بيئة إعلامية (صراعية) غير صحية
::cck::1537::/cck::
::introtext::
دائماً ما كانت القضية الفلسطينية ضحية الاتجار فيها، حتى أصبحت مأساة الشعب الفلسطيني منصة للتمحور كرست المزيد من العجز في مواجهة المأساة الفلسطينية المتصاعدة، خصوصاً في ظل المشكلات العربية الكثيرة والمتأزمة التي تنخر في جسد الأمة.
::/introtext::
::fulltext::
دائماً ما كانت القضية الفلسطينية ضحية الاتجار فيها، حتى أصبحت مأساة الشعب الفلسطيني منصة للتمحور كرست المزيد من العجز في مواجهة المأساة الفلسطينية المتصاعدة، خصوصاً في ظل المشكلات العربية الكثيرة والمتأزمة التي تنخر في جسد الأمة.
كانت الدول الكبرى منذ الستينات وحتى الثمانينات تثير الانقسامات في صفوف العرب وعلى الخصوص ضد مصر، وكان لهم ما أرادوه خصوصاً بعد توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد بمفردها في عام 1979، وعندما استلم العراق زمام وظيفة مصر التي انكفأت فاعليتها لأكثر من عقدين من الزمان، ما لبث أن تغير المشهد مرة أخرى بعد احتلال العراق للكويت، إلى إعادة التماسك المؤقت بين مصر وسوريا والسعودية ما لبث هو الآخر أن عاد مرة أخرى إلى التفكك، وبدا العالم العربي يزداد انقساماً نتيجة غياب الدور المصري وانكفاء الدور السعودي بعد معاناته من الهجمة الشرسة عليه من قبل الغرب وخصوصاً من أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر وتحميل السعودية المسؤولية غير المباشرة، ما جعل الدول العربية الأخرى تستغل هذا الفراغ، وتحاول خطب ود القوى الدولية والإقليمية وعلى رأسها الولايات المتحدة بالدرجة الأولى وإسرائيل بالدرجة الثانية وإيران وتركيا في الدرجة الثالثة تارة في العلن، وتارة أخرى في الخفاء تحت غطاءات (ثورية) كي تخفي عن الشعوب العربية حقيقة نواياها تدعمها قنواتها الفضائية تحت عنوان الدفاع عن القضية الفلسطينية.
ويمكن أن يكتشف المتابع صحة تلك الرؤية في انعقاد القمم المتوالية عقب الهجمة الإسرائيلية الشرسة على غزة، رغم أن العرب يدركونأنهم لن يستطيعوا فعل أي شيء في تلك القمم، وكان الأولى لهم التوحد في دعم الجبهة العربية التي استطاعت أن تنتزع قرار 1860 من مجلس الأمن بقيادة السعودية، وكانت المبادرة المصرية إليه تطبيق القرار مما أضعف موقف هذه الجبهة وعدم قدرتها على الاستمرار نتيجة للاصطفاف والاستقطاب العربي الإقليمي الذي قادته فضائيات إعلام المحاور والرديف، لأن حقيقة انعقاد القمم لم يكن حقيقة لإنقاذ الشعب الفلسطيني، وإنما من أجل دعم استقطابات محورية للحصول على أدوار على حساب الأدوار الرئيسية في المنطقة (السعودي والمصري) لمكانتهما الإقليمية والدولية ومحاولة إضعافهما لتحقيق مصالح خاصة وضيقة لا تحقق للأمة العربية شيئاً.
واستعانت هذه الأطراف بأدوار إقليمية، وكان الفارق بين استقطابات الدور التركي والإيراني كبيراً جداً، فالأول يطرق الأبواب الرسمية، بينما الثاني يطرق أبواب المنظمات والأحزاب مما يشجع الانقسام العربي.
فهذه القمم واستقطابات قنوات المحاور والرديف تسببت في المزيد من الانقسام في صفوف الشعب الفلسطيني الجريح والإساءة إلى قضيته، وامتد أثر هذا الانقسام إلى تهديد تفكيك الوحدة العربية والخليجية.
لكن كان لخطاب خادم الحرمين الشريفين في قمة الكويت الداعي إلى نبذ الخلاف وإلى التصالح دور مناهض لمواقف إعلام المحاور التي أسهمت في تعزيز الانقسام العربي الذي استفاد منه إعلام اللوبي الصهيوني المتماسك الذي استطاع أن ينتزع ميل الطرف الغربي نحو إسرائيل بصرف النظر عن عدالة القضية الفلسطينية. والسؤال لماذا لم تتحول مأساة غزة من فظائع وإبادة وتقتيل جماعي إلى نفس موقع مأساة سبرنتشا البوسنية في الوعي الغربي (أقصد حكوماته)؟
إن اللوبيات اليهودية استطاعت أن تتحكم في القرار الأمريكي، وعقدة المحرقة اليهودية في أوروبا استطاعت أن تأسر الغرب.
فالعرب رغم عدالة قضيتهم إلا أن الانقسام العربي إلى جانب الخطاب الإعلامي التعبوي الذي يتصف بين سردية المقاومة المشروعة ضد الاحتلال التي تكفلها المواثيق والقوانين الدولية والسردية القومية والدينية التي ولدت لدى الغرب التباسات في الصورة، أي أسمعنا الغرب صوت الضحية المحتل.
ودائماً ما تكون خطة المحتل لا تقتصر على الاحتلال العسكري بقدر ما ترتبط بأجندات وأهداف مركزية تسعى إلى تدمير ذاكرة الجميع ومكونات الدول ونظمها الإدارية والاجتماعية، ونشر الفوضى الجماعية عندما تدعو إلى إطلاق فوضى الحريات الإعلامية بحيث أصبح من حق الجميع من دون استثناء إصدار الصحف وإنشاء القنوات الفضائية والإذاعات من دون ترخيص، لأن المحتل عندما يسعى إلى إنشاء بيئة إعلامية صراعية غير صحية يستثمرها لمصالحه السياسية وتحقيق أجندته الخاصة.
المشكلة إذن هي في الفضائيات العربية في كونها مؤسسات اجتماعية لها وظيفة تجاه شعوبها خاصة أنها في مجال صراع حضاري وثقافي وسياسي وحتى عسكري يفترض أن تنتصر تلك الفضائيات لعكس صورة حقيقية وشفافة عن حقيقتنا وهويتنا وحضارتنا في ظل مجتمع دولي أصبح فيه العالم شاشة صغيرة مما يتوجب عليها أن تقدم إعلاماً متوازناً وصادقاً على توسيع مدارك الجمهور وبنائه وتثقيفه واندماجه في وطنه وهويته وحضارته، بينما كانت أجندات الإعلام الرسمي وإعلام الرديف التي تحولت إلى إعلام محاور واستقطابات تحاول أن تمرر مواقف ووجهات نظر من دون أن تتحمل أي التزامات دبلوماسية أو قانونية، وهذا الإعلام باتت بصماته وأولوياته واضحة وهو يخطئ بأولوية المشاهدة، بل الدعوة إلى إعلام تتكفل به المجتمعات المدنية العربية وفق استراتيجيات واضحة ومحددة ومراجعة شاملة لوظيفتها رغم أهمية ما تدعو إليه من كشف المستور للحكومات لأنه أصبح هدفاً رئيسياً، وليس من أجل الإصلاح، والفارق كبير بينهما.
نحن لا نريد وهم تعددية إعلامية في المنطقة العربية بقدر ما نريد إعلاماً حقيقياً ينتقل من فكر يجسد الرأي الواحد إلى تعددية إعلامية تنشد تحقيق تعددية الرأي يقود في النهاية إلى احترام حقوق الإنسان قولاً وفعلاً، ويجب ألا يفهم من التعددية الإعلامية هبة سياسية القصد منها إلغاء النقلة النوعية في الوعي والإدراك والتطور الفكري والعلمي للواقع العربي الذي شكّل نقطة تحول في تبني لغة الحوار الساعية إلى تغيير النظرة الأحادية السابقة والمستمرة عن طريق إعلام الرديف والتي تحولت في النهاية إلى استقطابات إعلام محاور.
إن كل وسائل الإعلام العالمية وإن تمكنت من نقل الخبر بالسرعة الممكنة، فهي حتماً ستلونه باللون الذي تريد مثل (قتل، استشهاد، إرهابي، فدائي، انتحاري…إلخ) وهي مصطلحات تقررها كل مؤسسة إعلامية وفق أهوائها الخاصة ثم الهدف من نشر تلك الأخبار ومساحة البث أو النشر وتوقيته وغيرها من التساؤلات التي تنعكس على طريقة الخبر وأسلوبه.
ومن الخطأ أن تعمل وسائل الإعلام العربية على نمذجة أخبارها وفقاً للمفهوم الغربي للأخبار لأنها في الأصل موجهة للعالم المتقدم وهي غير صالحة لدول العالم الثالث، وكان للصحافة الغربية دور في استقالة الرئيس نيكسون عام 1974 وتحديداً في صحيفة (واشنطن بوست) نتيجة لفضيحة (ووترغيت)، ووضعت تلك الصحيفة نموذجاً في تلك الفترة يحتذى لما تستطيع الصحافة إنجازه وكيف تكون أخلاقية عبر حماية المصادر حين أصرت الصحيفة على المحافظة على سر هوية (الحنجرة العميقة) (المصدر الحكومي الذي كان يسرب المعلومات إليها) حتى عام 2005.
لكن حينما تتعامل المحطات الفضائية الأجنبية والإعلام الغربي مع المسلمين فإن الوضع يختلف تماماً، مثال على ذلك قرار إذاعة الـ (بي بي سي) عدم بث إعلانات لمؤسسات إغاثة بريطانية لجمع التبرعات لغزة رغم مناشدة شخصيات بريطانية بارزة مثل وزير التنمية الدولية دوغلاس ألكساندر ووزير الدولة للعدل شاهد مالك وسبق للـ (بي بي سي) أن بثت إعلانات ضمن حملة لجمع التبرعات للكونغو وبورما.
لا نريد وهم تعددية إعلامية في المنطقة العربية بقدر ما نريد إعلاماً حقيقياً
وفي ظل التناقضات الإعلامية المحيطة بالمشاهد العربي كان يؤمل في أن يشاهد قناة محايدة مثل القناة العربية لـ (بي بي سي) التي أعلنت عن مد ساعات بثها إلى 24 ساعة والتي راهن القائمون عليها بأنها ستعمل على تغطية المنطقة بصورة معمقة من خلال القيم الاجتماعية المعروفة عن الـ (بي بي سي) وتحديداً الدقة والموضوعية، ولكن في ظل منع الـ (بي بي سي) من نشر إذاعة نداء لجمع التبرعات لصالح منكوبي غزة يعتبر حياداً سلبياً وليس حياد باحث عن الحقيقة أو المتقصي لها، ولا بد أن ينتهي عهد الاصطفاف مع وضد.
ولذلك خسر المواطن العربي المصداقية المضاعفة التي تبنتها الـ (بي بي سي) العالمية وفق المعايير العريقة طوال الفترة الماضية قبل ظهور قنوات الرديف الحكومية التي تحولت إلى قنوات محاور عززت الانقسامات العربية بإعلام مترهل ومتخم بالانحيازات والانقسامات التي عجزت الموضوعية عن تجاوزها.
ورغم مساوئ قنوات الرديف إلا أنها استطاعت أن تنقل صورة القصف الإسرائيلي الوحشي على غزة إلى شتى أنحاء العالم كقوة إعلامية قادرة على تحييد الآلة الإعلامية الصهيونية، ولأول مرة جعلت من المظاهرات الشعبية قوة ضغط على حكوماتها من أجل إيقاف دعم إسرائيل، كما لا يمكن أن نغفل إيجابيات هذه القنوات خصوصاً في الجوانب الأخرى غير الاصطفاف السياسي، لكن تقع على المجتمعات المدنية العربية مسؤولية إنشاء قنوات فضائية إعلامية محايدة بعيدة عن استقطاب واصطفاف المحاور.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1537::/cck::
::introtext::
دائماً ما كانت القضية الفلسطينية ضحية الاتجار فيها، حتى أصبحت مأساة الشعب الفلسطيني منصة للتمحور كرست المزيد من العجز في مواجهة المأساة الفلسطينية المتصاعدة، خصوصاً في ظل المشكلات العربية الكثيرة والمتأزمة التي تنخر في جسد الأمة.
::/introtext::
::fulltext::
دائماً ما كانت القضية الفلسطينية ضحية الاتجار فيها، حتى أصبحت مأساة الشعب الفلسطيني منصة للتمحور كرست المزيد من العجز في مواجهة المأساة الفلسطينية المتصاعدة، خصوصاً في ظل المشكلات العربية الكثيرة والمتأزمة التي تنخر في جسد الأمة.
كانت الدول الكبرى منذ الستينات وحتى الثمانينات تثير الانقسامات في صفوف العرب وعلى الخصوص ضد مصر، وكان لهم ما أرادوه خصوصاً بعد توقيع مصر اتفاقية كامب ديفيد بمفردها في عام 1979، وعندما استلم العراق زمام وظيفة مصر التي انكفأت فاعليتها لأكثر من عقدين من الزمان، ما لبث أن تغير المشهد مرة أخرى بعد احتلال العراق للكويت، إلى إعادة التماسك المؤقت بين مصر وسوريا والسعودية ما لبث هو الآخر أن عاد مرة أخرى إلى التفكك، وبدا العالم العربي يزداد انقساماً نتيجة غياب الدور المصري وانكفاء الدور السعودي بعد معاناته من الهجمة الشرسة عليه من قبل الغرب وخصوصاً من أمريكا بعد أحداث 11 سبتمبر وتحميل السعودية المسؤولية غير المباشرة، ما جعل الدول العربية الأخرى تستغل هذا الفراغ، وتحاول خطب ود القوى الدولية والإقليمية وعلى رأسها الولايات المتحدة بالدرجة الأولى وإسرائيل بالدرجة الثانية وإيران وتركيا في الدرجة الثالثة تارة في العلن، وتارة أخرى في الخفاء تحت غطاءات (ثورية) كي تخفي عن الشعوب العربية حقيقة نواياها تدعمها قنواتها الفضائية تحت عنوان الدفاع عن القضية الفلسطينية.
ويمكن أن يكتشف المتابع صحة تلك الرؤية في انعقاد القمم المتوالية عقب الهجمة الإسرائيلية الشرسة على غزة، رغم أن العرب يدركونأنهم لن يستطيعوا فعل أي شيء في تلك القمم، وكان الأولى لهم التوحد في دعم الجبهة العربية التي استطاعت أن تنتزع قرار 1860 من مجلس الأمن بقيادة السعودية، وكانت المبادرة المصرية إليه تطبيق القرار مما أضعف موقف هذه الجبهة وعدم قدرتها على الاستمرار نتيجة للاصطفاف والاستقطاب العربي الإقليمي الذي قادته فضائيات إعلام المحاور والرديف، لأن حقيقة انعقاد القمم لم يكن حقيقة لإنقاذ الشعب الفلسطيني، وإنما من أجل دعم استقطابات محورية للحصول على أدوار على حساب الأدوار الرئيسية في المنطقة (السعودي والمصري) لمكانتهما الإقليمية والدولية ومحاولة إضعافهما لتحقيق مصالح خاصة وضيقة لا تحقق للأمة العربية شيئاً.
واستعانت هذه الأطراف بأدوار إقليمية، وكان الفارق بين استقطابات الدور التركي والإيراني كبيراً جداً، فالأول يطرق الأبواب الرسمية، بينما الثاني يطرق أبواب المنظمات والأحزاب مما يشجع الانقسام العربي.
فهذه القمم واستقطابات قنوات المحاور والرديف تسببت في المزيد من الانقسام في صفوف الشعب الفلسطيني الجريح والإساءة إلى قضيته، وامتد أثر هذا الانقسام إلى تهديد تفكيك الوحدة العربية والخليجية.
لكن كان لخطاب خادم الحرمين الشريفين في قمة الكويت الداعي إلى نبذ الخلاف وإلى التصالح دور مناهض لمواقف إعلام المحاور التي أسهمت في تعزيز الانقسام العربي الذي استفاد منه إعلام اللوبي الصهيوني المتماسك الذي استطاع أن ينتزع ميل الطرف الغربي نحو إسرائيل بصرف النظر عن عدالة القضية الفلسطينية. والسؤال لماذا لم تتحول مأساة غزة من فظائع وإبادة وتقتيل جماعي إلى نفس موقع مأساة سبرنتشا البوسنية في الوعي الغربي (أقصد حكوماته)؟
إن اللوبيات اليهودية استطاعت أن تتحكم في القرار الأمريكي، وعقدة المحرقة اليهودية في أوروبا استطاعت أن تأسر الغرب.
فالعرب رغم عدالة قضيتهم إلا أن الانقسام العربي إلى جانب الخطاب الإعلامي التعبوي الذي يتصف بين سردية المقاومة المشروعة ضد الاحتلال التي تكفلها المواثيق والقوانين الدولية والسردية القومية والدينية التي ولدت لدى الغرب التباسات في الصورة، أي أسمعنا الغرب صوت الضحية المحتل.
ودائماً ما تكون خطة المحتل لا تقتصر على الاحتلال العسكري بقدر ما ترتبط بأجندات وأهداف مركزية تسعى إلى تدمير ذاكرة الجميع ومكونات الدول ونظمها الإدارية والاجتماعية، ونشر الفوضى الجماعية عندما تدعو إلى إطلاق فوضى الحريات الإعلامية بحيث أصبح من حق الجميع من دون استثناء إصدار الصحف وإنشاء القنوات الفضائية والإذاعات من دون ترخيص، لأن المحتل عندما يسعى إلى إنشاء بيئة إعلامية صراعية غير صحية يستثمرها لمصالحه السياسية وتحقيق أجندته الخاصة.
المشكلة إذن هي في الفضائيات العربية في كونها مؤسسات اجتماعية لها وظيفة تجاه شعوبها خاصة أنها في مجال صراع حضاري وثقافي وسياسي وحتى عسكري يفترض أن تنتصر تلك الفضائيات لعكس صورة حقيقية وشفافة عن حقيقتنا وهويتنا وحضارتنا في ظل مجتمع دولي أصبح فيه العالم شاشة صغيرة مما يتوجب عليها أن تقدم إعلاماً متوازناً وصادقاً على توسيع مدارك الجمهور وبنائه وتثقيفه واندماجه في وطنه وهويته وحضارته، بينما كانت أجندات الإعلام الرسمي وإعلام الرديف التي تحولت إلى إعلام محاور واستقطابات تحاول أن تمرر مواقف ووجهات نظر من دون أن تتحمل أي التزامات دبلوماسية أو قانونية، وهذا الإعلام باتت بصماته وأولوياته واضحة وهو يخطئ بأولوية المشاهدة، بل الدعوة إلى إعلام تتكفل به المجتمعات المدنية العربية وفق استراتيجيات واضحة ومحددة ومراجعة شاملة لوظيفتها رغم أهمية ما تدعو إليه من كشف المستور للحكومات لأنه أصبح هدفاً رئيسياً، وليس من أجل الإصلاح، والفارق كبير بينهما.
نحن لا نريد وهم تعددية إعلامية في المنطقة العربية بقدر ما نريد إعلاماً حقيقياً ينتقل من فكر يجسد الرأي الواحد إلى تعددية إعلامية تنشد تحقيق تعددية الرأي يقود في النهاية إلى احترام حقوق الإنسان قولاً وفعلاً، ويجب ألا يفهم من التعددية الإعلامية هبة سياسية القصد منها إلغاء النقلة النوعية في الوعي والإدراك والتطور الفكري والعلمي للواقع العربي الذي شكّل نقطة تحول في تبني لغة الحوار الساعية إلى تغيير النظرة الأحادية السابقة والمستمرة عن طريق إعلام الرديف والتي تحولت في النهاية إلى استقطابات إعلام محاور.
إن كل وسائل الإعلام العالمية وإن تمكنت من نقل الخبر بالسرعة الممكنة، فهي حتماً ستلونه باللون الذي تريد مثل (قتل، استشهاد، إرهابي، فدائي، انتحاري…إلخ) وهي مصطلحات تقررها كل مؤسسة إعلامية وفق أهوائها الخاصة ثم الهدف من نشر تلك الأخبار ومساحة البث أو النشر وتوقيته وغيرها من التساؤلات التي تنعكس على طريقة الخبر وأسلوبه.
ومن الخطأ أن تعمل وسائل الإعلام العربية على نمذجة أخبارها وفقاً للمفهوم الغربي للأخبار لأنها في الأصل موجهة للعالم المتقدم وهي غير صالحة لدول العالم الثالث، وكان للصحافة الغربية دور في استقالة الرئيس نيكسون عام 1974 وتحديداً في صحيفة (واشنطن بوست) نتيجة لفضيحة (ووترغيت)، ووضعت تلك الصحيفة نموذجاً في تلك الفترة يحتذى لما تستطيع الصحافة إنجازه وكيف تكون أخلاقية عبر حماية المصادر حين أصرت الصحيفة على المحافظة على سر هوية (الحنجرة العميقة) (المصدر الحكومي الذي كان يسرب المعلومات إليها) حتى عام 2005.
لكن حينما تتعامل المحطات الفضائية الأجنبية والإعلام الغربي مع المسلمين فإن الوضع يختلف تماماً، مثال على ذلك قرار إذاعة الـ (بي بي سي) عدم بث إعلانات لمؤسسات إغاثة بريطانية لجمع التبرعات لغزة رغم مناشدة شخصيات بريطانية بارزة مثل وزير التنمية الدولية دوغلاس ألكساندر ووزير الدولة للعدل شاهد مالك وسبق للـ (بي بي سي) أن بثت إعلانات ضمن حملة لجمع التبرعات للكونغو وبورما.
لا نريد وهم تعددية إعلامية في المنطقة العربية بقدر ما نريد إعلاماً حقيقياً
وفي ظل التناقضات الإعلامية المحيطة بالمشاهد العربي كان يؤمل في أن يشاهد قناة محايدة مثل القناة العربية لـ (بي بي سي) التي أعلنت عن مد ساعات بثها إلى 24 ساعة والتي راهن القائمون عليها بأنها ستعمل على تغطية المنطقة بصورة معمقة من خلال القيم الاجتماعية المعروفة عن الـ (بي بي سي) وتحديداً الدقة والموضوعية، ولكن في ظل منع الـ (بي بي سي) من نشر إذاعة نداء لجمع التبرعات لصالح منكوبي غزة يعتبر حياداً سلبياً وليس حياد باحث عن الحقيقة أو المتقصي لها، ولا بد أن ينتهي عهد الاصطفاف مع وضد.
ولذلك خسر المواطن العربي المصداقية المضاعفة التي تبنتها الـ (بي بي سي) العالمية وفق المعايير العريقة طوال الفترة الماضية قبل ظهور قنوات الرديف الحكومية التي تحولت إلى قنوات محاور عززت الانقسامات العربية بإعلام مترهل ومتخم بالانحيازات والانقسامات التي عجزت الموضوعية عن تجاوزها.
ورغم مساوئ قنوات الرديف إلا أنها استطاعت أن تنقل صورة القصف الإسرائيلي الوحشي على غزة إلى شتى أنحاء العالم كقوة إعلامية قادرة على تحييد الآلة الإعلامية الصهيونية، ولأول مرة جعلت من المظاهرات الشعبية قوة ضغط على حكوماتها من أجل إيقاف دعم إسرائيل، كما لا يمكن أن نغفل إيجابيات هذه القنوات خصوصاً في الجوانب الأخرى غير الاصطفاف السياسي، لكن تقع على المجتمعات المدنية العربية مسؤولية إنشاء قنوات فضائية إعلامية محايدة بعيدة عن استقطاب واصطفاف المحاور.
::/fulltext::
::cck::1537::/cck::
