الحد الأدنى للأجور في دول الخليج: بين نار التضخم وجحيم البطالة
::cck::1511::/cck::
::introtext::
من أكثر الموضوعات جدلية في أوساط أدبيات اقتصاديات العمل موضوع تحديد حد أدنى للأجور في الدولة، والذي يعرف بأنه الحد الأدنى لأجر الساعة أو اليوم أو الشهر الذي يمكن لصاحب العمل أن يمنحه للعامل أو الموظف لديه.
::/introtext::
::fulltext::
من أكثر الموضوعات جدلية في أوساط أدبيات اقتصاديات العمل موضوع تحديد حد أدنى للأجور في الدولة، والذي يعرف بأنه الحد الأدنى لأجر الساعة أو اليوم أو الشهر الذي يمكن لصاحب العمل أن يمنحه للعامل أو الموظف لديه.
يهدف المشرّع من تقرير الحد الأدنى للأجور ضمان ألا تتكالب قوى أصحاب العمل على استغلال العمال بتخفيض أجورهم من ناحية، ومن ناحية أخرى ضمان حصول العمال على الحد الأدنى اللازم والذي يكفل لهم حياة كريمة. وكانت كل من أستراليا ونيوزيلندا أول دولتين قررتا وضع حد أدنى للأجور في نهاية القرن التاسع عشر والذي يطبق حالياً في 90 في المائة من دول العالم ليس من بينها دول الخليج العربية. والداعمون لسياسة الحد الأدنى للأجور يرون أن هناك منافع عدة تتحقق من ضمنها: أولاً زيادة أجور الملايين من العاملين من أصحاب الدخول المنخفضة. ثانياً: زيادة دخول الفئات الأقل حظاً في الحصول على عمل في حالة حصولهم عليه بما يمنع استغلالهم. ثالثاً: تعويض العاملين عن انخفاض القوة الشرائية نتيجة لتزايد المعدل العام للأسعار. بينما يسوق المعارضون لفكرة الحد الأدنى لأجور مبررات أخرى من ضمنها أن الحد الأدنى للأجور سيؤدي إلى زيادة معدلات البطالة وسط الفئات الدنيا من العمالة، كما سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم مما قد يوازي أو يفوق المنافع من ارتفاع الدخول نتيجة لتحديد الحد الأدنى للأجور.
لكن أسواق العمل في دول الخليج العربية أكثر تعقيداً، حيث تمثل دول الخليج مصدراً غنياً بفرص العمل للعمالة الأجنبية التي تزيد على الـ 14 مليون عامل، وفي الوقت نفسه تشح هذه السوق عن تلبية الطلب المتزايد على العمل من قبل مواطنيها. وفي حين يمثل المواطنون الخليجيون النسبة الكبرى من العاملين في القطاع العام، تمثل العمالة الأجنبية ما نسبته 87 في المائة من أعداد العاملين في القطاع الخاص الخليجي. أضف إلى ذلك أن القطاع العام الخليجي يعد الموظّف الرئيسي للعمالة الوطنية في دول الخليج مما يجعل منه منافساً حاداً للقطاع الخاص عندما يتعلق الأمر بمسألة توطين العمالة في القطاع الخاص، وهذا يعني أن قطاع العمل الخليجي مقسم بين الأجانب والمواطنين (Segmented) مما يجعل الأجور الوطنية فيه لا تعكس المنافسة العامة الحقيقية في سوق العمل، حيث يستطيع أرباب العمل في القطاع الخاص الانتقاء بين العمالة الأجنبية والوطنية ومن ثم ضغط الأجور الوطنية بالتخفيض. أضف إلى ذلك أنه في حين كون سوق العمل الأجنبي في دول الخليج منظم تنظيماً دقيقاً من حيث انسياب المعلومات بين طالب العمل الأجنبي والموظف من خلال سلسلة من الشركات العاملة في مجال استقدام العمالة محلياً وشركات تصدير العمالة في الخارج، نجد أن سوق العمل الوطني غير منظم من حيث انسياب المعلومات مما يجعل المواطن يعتمد على جهود البحث الذاتية عن فرص العمل. كما أنه في كون أجور العمالة الأجنبية تعد نوعاً ما محمية من قبل الدول المصدّرة للعمالة ومن قبل المنظمات الحقوقية الدولية، نجد أن أجور المواطنين غير محمية من قبل الجهات المختصة في أمور أسواق العمل، بل إنها متروكة للعرض والطلب، وبالتالي فإن أجر العامل المواطن معرض للتفاوت بشكل كبير، ليس لعوامل العرض والطلب في سوق العمل الوطني، ولكن أيضاً تبعاً لعوامل العرض والطلب في سوق العمل الأجنبي.
هذه العوامل تعكس بعضاً من الاختلالات التي يعاني منها سوق العمل الخليجي، مما يجعل أي جهود لتوطين العمالة غير ذات جدوى، ولا تحقق الهدف المرجو منها، لسبب بسيط هو أنها تعمل خارج إطار المعادلة الاقتصادية. ويحدد أحد الاقتراحات المطروحة بشدة حداً أدنى للأجور يستوي فيه العامل الوطني مع الأجنبي مما يعيد لسوق العمل التوازن في أحد – وليس كل – جوانب المعادلة الاقتصادية. لكن هل يا ترى تحديد حد أدنى للأجور سيؤدي الغرض المطلوب منه بجعل العامل الوطني يتمتع بنفس جاذبية العامل الأجنبي لدى القطاع الخاص الخليجي، وبالتالي سيخفض من معدلات البطالة؟ وما هي السلبيات التي قد تنتج عن تحديد حد أدنى للأجور في دول الخليج؟ الإجابة عن هذين السؤالين تحدد ما إذا كان تحديد حد أدنى للأجور ذا جدوى أم أنه مجرد نسخ لسياسات اقتصادية متبعة في دول أخرى. والواقع أن إحدى النتائج الحتمية لتحديد حد أدنى للأجور هي ارتفاع عام في مستوى الأسعار من طريقين مختلفين: الأول ارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج في القطاع الخاص ومن ثم زيادة سعر المنتج النهائي. والثاني من خلال ارتفاع مستوى الطلب الحقيقي نتيجة لارتفاع أجور أصحاب الدخول المنخفضة ما سيؤدي إلى التأثير في الأسعار من خلال مضاعفة الاستهلاك. لكن الجانب الإيجابي لذلك سيكون في تقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية بشكل كبير بسبب تساوي الميزات النسبية، وقد يكون تفوقها بالنسبة للعامل الوطني. هذا مع ملاحظة أننا نفترض هنا أن العوامل الأخرى التي تتلخص في إنتاجية كل من العامل الوطني والعامل الأجنبي كساعات العمل وحرية الانتقال في القطاع الخاص متساوية. وكان أحد الجوانب السلبية لتحديد الحد الأدنى للأجور تراجعاً سلبياً ممكناً في بعض أوجه النشاط الاقتصادي المكثف للعمل مثل نشاط
المقاولات وبعض الأنشطة الخدمية، مما قد يكون له أثر في تقليص حجم سوق العمل.
تمثل دول الخليج مصدراً غنياً بفرص العمل للعمالة الأجنبية التي تزيد على الـ 14 مليون عامل
ولذلك لم تحاول أي من دول الخليج تبني حد أدنى للأجور، تجنباً للآثار السلبية على الاقتصاد بشكل عام، وتفادياً للتجاذبات السياسية التي قد تحدث جراء ذلك. ويستثنى من ذلك مملكة
البحرين التي وضعت مؤشراً استرشادياً غير إلزامي لما يجب أن يكون عليه الحد الأدنى لأجر العامل الوطني. وبدلاً من ذلك تبنت بعض دول الخليج حزمة من الإجراءات العكسية التي تساهم في زيادة جاذبية العامل الوطني من حيث تخفيض أجره المبدئي بالنسبة لرب العمل، ومن خلال تقديم الإعانات له في مجال التأهيل والتدريب على رأس العمل مما سيساهم في زيادة مهارته وقدراته مقارنة بالعامل الأجنبي. وهذه الإجراءات اتبعتها المملكة العربية السعودية بشكل مكثف من خلال برامج الدعم للموارد البشرية الوطنية التي يقدمها صندوق الموارد البشرية، حيث يقدم الصندوق إعانه مقدارها 50 في المائة من راتب الموظف بما لا يتجاوز 1500 ريال لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، كما يقدم إعانات مماثلة للتدريب على رأس العمل. والملاحظ أن هذه الإعانات تأخذ الشكل العكسي للحد الأدنى للأجور لتتلافى بذلك تأثيره السلبي على المستوى العام للأسعار. لكن التساؤل المطروح هو مدى فاعلية هذا الدعم في زيادة فرص العمل للمواطن بما ينعكس على زيادة نسبة التوظيف في القطاع الخاص؟ وما مدى استمرارية العامل الوطني في العمل في القطاع الخاص بعد انتهاء فترة الدعم؟ والإجابة عن مثل هذه التساؤلات ستحدد بشكل أوضح مدى فاعلية السياسة التي اتخذتها المملكة في مجال توطين سوق العمل.
إن البعض قد ينتقد هذه السياسة بحيث يرى أنها لا تعكس القيمة الحقيقية للعامل الوطني، وأنها تعكس قيمة العامل الأجنبي فقط. بمعنى أنه بافتراض عدم إمكانية استقدام العمالة لدول الخليج فكيف ستكون عليه أجور العمل؟ بالطبع ستكون أجور العامل الوطني أعلى بكثير مما هي عليه الآن، ولن تحتاج الدولة إلى التدخل لدعم القطاع الخاص لتشجيع عملية توظيفه لعدم وجود خيار آخر أمام القطاع الخاص، أي أن عملية الدعم تلك لا تدعم عملية توظيف المواطن بقدر ما تساهم في ترسيخ حاجة الاقتصاد إلى العامل الأجنبي بدليل أننا كيّفنا أجر العامل الوطني ليتناسب مع أجر العامل الأجنبي، في حين كان من المفترض أن تتم إعادة الأجور إلى وضعها الطبيعي في حال لم تكن هناك عملية استقدام في الأصل للعامل الأجنبي. كما قد يرى البعض أن هذه السياسة تشوش فكر العامل الوطني من خلال اعتقاده بأنه مفروض على رب العمل، ومن ثم قد تقلل من إنتاجيته، وتزيد من التضارب بينه وبين صاحب العمل.
وفي النهاية أجد نفسي في وضع بين عملية تحديد حد أدنى للأجور لا يؤدي إلى الآثار السلبية المشار إليها ومن أهمها ارتفاع الأسعار، وفي الوقت نفسه وضع سياسات وأهداف مستقبلية (صارمة) تهدف إلى تخفيض تعداد العمالة الأجنبية في دول الخليج بشكل تدريجي وعلى مدى فترة معينة بحيث يمكن للقطاع الخاص التجاوب بشكل تدريجي معها، وهذا الأمر يمكن دعمه أيضاً ببرنامج الإحلال التدريجي الذي يساهم في دعمه البرامج التي تقدمها صناديق الموارد البشرية من خلال التدريب والدعم خلال السنة الأولى للتوظيف. ومن المهم أيضاً وضع دليل استرشادي للأجور حسب مؤهل كل شخص يتم تحديثه بشكل شهري حسب تطورات العرض والطلب في سوق العمل، بحيث يعطي للمواطن فكرة عن الفرص التي تقدم أعلى الأجور ومن ثم يعمل على تأهيل نفسه في تلك المجالات.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1511::/cck::
::introtext::
من أكثر الموضوعات جدلية في أوساط أدبيات اقتصاديات العمل موضوع تحديد حد أدنى للأجور في الدولة، والذي يعرف بأنه الحد الأدنى لأجر الساعة أو اليوم أو الشهر الذي يمكن لصاحب العمل أن يمنحه للعامل أو الموظف لديه.
::/introtext::
::fulltext::
من أكثر الموضوعات جدلية في أوساط أدبيات اقتصاديات العمل موضوع تحديد حد أدنى للأجور في الدولة، والذي يعرف بأنه الحد الأدنى لأجر الساعة أو اليوم أو الشهر الذي يمكن لصاحب العمل أن يمنحه للعامل أو الموظف لديه.
يهدف المشرّع من تقرير الحد الأدنى للأجور ضمان ألا تتكالب قوى أصحاب العمل على استغلال العمال بتخفيض أجورهم من ناحية، ومن ناحية أخرى ضمان حصول العمال على الحد الأدنى اللازم والذي يكفل لهم حياة كريمة. وكانت كل من أستراليا ونيوزيلندا أول دولتين قررتا وضع حد أدنى للأجور في نهاية القرن التاسع عشر والذي يطبق حالياً في 90 في المائة من دول العالم ليس من بينها دول الخليج العربية. والداعمون لسياسة الحد الأدنى للأجور يرون أن هناك منافع عدة تتحقق من ضمنها: أولاً زيادة أجور الملايين من العاملين من أصحاب الدخول المنخفضة. ثانياً: زيادة دخول الفئات الأقل حظاً في الحصول على عمل في حالة حصولهم عليه بما يمنع استغلالهم. ثالثاً: تعويض العاملين عن انخفاض القوة الشرائية نتيجة لتزايد المعدل العام للأسعار. بينما يسوق المعارضون لفكرة الحد الأدنى لأجور مبررات أخرى من ضمنها أن الحد الأدنى للأجور سيؤدي إلى زيادة معدلات البطالة وسط الفئات الدنيا من العمالة، كما سيؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم مما قد يوازي أو يفوق المنافع من ارتفاع الدخول نتيجة لتحديد الحد الأدنى للأجور.
لكن أسواق العمل في دول الخليج العربية أكثر تعقيداً، حيث تمثل دول الخليج مصدراً غنياً بفرص العمل للعمالة الأجنبية التي تزيد على الـ 14 مليون عامل، وفي الوقت نفسه تشح هذه السوق عن تلبية الطلب المتزايد على العمل من قبل مواطنيها. وفي حين يمثل المواطنون الخليجيون النسبة الكبرى من العاملين في القطاع العام، تمثل العمالة الأجنبية ما نسبته 87 في المائة من أعداد العاملين في القطاع الخاص الخليجي. أضف إلى ذلك أن القطاع العام الخليجي يعد الموظّف الرئيسي للعمالة الوطنية في دول الخليج مما يجعل منه منافساً حاداً للقطاع الخاص عندما يتعلق الأمر بمسألة توطين العمالة في القطاع الخاص، وهذا يعني أن قطاع العمل الخليجي مقسم بين الأجانب والمواطنين (Segmented) مما يجعل الأجور الوطنية فيه لا تعكس المنافسة العامة الحقيقية في سوق العمل، حيث يستطيع أرباب العمل في القطاع الخاص الانتقاء بين العمالة الأجنبية والوطنية ومن ثم ضغط الأجور الوطنية بالتخفيض. أضف إلى ذلك أنه في حين كون سوق العمل الأجنبي في دول الخليج منظم تنظيماً دقيقاً من حيث انسياب المعلومات بين طالب العمل الأجنبي والموظف من خلال سلسلة من الشركات العاملة في مجال استقدام العمالة محلياً وشركات تصدير العمالة في الخارج، نجد أن سوق العمل الوطني غير منظم من حيث انسياب المعلومات مما يجعل المواطن يعتمد على جهود البحث الذاتية عن فرص العمل. كما أنه في كون أجور العمالة الأجنبية تعد نوعاً ما محمية من قبل الدول المصدّرة للعمالة ومن قبل المنظمات الحقوقية الدولية، نجد أن أجور المواطنين غير محمية من قبل الجهات المختصة في أمور أسواق العمل، بل إنها متروكة للعرض والطلب، وبالتالي فإن أجر العامل المواطن معرض للتفاوت بشكل كبير، ليس لعوامل العرض والطلب في سوق العمل الوطني، ولكن أيضاً تبعاً لعوامل العرض والطلب في سوق العمل الأجنبي.
هذه العوامل تعكس بعضاً من الاختلالات التي يعاني منها سوق العمل الخليجي، مما يجعل أي جهود لتوطين العمالة غير ذات جدوى، ولا تحقق الهدف المرجو منها، لسبب بسيط هو أنها تعمل خارج إطار المعادلة الاقتصادية. ويحدد أحد الاقتراحات المطروحة بشدة حداً أدنى للأجور يستوي فيه العامل الوطني مع الأجنبي مما يعيد لسوق العمل التوازن في أحد – وليس كل – جوانب المعادلة الاقتصادية. لكن هل يا ترى تحديد حد أدنى للأجور سيؤدي الغرض المطلوب منه بجعل العامل الوطني يتمتع بنفس جاذبية العامل الأجنبي لدى القطاع الخاص الخليجي، وبالتالي سيخفض من معدلات البطالة؟ وما هي السلبيات التي قد تنتج عن تحديد حد أدنى للأجور في دول الخليج؟ الإجابة عن هذين السؤالين تحدد ما إذا كان تحديد حد أدنى للأجور ذا جدوى أم أنه مجرد نسخ لسياسات اقتصادية متبعة في دول أخرى. والواقع أن إحدى النتائج الحتمية لتحديد حد أدنى للأجور هي ارتفاع عام في مستوى الأسعار من طريقين مختلفين: الأول ارتفاع تكاليف التشغيل والإنتاج في القطاع الخاص ومن ثم زيادة سعر المنتج النهائي. والثاني من خلال ارتفاع مستوى الطلب الحقيقي نتيجة لارتفاع أجور أصحاب الدخول المنخفضة ما سيؤدي إلى التأثير في الأسعار من خلال مضاعفة الاستهلاك. لكن الجانب الإيجابي لذلك سيكون في تقليل الاعتماد على العمالة الأجنبية بشكل كبير بسبب تساوي الميزات النسبية، وقد يكون تفوقها بالنسبة للعامل الوطني. هذا مع ملاحظة أننا نفترض هنا أن العوامل الأخرى التي تتلخص في إنتاجية كل من العامل الوطني والعامل الأجنبي كساعات العمل وحرية الانتقال في القطاع الخاص متساوية. وكان أحد الجوانب السلبية لتحديد الحد الأدنى للأجور تراجعاً سلبياً ممكناً في بعض أوجه النشاط الاقتصادي المكثف للعمل مثل نشاط
المقاولات وبعض الأنشطة الخدمية، مما قد يكون له أثر في تقليص حجم سوق العمل.
تمثل دول الخليج مصدراً غنياً بفرص العمل للعمالة الأجنبية التي تزيد على الـ 14 مليون عامل
ولذلك لم تحاول أي من دول الخليج تبني حد أدنى للأجور، تجنباً للآثار السلبية على الاقتصاد بشكل عام، وتفادياً للتجاذبات السياسية التي قد تحدث جراء ذلك. ويستثنى من ذلك مملكة
البحرين التي وضعت مؤشراً استرشادياً غير إلزامي لما يجب أن يكون عليه الحد الأدنى لأجر العامل الوطني. وبدلاً من ذلك تبنت بعض دول الخليج حزمة من الإجراءات العكسية التي تساهم في زيادة جاذبية العامل الوطني من حيث تخفيض أجره المبدئي بالنسبة لرب العمل، ومن خلال تقديم الإعانات له في مجال التأهيل والتدريب على رأس العمل مما سيساهم في زيادة مهارته وقدراته مقارنة بالعامل الأجنبي. وهذه الإجراءات اتبعتها المملكة العربية السعودية بشكل مكثف من خلال برامج الدعم للموارد البشرية الوطنية التي يقدمها صندوق الموارد البشرية، حيث يقدم الصندوق إعانه مقدارها 50 في المائة من راتب الموظف بما لا يتجاوز 1500 ريال لمدة تتراوح بين ستة أشهر وسنة، كما يقدم إعانات مماثلة للتدريب على رأس العمل. والملاحظ أن هذه الإعانات تأخذ الشكل العكسي للحد الأدنى للأجور لتتلافى بذلك تأثيره السلبي على المستوى العام للأسعار. لكن التساؤل المطروح هو مدى فاعلية هذا الدعم في زيادة فرص العمل للمواطن بما ينعكس على زيادة نسبة التوظيف في القطاع الخاص؟ وما مدى استمرارية العامل الوطني في العمل في القطاع الخاص بعد انتهاء فترة الدعم؟ والإجابة عن مثل هذه التساؤلات ستحدد بشكل أوضح مدى فاعلية السياسة التي اتخذتها المملكة في مجال توطين سوق العمل.
إن البعض قد ينتقد هذه السياسة بحيث يرى أنها لا تعكس القيمة الحقيقية للعامل الوطني، وأنها تعكس قيمة العامل الأجنبي فقط. بمعنى أنه بافتراض عدم إمكانية استقدام العمالة لدول الخليج فكيف ستكون عليه أجور العمل؟ بالطبع ستكون أجور العامل الوطني أعلى بكثير مما هي عليه الآن، ولن تحتاج الدولة إلى التدخل لدعم القطاع الخاص لتشجيع عملية توظيفه لعدم وجود خيار آخر أمام القطاع الخاص، أي أن عملية الدعم تلك لا تدعم عملية توظيف المواطن بقدر ما تساهم في ترسيخ حاجة الاقتصاد إلى العامل الأجنبي بدليل أننا كيّفنا أجر العامل الوطني ليتناسب مع أجر العامل الأجنبي، في حين كان من المفترض أن تتم إعادة الأجور إلى وضعها الطبيعي في حال لم تكن هناك عملية استقدام في الأصل للعامل الأجنبي. كما قد يرى البعض أن هذه السياسة تشوش فكر العامل الوطني من خلال اعتقاده بأنه مفروض على رب العمل، ومن ثم قد تقلل من إنتاجيته، وتزيد من التضارب بينه وبين صاحب العمل.
وفي النهاية أجد نفسي في وضع بين عملية تحديد حد أدنى للأجور لا يؤدي إلى الآثار السلبية المشار إليها ومن أهمها ارتفاع الأسعار، وفي الوقت نفسه وضع سياسات وأهداف مستقبلية (صارمة) تهدف إلى تخفيض تعداد العمالة الأجنبية في دول الخليج بشكل تدريجي وعلى مدى فترة معينة بحيث يمكن للقطاع الخاص التجاوب بشكل تدريجي معها، وهذا الأمر يمكن دعمه أيضاً ببرنامج الإحلال التدريجي الذي يساهم في دعمه البرامج التي تقدمها صناديق الموارد البشرية من خلال التدريب والدعم خلال السنة الأولى للتوظيف. ومن المهم أيضاً وضع دليل استرشادي للأجور حسب مؤهل كل شخص يتم تحديثه بشكل شهري حسب تطورات العرض والطلب في سوق العمل، بحيث يعطي للمواطن فكرة عن الفرص التي تقدم أعلى الأجور ومن ثم يعمل على تأهيل نفسه في تلك المجالات.
::/fulltext::
::cck::1511::/cck::
