الجنرال زهدي من أجل إجراء مباحثات، إلا أن الجنرال زهدي قام باعتقال الشيخ خزعل وتم إيداعه سجون طهران مع مجموعة من مرافقيه حتى عام 1936 حيث تم اغتياله هناك.

ومنذ احتلال الأحواز وحتى اليوم كانت-ولاتزال- قضية عربستان أو الأحواز القضية العربية والإقليمية والدولية المغيّبة عن خريطة الشرق الأوسط تارة للطمس الثقافي والقومي الذي تُمارسه إيران ضد هذا الإقليم والعرب القاطنين فيه، وتارة أخرى للتجاهل الإعلامي العربي والدولي لهذا الإقليم العربي، وتارة للظروف الإقليمية والعربية التي كانت منشغلة في قضايا أخرى على حساب هذه القضية المهمة في إطار النظام الإقليمي العربي، الأمر الذي نجم عنه في نهاية المطاف أن يشارك عرب الأحواز أشقاءهم العرب في كل همومهم ومشكلاتهم وأحزانهم ويتظاهرون مع كل هبوب أزمة عربية هنا أو هناك مقابل تناسي وإغفال عربي رسمي وشعبي لقضيتهم هناك، حيث التجاهل والمعاناة والتخلف الثقافي والتغريب القومي الذي تُمارسه السلطات الإيرانية ضدهم.

عرب الأحواز يشاركون أشقاءهم العرب في كل همومهم و مشكلاتهم وأحزانهم و يتفاعلون معها 

ومنذ اليوم الأول للاحتلال قامت الثورات الأحوازية في مواجهة المحتل الإيراني الذي مارس سياسة الأرض المحروقة التي كان يتبعها الاستعمار في ذلك الوقت، فقاموا بتدمير القرى والمدن العربية الأحوازية وتم إعدام الشباب الأحوازي من دون أي محاكمة أو فرصة للدفاع عن أنفسهم من أجل إرهاب بقية الأهالي. وحتى الآثار لم تنج من التدمير والتخريب من أجل طمس هوية الأحواز العربية وإنهاء ارتباطها التاريخي بعروبتها وربطها بالتاريخ الفارسي، فعمدت إلى تزوير التاريخ والادعاء بحقها بالأحواز التي غيرت اسمها إلى (الأهواز)، كما قامت بتغيير أسماء المدن العربية إلى أسماء فارسية، فالمحمرة العاصمة التاريخية للأحواز حولوا اسمها الى خورمشهر وعبادان إلى آبادان والحوزة إلى الهويزة حتى الأحواز تم تسميتها بخوزستان، كل ذلك ضمن سياسة (التفريس) المتبعة، ولم تنجو الأسماء الشخصية من التفريس، فكل الأسماء العربية تم تحويلها إلى أسماء فارسية ولم يعد من حق أي أسرة أن تسمي أولادها إلا بأسماء فارسية.

ولم تكتف الحكومات الإيرانية بذلك، بل سعت إلى عملية التهجير للقبائل العربية المقيمة في الأحواز إلى مناطق الشمال الإيراني واستجلاب سكان هذه المناطق إلى الأحواز وإسكانهم فيها، كما مارست سياسة التجويع للشباب الأحوازي نتيجة لانعدام فرص العمل ومن أجل إجباره على الهجرة نحو الداخل الإيراني، وبالتالي يتم إبعادهم عن وطنهم وأهلهم وانتمائهم وإدماجهم بمناطق جديدة بعادات وأعراف أخرى أو الهجرة خارج البلاد وفقدهم لهويتهم العربية من خلال ارتباطهم بمعيشتهم وهمومهم الخاصة.

قضية الأحواز غائبة عن ساحة النظام الإقليمي العربي و الشرق الأوسط برمته 

وقد أصدرت الحكومة الفارسية بعد احتلال الأحواز وأثناء أسر الشيخ خزعل في طهران بياناً ادعت فيه أن الشيخ خزعل هو الذي أصدره بعد وصوله طهران، وقد جاء في البيان ما يأتي:

1- يتنازل أمير عربستان الشيخ خزعل المحيسن عن الحكم الى ابنه جاسب المحيسن.

2- يحق للدولة الإيرانية أن تشرف على الحكم الداخلي في عربستان.

3- تقطع عربستان علاقاتها الخارجية مع الدول الأخرى التي كانت قد عقدت معها معاهدات تجارية أو أقامت معها علاقات سياسية.

فقد كان لعربستان بالفعل علاقات سياسية وتجارية مع دول عربية وأجنبية عديدة منها: العراق والإمارات العربية في الخليج وبريطانيا وروسيا وتركيا، بالإضافة إلى إيران.

ويمكن القول إن أسباب نكبة الأحواز، تتمثل في عاملين : الأول داخلي والثاني خارجي.

أما العامل الداخلي، فيتمثل في ضعف بنية أبناء الأحواز بما أصابهم من فقر وجهل ومرض وانخفاض مستوى المعيشة وانعدام الوعي السياسي والاجتماعي في زمن إمارة (البوكاسب) الكعبية وعدم الشعور بالمسؤولية نتيجة للنفوذ الأجنبي من جهة، والحيف الذي لحق بهم من حكم الشيخ خزعل وحاشيته من جهة أخرى.

أما العوامل الخارجية: فقد تضافرت في عوامل عدة للإطاحة بإمارة الأحواز العربية، ومن أهم هذه العوامل:

1- ظهور النفط في الأحواز سنة 1908م.

2- وصول الشيوعيين بقيادة لينين الى السلطة في روسيا عام 1917، مما شكل تهديداً لمصالح الغرب في الأحواز ومنطقة الخليج العربي.

3- ظهور رضا خان بهلوي في السلطة في فارس والذي يمثل العنصرية الفارسية المعادية للقومية العربية، حيث عمل ما بوسعه لإزالة كل أثر عربي في الأحواز (عربستان)، كما فصل كل الروابط والوشائج العربية التي تربط الأحواز بالوطن العربي.

4- تأييد الإنكليز للاحتلال الفارسي لقطر الأحواز، حيث ساهم الى حد كبير في نكبة العرب الأحوازيين وقد اعترف بذلك الإنكليز أنفسهم.

5- الموقف المتفرج الذي وقفه الحكام العرب من مسألة إمارة الأحواز (عربستان) بسبب السيطرة البريطانية، وهو ما اعتبر مساهمة غير مباشرة في نكبة الأحواز مستقبلاً.

وفي عام 1979م قامت الثورة الإيرانية التي ساهم فيها الشعب العربي في عربستان، وكان هدفها الخلاص من حكم الشاه الذي احتل عربستان وهجّر شعبها العربي واستولى على ممتلكاتهم بالقوة، ووضعوا كامل ثقلهم على النظام الخميني الإسلامي الجديد الذي سيقيم موازين الحق والعدل ويمنح الإقليم حريته واستقلاله الذاتي –كما توهموا-، وكانت مساهمتهم فعّالة في إضرابات عمال النفط التي شلت قدرات نظام الشاه وعجلت بسقوطه، ولكن لم تمضِ شهور حتى اندلعت المواجهات بين أبناء عربستان والنظام الثوري الإسلامي الجديد، وذلك بعد أن رفض الاعتراف بحقوقهم القومية والثقافية التي انتهكها نظام الشاه، ومن ثم ارتكب حاكم الإقليم الجنرال (أحمد مدني) في مايو 1979م مجازر بشعة راح ضحيتها مئات من أهالي مدينتي المحمرة وعبادان الذين قاوموا محاولة السلطات الإيرانية إغلاق المراكز السياسية والثقافية العربية في الإقليم، وشهدت عربستان إثر ذلك إعدامات عشوائية، ونفي زعيمها الروحي أية الله آل شبير الخاقاني إلى قم حيث توفي في ظروف غامضة.

وفي عام 1985 تجددت الثورات والانتفاضة الداخلية في عربستان، حيث قامت انتفاضة شعبية عارمة في كل أنحاء الإقليم احتجاجاً على مقال نشر في صحيفة إيرانية وجّه إهانات جارحة للعرب في الإقليم بشكل خاص والأمة العربية بشكل عام، لاسيما أن هذه التوترات والمواجهات جاءت في ظل الحرب العراقية – الإيرانية التي أخذت بعداً قومياً وثقافياً.

وفي عام 1994م اندلعت مواجهات دامية بين قوات الأمن الإيرانية وبين العرب الذين صُودرت أراضيهم في إطار مشروع قصب السكر في الإقليم، والتي قتل وجرح فيها العشرات من أصحاب الأراضي، وفي سابقة أحدثت تطوراً غير متوقعاً على سير القضية الأحوازية، عيّن الرئيس الإيراني الإصلاحي السابق محمد خاتمي وزيراً من العرب، وهو الأميرال علي شمخاني الذي شكّل حالة استثنائية في الجمهورية الإسلامية، حيث إنه من القلة العربية الأحوازية التي تسلمت مناصب حكومة عليا في إيران.

تاريخ عربستان السياسي حافل برفض الخضوع أو الاعتراف بالحكم الايراني عليه 

ومع مطلع عام 2000م وقعت مصادمات عنيفة بين قوات الأمن والمتظاهرين العرب الذين احتجوا على تزوير نتائج الانتخابات البرلمانية، واندلعت مواجهات دامية بين قوات الأمن وأهالي مدينة عبادان الذين تظاهروا احتجاجاً على تلوث مياه الشرب والتي خلّفت عدداً كبيراً من القتلى والجرحى.

وفي ديسمبر من عام 2002 وحتى بداية يناير 2003، شهدت عربستان أو الأحواز فصلاً آخر من فصول المواجهة العنيفة بين قوات الأمن الإيرانية والأحوازيين هناك، فقد اتهم رئيس المحاكم في مدينة الأحواز المحلات التي تمت مداهمتها بأنها تبيع الأقراص المضغوطة والأشرطة العربية المبتذلة وغير المسموح بها وفقاً لقوانين الجمهورية الإسلامية في إيران، وقد شملت المداهمات التي قامت بها قوات الشرطة، دخول بعض البيوت ومصادرة (أطباق الستالايت) التي توجد بكثرة ليس في بيوت العرب فحسب، بل في بيوت غير العرب أيضاً.

وكانت آخر انتفاضات الأحوازيين تلك الانتفاضة التي اندلعت في 15 إبريل 2005 على أثر تسرب وثيقة منسوبة لمكتب الرئيس الإيراني في ذلك الوقت محمد خاتمي وتنص على ضرورة (تفريس) ثلثي سكان الأحواز وتوزيعهم على مختلف المناطق الإيرانية، وهي الوثيقة التي تؤكد الحكومة الإيرانية أنها مزورة، بينما يقول الناشطون الأحوازيون إنها حقيقية.

وتكتسب قضية الأحواز العربي اليوم، بعد تفاقم الصراع الدائر على أرض العراق المحتل، أهمية خاصة لدى المحتل الإيراني، فالمؤسسات الإيرانية تشارك بشكل مباشر في احتلال العراق وتساهم إلى جانب قوات الغزو الأمريكية والبريطانية في محاربة الشعب العراقي، كما تقوم إيران عبر بعض القوى العراقية الشعوبية في تدمير مقدرات وإمكانات الدولة العراقية وإبادة سكانه، وتعمل وعملاؤها العراقيون على تمزيق هذا البلد العربي وتقسيمه إلى دويلات لإفشال أي جهود ممكنة لتوحده من جديد، وبالتالي إضعاف مقاومة الشعب الأحوازي على الجانب الآخر من ساحل الخليج من تحقيق حلم الاستقلال والانفصال عن بلاد فارس.

إن الأحواز الوطن العربي التوأم للعراق المحتل أصبح من أهم ساحات الصراع العربي – الإيراني، ومن خلال شعبه وأرضه يقرر مستقبل تلك العلاقات المزمنة والمتوترة باستمرار، ويجب على الدول العربية أن تدرك حقيقة أن تحقيق استقلال العراق التام وحل قضية الأحواز العربية بشكل كامل وإعادة الجزر الإماراتية المحتلة وتحجيم دور التدخل الإيراني في الشؤون العربية، هي السبل الكفيلة لحوار عربي – إيراني يؤسس لتحالف استراتيجي بينهما.

خلاصة القول مما سبق، أن التاريخ السياسي لعربستان تاريخ حافل برفض الخضوع أو الاعتراف بالحكم الإيراني عليه، لإدراك العرب الأحواز حقهم التاريخي والثقافي والقومي في عروبة هذا الإقليم، وحقهم في تقرير المصير والاستقلال عن الجمهورية الإيرانية التي لم تختلف في عنفها وسلوكها البشع مع العرب هناك عن نظام الشاه الذي أباح لنظامه البائد القتل والتنكيل بأبناء عربستان من دون وجه حق، ولعل ما يطلبه أهل عربستان هو فقط الوقوف والتضامن معهم كأضعف الإيمان، وإن لم يكن من باب العروبة والقومية، فمن باب الشعور الإنساني البحت على الأقل.

::/fulltext::
::cck::1417::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *