دور الدين في النظام الإقليمي الخليجي

::cck::1492::/cck::
::introtext::

تزايد الجدل بين المحللين في الآونة الأخيرة حول علاقة الدين بالسياسة في العالم كإحدى ظواهر النظام الدولي الجديد بحلول الألفية الجديدة، ولكن من اللافت للاهتمام أن هذه الظاهرة آخذة بالتفاقم خلال السنوات المقبلة، والسبب في ذلك يعود إلى توجهين أساسيين في العلاقات الدولية، وهما الاتجاه العالمي نحو محاربة الإرهاب، وما ارتبط به من محاولات لربط هذه الظاهرة بالإسلام. أما الاتجاه العالمي الآخر فهو المساعي نحو الدمقرطة التي تزامنت مع ظهور النظام الدولي الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق مطلع التسعينات من القرن المنصرم. 

::/introtext::
::fulltext::

تزايد الجدل بين المحللين في الآونة الأخيرة حول علاقة الدين بالسياسة في العالم كإحدى ظواهر النظام الدولي الجديد بحلول الألفية الجديدة، ولكن من اللافت للاهتمام أن هذه الظاهرة آخذة بالتفاقم خلال السنوات المقبلة، والسبب في ذلك يعود إلى توجهين أساسيين في العلاقات الدولية، وهما الاتجاه العالمي نحو محاربة الإرهاب، وما ارتبط به من محاولات لربط هذه الظاهرة بالإسلام. أما الاتجاه العالمي الآخر فهو المساعي نحو الدمقرطة التي تزامنت مع ظهور النظام الدولي الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق مطلع التسعينات من القرن المنصرم.

 منذ فترة ليست بالقصيرة كان الاهتمام في العالم العربي لدى الباحثين في العلوم السياسية بمسألة موقف الإسلام كدين بالدولة والعلاقات الدولية والنظام السياسي والتعددية الحزبية وحقوق الإنسان والحريات العامة والمشاركة السياسية ووضع الأقليات وغيرها من الأمور التي انشغل بها علماء الشريعة والفكر عقوداً طويلة. إلا أن البحوث التطبيقية والميدانية حول علاقة الدين كظاهرة ومكون أساسي من مكونات المجتمعات الخليجية والعربية والإسلامية بالسياسة كان متفاوتة ومحدودة للغاية.

 لكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما أحدثته من تحولات مهمة في طبيعة النظام الدولي خلقت شكلاً من أشكال التفاعل بين الباحثين والأحداث السياسية المختلفة التي كان للدين تأثير فيها. ويمكن النظر إلى الحالة العراقية باعتبارها إحدى أهم الحالات الحيّة لدراسة دور الدين في النظام السياسي حالياً. ومن هنا تأتي أهمية دراسة دور الدين في النظام الإقليمي الخليجي، خاصة أن للدين تأثيراً كبيراً في الأنظمة السياسية الخليجية، سواءً كانت أنظمة بلدان مجلس التعاون الخليجي أو العراق وإيران بنظامها الثيوقراطي.

 بداية فإنه من الأهمية بمكان استعراض مراحل تطور دور الدين في النظام الإقليمي الخليجي والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل، وهي:

 أولاً: مرحلة الخمول والتكوين:

ارتبطت هذه المرحلة بوجود الاستعمار البريطاني في منطقة الخليج منذ القرن التاسع عشر، أعقبها الوجود الأمريكي في المنطقة حتى بدايات استقلال معظم بلدان مجلس التعاون الخليجي قبل أكثر من ثلاثة عقود مضت. وخلال هذه المرحلة لم يكن هناك دورواضح للدين في النظام الإقليمي الخليجي، ولكن كانت هناك إرهاصات وتفاعلات داخل مجتمعات بلدان الخليج، ففي المملكة العربية السعودية على سبيل المثال بدأ في هذه المرحلة التحالف التاريخي بين أسرة آل سعود والمؤسسة الدينية التي أسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا يزال هذا التحالف قائماً حتى الآن. وفي إيران كانت هناك حالة من التحرر الديني في ظل حكم الأسرة الشاهنشاهية آنذاك. أما في العراق فكانت هناك صراعات إثنو ـ طائفية لم تتمكن الدولة العثمانية من السيطرة عليها.

 وما ميّز هذه المرحلة أنها كانت فرصة تاريخية لبروز قوى سياسية دينية لاحقاً، ويمكن اعتبار انتشار الفكر الوهابي، وبداية ظهور تيار الإخوان المسلمين القادم من مصر دليلاً على تبلور قوى سياسية تحمل أفكاراً دينية. وفي ضوء ذلك لم يكن هناك تأثير لافت للدين في هذه المرحلة على تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي، خصوصاً في ظل تصاعد الأفكار القومية آنذاك والتي ارتبطت ببروز مطالب وطنية لطرد الاستعمار الأجنبي في بلدان المنطقة.

 ثانياً: مرحلة الظهور والصدام:

بدأت هذه المرحلة مع نهاية السبعينات من القرن الماضي عندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران خلال العام 1979، ودخلت القوات السوفييتية الأراضي الأفغانية. وشكل هذين الحدثين سابقة جديدة في النظام الإقليمي الخليجي، ففي الحدث الإيراني كان ظهور حكومة ثيوقراطية في طهران بمثابة أول إقحام علني للدين في السياسة. ورغم وجود حالات أخرى تم توظيف الدين من أجل إكساب الشرعية كحالة النظام السياسي السعودي في مراحل التأسيس الأولى والمتوسطة، إلا أن الثورة الإيرانية أظهرت القوى الدينية القائمة على الأيديولوجيا الإسلامية، وأقحمت الدين في تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي، خصوصاً بعد الإعلان عن مبدأ تصدير الثورة إلى دول الجوار.

 فقد أثارت المخاوف من انتقال الثورة الإسلامية إلى بلدان الخليج الصغيرة الحكومات، ودفعتها نحو دعم وتشجيع صحوة إسلامية كانت سائدة في الوطن العربي بعد هزيمة 1967، وقام هذا الدعم على تشجيع القوى الإسلامية السنية في مواجهة القوى الإسلامية الشيعية. وبالتالي زاد دور الدين في تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي عبر ظهور التنظيمات السياسية الإسلامية وتوفير الدعم الرسمي لها، أو إتاحة المناخ المناسب لها لممارسة أنشطتها بحرية دون تضييق. وبالتالي ظهرت القوى السياسية الإسلامية التي تبنت مطالب دينية، وسعت نحو (أسلمة) مجتمعات الخليج، وتعديل القوانين بما يتناسب مع الشريعة الإسلامية.

 وفور ظهور دور واضح وصريح للدين في النظام الإقليمي الخليجي شهدت العلاقات داخل هذا النظام توتراً حاداً وصل لاحقاً إلى الصدام والعنف، وشهدت العلاقات داخل النظام الإقليمي الخليجي توتراً حاداً بسبب ذلك، ومن أهم أمثلة هذا التوتر قيام الحرب العراقية ـ الإيرانية، واكتشاف حكومة البحرين لمحاولة انقلابية مدعومة من طهران مطلع الثمانينات الماضية.

 أما دخول القوات السوفييتية للأراضي الأفغانية فقد زاد من دور الدين في تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي، فقد حرصت بلدان مجلس التعاون بمساندة أمريكية علنية على دعم مشاركة عناصر التنظيمات الإسلامية في حرب المقاومة ضد السوفييت. ويمكن النظر إلى هذا الدعم على أنه دعم قائم على الدين، فمشاركة الإسلاميين السنّة في تلك الحرب كانت من أهدافها محاصرة إيران الثورة، وللحيلولة دون تدخل القوات الإيرانية في أفغانستان حتى لايمتد النفوذ الإيراني لاحقاً إلى أراض وأقاليم أخرى مجاورة.

 وبالطبع لم يقتصر تأثير هذا الدعم للإسلاميين في أفغانستان على النظام الإقليمي الخليجي في تلك المرحلة، وإنما لا يزال قائماً حتى الآن بسبب عودة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم ومجتمعاتهم، في ظل ظروف مختلفة تماماً عن تلك التي كانت عندما غادروا للجهاد.

 وبالتالي استمرت حالة الصدام داخل النظام الإقليمي الخليجي إلى الوقت الراهن بعد أن أعادت القوى الإسلامية السابقة ترتيب أجندتها وأولوياتها، وجددت خطابها لتضع حكومات بلدان المنطقة ضمن نطاق ((الحكومات الكافرة)) الواجب مقاومتها وتغييرها. وبدأ هذا التغيّر في طبيعة الصدام منذ منتصف التسعينات بحوادث الخبر، واستمرت لاحقاً، ويمكن ملاحظة عدم تدخل القوى الأجنبية كالولايات المتحدة ـ التي استطاعت تكثيف وجودها العسكري في المنطقة بعد حرب الخليج الثانية ـ في تصاعد دور الدين في النظام الإقليمي الخليجي. إلى أن جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والتي تزامنت مع تولي المحافظين الجدد مقاليد السلطة في البيت الأبيض، وشكلت هذه الأحداث نقطة تحول في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، حيث تبنت الإدارة الأمريكية مشروعات ضخمة من أجل إصلاح الأنظمة السياسية الخليجية وغيرها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد أن تم ربط الأنشطة الإرهابية بالدين الإسلامي.

 ومن جملة الاهتمامات الأمريكية لإعادة تشكيل المنطقة بلورة أدوار جديدة للدين، حيث قدمت الإدارة الأمريكية مرئيات عدة وتصورات مختلفة لآليات التعليم الديني، وسعت لطرح هذه المشاريع على حكومات بلدان الخليج التي أبدت اهتماماً متفاوتاً تجاهها، وجاء غزو أفغانستان والعراق ليزيد من إمكانية إعادة خلق أدوار جديدة للدين.

 مرحلة المأسسة والتفاعل:

بدأت هذه المرحلة مع احتلال العراق، وتنامي المساعي نحو الإصلاح السياسي والاقتصادي في بلدان منطقة الخليج، حيث دفعت عوامل عدة لظهور فكرة مأسسة الدور السياسي للدين، وهي:

  1. إعادة بناء النظام السياسي العراقي.
  2. الاهتمام الأمريكي بمحاربة القوى الإرهابية.
  3. تأثيرات الإصلاح التدريجي الذي قامت به بلدان مجلس التعاون الخليجي تحديداً، والذي أتاح الفرصة للقوى الإسلامية لممارسة دور أكبر داخل الأنظمة السياسية الخليجية عبر قنوات المشاركة السياسية المختلفة.

 ورغم بداية هذه المرحلة، إلا أن معطيات الواقع تشير إلى إمكانية أن يلعب الدين دوراً أكبر خلال السنوات المقبلة في النظام الإقليمي الخليجي، فضلاً عن الأنظمة السياسية الخليجية، وذلك لأن التيارات الدينية قد وصلت إلى مرحلة من النضج والحضور والتأثير داخل مجتمعات دول المنطقة، وهي تعتقد أنه آن الآوان لممارسة دور سياسي يحقق أهدافها ويحمي مصالحها. وبالتالي فإنه من المحتمل أن تمتد تأثيرات الدور السياسي للدين إلى مختلف مناحي الحياة، وستزداد حدة الصراع السياسي، خصوصاً بين النخب التجارية والاقتصادية وبين التيارات الدينية، وذلك لرفض الأولى مساعي الثانية لتقليص هامش الحريات بحجج دينية. 

 ومادام الدور السياسي للدين في النظام الإقليمي الخليجي قد وصل إلى مرحلة المأسسة والتفاعل، فإنه لابد من محاولة توضيح مسألة مهمة، وهي هل يسعى الغرب للاستفادة من دور الدين في الأنظمة السياسية الخليجية لإحداث تغيير نحو الديمقراطية؟

 من غير الواضح أن هناك مساعي غربية للاستفادة من الدين كأداة لإنتاج الديمقراطية، ولكن المؤشرات الحالية، لا تتعدى اهتمام الغرب بإعادة تشكيل تحالفات جديدة في المنطقة تقوم على أسس إثنو ـ طائفية، فإذا كانت هناك تحالفات تاريخية بين النخب الخليجية الحاكمة والولايات المتحدة، فإنه يبدو أن هناك توجهاً لإقامة تحالف جديد بين واشنطن والشيعة من أجل تحقيق مكاسب أمريكية معينة، ويمكن رصد ذلك من خلال ما يحدث في العراق من تحالف أمريكي ـ شيعي بهدف إعادة بناء النظام السياسي العراقي، وإعداد دستور جديد، وفي النهاية فإن كل ذلك سيساهم في احتواء إيران من وجهة النظر الأمريكية.

 ونأتي إلى رصد أبرز السيناريوهات المستقبلية للدور السياسي للدين في النظام الإقليمي الخليجي، والتي ستعتمد على المتغيرات التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن:

 السيناريو الأول: يقوم على فرضية أن هناك مساعي غربية لتحجيم دور الدين في الأنظمة السياسية الخليجية، لأن هذا الدور مرتبط بتنامي الأنشطة الإرهابية. وبالتالي ستحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة تحجيم دور الدين وتقليصه في مختلف مناحي الحياة، وأبرزها في مجالي التعليم والإعلام، ورغم صعوبة ذلك، إلا أن مثل هذا السيناريو من شأنه أن يخلق حالة من الاختناق الشعبي بسبب ما ستقوم به المؤسسات الدينية المختلفة من تحريض وتحفيز وتعبئة عامة للشعوب الخليجية للحيلولة دون المساس بالدين بدواعي سياسية، الأمر الذي قد يؤدي إلى بروز حركات الاحتجاج السياسي في دول الخليج.

 السيناريو الثاني: يعتمد على المصالح النخبوية، فتزايد دور الدين والقوى الإسلامية في الأنظمة السياسية الخليجية من شأنه المساس بمصالح نخب عديدة داخل المجتمعات، ومن أبرزها فئة رجال الأعمال والنخب التجارية والاقتصادية. وبالتالي سيسعى هؤلاء للحصول على دور سياسي داخل النظم السياسية بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر عبر دعم القوى الليبرالية في مواجهة صعود القوى الإسلامية. ومن هنا ستدفع ظاهرة تزايد دور الدين إلى حالة من الصراع الداخلي بين التيارات السياسية المختلفة، التيار الإسلامي من جهة، والتيار الليبرالي من جهة أخرى.

 السيناريو الثالث: هو تصور راديكالي، ولكنه يرى أن وصول الدور السياسي للدين في النظام الإقليمي الخليجي إلى مرحلة المأسسة والتفاعل من شأنه أن يمس المصالح الغربية، ومصالح حكومات المنطقة والنخب الحاكمة فيها من خلال إتاحة قنوات شرعية وقانونية لكي يلعب الدين دوراً مؤثراً فيها. وبالتالي فإنه من المحتمل أن يزداد نفوذ القوى الإسلامية تدريجياً حتى يصل إلى مرحلة يكون فيها من الصعب السيطرة على هذه القوى ونفوذها المتنامي. الأمر الذي سيفاقم من حدة التوترات داخل النظام الإقليمي الخليجي، سواءً في العلاقات الإقليمية بين الدول أو على مستوى السياسة الخارجية لبلدان الخليج، مما قد يدفع الولايات المتحدة إلى ممارسة تدخلات سياسية أو عسكرية مباشرة للسيطرة على الأوضاع إن لزم الأمر.

 إن مسألة تنامي دور الدين في النظام الإقليمي الخليجي ظاهرة تستحق الرصد والدراسة والتحليل بشكل مستمر، وذلك للتعرف تأثيراتها السياسية والاقتصادية المختلفة، واستشراف مستقبل النظام وبلدان المنطقة خلال السنوات المقبلة. ومن غير ذلك يكون من الصعب بحث تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي دون معرفة ما يمارسه الدين من تأثير وتفاعل كبير. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1492::/cck::
::introtext::

تزايد الجدل بين المحللين في الآونة الأخيرة حول علاقة الدين بالسياسة في العالم كإحدى ظواهر النظام الدولي الجديد بحلول الألفية الجديدة، ولكن من اللافت للاهتمام أن هذه الظاهرة آخذة بالتفاقم خلال السنوات المقبلة، والسبب في ذلك يعود إلى توجهين أساسيين في العلاقات الدولية، وهما الاتجاه العالمي نحو محاربة الإرهاب، وما ارتبط به من محاولات لربط هذه الظاهرة بالإسلام. أما الاتجاه العالمي الآخر فهو المساعي نحو الدمقرطة التي تزامنت مع ظهور النظام الدولي الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق مطلع التسعينات من القرن المنصرم. 

::/introtext::
::fulltext::

تزايد الجدل بين المحللين في الآونة الأخيرة حول علاقة الدين بالسياسة في العالم كإحدى ظواهر النظام الدولي الجديد بحلول الألفية الجديدة، ولكن من اللافت للاهتمام أن هذه الظاهرة آخذة بالتفاقم خلال السنوات المقبلة، والسبب في ذلك يعود إلى توجهين أساسيين في العلاقات الدولية، وهما الاتجاه العالمي نحو محاربة الإرهاب، وما ارتبط به من محاولات لربط هذه الظاهرة بالإسلام. أما الاتجاه العالمي الآخر فهو المساعي نحو الدمقرطة التي تزامنت مع ظهور النظام الدولي الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي السابق مطلع التسعينات من القرن المنصرم.

 منذ فترة ليست بالقصيرة كان الاهتمام في العالم العربي لدى الباحثين في العلوم السياسية بمسألة موقف الإسلام كدين بالدولة والعلاقات الدولية والنظام السياسي والتعددية الحزبية وحقوق الإنسان والحريات العامة والمشاركة السياسية ووضع الأقليات وغيرها من الأمور التي انشغل بها علماء الشريعة والفكر عقوداً طويلة. إلا أن البحوث التطبيقية والميدانية حول علاقة الدين كظاهرة ومكون أساسي من مكونات المجتمعات الخليجية والعربية والإسلامية بالسياسة كان متفاوتة ومحدودة للغاية.

 لكن أحداث الحادي عشر من سبتمبر وما أحدثته من تحولات مهمة في طبيعة النظام الدولي خلقت شكلاً من أشكال التفاعل بين الباحثين والأحداث السياسية المختلفة التي كان للدين تأثير فيها. ويمكن النظر إلى الحالة العراقية باعتبارها إحدى أهم الحالات الحيّة لدراسة دور الدين في النظام السياسي حالياً. ومن هنا تأتي أهمية دراسة دور الدين في النظام الإقليمي الخليجي، خاصة أن للدين تأثيراً كبيراً في الأنظمة السياسية الخليجية، سواءً كانت أنظمة بلدان مجلس التعاون الخليجي أو العراق وإيران بنظامها الثيوقراطي.

 بداية فإنه من الأهمية بمكان استعراض مراحل تطور دور الدين في النظام الإقليمي الخليجي والتي يمكن تقسيمها إلى ثلاث مراحل، وهي:

 أولاً: مرحلة الخمول والتكوين:

ارتبطت هذه المرحلة بوجود الاستعمار البريطاني في منطقة الخليج منذ القرن التاسع عشر، أعقبها الوجود الأمريكي في المنطقة حتى بدايات استقلال معظم بلدان مجلس التعاون الخليجي قبل أكثر من ثلاثة عقود مضت. وخلال هذه المرحلة لم يكن هناك دورواضح للدين في النظام الإقليمي الخليجي، ولكن كانت هناك إرهاصات وتفاعلات داخل مجتمعات بلدان الخليج، ففي المملكة العربية السعودية على سبيل المثال بدأ في هذه المرحلة التحالف التاريخي بين أسرة آل سعود والمؤسسة الدينية التي أسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ولا يزال هذا التحالف قائماً حتى الآن. وفي إيران كانت هناك حالة من التحرر الديني في ظل حكم الأسرة الشاهنشاهية آنذاك. أما في العراق فكانت هناك صراعات إثنو ـ طائفية لم تتمكن الدولة العثمانية من السيطرة عليها.

 وما ميّز هذه المرحلة أنها كانت فرصة تاريخية لبروز قوى سياسية دينية لاحقاً، ويمكن اعتبار انتشار الفكر الوهابي، وبداية ظهور تيار الإخوان المسلمين القادم من مصر دليلاً على تبلور قوى سياسية تحمل أفكاراً دينية. وفي ضوء ذلك لم يكن هناك تأثير لافت للدين في هذه المرحلة على تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي، خصوصاً في ظل تصاعد الأفكار القومية آنذاك والتي ارتبطت ببروز مطالب وطنية لطرد الاستعمار الأجنبي في بلدان المنطقة.

 ثانياً: مرحلة الظهور والصدام:

بدأت هذه المرحلة مع نهاية السبعينات من القرن الماضي عندما اندلعت الثورة الإسلامية في إيران خلال العام 1979، ودخلت القوات السوفييتية الأراضي الأفغانية. وشكل هذين الحدثين سابقة جديدة في النظام الإقليمي الخليجي، ففي الحدث الإيراني كان ظهور حكومة ثيوقراطية في طهران بمثابة أول إقحام علني للدين في السياسة. ورغم وجود حالات أخرى تم توظيف الدين من أجل إكساب الشرعية كحالة النظام السياسي السعودي في مراحل التأسيس الأولى والمتوسطة، إلا أن الثورة الإيرانية أظهرت القوى الدينية القائمة على الأيديولوجيا الإسلامية، وأقحمت الدين في تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي، خصوصاً بعد الإعلان عن مبدأ تصدير الثورة إلى دول الجوار.

 فقد أثارت المخاوف من انتقال الثورة الإسلامية إلى بلدان الخليج الصغيرة الحكومات، ودفعتها نحو دعم وتشجيع صحوة إسلامية كانت سائدة في الوطن العربي بعد هزيمة 1967، وقام هذا الدعم على تشجيع القوى الإسلامية السنية في مواجهة القوى الإسلامية الشيعية. وبالتالي زاد دور الدين في تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي عبر ظهور التنظيمات السياسية الإسلامية وتوفير الدعم الرسمي لها، أو إتاحة المناخ المناسب لها لممارسة أنشطتها بحرية دون تضييق. وبالتالي ظهرت القوى السياسية الإسلامية التي تبنت مطالب دينية، وسعت نحو (أسلمة) مجتمعات الخليج، وتعديل القوانين بما يتناسب مع الشريعة الإسلامية.

 وفور ظهور دور واضح وصريح للدين في النظام الإقليمي الخليجي شهدت العلاقات داخل هذا النظام توتراً حاداً وصل لاحقاً إلى الصدام والعنف، وشهدت العلاقات داخل النظام الإقليمي الخليجي توتراً حاداً بسبب ذلك، ومن أهم أمثلة هذا التوتر قيام الحرب العراقية ـ الإيرانية، واكتشاف حكومة البحرين لمحاولة انقلابية مدعومة من طهران مطلع الثمانينات الماضية.

 أما دخول القوات السوفييتية للأراضي الأفغانية فقد زاد من دور الدين في تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي، فقد حرصت بلدان مجلس التعاون بمساندة أمريكية علنية على دعم مشاركة عناصر التنظيمات الإسلامية في حرب المقاومة ضد السوفييت. ويمكن النظر إلى هذا الدعم على أنه دعم قائم على الدين، فمشاركة الإسلاميين السنّة في تلك الحرب كانت من أهدافها محاصرة إيران الثورة، وللحيلولة دون تدخل القوات الإيرانية في أفغانستان حتى لايمتد النفوذ الإيراني لاحقاً إلى أراض وأقاليم أخرى مجاورة.

 وبالطبع لم يقتصر تأثير هذا الدعم للإسلاميين في أفغانستان على النظام الإقليمي الخليجي في تلك المرحلة، وإنما لا يزال قائماً حتى الآن بسبب عودة هؤلاء المقاتلين إلى بلدانهم ومجتمعاتهم، في ظل ظروف مختلفة تماماً عن تلك التي كانت عندما غادروا للجهاد.

 وبالتالي استمرت حالة الصدام داخل النظام الإقليمي الخليجي إلى الوقت الراهن بعد أن أعادت القوى الإسلامية السابقة ترتيب أجندتها وأولوياتها، وجددت خطابها لتضع حكومات بلدان المنطقة ضمن نطاق ((الحكومات الكافرة)) الواجب مقاومتها وتغييرها. وبدأ هذا التغيّر في طبيعة الصدام منذ منتصف التسعينات بحوادث الخبر، واستمرت لاحقاً، ويمكن ملاحظة عدم تدخل القوى الأجنبية كالولايات المتحدة ـ التي استطاعت تكثيف وجودها العسكري في المنطقة بعد حرب الخليج الثانية ـ في تصاعد دور الدين في النظام الإقليمي الخليجي. إلى أن جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 والتي تزامنت مع تولي المحافظين الجدد مقاليد السلطة في البيت الأبيض، وشكلت هذه الأحداث نقطة تحول في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة، حيث تبنت الإدارة الأمريكية مشروعات ضخمة من أجل إصلاح الأنظمة السياسية الخليجية وغيرها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بعد أن تم ربط الأنشطة الإرهابية بالدين الإسلامي.

 ومن جملة الاهتمامات الأمريكية لإعادة تشكيل المنطقة بلورة أدوار جديدة للدين، حيث قدمت الإدارة الأمريكية مرئيات عدة وتصورات مختلفة لآليات التعليم الديني، وسعت لطرح هذه المشاريع على حكومات بلدان الخليج التي أبدت اهتماماً متفاوتاً تجاهها، وجاء غزو أفغانستان والعراق ليزيد من إمكانية إعادة خلق أدوار جديدة للدين.

 مرحلة المأسسة والتفاعل:

بدأت هذه المرحلة مع احتلال العراق، وتنامي المساعي نحو الإصلاح السياسي والاقتصادي في بلدان منطقة الخليج، حيث دفعت عوامل عدة لظهور فكرة مأسسة الدور السياسي للدين، وهي:

  1. إعادة بناء النظام السياسي العراقي.
  2. الاهتمام الأمريكي بمحاربة القوى الإرهابية.
  3. تأثيرات الإصلاح التدريجي الذي قامت به بلدان مجلس التعاون الخليجي تحديداً، والذي أتاح الفرصة للقوى الإسلامية لممارسة دور أكبر داخل الأنظمة السياسية الخليجية عبر قنوات المشاركة السياسية المختلفة.

 ورغم بداية هذه المرحلة، إلا أن معطيات الواقع تشير إلى إمكانية أن يلعب الدين دوراً أكبر خلال السنوات المقبلة في النظام الإقليمي الخليجي، فضلاً عن الأنظمة السياسية الخليجية، وذلك لأن التيارات الدينية قد وصلت إلى مرحلة من النضج والحضور والتأثير داخل مجتمعات دول المنطقة، وهي تعتقد أنه آن الآوان لممارسة دور سياسي يحقق أهدافها ويحمي مصالحها. وبالتالي فإنه من المحتمل أن تمتد تأثيرات الدور السياسي للدين إلى مختلف مناحي الحياة، وستزداد حدة الصراع السياسي، خصوصاً بين النخب التجارية والاقتصادية وبين التيارات الدينية، وذلك لرفض الأولى مساعي الثانية لتقليص هامش الحريات بحجج دينية. 

 ومادام الدور السياسي للدين في النظام الإقليمي الخليجي قد وصل إلى مرحلة المأسسة والتفاعل، فإنه لابد من محاولة توضيح مسألة مهمة، وهي هل يسعى الغرب للاستفادة من دور الدين في الأنظمة السياسية الخليجية لإحداث تغيير نحو الديمقراطية؟

 من غير الواضح أن هناك مساعي غربية للاستفادة من الدين كأداة لإنتاج الديمقراطية، ولكن المؤشرات الحالية، لا تتعدى اهتمام الغرب بإعادة تشكيل تحالفات جديدة في المنطقة تقوم على أسس إثنو ـ طائفية، فإذا كانت هناك تحالفات تاريخية بين النخب الخليجية الحاكمة والولايات المتحدة، فإنه يبدو أن هناك توجهاً لإقامة تحالف جديد بين واشنطن والشيعة من أجل تحقيق مكاسب أمريكية معينة، ويمكن رصد ذلك من خلال ما يحدث في العراق من تحالف أمريكي ـ شيعي بهدف إعادة بناء النظام السياسي العراقي، وإعداد دستور جديد، وفي النهاية فإن كل ذلك سيساهم في احتواء إيران من وجهة النظر الأمريكية.

 ونأتي إلى رصد أبرز السيناريوهات المستقبلية للدور السياسي للدين في النظام الإقليمي الخليجي، والتي ستعتمد على المتغيرات التي تشهدها المنطقة في الوقت الراهن:

 السيناريو الأول: يقوم على فرضية أن هناك مساعي غربية لتحجيم دور الدين في الأنظمة السياسية الخليجية، لأن هذا الدور مرتبط بتنامي الأنشطة الإرهابية. وبالتالي ستحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها في المنطقة تحجيم دور الدين وتقليصه في مختلف مناحي الحياة، وأبرزها في مجالي التعليم والإعلام، ورغم صعوبة ذلك، إلا أن مثل هذا السيناريو من شأنه أن يخلق حالة من الاختناق الشعبي بسبب ما ستقوم به المؤسسات الدينية المختلفة من تحريض وتحفيز وتعبئة عامة للشعوب الخليجية للحيلولة دون المساس بالدين بدواعي سياسية، الأمر الذي قد يؤدي إلى بروز حركات الاحتجاج السياسي في دول الخليج.

 السيناريو الثاني: يعتمد على المصالح النخبوية، فتزايد دور الدين والقوى الإسلامية في الأنظمة السياسية الخليجية من شأنه المساس بمصالح نخب عديدة داخل المجتمعات، ومن أبرزها فئة رجال الأعمال والنخب التجارية والاقتصادية. وبالتالي سيسعى هؤلاء للحصول على دور سياسي داخل النظم السياسية بشكل مباشر، أو بشكل غير مباشر عبر دعم القوى الليبرالية في مواجهة صعود القوى الإسلامية. ومن هنا ستدفع ظاهرة تزايد دور الدين إلى حالة من الصراع الداخلي بين التيارات السياسية المختلفة، التيار الإسلامي من جهة، والتيار الليبرالي من جهة أخرى.

 السيناريو الثالث: هو تصور راديكالي، ولكنه يرى أن وصول الدور السياسي للدين في النظام الإقليمي الخليجي إلى مرحلة المأسسة والتفاعل من شأنه أن يمس المصالح الغربية، ومصالح حكومات المنطقة والنخب الحاكمة فيها من خلال إتاحة قنوات شرعية وقانونية لكي يلعب الدين دوراً مؤثراً فيها. وبالتالي فإنه من المحتمل أن يزداد نفوذ القوى الإسلامية تدريجياً حتى يصل إلى مرحلة يكون فيها من الصعب السيطرة على هذه القوى ونفوذها المتنامي. الأمر الذي سيفاقم من حدة التوترات داخل النظام الإقليمي الخليجي، سواءً في العلاقات الإقليمية بين الدول أو على مستوى السياسة الخارجية لبلدان الخليج، مما قد يدفع الولايات المتحدة إلى ممارسة تدخلات سياسية أو عسكرية مباشرة للسيطرة على الأوضاع إن لزم الأمر.

 إن مسألة تنامي دور الدين في النظام الإقليمي الخليجي ظاهرة تستحق الرصد والدراسة والتحليل بشكل مستمر، وذلك للتعرف تأثيراتها السياسية والاقتصادية المختلفة، واستشراف مستقبل النظام وبلدان المنطقة خلال السنوات المقبلة. ومن غير ذلك يكون من الصعب بحث تفاعلات النظام الإقليمي الخليجي دون معرفة ما يمارسه الدين من تأثير وتفاعل كبير. 

::/fulltext::
::cck::1492::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *