متطلبات نجاح الوساطة في حل الأزمات.. اتفاق الدوحة نموذجاً
::cck::1516::/cck::
::introtext::
حققت الوساطة القطرية في الأزمة اللبنانية نجاحاً لافتاً حيث توج الحوار الذي استضافته الدوحة على مدى خمسة أيام (16-21 مايو 2008) بين الفرقاء اللبنانيين باتفاق وضع حداً للأزمة السياسية التي تفاقمت على مدى 18 شهراً وكادت تدفع لبنان إلى حرب أهلية.
لقد جاء اتفاق الدوحة ليؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ لبنان بدأت في 25 مايو 2008 بانتخاب الرئيس الجديد العماد ميشال سليمان بنسبة تقترب من الإجماع (حيث حصل على 118 صوتاً من إجمالي عدد النواب المشاركين وهو 127 عضواً)، وتسلمه مهام منصبه رسمياً في قصر بعبدا بعد فراغ رئاسي تجاوز الستة أشهر عانى خلالها لبنان من الاستقطابات والتجاذبات الخارجية الإقليمية والدولية، والتي جعلت التعاطي مع الأزمة اللبنانية المعقدة والمتشابكة أمراً ليس سهلاً.
ورغم ذلك فإن الدبلوماسية القطرية استطاعت أن تدفع بالأطراف اللبنانية نحو الجلوس على طاولة الحوار والتوافق والتوصل إلى اتفاق مصالحة، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن الأسباب والمقومات التي أدت إلى نجاح الوساطة القطرية.
::/introtext::
::fulltext::
حققت الوساطة القطرية في الأزمة اللبنانية نجاحاً لافتاً حيث توج الحوار الذي استضافته الدوحة على مدى خمسة أيام (16-21 مايو 2008) بين الفرقاء اللبنانيين باتفاق وضع حداً للأزمة السياسية التي تفاقمت على مدى 18 شهراً وكادت تدفع لبنان إلى حرب أهلية.
لقد جاء اتفاق الدوحة ليؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ لبنان بدأت في 25 مايو 2008 بانتخاب الرئيس الجديد العماد ميشال سليمان بنسبة تقترب من الإجماع (حيث حصل على 118 صوتاً من إجمالي عدد النواب المشاركين وهو 127 عضواً)، وتسلمه مهام منصبه رسمياً في قصر بعبدا بعد فراغ رئاسي تجاوز الستة أشهر عانى خلالها لبنان من الاستقطابات والتجاذبات الخارجية الإقليمية والدولية، والتي جعلت التعاطي مع الأزمة اللبنانية المعقدة والمتشابكة أمراً ليس سهلاً.
ورغم ذلك فإن الدبلوماسية القطرية استطاعت أن تدفع بالأطراف اللبنانية نحو الجلوس على طاولة الحوار والتوافق والتوصل إلى اتفاق مصالحة، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن الأسباب والمقومات التي أدت إلى نجاح الوساطة القطرية.
بداية لكي تنجح أي وساطة في إنهاء أزمة ما لابد أن تتوافر فيها بعض الشروط سواء في ما يتعلق بالوسيط كأن يكون محايداً نزيهاً، ويمتلك رؤية معينة لحل الأزمة، ويكون مقبولاً من أطراف النزاع وقادراً على فهم البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالصراع، أو في ما يتعلق بأطراف الأزمة وخاصة أن تكون لديهم الرغبة في التوصل إلى اتفاق والمصالحة والرغبة أيضاً في تنفيذ بنود الاتفاق، أو في ما يتعلق بالأجواء الإقليمية والدولية المحيطة بالأزمة، وأن تكون تلك الأجواء مهيأة وغير رافضة أو معرقلة للاتفاق.
ويمكن القول إنه قد توافرت لاتفاق الدوحة مقومات ومتطلبات النجاح وذلك على النحو التالي:
أولاً: من حيث الوسيط وهو قطر، توافرت فيها عوامل عدة ساعدت على نجاحها ومن أهمها:
أ- كونها تتمتع بقبول من جانب أطراف الأزمة، حيث لعبت دوراً حيوياً في دعم لبنان وخاصة عقب العدوان الإسرائيلي في يوليو 2006، حيث شاركت في قوة حفظ السلام الدولية (اليونيفيل)، وفي إعادة إعمار الجنوب اللبناني. كما كانت قطر على مقربة من تطورات الأحداث في لبنان، وكانت محايدة بين الطرفين المتصارعين (الموالاة والمعارضة)، ولم تتعاطف مع طرف على حساب آخر، لكنها انحازت الي مصلحة لبنان كدولة عربية ذات سيادة ولم تكن لها أجنده خاصة، فأصبحت طرفاً موثوقاً به من قبل الفرقاء اللبنانيين الذين يعلمون أنها لا تملك مشروعاً أو أجندة سياسية لتفرضها عليهم، فتعاملت قطر في أزمة لبنان مع جميع الأطراف بمسافة واحدة، الأمر الذي أكسبها مصداقية في الأطروحات والمقترحات. وهو ما أكده أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في افتتاح مؤتمر الحوار الوطني اللبناني حيث قال (إن قطر بلد يعرف حدوده وهو لا يسعى إلى دور يفوق طاقته لكن يطمح أن يكون ساحة لقاء للنوايا الحسنة تفتح الأبواب لحوار مفيد).
ب- انتهجت قطر سياسة جديدة تقوم على مبدأ (لا غالب ولا مغلوب)، بعد أن كانت التدخلات السابقة في الأزمة اللبنانية تسير في اتجاه تغليب طرف على آخر مما أدى إلى فشلها في إنهاء الأزمة، حيث تحولت إلى راع لطرف على حساب آخر. وقد عبر أمير قطر عن تلك السياسة الجديدة بقوله (إن الغالب لبنان والمغلوب هو الفتنة).
ج- فهم الأبعاد المتعددة للأزمة اللبنانية، خاصة التدخلات الخارجية فيها، وتأثير الأطراف الإقليمية والدولية، فلم تسع قطر إلى الاستئثار بالدور بمفردها لكنها حرصت على التحرك في إطار شرعي ومقبول وهو الجامعة العربية والتواصل مع اللاعبين الإقليميين قبل وخلال جلسات الحوار، والحصول على تفويض من العواصم العربية لإدارة الحوار، وعلى دعم قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمتهم في الدمام التي تزامنت مع الحوار اللبناني في الدوحة. وهو ما أوضحه السفير السعودي في لبنان بقوله قطر دولة صديقة وشقيقة ونحن لسنا في حالة صراع؛ المهم أن يتم الاتفاق سواء في الدوحة أو الرياض أو القاهرة أو الرباط، المهم أن العمل العربي أثبت نجاحه).
كل هذا جعل من قطر وسيطاً مقبولاً إقليمياً ودولياً وليس لبنانياً فحسب، حيث أيدت العواصم العربية والإقليمية (وخاصة الرياض ودمشق وطهران) الجهود القطرية وهو ما أسهم في إنجاح الحوار اللبناني، وسهّل مهمة اللجنة العربية التي تولت قيادتها قطر في شخص رئيس وزرائها ووزير خارجيتها الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، ووفر مظلة عربية وإقليمية ودولية سياسية – استراتيجية لاتفاق الدوحة وآليات تنفيذه.
د- الديناميكية الكبيرة والتدخل النشط والمتابعة المستمرة، حيث استعملت قطر كل الوسائل للضغط على الفرقاء اللبنانيين ونجحت في إقناعهم، بعد أن تعرفت إلى مطالب الجميع في بيروت، واستطاعت أن تخرج بصيغة إعلان اتفاق على أساسه تقرر حوار الدوحة على نقاط محددة ومتفق عليها من اختيار الرئيس المتفق عليه العماد ميشيل سليمان والتشكيل الوزاري الجديد بدخول المعارضة إليها وحتى إن حصلوا على ما يشبه الثلث الضامن والموافقة على قانون الانتخاب، ثم فتح حوار حول مصير سلاح (حزب الله).

ولم تتوقف الجهود القطرية بانتهاء الحوار والتوصل إلى اتفاق، بل استمرت الدبلوماسة القطرية في متابعة ما بعد الاتفاق وكل التطورات على الساحة اللبنانية، وقامت قيادتها بعدة زيارات سواء إلى بيروت أو دمشق من أجل التغلب على معوقات وصعوبات عملية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
ثانياً: بالنسبة لأطراف النزاع
لا يكفي لنجاح الوساطة أن يكون الوسيط مقبولاً، بل يجب أن تكون لدى أطراف الأزمة الرغبة الصادقة في التوصل إلى تسوية، فكثيرة هي الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكنها لم تنجح لعدم رغبة إسرائيل في التوصل إلى تسوية. وفي السودان مثلاً قامت أطراف عدة مقبولة بمبادرات لتسوية أزمة دارفور ولم يكتب لها النجاح لعدم رغبة بعض حركات التمرد في التوصل إلى حل.
أما في لبنان، فقدتصرف أطراف الأزمة بمسؤولية كبيرة بعد الأحداث الأخيرة (من اعتصامات وإضرابات ومواجهات مسلحة بين الموالاة والمعارضة)، التي كادت أن تدخل لبنان في حرب أهلية جديدة، فاختاروا الحوار وتمسكوا به كخيار وحيد للحفاظ على لبنان، وخاصة بعد وصول الطرفين المتصارعين في لبنان إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن لطرف أن يحقق تفوقاً حاسماً على الآخر أو أن يتغلب عليه ويفرض سيطرته، ومن ثم فلا يمكن أن يحكم طرف بمعزل عن الطرف الآخر، وأن التصعيد في ظل هذا الوضع سيؤدي إلى حرب أهلية يخسر فيها الجميع، فمعسكر الموالاة يملك الشرعية الدستورية، وتنقصه القوة العسكرية التي يمتلكها معسكر المعارضة الذي يفتقر إلى الشرعية الدستورية التي يمكن أن توصله إلى الحكم، فلم يكن هناك طرف يملك مقومات السلطة من قوة عسكرية وشرعية دستورية بل هي موزعة على الطرفين، فبات الحوار والاتفاق بين الطرفين حتمياً، خاصة مع ضغط الشارع اللبناني باتجاه التسوية، بعد أن ضاق ذرعاً بالفوضى والمواجهات التي كادت تتحول إلى صدامات دموية شاملة، ولهذا رأينا المسيرات في لبنان والتي تزامنت مع جلسات الحوار بالدوحة تطالب القادة اللبنانيين بألا يعودوا من دون اتفاق.
قطر لعبت دوراً حيوياً في دعم لبنان وخاصة عقب العدوان الإسرائيلي في يوليو 2006
ومن الأمور التي ساعدت أطراف الحوار اللبناني على الاتفاق اعترافهم وتقديرهم لدور الجيش كمؤسسة محايدة لعبت دوراً كبيراً في حماية لبنان وإجهاض مشروع الحرب الأهلية، وهو ما سهّل اختيار ميشال سليمان رئيساً وحامياً ليس للوحدة الوطنية فقط، وإنما أيضاً لاتفاق الدوحة وتنفيذه.
ثالثاً: دعم البيئة الإقليمية والدولية
قد يكون الوسيط مقبولاً وأيضاً تتوافر لدى أطراف الأزمة الرغبة في الاتفاق وتأتي البيئة الإقليمية والدولية لتحول دون تنفيذ الاتفاق، ومن الأمثلة على ذلك اتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس والذي جاء بعد وساطة سعودية كانت مقبولة بل ومطلوبة من الطرفين اللذين رغبا في تنفيذ ما تم التوصل إليه في مكة، لكن حالت البيئة الإقليمية والدولية (وخاصة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية) دون تنفيذ الاتفاق.
بينما أتاحت اللحظة الإقليمية والدولية فرصة كبيرة ساعدت على نجاح الوساطة القطرية وخاصة انشغال الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي بقضايا أخرى وعدم رغبتهم في التدخل في الملف اللبناني، فاكتفت تلك الدول بدعم الجهود القطرية في ظل العلاقات الجيدة التي تربطها بالدوحة، مما أدى إلى ما يمكن وصفه بالإجماع الإقليمي والدولي خلف الوساطة القطرية من أجل إخراج لبنان من أزمته، الأمر الذي ساهم في البدء بتنفيذ اتفاق الدوحة باختيار العماد ميشيل سليمان رئيساً للبنان. ولم تتمكن الولايات المتحدة أو إسرائيل من التدخل الفعلي لإجهاض اتفاق الدوحة خاصة بعد أن قامت إسرائيل بكل ما بوسعها عسكرياً في حرب يوليو 2006، ولم تنجح في التأثير في الأوضاع اللبنانية الداخلية. وقامت الولايات المتحدة بكل ما بوسعها سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً ورغم ذلك فشلت في إقناع قوى (14 آذار) في عدم المشاركة في حوار الدوحة، واختار رئيس الوزراء فؤاد السنيورة المشاركة في الحوار الوطني اللبناني بالدوحة، وألغى لقاءً كان مقرراً في منتدى شرم الشيخ الاقتصادي مع الرئيس الأمريكي جورج بوش.
لعل الدرس الأهم من نجاح الوساطة القطرية في الأزمة اللبنانية هو أن هناك إمكانية لأن تجتمع الدول العربية وتتوصل إلى حلول لأزماتها إذا تضافرت الجهود وتوافرت الإرادة والرغبة الحقيقية، ومن الضروري الآن أن نغتنم الفرصة والإنجاز الذي تحقق في الدوحة والذي لاشك سيمنح الجامعة العربية ثقلاً وعمقاً جديدين ونكون أكثر تصميماً على تنقية الأجواء العربية، وتهيئة المناخ الملائم للبحث في الكثير من القضايا والمشكلات التي تمر بها علاقات الدول العربية وايجاد الحلول المناسبة. فبالحوار الجاد والمخلص يمكن حل المشكلات وتسوية الصراعات، وبالوساطة الإيجابية الصادقة المتجردة من المصالح الذاتية يمكن تجاوز الأزمات المختلفة وحلها في إطار عربي بما لا يتيح الفرصة للآخرين للتدخل في شؤوننا الداخلية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1516::/cck::
::introtext::
حققت الوساطة القطرية في الأزمة اللبنانية نجاحاً لافتاً حيث توج الحوار الذي استضافته الدوحة على مدى خمسة أيام (16-21 مايو 2008) بين الفرقاء اللبنانيين باتفاق وضع حداً للأزمة السياسية التي تفاقمت على مدى 18 شهراً وكادت تدفع لبنان إلى حرب أهلية.
لقد جاء اتفاق الدوحة ليؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ لبنان بدأت في 25 مايو 2008 بانتخاب الرئيس الجديد العماد ميشال سليمان بنسبة تقترب من الإجماع (حيث حصل على 118 صوتاً من إجمالي عدد النواب المشاركين وهو 127 عضواً)، وتسلمه مهام منصبه رسمياً في قصر بعبدا بعد فراغ رئاسي تجاوز الستة أشهر عانى خلالها لبنان من الاستقطابات والتجاذبات الخارجية الإقليمية والدولية، والتي جعلت التعاطي مع الأزمة اللبنانية المعقدة والمتشابكة أمراً ليس سهلاً.
ورغم ذلك فإن الدبلوماسية القطرية استطاعت أن تدفع بالأطراف اللبنانية نحو الجلوس على طاولة الحوار والتوافق والتوصل إلى اتفاق مصالحة، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن الأسباب والمقومات التي أدت إلى نجاح الوساطة القطرية.
::/introtext::
::fulltext::
حققت الوساطة القطرية في الأزمة اللبنانية نجاحاً لافتاً حيث توج الحوار الذي استضافته الدوحة على مدى خمسة أيام (16-21 مايو 2008) بين الفرقاء اللبنانيين باتفاق وضع حداً للأزمة السياسية التي تفاقمت على مدى 18 شهراً وكادت تدفع لبنان إلى حرب أهلية.
لقد جاء اتفاق الدوحة ليؤسس لمرحلة جديدة في تاريخ لبنان بدأت في 25 مايو 2008 بانتخاب الرئيس الجديد العماد ميشال سليمان بنسبة تقترب من الإجماع (حيث حصل على 118 صوتاً من إجمالي عدد النواب المشاركين وهو 127 عضواً)، وتسلمه مهام منصبه رسمياً في قصر بعبدا بعد فراغ رئاسي تجاوز الستة أشهر عانى خلالها لبنان من الاستقطابات والتجاذبات الخارجية الإقليمية والدولية، والتي جعلت التعاطي مع الأزمة اللبنانية المعقدة والمتشابكة أمراً ليس سهلاً.
ورغم ذلك فإن الدبلوماسية القطرية استطاعت أن تدفع بالأطراف اللبنانية نحو الجلوس على طاولة الحوار والتوافق والتوصل إلى اتفاق مصالحة، وهو ما يدفع إلى التساؤل عن الأسباب والمقومات التي أدت إلى نجاح الوساطة القطرية.
بداية لكي تنجح أي وساطة في إنهاء أزمة ما لابد أن تتوافر فيها بعض الشروط سواء في ما يتعلق بالوسيط كأن يكون محايداً نزيهاً، ويمتلك رؤية معينة لحل الأزمة، ويكون مقبولاً من أطراف النزاع وقادراً على فهم البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بالصراع، أو في ما يتعلق بأطراف الأزمة وخاصة أن تكون لديهم الرغبة في التوصل إلى اتفاق والمصالحة والرغبة أيضاً في تنفيذ بنود الاتفاق، أو في ما يتعلق بالأجواء الإقليمية والدولية المحيطة بالأزمة، وأن تكون تلك الأجواء مهيأة وغير رافضة أو معرقلة للاتفاق.
ويمكن القول إنه قد توافرت لاتفاق الدوحة مقومات ومتطلبات النجاح وذلك على النحو التالي:
أولاً: من حيث الوسيط وهو قطر، توافرت فيها عوامل عدة ساعدت على نجاحها ومن أهمها:
أ- كونها تتمتع بقبول من جانب أطراف الأزمة، حيث لعبت دوراً حيوياً في دعم لبنان وخاصة عقب العدوان الإسرائيلي في يوليو 2006، حيث شاركت في قوة حفظ السلام الدولية (اليونيفيل)، وفي إعادة إعمار الجنوب اللبناني. كما كانت قطر على مقربة من تطورات الأحداث في لبنان، وكانت محايدة بين الطرفين المتصارعين (الموالاة والمعارضة)، ولم تتعاطف مع طرف على حساب آخر، لكنها انحازت الي مصلحة لبنان كدولة عربية ذات سيادة ولم تكن لها أجنده خاصة، فأصبحت طرفاً موثوقاً به من قبل الفرقاء اللبنانيين الذين يعلمون أنها لا تملك مشروعاً أو أجندة سياسية لتفرضها عليهم، فتعاملت قطر في أزمة لبنان مع جميع الأطراف بمسافة واحدة، الأمر الذي أكسبها مصداقية في الأطروحات والمقترحات. وهو ما أكده أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني في افتتاح مؤتمر الحوار الوطني اللبناني حيث قال (إن قطر بلد يعرف حدوده وهو لا يسعى إلى دور يفوق طاقته لكن يطمح أن يكون ساحة لقاء للنوايا الحسنة تفتح الأبواب لحوار مفيد).
ب- انتهجت قطر سياسة جديدة تقوم على مبدأ (لا غالب ولا مغلوب)، بعد أن كانت التدخلات السابقة في الأزمة اللبنانية تسير في اتجاه تغليب طرف على آخر مما أدى إلى فشلها في إنهاء الأزمة، حيث تحولت إلى راع لطرف على حساب آخر. وقد عبر أمير قطر عن تلك السياسة الجديدة بقوله (إن الغالب لبنان والمغلوب هو الفتنة).
ج- فهم الأبعاد المتعددة للأزمة اللبنانية، خاصة التدخلات الخارجية فيها، وتأثير الأطراف الإقليمية والدولية، فلم تسع قطر إلى الاستئثار بالدور بمفردها لكنها حرصت على التحرك في إطار شرعي ومقبول وهو الجامعة العربية والتواصل مع اللاعبين الإقليميين قبل وخلال جلسات الحوار، والحصول على تفويض من العواصم العربية لإدارة الحوار، وعلى دعم قادة دول مجلس التعاون الخليجي خلال قمتهم في الدمام التي تزامنت مع الحوار اللبناني في الدوحة. وهو ما أوضحه السفير السعودي في لبنان بقوله قطر دولة صديقة وشقيقة ونحن لسنا في حالة صراع؛ المهم أن يتم الاتفاق سواء في الدوحة أو الرياض أو القاهرة أو الرباط، المهم أن العمل العربي أثبت نجاحه).
كل هذا جعل من قطر وسيطاً مقبولاً إقليمياً ودولياً وليس لبنانياً فحسب، حيث أيدت العواصم العربية والإقليمية (وخاصة الرياض ودمشق وطهران) الجهود القطرية وهو ما أسهم في إنجاح الحوار اللبناني، وسهّل مهمة اللجنة العربية التي تولت قيادتها قطر في شخص رئيس وزرائها ووزير خارجيتها الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، ووفر مظلة عربية وإقليمية ودولية سياسية – استراتيجية لاتفاق الدوحة وآليات تنفيذه.
د- الديناميكية الكبيرة والتدخل النشط والمتابعة المستمرة، حيث استعملت قطر كل الوسائل للضغط على الفرقاء اللبنانيين ونجحت في إقناعهم، بعد أن تعرفت إلى مطالب الجميع في بيروت، واستطاعت أن تخرج بصيغة إعلان اتفاق على أساسه تقرر حوار الدوحة على نقاط محددة ومتفق عليها من اختيار الرئيس المتفق عليه العماد ميشيل سليمان والتشكيل الوزاري الجديد بدخول المعارضة إليها وحتى إن حصلوا على ما يشبه الثلث الضامن والموافقة على قانون الانتخاب، ثم فتح حوار حول مصير سلاح (حزب الله).

ولم تتوقف الجهود القطرية بانتهاء الحوار والتوصل إلى اتفاق، بل استمرت الدبلوماسة القطرية في متابعة ما بعد الاتفاق وكل التطورات على الساحة اللبنانية، وقامت قيادتها بعدة زيارات سواء إلى بيروت أو دمشق من أجل التغلب على معوقات وصعوبات عملية تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
ثانياً: بالنسبة لأطراف النزاع
لا يكفي لنجاح الوساطة أن يكون الوسيط مقبولاً، بل يجب أن تكون لدى أطراف الأزمة الرغبة الصادقة في التوصل إلى تسوية، فكثيرة هي الاتفاقيات التي تم التوصل إليها بين الفلسطينيين والإسرائيليين، لكنها لم تنجح لعدم رغبة إسرائيل في التوصل إلى تسوية. وفي السودان مثلاً قامت أطراف عدة مقبولة بمبادرات لتسوية أزمة دارفور ولم يكتب لها النجاح لعدم رغبة بعض حركات التمرد في التوصل إلى حل.
أما في لبنان، فقدتصرف أطراف الأزمة بمسؤولية كبيرة بعد الأحداث الأخيرة (من اعتصامات وإضرابات ومواجهات مسلحة بين الموالاة والمعارضة)، التي كادت أن تدخل لبنان في حرب أهلية جديدة، فاختاروا الحوار وتمسكوا به كخيار وحيد للحفاظ على لبنان، وخاصة بعد وصول الطرفين المتصارعين في لبنان إلى نتيجة مفادها أنه لا يمكن لطرف أن يحقق تفوقاً حاسماً على الآخر أو أن يتغلب عليه ويفرض سيطرته، ومن ثم فلا يمكن أن يحكم طرف بمعزل عن الطرف الآخر، وأن التصعيد في ظل هذا الوضع سيؤدي إلى حرب أهلية يخسر فيها الجميع، فمعسكر الموالاة يملك الشرعية الدستورية، وتنقصه القوة العسكرية التي يمتلكها معسكر المعارضة الذي يفتقر إلى الشرعية الدستورية التي يمكن أن توصله إلى الحكم، فلم يكن هناك طرف يملك مقومات السلطة من قوة عسكرية وشرعية دستورية بل هي موزعة على الطرفين، فبات الحوار والاتفاق بين الطرفين حتمياً، خاصة مع ضغط الشارع اللبناني باتجاه التسوية، بعد أن ضاق ذرعاً بالفوضى والمواجهات التي كادت تتحول إلى صدامات دموية شاملة، ولهذا رأينا المسيرات في لبنان والتي تزامنت مع جلسات الحوار بالدوحة تطالب القادة اللبنانيين بألا يعودوا من دون اتفاق.
قطر لعبت دوراً حيوياً في دعم لبنان وخاصة عقب العدوان الإسرائيلي في يوليو 2006
ومن الأمور التي ساعدت أطراف الحوار اللبناني على الاتفاق اعترافهم وتقديرهم لدور الجيش كمؤسسة محايدة لعبت دوراً كبيراً في حماية لبنان وإجهاض مشروع الحرب الأهلية، وهو ما سهّل اختيار ميشال سليمان رئيساً وحامياً ليس للوحدة الوطنية فقط، وإنما أيضاً لاتفاق الدوحة وتنفيذه.
ثالثاً: دعم البيئة الإقليمية والدولية
قد يكون الوسيط مقبولاً وأيضاً تتوافر لدى أطراف الأزمة الرغبة في الاتفاق وتأتي البيئة الإقليمية والدولية لتحول دون تنفيذ الاتفاق، ومن الأمثلة على ذلك اتفاق مكة بين حركتي فتح وحماس والذي جاء بعد وساطة سعودية كانت مقبولة بل ومطلوبة من الطرفين اللذين رغبا في تنفيذ ما تم التوصل إليه في مكة، لكن حالت البيئة الإقليمية والدولية (وخاصة إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية) دون تنفيذ الاتفاق.
بينما أتاحت اللحظة الإقليمية والدولية فرصة كبيرة ساعدت على نجاح الوساطة القطرية وخاصة انشغال الولايات المتحدة وفرنسا والاتحاد الأوروبي بقضايا أخرى وعدم رغبتهم في التدخل في الملف اللبناني، فاكتفت تلك الدول بدعم الجهود القطرية في ظل العلاقات الجيدة التي تربطها بالدوحة، مما أدى إلى ما يمكن وصفه بالإجماع الإقليمي والدولي خلف الوساطة القطرية من أجل إخراج لبنان من أزمته، الأمر الذي ساهم في البدء بتنفيذ اتفاق الدوحة باختيار العماد ميشيل سليمان رئيساً للبنان. ولم تتمكن الولايات المتحدة أو إسرائيل من التدخل الفعلي لإجهاض اتفاق الدوحة خاصة بعد أن قامت إسرائيل بكل ما بوسعها عسكرياً في حرب يوليو 2006، ولم تنجح في التأثير في الأوضاع اللبنانية الداخلية. وقامت الولايات المتحدة بكل ما بوسعها سياسياً ودبلوماسياً وإعلامياً ورغم ذلك فشلت في إقناع قوى (14 آذار) في عدم المشاركة في حوار الدوحة، واختار رئيس الوزراء فؤاد السنيورة المشاركة في الحوار الوطني اللبناني بالدوحة، وألغى لقاءً كان مقرراً في منتدى شرم الشيخ الاقتصادي مع الرئيس الأمريكي جورج بوش.
لعل الدرس الأهم من نجاح الوساطة القطرية في الأزمة اللبنانية هو أن هناك إمكانية لأن تجتمع الدول العربية وتتوصل إلى حلول لأزماتها إذا تضافرت الجهود وتوافرت الإرادة والرغبة الحقيقية، ومن الضروري الآن أن نغتنم الفرصة والإنجاز الذي تحقق في الدوحة والذي لاشك سيمنح الجامعة العربية ثقلاً وعمقاً جديدين ونكون أكثر تصميماً على تنقية الأجواء العربية، وتهيئة المناخ الملائم للبحث في الكثير من القضايا والمشكلات التي تمر بها علاقات الدول العربية وايجاد الحلول المناسبة. فبالحوار الجاد والمخلص يمكن حل المشكلات وتسوية الصراعات، وبالوساطة الإيجابية الصادقة المتجردة من المصالح الذاتية يمكن تجاوز الأزمات المختلفة وحلها في إطار عربي بما لا يتيح الفرصة للآخرين للتدخل في شؤوننا الداخلية.
::/fulltext::
::cck::1516::/cck::
