البحث العلمي في دول الخليج بين الآفاق والتحديات
::cck::1570::/cck::
::introtext::
يمر البحث العلمي والتقني في المنطقة العربية بوجه عام، وفي دول الخليج العربية بوجه خاص، بمرحلة هامة تفرضها التطورات المتلاحقة نتيجة الثورات العلمية والتقنية التي فتحت آفاقاً جديدة أمام تلك الدول، مما يحتم عليها ضرورة مواكبة تغيرات العصر، ومن المسلم به أنه لا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق البحث العلمي، فالبحث العلمي في العالم العربي يمثل تحديات ثورة المعرفة والثورة التقنية، وهو ما تتصف به الألفية الثالثة ضمن الميزات الأساسية في ممارسة النشاط العلمي والتقني كمقياس للتطور والرقي، فلا شك أن امتداد التأثير التقني على مختلف أوجه الحياة الإنسانية يجعل من البحث العلمي أحد المؤشرات التي يقوم عليها بناء مجتمع معلوماتي متطور بإمكانه أن يواجه التحديات متعددة الأبعاد.
::/introtext::
::fulltext::
يمر البحث العلمي والتقني في المنطقة العربية بوجه عام، وفي دول الخليج العربية بوجه خاص، بمرحلة هامة تفرضها التطورات المتلاحقة نتيجة الثورات العلمية والتقنية التي فتحت آفاقاً جديدة أمام تلك الدول، مما يحتم عليها ضرورة مواكبة تغيرات العصر، ومن المسلم به أنه لا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق البحث العلمي، فالبحث العلمي في العالم العربي يمثل تحديات ثورة المعرفة والثورة التقنية، وهو ما تتصف به الألفية الثالثة ضمن الميزات الأساسية في ممارسة النشاط العلمي والتقني كمقياس للتطور والرقي، فلا شك أن امتداد التأثير التقني على مختلف أوجه الحياة الإنسانية يجعل من البحث العلمي أحد المؤشرات التي يقوم عليها بناء مجتمع معلوماتي متطور بإمكانه أن يواجه التحديات متعددة الأبعاد.
لقد أصبحت دول الخليج العربي في مواجهة هذه التحديات بفضل تطور البنى الأساسية للبحث العلمي والتقني في الدول المتقدمة، ومن الضروري أن تأخذ هذه الدول بأسباب القوى التي تساعدها على التنمية العلمية والتكنولوجية. فقد أشارت إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن البحوث والدراسات العلمية أصبحت تسهم بنسبة من 40 في المائة إلى 80 في المائة في تطوير الأمم، وذلك بفضل الإمكانات الضخمة التي تتوافر بمؤسسات البحث العلمي والتقني بها. وما يحدث في دول الخليج العربي ما هو إلا امتداد لما يحدث في بقية الدول، فقد برزت حاجة دول الخليج الفعلية إلى تنمية مؤسسات البحث العلمي والتقني لكي تؤدي رسالتها العلمية من جهة، وترتبط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى.
فمن المعروف أن هناك ارتباطاً مباشراً بين التقدم الصناعي في أي بلد ومدى ما يتحقق فيه من تطور تكنولوجي. ولأن القوة المحركة لهذا التطور هي البحث العلمي، فقد اكتسب البحث العلمي وما يلعبه من دور محوري في خدمة التنمية الصناعية والاقتصادية أهمية كبيرة تعاظمت في الفترة الأخيرة التي بدأت تشهد تغيرات اقتصادية كاسحة في ظل تحرير التجارة وقوانين منظمة التجارة العالمية والعولمة التي عملت على انفتاح الأسواق أمام السلع والخدمات والتقنية، بكل ما يترتب على ذلك من بروز أجواء تنافسية حادة البقاء فيها للأفضل أو بعبارة أخرى الوجود فيها لمن يملك الميزة التنافسية العمية والتقنية والقدرة على التطوير والإبداع وتحويل الأفكار الخلاقة إلى سلع ومنتجات متميزة سهلة التسويق. وهناك بعد ثالث يرتبط برسالة مؤسسات البحث العلمي والتقني في هذه الدول هو بعد التنمية البشرية من أجل تحقيق التوازن التنموي وتهيئة الكفاءات البشرية المطلوبة.
تحديات متشابكة ومتداخلة
ويتم الاهتمام بمؤسسات البحث العلمي والتقني في دول الخليج من خلال دعمها بالتمويل وتشجيع إنتاجها العلمي بكل الطرق من أجل دور أكثر تعاظماً وتسارعاً في جني ثمار التقدم باستخدام عناصر التحديث، وهي: الإدارة والتنظيم ـ التعليم والتدريب ـ المعلومات ووسائل الاتصال ـ تقنيات البحث، التي أدت إلى تغييرات أساسية في بنى البحث العلمي والتقني.
وإن المتأمل لواقع البحث العلمي العربي ومؤسساته في الدول الخليجية، يتبين له مدى الفجوة الواسعة بينه وبين المستوى البحثي والأكاديمي العالميين، فالدول العربية عامة والخليجية خاصة تفتقر إلى سياسية علمية محددة المعالم، والأهداف والوسائل، حيث تفتقر إلى : سياسة استراتيجية للبحث العلمي، وما يسمّى بصناعة المعلومات، مراكز للتنسيق بين المؤسسات والمراكز البحثية، صناديق متخصّصة بتمويل الأبحاث والتطوير، حرية أكاديمية كافية كتلك التي يتمتع به البحث العلمي عند الغرب.إضافة إلى البيروقراطية والمشكلات الإدارية والتنظيمية، والفساد المالي والإداري في مؤسسات البحث العلمي الحكومية، إلى جانب تأخر عملية نقل المعلومة التقنية من الدول المتقدمة إلى الدول العربية، وبقاء بعض من مراكز البحوث العربية تحت قيادات غير مدركة لأبعاد التقدم العالمي في ميادين البحث العلمي، لا سيما في العلوم التكنولوجية والفيزيقية، وإهمال التدريب المستمر للباحثين، بل قد وصل حال كثير من مؤسسات البحث العلمي إلى تهميش الكوادر البحثية التي لا تتفق وسياسية السلطة أو إمكاناتها، ومن ثم يتم تهجير ـ أو هجرة ـ هذه العقول إلى الدول الغربية، لتجد هذه العقول البيئة العلمية المناسبة لها، والمعززة لمواهبها، والداعمة لأفكارها الابتكارية..
إن البحث العلمي من أشق وأرقى النشاطات التي يمارسها العقل البشري على الإطلاق، وهو نوع من الجهاد المقدس، من أجل صناعة الحياة وتحقيق التطور والنهوض، وهذا الجهد المنظم لا يمكن أن يجري في فراغ، حيث ينبغي توفير الحرية والدعم والأموال وبناء المنشآت والمعامل والأدوات، وتأهيل الكوادر البشرية، وخلق الحوافز المادية والمعنوية، التي تجعل من الإنتاج الفكري عملاً يستحق المعاناة والجهد المتواصل، إذ بالإنتاج الفكري تكون نهضة الأمم والشعوب.
إضافة إلى ماسبق تلوح في الأفق مشكلة أو تحدي نقص الإنفاق، فالأرقام المتاحة عن حجم الإنفاق على البحوث العلمية والتطوير التقني تشير إلى أن الدول العربية ومنها دول مجلس التعاون، تأتي في مراكز متأخرة على قائمة تقديرات إنفاق دول العالم في هذا المجال، فعلى سبيل المثال، لم تزد ميزانية البحث والتطوير للدول العربية 1995 عن 750 مليون دولار، كان إجمالي الإنفاق العالمي وصل إلى 500 مليار دولار في العام المذكور، وتتعدى نسبة إنفاق الدول الصناعية على أنشطة البحث والتطوير 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وفي الوقت نفسه فإن ما يؤخذ على العالم العربي عامة والخليجي خاصة في هذا الشأن ليس ضعف الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير فحسب بل غياب التعاون والتنسيق بين مراكز البحوث والتقنية العربية أيضاً.
قد يكون في التجربة الكورية أبلغ مثال على ما يحقق الاهتمام بالبحث العلمي والتطوير التقنية من تقدم للمجتمعات
وقد يكون في التجربة الكورية أبلغ مثال على ما يحقق الاهتمام بالبحث العلمي والتطوير التقنية من تقدم للمجتمعات. ففي بداية الستينات لم يكن إنفاق كوريا الجنوبية على البحث والتطوير يتجاوز 0.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ليرتفع عام 2000 إلى حوالي 5 في المائة الأمر الذي يفسر السبب وراء ما حققته كوريا الجنوبية من نجاح صناعي في السنوات الأخيرة.
ومع التقدير الكبير لما سجلته دول الخليج العربية من تطور في مجال التنمية الاقتصادية والصناعية حيث يربو عدد المنشآت الصناعية في دول المجلس على 7300 مصنع يتجاوز حجم الاستثمار فيها 80 مليار دولار، وتستخدم أحدث التقنيات وتطرح منتجات بمواصفات عالية، وعلى الرغم من وجود العديد من مراكز البحث العلمي في دول المجلس في مقدمتها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، ومعهد الكويت للأبحاث العلمية، ومعهد البحوث في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والعديد من الجامعات الخليجية الأخرى، إلا أن دول الخليج العربية ما تزال تعتمد على استيراد الخدمات التكنولوجية لمعظم الصناعات القائمة والمشاريع الجديدة، ومثل هذا الوضع يعزى إلى عدد من الأسباب في مقدمتها: غياب التصور الواضح لأهمية البحث والتطوير كجزء من البنية التكنولوجية والعلمية اللازمة للتنمية الصناعية، واستمرار الاعتماد على الحكومات في هذا المجال، على عكس ما هو معمول به في الدول المتقدمة – حيث يتولى القطاع الخاص الجزء الأعظم من المسؤولية – وعدم وجود التنسيق المطلوب بين مراكز البحوث والجامعات والفعاليات الصناعية، والأهم من ذلك هو غياب التشريعات المنظمة والمحفزة للبحث والتطوير في دول المجلس.

غير أن الظاهرة الأبرز فيما يتعلق بمسألة البحث العلمي في دول الخليج العربية تتمثل في حقيقة أن معظم البحوث العلمية المنجزة لا تجد طريقها للتنفيذ في معظم الأحيان لسبب جوهري هو الافتقار لسياسة التسويق المطلوبة لهذه البحوث، فعلى سبيل المثال لا الحصر، بلغ عدد الأبحاث العلمية المنجزة بدعم من جامعة الملك عبد العزيز عام 1998 أكثر من 809 أبحاث، لم يتم الاستفادة من معظمها في ظل غياب الآلية والجهاز المناسبين لتسويقها. وفي المقابل هناك معاهد وجامعات أجنبية تطرح الآلاف من البحوث العلمية تجد طريقها للتطبيق الفعلي بفضل سياسة تسويقية محكمة تتولاها مؤسسات متخصصة تكون تابعة في العادة لنفس المعهد، وكمثال على ذلك، فإن المعهد الفرنسي للبترول الذي يحتفظ بمكتب لـه في المنطقة الخليجية، قام وفي عام واحد بإنجاز 156 عقداً بحثياً للتطوير العلمي، ونشر أكثر من 500 بحث علمي، ونظم العشرات من الحلقات والدورات التدريبية لأكثر من 8000 مشارك، ويدير المعهد شركة خاصة للاستشارات العلمية والتقنية، ووصل دخل هذه الشركة التي تنشط في معظم الدول المنتجة للنفط إلى 18 مليار فرنك فرنسي.
وصل حال كثير من مؤسسات البحث العلمي إلى تهميش الكوادر البحثية التي لا تتفق وسياسية السلطة أو إمكاناتها
والأمر الذي لا شك فيه أن معالجة المشكلة المتمثلة في استمرار اعتماد الصناعة الخليجية على الخارج في عملية التطور التقني، يتطلب: تعاون القطاعين الحكومي والخاص، والإنفاق بشكل أكبر على عملية البحث العلمي، وإنشاء المزيد من مراكز البحوث، ودعم القائم منها، وبخاصة فيما يتعلق بتسويق مخرجاتها من نتائج البحث لكي تجد طريقها إلى التنفيذ العلمي، وإيجاد آلية مناسبة للتنسيق والتعاون سواء بين مراكز البحوث الخليجية نفسها، أو بين هذه المراكز والمنشآت الصناعية لضمان عملية النقل الفعلي لنتائج البحوث إلى الصناعة، وتوفير البيئة المناسبة من التشريعات المنظمة للبحوث والحوافز للاستفادة منها.
ولمواجهة هذه التحديات، ليس أمام الدول العربية عامة والخليجية على وجه الخصوص إلا طريق واحد وهو بناء مجتمع المعرفة بما يسمح بإعادة هيكلة المنطقة وتحقيق نهضة جديدة، تتمفصل فيها المعرفة مع آليات مجتمع مفتوح على العالم المعاصر يحقق للإنسان الحرية والعدل والكرامة، وتتحدد المعرفة المعنية بكونها لا تتضمن فقط العلوم الدقيقة والطبيعية بل أيضاً العلوم الإنسانية والاجتماعية والإبداع الأدبي والفني. بهذا المعنى الواسع، فإن المجتمع الذي ينمو فيه هذا النمط من المعرفة هو مجتمع يحتل فيه إنتاج المعرفة ونشرها مركزاً جوهريا على جميع الصعد. للوهلة الأولى، يبدو وكأن الرهان يتعلق بأمور محايدة تتصل بالعلم والتربية فقط، غير أن الأمر ليس كذلك حيث أن طبيعة التحدي تتطلب إعادة النظر في نمط التنظيم الاجتماعي وتطرح اختيارات سياسية بالغة الأهمية. يأتي على رأس هذه الرهانات: إدخال البحث العلمي والتكنولوجي في جميع الأنشطة الاجتماعية؛ الانتقال بسرعة إلى عصر المعلومات؛ جعل المعرفة منتجة للقيمة المضافة والمبدأ المنظم للنشاط الإنساني واحترام حرية التفكير والتعبير والتنظيم؛ ضمان تربية جيدة للجميع؛ فبالاعتماد على هذه الرؤية يمكن للمجتمعات العربية والخليجية أن تحقق نهضة سريعة وشاملة في شتى المناحي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1570::/cck::
::introtext::
يمر البحث العلمي والتقني في المنطقة العربية بوجه عام، وفي دول الخليج العربية بوجه خاص، بمرحلة هامة تفرضها التطورات المتلاحقة نتيجة الثورات العلمية والتقنية التي فتحت آفاقاً جديدة أمام تلك الدول، مما يحتم عليها ضرورة مواكبة تغيرات العصر، ومن المسلم به أنه لا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق البحث العلمي، فالبحث العلمي في العالم العربي يمثل تحديات ثورة المعرفة والثورة التقنية، وهو ما تتصف به الألفية الثالثة ضمن الميزات الأساسية في ممارسة النشاط العلمي والتقني كمقياس للتطور والرقي، فلا شك أن امتداد التأثير التقني على مختلف أوجه الحياة الإنسانية يجعل من البحث العلمي أحد المؤشرات التي يقوم عليها بناء مجتمع معلوماتي متطور بإمكانه أن يواجه التحديات متعددة الأبعاد.
::/introtext::
::fulltext::
يمر البحث العلمي والتقني في المنطقة العربية بوجه عام، وفي دول الخليج العربية بوجه خاص، بمرحلة هامة تفرضها التطورات المتلاحقة نتيجة الثورات العلمية والتقنية التي فتحت آفاقاً جديدة أمام تلك الدول، مما يحتم عليها ضرورة مواكبة تغيرات العصر، ومن المسلم به أنه لا سبيل إلى ذلك إلا عن طريق البحث العلمي، فالبحث العلمي في العالم العربي يمثل تحديات ثورة المعرفة والثورة التقنية، وهو ما تتصف به الألفية الثالثة ضمن الميزات الأساسية في ممارسة النشاط العلمي والتقني كمقياس للتطور والرقي، فلا شك أن امتداد التأثير التقني على مختلف أوجه الحياة الإنسانية يجعل من البحث العلمي أحد المؤشرات التي يقوم عليها بناء مجتمع معلوماتي متطور بإمكانه أن يواجه التحديات متعددة الأبعاد.
لقد أصبحت دول الخليج العربي في مواجهة هذه التحديات بفضل تطور البنى الأساسية للبحث العلمي والتقني في الدول المتقدمة، ومن الضروري أن تأخذ هذه الدول بأسباب القوى التي تساعدها على التنمية العلمية والتكنولوجية. فقد أشارت إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن البحوث والدراسات العلمية أصبحت تسهم بنسبة من 40 في المائة إلى 80 في المائة في تطوير الأمم، وذلك بفضل الإمكانات الضخمة التي تتوافر بمؤسسات البحث العلمي والتقني بها. وما يحدث في دول الخليج العربي ما هو إلا امتداد لما يحدث في بقية الدول، فقد برزت حاجة دول الخليج الفعلية إلى تنمية مؤسسات البحث العلمي والتقني لكي تؤدي رسالتها العلمية من جهة، وترتبط بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى.
فمن المعروف أن هناك ارتباطاً مباشراً بين التقدم الصناعي في أي بلد ومدى ما يتحقق فيه من تطور تكنولوجي. ولأن القوة المحركة لهذا التطور هي البحث العلمي، فقد اكتسب البحث العلمي وما يلعبه من دور محوري في خدمة التنمية الصناعية والاقتصادية أهمية كبيرة تعاظمت في الفترة الأخيرة التي بدأت تشهد تغيرات اقتصادية كاسحة في ظل تحرير التجارة وقوانين منظمة التجارة العالمية والعولمة التي عملت على انفتاح الأسواق أمام السلع والخدمات والتقنية، بكل ما يترتب على ذلك من بروز أجواء تنافسية حادة البقاء فيها للأفضل أو بعبارة أخرى الوجود فيها لمن يملك الميزة التنافسية العمية والتقنية والقدرة على التطوير والإبداع وتحويل الأفكار الخلاقة إلى سلع ومنتجات متميزة سهلة التسويق. وهناك بعد ثالث يرتبط برسالة مؤسسات البحث العلمي والتقني في هذه الدول هو بعد التنمية البشرية من أجل تحقيق التوازن التنموي وتهيئة الكفاءات البشرية المطلوبة.
تحديات متشابكة ومتداخلة
ويتم الاهتمام بمؤسسات البحث العلمي والتقني في دول الخليج من خلال دعمها بالتمويل وتشجيع إنتاجها العلمي بكل الطرق من أجل دور أكثر تعاظماً وتسارعاً في جني ثمار التقدم باستخدام عناصر التحديث، وهي: الإدارة والتنظيم ـ التعليم والتدريب ـ المعلومات ووسائل الاتصال ـ تقنيات البحث، التي أدت إلى تغييرات أساسية في بنى البحث العلمي والتقني.
وإن المتأمل لواقع البحث العلمي العربي ومؤسساته في الدول الخليجية، يتبين له مدى الفجوة الواسعة بينه وبين المستوى البحثي والأكاديمي العالميين، فالدول العربية عامة والخليجية خاصة تفتقر إلى سياسية علمية محددة المعالم، والأهداف والوسائل، حيث تفتقر إلى : سياسة استراتيجية للبحث العلمي، وما يسمّى بصناعة المعلومات، مراكز للتنسيق بين المؤسسات والمراكز البحثية، صناديق متخصّصة بتمويل الأبحاث والتطوير، حرية أكاديمية كافية كتلك التي يتمتع به البحث العلمي عند الغرب.إضافة إلى البيروقراطية والمشكلات الإدارية والتنظيمية، والفساد المالي والإداري في مؤسسات البحث العلمي الحكومية، إلى جانب تأخر عملية نقل المعلومة التقنية من الدول المتقدمة إلى الدول العربية، وبقاء بعض من مراكز البحوث العربية تحت قيادات غير مدركة لأبعاد التقدم العالمي في ميادين البحث العلمي، لا سيما في العلوم التكنولوجية والفيزيقية، وإهمال التدريب المستمر للباحثين، بل قد وصل حال كثير من مؤسسات البحث العلمي إلى تهميش الكوادر البحثية التي لا تتفق وسياسية السلطة أو إمكاناتها، ومن ثم يتم تهجير ـ أو هجرة ـ هذه العقول إلى الدول الغربية، لتجد هذه العقول البيئة العلمية المناسبة لها، والمعززة لمواهبها، والداعمة لأفكارها الابتكارية..
إن البحث العلمي من أشق وأرقى النشاطات التي يمارسها العقل البشري على الإطلاق، وهو نوع من الجهاد المقدس، من أجل صناعة الحياة وتحقيق التطور والنهوض، وهذا الجهد المنظم لا يمكن أن يجري في فراغ، حيث ينبغي توفير الحرية والدعم والأموال وبناء المنشآت والمعامل والأدوات، وتأهيل الكوادر البشرية، وخلق الحوافز المادية والمعنوية، التي تجعل من الإنتاج الفكري عملاً يستحق المعاناة والجهد المتواصل، إذ بالإنتاج الفكري تكون نهضة الأمم والشعوب.
إضافة إلى ماسبق تلوح في الأفق مشكلة أو تحدي نقص الإنفاق، فالأرقام المتاحة عن حجم الإنفاق على البحوث العلمية والتطوير التقني تشير إلى أن الدول العربية ومنها دول مجلس التعاون، تأتي في مراكز متأخرة على قائمة تقديرات إنفاق دول العالم في هذا المجال، فعلى سبيل المثال، لم تزد ميزانية البحث والتطوير للدول العربية 1995 عن 750 مليون دولار، كان إجمالي الإنفاق العالمي وصل إلى 500 مليار دولار في العام المذكور، وتتعدى نسبة إنفاق الدول الصناعية على أنشطة البحث والتطوير 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وفي الوقت نفسه فإن ما يؤخذ على العالم العربي عامة والخليجي خاصة في هذا الشأن ليس ضعف الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير فحسب بل غياب التعاون والتنسيق بين مراكز البحوث والتقنية العربية أيضاً.
قد يكون في التجربة الكورية أبلغ مثال على ما يحقق الاهتمام بالبحث العلمي والتطوير التقنية من تقدم للمجتمعات
وقد يكون في التجربة الكورية أبلغ مثال على ما يحقق الاهتمام بالبحث العلمي والتطوير التقنية من تقدم للمجتمعات. ففي بداية الستينات لم يكن إنفاق كوريا الجنوبية على البحث والتطوير يتجاوز 0.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ليرتفع عام 2000 إلى حوالي 5 في المائة الأمر الذي يفسر السبب وراء ما حققته كوريا الجنوبية من نجاح صناعي في السنوات الأخيرة.
ومع التقدير الكبير لما سجلته دول الخليج العربية من تطور في مجال التنمية الاقتصادية والصناعية حيث يربو عدد المنشآت الصناعية في دول المجلس على 7300 مصنع يتجاوز حجم الاستثمار فيها 80 مليار دولار، وتستخدم أحدث التقنيات وتطرح منتجات بمواصفات عالية، وعلى الرغم من وجود العديد من مراكز البحث العلمي في دول المجلس في مقدمتها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، ومعهد الكويت للأبحاث العلمية، ومعهد البحوث في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والعديد من الجامعات الخليجية الأخرى، إلا أن دول الخليج العربية ما تزال تعتمد على استيراد الخدمات التكنولوجية لمعظم الصناعات القائمة والمشاريع الجديدة، ومثل هذا الوضع يعزى إلى عدد من الأسباب في مقدمتها: غياب التصور الواضح لأهمية البحث والتطوير كجزء من البنية التكنولوجية والعلمية اللازمة للتنمية الصناعية، واستمرار الاعتماد على الحكومات في هذا المجال، على عكس ما هو معمول به في الدول المتقدمة – حيث يتولى القطاع الخاص الجزء الأعظم من المسؤولية – وعدم وجود التنسيق المطلوب بين مراكز البحوث والجامعات والفعاليات الصناعية، والأهم من ذلك هو غياب التشريعات المنظمة والمحفزة للبحث والتطوير في دول المجلس.

غير أن الظاهرة الأبرز فيما يتعلق بمسألة البحث العلمي في دول الخليج العربية تتمثل في حقيقة أن معظم البحوث العلمية المنجزة لا تجد طريقها للتنفيذ في معظم الأحيان لسبب جوهري هو الافتقار لسياسة التسويق المطلوبة لهذه البحوث، فعلى سبيل المثال لا الحصر، بلغ عدد الأبحاث العلمية المنجزة بدعم من جامعة الملك عبد العزيز عام 1998 أكثر من 809 أبحاث، لم يتم الاستفادة من معظمها في ظل غياب الآلية والجهاز المناسبين لتسويقها. وفي المقابل هناك معاهد وجامعات أجنبية تطرح الآلاف من البحوث العلمية تجد طريقها للتطبيق الفعلي بفضل سياسة تسويقية محكمة تتولاها مؤسسات متخصصة تكون تابعة في العادة لنفس المعهد، وكمثال على ذلك، فإن المعهد الفرنسي للبترول الذي يحتفظ بمكتب لـه في المنطقة الخليجية، قام وفي عام واحد بإنجاز 156 عقداً بحثياً للتطوير العلمي، ونشر أكثر من 500 بحث علمي، ونظم العشرات من الحلقات والدورات التدريبية لأكثر من 8000 مشارك، ويدير المعهد شركة خاصة للاستشارات العلمية والتقنية، ووصل دخل هذه الشركة التي تنشط في معظم الدول المنتجة للنفط إلى 18 مليار فرنك فرنسي.
وصل حال كثير من مؤسسات البحث العلمي إلى تهميش الكوادر البحثية التي لا تتفق وسياسية السلطة أو إمكاناتها
والأمر الذي لا شك فيه أن معالجة المشكلة المتمثلة في استمرار اعتماد الصناعة الخليجية على الخارج في عملية التطور التقني، يتطلب: تعاون القطاعين الحكومي والخاص، والإنفاق بشكل أكبر على عملية البحث العلمي، وإنشاء المزيد من مراكز البحوث، ودعم القائم منها، وبخاصة فيما يتعلق بتسويق مخرجاتها من نتائج البحث لكي تجد طريقها إلى التنفيذ العلمي، وإيجاد آلية مناسبة للتنسيق والتعاون سواء بين مراكز البحوث الخليجية نفسها، أو بين هذه المراكز والمنشآت الصناعية لضمان عملية النقل الفعلي لنتائج البحوث إلى الصناعة، وتوفير البيئة المناسبة من التشريعات المنظمة للبحوث والحوافز للاستفادة منها.
ولمواجهة هذه التحديات، ليس أمام الدول العربية عامة والخليجية على وجه الخصوص إلا طريق واحد وهو بناء مجتمع المعرفة بما يسمح بإعادة هيكلة المنطقة وتحقيق نهضة جديدة، تتمفصل فيها المعرفة مع آليات مجتمع مفتوح على العالم المعاصر يحقق للإنسان الحرية والعدل والكرامة، وتتحدد المعرفة المعنية بكونها لا تتضمن فقط العلوم الدقيقة والطبيعية بل أيضاً العلوم الإنسانية والاجتماعية والإبداع الأدبي والفني. بهذا المعنى الواسع، فإن المجتمع الذي ينمو فيه هذا النمط من المعرفة هو مجتمع يحتل فيه إنتاج المعرفة ونشرها مركزاً جوهريا على جميع الصعد. للوهلة الأولى، يبدو وكأن الرهان يتعلق بأمور محايدة تتصل بالعلم والتربية فقط، غير أن الأمر ليس كذلك حيث أن طبيعة التحدي تتطلب إعادة النظر في نمط التنظيم الاجتماعي وتطرح اختيارات سياسية بالغة الأهمية. يأتي على رأس هذه الرهانات: إدخال البحث العلمي والتكنولوجي في جميع الأنشطة الاجتماعية؛ الانتقال بسرعة إلى عصر المعلومات؛ جعل المعرفة منتجة للقيمة المضافة والمبدأ المنظم للنشاط الإنساني واحترام حرية التفكير والتعبير والتنظيم؛ ضمان تربية جيدة للجميع؛ فبالاعتماد على هذه الرؤية يمكن للمجتمعات العربية والخليجية أن تحقق نهضة سريعة وشاملة في شتى المناحي.
::/fulltext::
::cck::1570::/cck::
