الضربة العسكرية المحتملة ضد إيران.. المواقف وردود الأفعال
::cck::1621::/cck::
::introtext::
تمثل الوسائل الدبلوماسية الخيار الأمثل لتسوية الأزمة القائمة حالياً حول الملف النووي الإيراني، وتظل الأسلوب الأفضل في هذا الإطار. وعلى الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً لاتخاذ قرار حاسم في هذا الشأن، إلا أن بحث المخاطر والتحديات والانعكاسات المحتملة التي قد تترتب على توجيه ضربة وقائية ضد إيران بات أمراً حتمياً.
ترى النظرية الشائعة أن اللجوء إلى توجيه ضربة وقائية ضد إيران سينطوي على خسائر فادحة وقد لا يؤدي إلى النتائج المنشودة. والواقع أن هذه النظرية تطرح السؤال الخاطئ وتتجاهل الدروس والعبر التاريخية المستفادة من التعامل مع إيران.
::/introtext::
::fulltext::
تمثل الوسائل الدبلوماسية الخيار الأمثل لتسوية الأزمة القائمة حالياً حول الملف النووي الإيراني، وتظل الأسلوب الأفضل في هذا الإطار. وعلى الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً لاتخاذ قرار حاسم في هذا الشأن، إلا أن بحث المخاطر والتحديات والانعكاسات المحتملة التي قد تترتب على توجيه ضربة وقائية ضد إيران بات أمراً حتمياً.
ترى النظرية الشائعة أن اللجوء إلى توجيه ضربة وقائية ضد إيران سينطوي على خسائر فادحة وقد لا يؤدي إلى النتائج المنشودة. والواقع أن هذه النظرية تطرح السؤال الخاطئ وتتجاهل الدروس والعبر التاريخية المستفادة من التعامل مع إيران.
مقاييس النجاح
قد يميل البعض إلى الحكم على مدى نجاح الضربة الوقائية ضد إيران من خلال طرح سؤال بسيط وهو إلى أي مدى ستتأثر البنية النووية لإيران بهذه الهجمات؟ ويُعنى هذا السؤال في الواقع بقياس قوة الضربة العسكرية، غير أن مدى التدمير الناجم عن هذه الضربة لا يدخل ضمن معايير نجاح سياسية الردع أو فشلها، إذ إن تحقيق الأهداف المرجوة من هذه الضربة مرهون إلى حد كبير بقرار طهران لوقف برنامجها النووي أو تفكيك ما تبقى من بنيتها النووية.
فهل نتخيل مثلاً نجاح عملية عسكرية تدمر المواقع النووية الرئيسية في إيران، لكنها تستجلب إدانة دولية واسعة النطاق لواشنطن وتقوي من شوكة إيران وتشجعها على إعادة بناء منشآتها النووية، وتخفف الضغط الدولي عليها (لأن العالم سينظر إلى إيران في هذه الحالة على أنها ضحية مستضعفة يحق لها الدفاع عن نفسها عن طريق حيازة أسلحة نووية) وتحرم الولايات المتحدة من اتخاذ مزيد من الإجراءات والترتيبات لمواجهة التهديدات النووية القادمة من إيران ومن غيرها. فلا ريب أن هذه العملية ستؤدي إلى نتائج عكسية وهي محكوم عليها بالفشل.
ولنفترض مثلاً أن ضربة عسكرية وقائية تؤدي إلى إقناع إيران بالعدول عن برنامجها النووي لما ينطوي على مخاطرة وتكاليف فادحة تنجم عن إمكانية تأييد المجتمع الدولي لفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، وربما تكرار العمليات العسكرية إن لزم الأمر لمنع إيران من مواصلة برنامجها النووي. فمن المتوقع أن تحقق هذه الضربة نجاحاً أكبر بغض النظر عن نطاقها حتى لو أسفرت عن أضرار طفيفة أو استهدفت بعض المنشآت النووية الإيرانية فقط.
وعلى هذا الأساس، يجب ألا يهتم قرار الحرب على إيران بتقييم الأضرار التي قد تلحق بالمنشآت النووية الإيرانية فحسب، بل يجب أن يأخذ في الحسبان أثر هذه الضربة في دفع الجهود الدبلوماسية أو تكرار الأعمال العسكرية، إن لزم الأمر، لمنع إيران من المضي قدماً في برنامجها النووي، وهو الأمر الذي ينطوي على مزيد من القيود السياسية قبل التفكير في توجيه ضربة عسكرية ضد إيران.
تتوافر أمام القيادة الإيرانية جملة واسعة من الخيارات العسكرية ولكن لكل خيار مشكلاته ومعوقاته
الظروف والأحداث المحيطة
يتوقف نجاح الضربة العسكرية على السياق والظروف المحيطة بها ولا سيما ردود الأفعال المصاحبة لهذه الضربة؛ فقد يعتبر المجتمع الدولي هذه العمليات العسكرية رد فعل طبيعياً للاستفزازات الإيرانية أو على النقيض قد يراها عملاً غير شرعي لا يستند إلى القانون الدولي. فإذ جاءت هذه الضربة وسط جهود دبلوماسية مكثفة مثلاً فإنها ستثير رد فعل مختلفاً تماماً عما إذا جاءت عقب إعلان طهران عن انسحابها من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. وبالمثل، فإن رد الفعل الإيراني سيعتمد إلى حدٍ كبير على نظرة الإيرانيين لهذه الهجمات: أهي ضرب من العدوان أم رد فعل على التصريحات الشديدة والسياسات المتعنتة من الجانب الإيراني؟ وقد تصبح هذه الضربات من وجهة نظر الكثيرين في إيران والولايات المتحدة وغيرها من دول العالم ضرورة حتمية وإن كانت مُرة يجب الرضوخ لها، الأمر الذي سيؤثر في قرار إيران على إعادة بناء منشآتها بل وطريقة تعاملها مع الهجمات المحتملة.
وهناك العديد من العوامل التي يتوقع أن تلعب دوراً بارزاً في تحديد وصياغة رد الفعل الدولي تجاه الهجمات العسكرية على إيران مثل المخاطر والتهديدات الإيرانية على دول المنطقة الأخرى، ومدى التزام الولايات المتحدة بالمساعي الدبلوماسية متعددة الأطراف، واحترام الأطراف الأخرى لقرار الولايات المتحدة، والظروف المحيطة بالملف النووي الإيراني، وهل استُنفِدت شتى المساعي الدبلوماسية، ومدى اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي، وإمكانية التعايش مع إيران بعد امتلاكها هذا السلاح الخطير. فالولايات المتحدة والرأي العام العالمي سيكونان أكثر استعداداً لقبول الخيار العسكري إذا كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن وجود مستجدات خطيرة في الملف النووي الإيراني أو تم طرد المفتشين الدوليين، وسيختلف الأمر بالطبع في حال توجيه هجمات عسكرية استناداً إلى تقارير سرية صادرة عن المخابرات الأمريكية وحدها.
الصور المتوقعة لرد الفعل الإيراني: نبذة تاريخية
قد يميل المرء إلى الاعتقاد بأن إيران سترد بشدة حال تعرضها لهجوم عسكري، غير أن أحداث التاريخ السابقة لا تؤيد هذا الرأي، فقد تباينت ردود الفعل الإيرانية تجاه ما تعرضت له من استفزازات أو هجمات عسكرية على مدار التاريخ وارتبطت إلى حدٍ كبير بالأوضاع والظروف السائدة، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال الأمثلة التالية:
فعقب تفجير إحدى المدمرات الأمريكية في مياه الخليج العربي خلال شهر إبريل بسبب لغم إيراني، عمدت الولايات المتحدة إلى إغراق منصتين إيرانيتين لاستخراج النفط، وتمثل الرد الإيراني في استهداف القوات البحرية الإيرانية سفناً أمريكية عدة في مياه الخليج العربي، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى إغراق معظم الوحدات البحرية المقاتلة التابعة لإيران، وبعدها تقلصت الهجمات الإيرانية التي تستهدف السفن الأمريكية بصورة ملحوظة.
وفي يوليو 1988، قامت المدمرة الأمريكية عن غير قصد بإسقاط إحدى طائرات الخطوط الجوية الإيرانية من طراز إيرباص، مما أسفر عن مصرع كافة ركابها البالغ عددهم 290 شخصاً. واعتقدت إيران أن الولايات المتحدة الأمريكية أسقطت الطائرة عن عمد وانضمت إلى العراق في حربها مع إيران، مما دفعها إلى الإعلان عن قبولها لوقف إطلاق النار مع العراق بعد أسبوع واحد فقط من الحادث. ولم تحاول الرد على عملية إسقاط الطائرة.
وفي شهر أغسطس من عام 1998، سيطرت حركة طالبان على إقليم مزار الشريف وقتلت آلاف الشيعة إلى جانب أحد عشر دبلوماسياً إيرانياً. وكرد فعل على هذه الحادثة، قامت إيران بنشر قرابة مائتي ألف جندي على الحدود الإيرانية – الأفغانية. وعلى الرغم من رد الفعل القوي داخل إيران والمساندة الدولية واسعة النطاق (بما في ذلك صدور قرار من مجلس الأمن بموافقة من الولايات المتحدة الأمريكية) لم تلجأ إيران إلى الخيار العسكري حتى لا تتورط في المستنقع الأفغاني واكتفت بالانضمام إلى روسيا في تزويد قوات التحالف الشمالي المضادة لحركة أفغانستان بمزيد من الأسلحة والعتاد.
وتبرهن هذه الشواهد والأحداث على أن طهران قد ترى في بعض الأحيان أن من مصلحتها عدم اللجوء إلى الخيار العسكري حتى إن تعارض هذا الأمر مع الشعور الوطني المتأجج على الساحة الداخلية. ويأتي الرد الإيراني مرهوناً بالأوضاع والظروف السائدة على الرغم من أنه لم يكن موفقاً في بعض الأحيان من حيث طبيعته وتوقيته.

رد الفعل الإيراني
تتوافر أمام القيادة الإيرانية جملة واسعة من الخيارات العسكرية، لكن لكل خيار مشكلاته ومعوقاته، فقد تلجأ إيران مثلاً إلى قطع إمدادات النفط في المنطقة عبر إغلاق مضيق هرمز، غير أن إيران ستتكبد خسائر هائلة في هذه الحالة لن تقل فداحة عن تلك التي ستلحق بخصومها وأعدائها. وربما تلجأ إيران إلى مهاجمة البنية التحتية للدول المجاورة مثل المنشآت النفطية ومحطات تحلية المياه. وفي هذه الحالة يتعين على الأطراف المعنية اتخاذ السبل والترتيبات للتخفيف من حدة الآثار الناجمة عن هذه الهجمات. ومن المحتمل أن تسعى إيران إلى تزويد العناصر المتطرفة والجماعات الإرهابية في العراق بأسلحة متطورة، ولم يتبين حتى الآن هل سيكون لإيران مصلحة في تدهور الوضع الأمني والسياسي داخل العراق أم لا عقب تعرضها لهجوم عسكري أمريكي ما يساعدها على النيل من الولايات المتحدة وحشد الدعم الشعبي لها في الأوساط العربية. ومع ذلك، فمن المحتمل ألا يغامر حزب الله – الذي ما لبث أن خرج من حرب ضروس دارت رحاها مع القوات الإسرائيلية خلال صيف 2006- ويضحي بقاعدة الدعم والتأييد التي يحظى بها في أوساط الطائفة الشيعية وجهود إعمار جنوبي لبنان ومحاولة إعادة بناء قواته العسكرية من جديد في سبيل مساندة إيران. وباختصار، فإن رد الفعل الإيراني ينطوي على مخاطر عدة من وجهة نظر إيران، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة قد تتخذ جملة من الترتيبات التي يمكن أن تخفف من حدة الآثار الناجمة عن تعامل إيران مع هذه الهجمات.
وأخيراً من المؤكد أن الولايات المتحدة ومن يدورون في فلكها سيعمدون إلى بحث إمكانية توجيه هجمات عسكرية وقائية ضد إيران في حالة فشل المساعي الدبلوماسية لإقناع إيران بوقف برنامجها النووي. وحتى تتحقق أهدافها المنشودة، يجب أن تتركز هذه الهجمات على سياسة طويلة الأمد ولا تأتي كضربة واحدة فحسب. فخيار القوة سيكون أكثر فاعلية في حالة استناده إلى تأييد الرأي العام داخل الشارع الأمريكي وحلفاء الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بصورة عامة، بل إلى تأييدٍ من أبرز التيارات السياسية في الساحة الإيرانية. ويجب أن تقتنع هذه الأطراف بأن القيادة الإيرانية رفضت شتى الحلول الدبلوماسية المعقولة والمنطقية، وبات منع إيران من مواصلة برنامجها النووي من دون استخدام القوة أمراً غير ممكن، وأن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديداً غير مقبول للشعب الإيراني وشعوب المنطقة والمجتمع الدولي بأسره، ناهيك عما يترتب عليه من تدهور الأمن والاستقرار على الساحتين الإقليمية والعالمية. كما يجب على الأطراف المعنية اتخاذ الإجراءات والترتيبات اللازمة لامتصاص ردود الفعل الإيرانية المحتملة مثل العمل على تهدئة أسواق النفط وتهيئتها لهذه الهجمات العسكرية والتقليص من مخاوف الشعب الأمريكي والشعب الإيراني والمجتمع الدولي بصورة عامة ووضع خطة فعالة لتنسيق الجهود الدبلوماسية والعقوبات الدولية التي تجبر إيران على عدم التفكير في إعادة بناء منشآتها النووية من جديد.
ونظراً لأن الخيار الدبلوماسي يشكل الحل الأمثل في هذا الشأن، فإن الأطراف المعنية مطالبة باتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة لتعزيز هذا التوجه وإقناع الرأي العام بأن فشل إيران في التوصل إلى حل وسط سيكلف طهران خسائر فادحة. وبعبارة أخرى، فإن نجاح العمليات العسكرية مرهون إلى حد كبير بفاعلية المساعي الدبلوماسية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1621::/cck::
::introtext::
تمثل الوسائل الدبلوماسية الخيار الأمثل لتسوية الأزمة القائمة حالياً حول الملف النووي الإيراني، وتظل الأسلوب الأفضل في هذا الإطار. وعلى الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً لاتخاذ قرار حاسم في هذا الشأن، إلا أن بحث المخاطر والتحديات والانعكاسات المحتملة التي قد تترتب على توجيه ضربة وقائية ضد إيران بات أمراً حتمياً.
ترى النظرية الشائعة أن اللجوء إلى توجيه ضربة وقائية ضد إيران سينطوي على خسائر فادحة وقد لا يؤدي إلى النتائج المنشودة. والواقع أن هذه النظرية تطرح السؤال الخاطئ وتتجاهل الدروس والعبر التاريخية المستفادة من التعامل مع إيران.
::/introtext::
::fulltext::
تمثل الوسائل الدبلوماسية الخيار الأمثل لتسوية الأزمة القائمة حالياً حول الملف النووي الإيراني، وتظل الأسلوب الأفضل في هذا الإطار. وعلى الرغم من أن الوقت لا يزال مبكراً لاتخاذ قرار حاسم في هذا الشأن، إلا أن بحث المخاطر والتحديات والانعكاسات المحتملة التي قد تترتب على توجيه ضربة وقائية ضد إيران بات أمراً حتمياً.
ترى النظرية الشائعة أن اللجوء إلى توجيه ضربة وقائية ضد إيران سينطوي على خسائر فادحة وقد لا يؤدي إلى النتائج المنشودة. والواقع أن هذه النظرية تطرح السؤال الخاطئ وتتجاهل الدروس والعبر التاريخية المستفادة من التعامل مع إيران.
مقاييس النجاح
قد يميل البعض إلى الحكم على مدى نجاح الضربة الوقائية ضد إيران من خلال طرح سؤال بسيط وهو إلى أي مدى ستتأثر البنية النووية لإيران بهذه الهجمات؟ ويُعنى هذا السؤال في الواقع بقياس قوة الضربة العسكرية، غير أن مدى التدمير الناجم عن هذه الضربة لا يدخل ضمن معايير نجاح سياسية الردع أو فشلها، إذ إن تحقيق الأهداف المرجوة من هذه الضربة مرهون إلى حد كبير بقرار طهران لوقف برنامجها النووي أو تفكيك ما تبقى من بنيتها النووية.
فهل نتخيل مثلاً نجاح عملية عسكرية تدمر المواقع النووية الرئيسية في إيران، لكنها تستجلب إدانة دولية واسعة النطاق لواشنطن وتقوي من شوكة إيران وتشجعها على إعادة بناء منشآتها النووية، وتخفف الضغط الدولي عليها (لأن العالم سينظر إلى إيران في هذه الحالة على أنها ضحية مستضعفة يحق لها الدفاع عن نفسها عن طريق حيازة أسلحة نووية) وتحرم الولايات المتحدة من اتخاذ مزيد من الإجراءات والترتيبات لمواجهة التهديدات النووية القادمة من إيران ومن غيرها. فلا ريب أن هذه العملية ستؤدي إلى نتائج عكسية وهي محكوم عليها بالفشل.
ولنفترض مثلاً أن ضربة عسكرية وقائية تؤدي إلى إقناع إيران بالعدول عن برنامجها النووي لما ينطوي على مخاطرة وتكاليف فادحة تنجم عن إمكانية تأييد المجتمع الدولي لفرض مزيد من العقوبات الاقتصادية والدبلوماسية، وربما تكرار العمليات العسكرية إن لزم الأمر لمنع إيران من مواصلة برنامجها النووي. فمن المتوقع أن تحقق هذه الضربة نجاحاً أكبر بغض النظر عن نطاقها حتى لو أسفرت عن أضرار طفيفة أو استهدفت بعض المنشآت النووية الإيرانية فقط.
وعلى هذا الأساس، يجب ألا يهتم قرار الحرب على إيران بتقييم الأضرار التي قد تلحق بالمنشآت النووية الإيرانية فحسب، بل يجب أن يأخذ في الحسبان أثر هذه الضربة في دفع الجهود الدبلوماسية أو تكرار الأعمال العسكرية، إن لزم الأمر، لمنع إيران من المضي قدماً في برنامجها النووي، وهو الأمر الذي ينطوي على مزيد من القيود السياسية قبل التفكير في توجيه ضربة عسكرية ضد إيران.
تتوافر أمام القيادة الإيرانية جملة واسعة من الخيارات العسكرية ولكن لكل خيار مشكلاته ومعوقاته
الظروف والأحداث المحيطة
يتوقف نجاح الضربة العسكرية على السياق والظروف المحيطة بها ولا سيما ردود الأفعال المصاحبة لهذه الضربة؛ فقد يعتبر المجتمع الدولي هذه العمليات العسكرية رد فعل طبيعياً للاستفزازات الإيرانية أو على النقيض قد يراها عملاً غير شرعي لا يستند إلى القانون الدولي. فإذ جاءت هذه الضربة وسط جهود دبلوماسية مكثفة مثلاً فإنها ستثير رد فعل مختلفاً تماماً عما إذا جاءت عقب إعلان طهران عن انسحابها من معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. وبالمثل، فإن رد الفعل الإيراني سيعتمد إلى حدٍ كبير على نظرة الإيرانيين لهذه الهجمات: أهي ضرب من العدوان أم رد فعل على التصريحات الشديدة والسياسات المتعنتة من الجانب الإيراني؟ وقد تصبح هذه الضربات من وجهة نظر الكثيرين في إيران والولايات المتحدة وغيرها من دول العالم ضرورة حتمية وإن كانت مُرة يجب الرضوخ لها، الأمر الذي سيؤثر في قرار إيران على إعادة بناء منشآتها بل وطريقة تعاملها مع الهجمات المحتملة.
وهناك العديد من العوامل التي يتوقع أن تلعب دوراً بارزاً في تحديد وصياغة رد الفعل الدولي تجاه الهجمات العسكرية على إيران مثل المخاطر والتهديدات الإيرانية على دول المنطقة الأخرى، ومدى التزام الولايات المتحدة بالمساعي الدبلوماسية متعددة الأطراف، واحترام الأطراف الأخرى لقرار الولايات المتحدة، والظروف المحيطة بالملف النووي الإيراني، وهل استُنفِدت شتى المساعي الدبلوماسية، ومدى اقتراب إيران من امتلاك سلاح نووي، وإمكانية التعايش مع إيران بعد امتلاكها هذا السلاح الخطير. فالولايات المتحدة والرأي العام العالمي سيكونان أكثر استعداداً لقبول الخيار العسكري إذا كشفت الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن وجود مستجدات خطيرة في الملف النووي الإيراني أو تم طرد المفتشين الدوليين، وسيختلف الأمر بالطبع في حال توجيه هجمات عسكرية استناداً إلى تقارير سرية صادرة عن المخابرات الأمريكية وحدها.
الصور المتوقعة لرد الفعل الإيراني: نبذة تاريخية
قد يميل المرء إلى الاعتقاد بأن إيران سترد بشدة حال تعرضها لهجوم عسكري، غير أن أحداث التاريخ السابقة لا تؤيد هذا الرأي، فقد تباينت ردود الفعل الإيرانية تجاه ما تعرضت له من استفزازات أو هجمات عسكرية على مدار التاريخ وارتبطت إلى حدٍ كبير بالأوضاع والظروف السائدة، ويمكن الاستدلال على ذلك من خلال الأمثلة التالية:
فعقب تفجير إحدى المدمرات الأمريكية في مياه الخليج العربي خلال شهر إبريل بسبب لغم إيراني، عمدت الولايات المتحدة إلى إغراق منصتين إيرانيتين لاستخراج النفط، وتمثل الرد الإيراني في استهداف القوات البحرية الإيرانية سفناً أمريكية عدة في مياه الخليج العربي، الأمر الذي دفع الولايات المتحدة إلى إغراق معظم الوحدات البحرية المقاتلة التابعة لإيران، وبعدها تقلصت الهجمات الإيرانية التي تستهدف السفن الأمريكية بصورة ملحوظة.
وفي يوليو 1988، قامت المدمرة الأمريكية عن غير قصد بإسقاط إحدى طائرات الخطوط الجوية الإيرانية من طراز إيرباص، مما أسفر عن مصرع كافة ركابها البالغ عددهم 290 شخصاً. واعتقدت إيران أن الولايات المتحدة الأمريكية أسقطت الطائرة عن عمد وانضمت إلى العراق في حربها مع إيران، مما دفعها إلى الإعلان عن قبولها لوقف إطلاق النار مع العراق بعد أسبوع واحد فقط من الحادث. ولم تحاول الرد على عملية إسقاط الطائرة.
وفي شهر أغسطس من عام 1998، سيطرت حركة طالبان على إقليم مزار الشريف وقتلت آلاف الشيعة إلى جانب أحد عشر دبلوماسياً إيرانياً. وكرد فعل على هذه الحادثة، قامت إيران بنشر قرابة مائتي ألف جندي على الحدود الإيرانية – الأفغانية. وعلى الرغم من رد الفعل القوي داخل إيران والمساندة الدولية واسعة النطاق (بما في ذلك صدور قرار من مجلس الأمن بموافقة من الولايات المتحدة الأمريكية) لم تلجأ إيران إلى الخيار العسكري حتى لا تتورط في المستنقع الأفغاني واكتفت بالانضمام إلى روسيا في تزويد قوات التحالف الشمالي المضادة لحركة أفغانستان بمزيد من الأسلحة والعتاد.
وتبرهن هذه الشواهد والأحداث على أن طهران قد ترى في بعض الأحيان أن من مصلحتها عدم اللجوء إلى الخيار العسكري حتى إن تعارض هذا الأمر مع الشعور الوطني المتأجج على الساحة الداخلية. ويأتي الرد الإيراني مرهوناً بالأوضاع والظروف السائدة على الرغم من أنه لم يكن موفقاً في بعض الأحيان من حيث طبيعته وتوقيته.

رد الفعل الإيراني
تتوافر أمام القيادة الإيرانية جملة واسعة من الخيارات العسكرية، لكن لكل خيار مشكلاته ومعوقاته، فقد تلجأ إيران مثلاً إلى قطع إمدادات النفط في المنطقة عبر إغلاق مضيق هرمز، غير أن إيران ستتكبد خسائر هائلة في هذه الحالة لن تقل فداحة عن تلك التي ستلحق بخصومها وأعدائها. وربما تلجأ إيران إلى مهاجمة البنية التحتية للدول المجاورة مثل المنشآت النفطية ومحطات تحلية المياه. وفي هذه الحالة يتعين على الأطراف المعنية اتخاذ السبل والترتيبات للتخفيف من حدة الآثار الناجمة عن هذه الهجمات. ومن المحتمل أن تسعى إيران إلى تزويد العناصر المتطرفة والجماعات الإرهابية في العراق بأسلحة متطورة، ولم يتبين حتى الآن هل سيكون لإيران مصلحة في تدهور الوضع الأمني والسياسي داخل العراق أم لا عقب تعرضها لهجوم عسكري أمريكي ما يساعدها على النيل من الولايات المتحدة وحشد الدعم الشعبي لها في الأوساط العربية. ومع ذلك، فمن المحتمل ألا يغامر حزب الله – الذي ما لبث أن خرج من حرب ضروس دارت رحاها مع القوات الإسرائيلية خلال صيف 2006- ويضحي بقاعدة الدعم والتأييد التي يحظى بها في أوساط الطائفة الشيعية وجهود إعمار جنوبي لبنان ومحاولة إعادة بناء قواته العسكرية من جديد في سبيل مساندة إيران. وباختصار، فإن رد الفعل الإيراني ينطوي على مخاطر عدة من وجهة نظر إيران، بالإضافة إلى أن الولايات المتحدة قد تتخذ جملة من الترتيبات التي يمكن أن تخفف من حدة الآثار الناجمة عن تعامل إيران مع هذه الهجمات.
وأخيراً من المؤكد أن الولايات المتحدة ومن يدورون في فلكها سيعمدون إلى بحث إمكانية توجيه هجمات عسكرية وقائية ضد إيران في حالة فشل المساعي الدبلوماسية لإقناع إيران بوقف برنامجها النووي. وحتى تتحقق أهدافها المنشودة، يجب أن تتركز هذه الهجمات على سياسة طويلة الأمد ولا تأتي كضربة واحدة فحسب. فخيار القوة سيكون أكثر فاعلية في حالة استناده إلى تأييد الرأي العام داخل الشارع الأمريكي وحلفاء الولايات المتحدة والمجتمع الدولي بصورة عامة، بل إلى تأييدٍ من أبرز التيارات السياسية في الساحة الإيرانية. ويجب أن تقتنع هذه الأطراف بأن القيادة الإيرانية رفضت شتى الحلول الدبلوماسية المعقولة والمنطقية، وبات منع إيران من مواصلة برنامجها النووي من دون استخدام القوة أمراً غير ممكن، وأن البرنامج النووي الإيراني يمثل تهديداً غير مقبول للشعب الإيراني وشعوب المنطقة والمجتمع الدولي بأسره، ناهيك عما يترتب عليه من تدهور الأمن والاستقرار على الساحتين الإقليمية والعالمية. كما يجب على الأطراف المعنية اتخاذ الإجراءات والترتيبات اللازمة لامتصاص ردود الفعل الإيرانية المحتملة مثل العمل على تهدئة أسواق النفط وتهيئتها لهذه الهجمات العسكرية والتقليص من مخاوف الشعب الأمريكي والشعب الإيراني والمجتمع الدولي بصورة عامة ووضع خطة فعالة لتنسيق الجهود الدبلوماسية والعقوبات الدولية التي تجبر إيران على عدم التفكير في إعادة بناء منشآتها النووية من جديد.
ونظراً لأن الخيار الدبلوماسي يشكل الحل الأمثل في هذا الشأن، فإن الأطراف المعنية مطالبة باتخاذ الخطوات والإجراءات اللازمة لتعزيز هذا التوجه وإقناع الرأي العام بأن فشل إيران في التوصل إلى حل وسط سيكلف طهران خسائر فادحة. وبعبارة أخرى، فإن نجاح العمليات العسكرية مرهون إلى حد كبير بفاعلية المساعي الدبلوماسية.
::/fulltext::
::cck::1621::/cck::
