في الذكرى السادسة لأحداث سبتمبر: أمريكا تبحث عن حل لأزماتها في الخليج

::cck::1706::/cck::
::introtext::

هل تحققت أهداف السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج بعد أحداث سبتمبر؟ وهل نجحت في تغيير الأوضاع الداخلية في المجتمعات الخليجية بزعم أن هذه الأوضاع هي المسؤولة عن تنامي الاتجاهات المتطرفة في العالم، وأن منفذي هجمات سبتمبر هم نتاج لها؟ وهل  تحول الشعار- حرية العراق- الذي رفعته الولايات المتحدة لتبرير الغزو إلى واقع ؟ وهل أصبح العراق النموذج الديمقراطي الذي بشرت به الولايات المتحدة لدول المنطقة؟ وإلى أي مدى تسير الأوضاع به في اتجاه الأمن (المفترض) أم الفوضى البناءة؟ وهل نجحت السياسة الأمريكية في حصار إيران بعد غزو العراق؟ وإجبارها بالتالي على التخلي عن برنامجها النووي؟

::/introtext::
::fulltext::

هل تحققت أهداف السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج بعد أحداث سبتمبر؟ وهل نجحت في تغيير الأوضاع الداخلية في المجتمعات الخليجية بزعم أن هذه الأوضاع هي المسؤولة عن تنامي الاتجاهات المتطرفة في العالم، وأن منفذي هجمات سبتمبر هم نتاج لها؟ وهل  تحول الشعار- حرية العراق- الذي رفعته الولايات المتحدة لتبرير الغزو إلى واقع ؟ وهل أصبح العراق النموذج الديمقراطي الذي بشرت به الولايات المتحدة لدول المنطقة؟ وإلى أي مدى تسير الأوضاع به في اتجاه الأمن (المفترض) أم الفوضى البناءة؟ وهل نجحت السياسة الأمريكية في حصار إيران بعد غزو العراق؟ وإجبارها بالتالي على التخلي عن برنامجها النووي؟

بمعنى آخر، هل جاءت مخرجات السياسة الأمريكية إزاء منطقة الخليج بعد مرور ست سنوات على أحداث سبتمبر وفقاً للأهداف التي انطلقت منها؟ 

استناداً إلى المعطيات التي تحققت على أرض الواقع، فإن السياسة الأمريكية فشلت في تحقيق أهدافها، وبدا أن هناك فجوة حقيقية بين التصورات التي انطلقت منها، والتطبيق الفعلي لها، ولهذا تمت مراجعة الكثير من هذه السياسات والأفكار بشكل أدى إلى وجود تناقض واضح في السياسة الأمريكية، فما بين إصرار على استخدام القوة العسكرية في إطار سياسة تغيير الأنظمة، كما حدث مع العراق، والتراجع عن هذه الأداة والتوجه إلى سياسة أخرى تقوم على (تغيير وتطوير سلوك الأنظمة) كما يحدث مع إيران، وما بين التركيز على الإصلاح والتحول الديمقراطي إلى التراجع والنكوص عن هذه السياسة إذا ما تعارضت مع المصالح الأمريكية في المنطقة.

إذاً، فالفشل كان العنوان الأبرز للسياسة الأمريكية، وهو ما أكده مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر والمفكر زبغنيو بريجينسكي في كتابه (فرصة ثانية)  الذي صدر في مايو 2007، ووجه فيه سهام نقده اللاذعة إلى سياسة بلاده الخارجية في عهد كل من جورج بوش الأب و بيل كلينتون و جورج بوش الابن ، لكنه اعتبر أن السياسة الخارجية في عهد بوش (الابن)، كانت الأسوأ، ولدى  تقييمه لأداء الرؤساء الثلاثة في مجال السياسة الخارجية ووضع الولايات المتحدة في موقع قيادة العالم، فإنه منح بوش (الأب) الدرجة الأعلى وهي B، بينما حل كلينتون ثانياً بمنحه C، وأخيراً جورج بوش (الابن) الذي منحه علامة F، وهي تعني الرسوب  والفشل.

ولن يجد الباحث كثير عناء في رصد مؤشرات هذا الفشل، فمخرجات السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج بعد مرور ستة أعوام على أحداث سبتمبر، تؤكد ذلك بوضوح، ولعل أهم هذه المخرجات:

أولاً- أزمات (مستعصية) على الحل: (الحالة العراقية الراهنة، أزمة الملف النووي الإيراني)، فالعراق أضحى أزمة معقدة، بعد أن ثبت على أرض الواقع أن الإدارة الأمريكية بنت خطتها لغزوه على تصورات خاطئة صاغتها  شركات العلاقات العامة التي تضع معايير الترويج والتسويق بما يتناسب والواقع الأمريكي فقط، ليس أقلها أن استبدال صدام حسين بأي زعيم عراقي  آخر (علاوي، الجعفري، المالكي) كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار، وبدء تدشين (الدولة – النموذج) من دون الحاجة للوجود الأمريكي هناك، لكن  ملامح الصورة العراقية الراهنة بأبعادها المختلفة الأمنية والسياسية والاقتصادية تفوق في (سوداويتها) مرحلة ما قبل الغزو.

كما سقطت الفرضية التي انطلقت منها السياسة الأمريكية، والتي صورت بغداد ما بعد السقوط جنة للديمقراطية والنموذج الذي سيعمم في المنطقة، وبدلاً من ذلك تحولت إلى بؤرة للإرهاب تتجاوز النطاق المحلي إلى الدول المجاورة، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي التي باتت أكثر تأثراً بحالة الانفلات الأمني التي يشهدها هذا البلد، كما سقطت الفرضية الخاصة بتماسك الداخل والتفافه لبناء العراق الجديد حول مشروع واحد، وأضحى الصراع هو الغالب في تفاعلات القوى السياسية العراقية، ونتيجة ذلك تعددت المشاريع والرؤى المتباينة لكيفية إدارة الدولة، وكما فشلت الولايات المتحدة في عملية بناء الدولة العراقية، فإن القوى السياسية هي الأخرى فشلت في إدارة العملية السياسية في البلاد.

وإضافة إلى الأزمة العراقية، فقد شكل البرنامج النووي الإيراني أزمة سياسية أكثر تعقيداً للولايات المتحدة عن مرحلة ما قبل أحداث سبتمبر، بعد أن فشلت واشنطن في إقناع طهران بالتخلي عن برنامجها النووي، ليس هذا وحسب، بل إن هذا البرنامج وصل إلى مرحلة متقدمة (اللاعودة)، وهي المرحلة التي يصعب على القيادة السياسية الإيرانية الرجوع عنها.

وهذا يتناقض مع ما أكده الرئيس بوش (الابن) في خطابه عن الاتحاد في يناير 2002 حين أشار إلى (أن الولايات المتحدة لن تنتظر الأحداث حتى تأتي الأخطار وتتجمع عليها، و لن تسمح لأكثر الأنظمة خطورة في العالم (العراق – إيران – كوريا الشمالية) بتهديدها بأكثر وسائل التكنولوجيا تقدماً)، إلا أن إيران باتت تشكل تهديداً نووياً للمنطقة أكثر خطورة من مرحلة ما قبل أحداث سبتمبر.

ثانياً- واقع جديد لتوازن القوى في منطقة الخليج: أخرجت السياسة الأمريكية واقعاً جديداً لميزان القوى في منطقة الخليج، ومعادلة أمنية جديدة، فتدمير قدرات العراق العسكرية في الحرب أحدث تحولات مهمة في هيكل ميزان القوة العسكرية، يميل مرحلياً إلى حد ما لصالح دول المجلس مقارنة بالعراق، إلا أنه على الجانب الآخر يبرز إيران كقوة إقليمية في المنطقة مقارنة بالعراق من جانب ودول المجلس من جانب آخر. وهذه المعادلة الأمنية المختلة قد لا تحقق الأمن والاستقرار في المنطقة، لأنه لا يمكن تصور الأمن الإقليمي بعراق من دون جيش وطني إلى جانب إيران تمتلك جيشاً قوامه أكثر من 500 ألف جندي يملكون خبرات قتالية واسعة ومجهزين بأسلحة تقليدية وغير تقليدية.

ثالثاً- سيطرة طابع التوتر على العلاقات بين أطراف النظام الإقليمي الخليجي بعد تحول الولايات المتحدة – مرحلياً- إلى طرف رئيسي في هذا النظام بعد غزو العراق، أي تحول النظام الإقليمي الخليجي من ثلاثة أطراف (العراق – مجلس التعاون الخليجي – إيران) إلى أربعة يطغى الجانب الصراعي في تفاعلاتها، ويطلق على هذا الوضع اسم (مستطيل التوتر).

فبالنسبة لإيران يطغى التوتر على علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة والعراق (الجديد) المحتل، أما عن علاقاتها مع دول مجلس التعاون فتتراوح بين التوتر الممزوج بالشك والتوجس من سياساتها لفرض الهيمنة وبين التعاون (الحذر).

وفي ما يخص الولايات المتحدة فيطغى التوتر على علاقاتها بإيران، أما علاقاتها بالطرفين الآخرين (العراق – دول  مجلس التعاون) فإنها تتراوح بين التعاون الكامل كما هي الحال مع العراق (المحتل) وبين التعاون (المتقطع)، كما هي الحال مع دول مجلس التعاون، لكن مع ذلك قد تشهد هذه العلاقات بعض مظاهر التوتر، مع الحكومة العراقية بسبب ما تسميه الولايات المتحدة قصوراً في مواجهة جماعات التمرد (المقاومة)، وبالنسبة لدول مجلس التعاون فإن التوتر يظهر على خلفية الخلاف حول بعض القضايا مثل عملية سلام الشرق الأوسط والتطبيع مع إسرائيل وأولويات الإصلاح.

بغداد تحولت إلى بؤرة للإرهاب تتجاوز النطاق المحلي إلى الدول المجاورة

وفي ما يتعلق بالعراق (المحتل)، فإنه يتأثر في تقييم علاقاته بالأطراف الأخرى (إيران- دول المجلس) بالعامل الأمريكي، ورغم حدوث نوع من التعاون بينه وبين هذه الدول من خلال آلية اجتماعات دول الجوار، فإن العلاقات بين الجانبين تشهد توترات (متقطعة) إثر الخلاف حول كيفية ضبط حالة الانفلات الأمني على الحدود بين الجانبين.

أما في ما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، فإن علاقاتها بإيران تتراوح بين التعاون الحذر والتوتر بسبب تطلعات طهران نحو الهيمنة في المنطقة، وكذلك الحال فإن علاقاتها مع العراق الجديد تتراوح بين التعاون والتوتر على خلفية بعض التصريحات والمواقف العراقية بشأن عدم التعاون الأمني.

وتأسيساً على ما سبق، يتضح بجلاء أن معظم مسار التفاعلات داخل منطقة الخليج يغلب عليها التوتر ما عدا مسار الولايات المتحدة مع كل من العراق ومجلس التعاون، وإن كانا يشهدان بين الحين والآخر أنماطاً صراعية منخفضة نتيجة للخلافات حول بعض القضايا، وهذا يعني أن التفاعلات الإقليمية لدول المنطقة تتسم بغلبة الطابع الصراعي المكتوم وتوافر عناصر التهديد المتبادل بدرجات متفاوتة.

في ظل هذه الوضعية، تواجه منطقة الخليج خطراً يغلب عليه الصراع وعدم الاستقرار، وهذا يدحض التصورات الأمريكية  التي ترددت قبل الحرب على العراق بأن الإطاحة بنظام صدام حسين ستؤدي إلى انتفاء مصادر تهديد الأمن الإقليمي، وستدشن لبيئة جديدة مواتية للأمن والاستقرار والتعاون بين كل الأطراف.

رابعاً- تزايد مؤشرات عدم الاستقرار الأمني في المنطقة: سواء تمثل ذلك في  تصاعد ظاهرة التطرف الأصولي في المنطقة أو في تعرض دول المنطقة لموجة من أعمال العنف والإرهاب، تعد إحدى نتائج الحرب على العراق. فاستمرار الأوضاع المتردية هناك وانفلات الحالة الأمنية هنا قد يوفران المناخ الملائم لتعرض المنطقة لعمليات إرهابية بشكل أكبر مما كان قبل أحداث سبتمبر.

بمعنى آخر، فإن (العراق المحتل) قد تحول إلى قاعدة للعديد من الجماعات المتطرفة والإرهابية في المنطقة، ولعل الأزمة الأمنية في السعودية التي بدأت مع تفجيرات الرياض الأولى في مايو 2003 ولا تزال فصولها مستمرة -وإن كانت بشكل أقل حدة في ظل المواجهات الأمنية (المتقطعة) بين الأجهزة الأمنية وبعض الخلايا الإرهابية النائمة والتي كان آخرها في مايو 2007-، ثم ما شهدته كل من الكويت وقطر من حوادث عنف خلال السنوات القليلة الماضية، كل هذا يجسد مدى العلاقة بين الوضع الأمني المتدهور في العراق، وبين الوضع الأمني (المتأزم) الذي تعانيه هذه الدول.

إيران باتت تشكل تهديداً نووياً للمنطقة أكثر خطورة من مرحلة ما قبل أحداث سبتمبر

ويتعلق بما سبق تنامي خطر تنظيم القاعدة والخلايا (النائمة) المرتبطة به، والتحذيرات التي تصدر بين الحين والآخر عن بعض قياداته، كتلك التي حدثت في شهر يوليو 2007 لأربع دول خليجية (الكويت والسعودية وقطر والإمارات) باحتمال استهدافها. وهذا لا ينفصل أيضاً عن حالة الانفلات الأمني في العراق، بل هو أحد إفرازاتها ففي ظل الحصار الذي تواجهه القاعدة هناك، فإنها قد تنقل عملياتها إلى دول الجوار الخليجي في إطار ما يعرف باستراتيجية (تشتيت الجهد)، وهي استراتيجية تقضي بالخروج بالعمليات الإرهابية إلى خارج حدود البلاد نحو المحيط الخليجي والعربي المجاور بهدف قطع الطريق على احتمال محاصرة الجماعات المسلحة داخل العراق.

ونتيجة لهذه الأزمات (المستعصية)، فقد اتجهت الولايات المتحدة إلى إشراك أطراف إقليمية ودولية لمساعدتها على تجاوزها، وفي هذا السياق جاءت فكرة حلف (المعتدلين) الذي يضم دول مجلس التعاون الخليجي الست بالإضافة إلى مصر والأردن إلى جانب الولايات المتحدة، وقد بدأت أولى خطوات تأسيس هذا التكتل مع جولة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس للمنطقة في أكتوبر 2006، وهي الجولة التي كررتها في يناير 2007، واجتمعت خلالها بنظرائها في دول هذه المجموعة أولهما في القاهرة وثانيهما في الكويت، ثم في (شرم الشيخ) نهاية شهر يوليو 2007.

وبرغم العديد من الموضوعات التي نوقشت خلال هذه الاجتماعات، مثل: جهود إحياء عملية السلام، والوضع في العراق ولبنان، ومكافحة الإرهاب بالإضافة إلى الملف النووي الإيراني ـ إلا أن الدافع الأساسي وراء إنشاء هذا الحلف هو البحث عن مخرج من المستنقع العراقي من ناحية، وإقامة تحالف عربي مؤيد لواشنطن في ما يتعلق بالإجراءات والخطوات القادمة التي تنوي اتخاذها حيال إيران من ناحية ثانية.

ويؤكد هذا التوجه، إعلان الولايات المتحدة نهاية شهر يوليو2007 عن تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 30 مليار دولار، و13 ملياراً لمصر وعقد صفقة أسلحة مع المملكة العربية السعودية وبعض الدول الخليجية تتخطى حاجز الـ20 ملياراً. وتأتي هذه الصفقة في إطار مساعدة وتقوية هذا الحلف من ناحية، وهو ما أكدت عليه كوندوليزا رايس بالقول (إن هذه المساعدات ستساعد على تعزيز قوى الاعتدال ودعم الاستراتيجية الأمريكية الأوسع لمواجهة التأثيرات السلبية التي تواجه هذه الدول).

كما لجأت الولايات المتحدة إلى (الناتو) للقيام بدور مهم في أمن الخليج، وهذا تراجع عن سياستها السابقة التي كانت تسير في اتجاه احتكار القيام بهذه المهمة، إلا أن ضرورات سياسية واقتصادية وعسكرية في بعض الحالات فرضت عليها وخاصة خلال عامي (2006 و2007) أن تتقاسم مع حلفائها في أوروبا هذا العبء، وبدأت تحثهم على أداء دور أكثر بروزاً في الدفاع عن المصالح الأمريكية- الأوروبية في منطقة الخليج، والتي قد تتعرض لمجموعة من الأخطار والتهديدات الداخلية والخارجية.

وعلى هذا، يمكن القول إن دور الناتو في أمن الخليج لا ينفصل عن الرؤية الأمريكية لأمن الخليج سواء في شقها المتعلق بتحديد مصادر التهديد أو بالترتيبات الأمنية، سواء الخاصة بحالة الانفلات الأمني في العراق أو بأزمة الملف النووي الإيراني أو المتعلقة بمخاطر الإرهاب وتنامي المد الأصولي في المنطقة.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1706::/cck::
::introtext::

هل تحققت أهداف السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج بعد أحداث سبتمبر؟ وهل نجحت في تغيير الأوضاع الداخلية في المجتمعات الخليجية بزعم أن هذه الأوضاع هي المسؤولة عن تنامي الاتجاهات المتطرفة في العالم، وأن منفذي هجمات سبتمبر هم نتاج لها؟ وهل  تحول الشعار- حرية العراق- الذي رفعته الولايات المتحدة لتبرير الغزو إلى واقع ؟ وهل أصبح العراق النموذج الديمقراطي الذي بشرت به الولايات المتحدة لدول المنطقة؟ وإلى أي مدى تسير الأوضاع به في اتجاه الأمن (المفترض) أم الفوضى البناءة؟ وهل نجحت السياسة الأمريكية في حصار إيران بعد غزو العراق؟ وإجبارها بالتالي على التخلي عن برنامجها النووي؟

::/introtext::
::fulltext::

هل تحققت أهداف السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج بعد أحداث سبتمبر؟ وهل نجحت في تغيير الأوضاع الداخلية في المجتمعات الخليجية بزعم أن هذه الأوضاع هي المسؤولة عن تنامي الاتجاهات المتطرفة في العالم، وأن منفذي هجمات سبتمبر هم نتاج لها؟ وهل  تحول الشعار- حرية العراق- الذي رفعته الولايات المتحدة لتبرير الغزو إلى واقع ؟ وهل أصبح العراق النموذج الديمقراطي الذي بشرت به الولايات المتحدة لدول المنطقة؟ وإلى أي مدى تسير الأوضاع به في اتجاه الأمن (المفترض) أم الفوضى البناءة؟ وهل نجحت السياسة الأمريكية في حصار إيران بعد غزو العراق؟ وإجبارها بالتالي على التخلي عن برنامجها النووي؟

بمعنى آخر، هل جاءت مخرجات السياسة الأمريكية إزاء منطقة الخليج بعد مرور ست سنوات على أحداث سبتمبر وفقاً للأهداف التي انطلقت منها؟ 

استناداً إلى المعطيات التي تحققت على أرض الواقع، فإن السياسة الأمريكية فشلت في تحقيق أهدافها، وبدا أن هناك فجوة حقيقية بين التصورات التي انطلقت منها، والتطبيق الفعلي لها، ولهذا تمت مراجعة الكثير من هذه السياسات والأفكار بشكل أدى إلى وجود تناقض واضح في السياسة الأمريكية، فما بين إصرار على استخدام القوة العسكرية في إطار سياسة تغيير الأنظمة، كما حدث مع العراق، والتراجع عن هذه الأداة والتوجه إلى سياسة أخرى تقوم على (تغيير وتطوير سلوك الأنظمة) كما يحدث مع إيران، وما بين التركيز على الإصلاح والتحول الديمقراطي إلى التراجع والنكوص عن هذه السياسة إذا ما تعارضت مع المصالح الأمريكية في المنطقة.

إذاً، فالفشل كان العنوان الأبرز للسياسة الأمريكية، وهو ما أكده مستشار الأمن القومي في إدارة الرئيس الأسبق جيمي كارتر والمفكر زبغنيو بريجينسكي في كتابه (فرصة ثانية)  الذي صدر في مايو 2007، ووجه فيه سهام نقده اللاذعة إلى سياسة بلاده الخارجية في عهد كل من جورج بوش الأب و بيل كلينتون و جورج بوش الابن ، لكنه اعتبر أن السياسة الخارجية في عهد بوش (الابن)، كانت الأسوأ، ولدى  تقييمه لأداء الرؤساء الثلاثة في مجال السياسة الخارجية ووضع الولايات المتحدة في موقع قيادة العالم، فإنه منح بوش (الأب) الدرجة الأعلى وهي B، بينما حل كلينتون ثانياً بمنحه C، وأخيراً جورج بوش (الابن) الذي منحه علامة F، وهي تعني الرسوب  والفشل.

ولن يجد الباحث كثير عناء في رصد مؤشرات هذا الفشل، فمخرجات السياسة الأمريكية تجاه منطقة الخليج بعد مرور ستة أعوام على أحداث سبتمبر، تؤكد ذلك بوضوح، ولعل أهم هذه المخرجات:

أولاً- أزمات (مستعصية) على الحل: (الحالة العراقية الراهنة، أزمة الملف النووي الإيراني)، فالعراق أضحى أزمة معقدة، بعد أن ثبت على أرض الواقع أن الإدارة الأمريكية بنت خطتها لغزوه على تصورات خاطئة صاغتها  شركات العلاقات العامة التي تضع معايير الترويج والتسويق بما يتناسب والواقع الأمريكي فقط، ليس أقلها أن استبدال صدام حسين بأي زعيم عراقي  آخر (علاوي، الجعفري، المالكي) كفيل بتحقيق الأمن والاستقرار، وبدء تدشين (الدولة – النموذج) من دون الحاجة للوجود الأمريكي هناك، لكن  ملامح الصورة العراقية الراهنة بأبعادها المختلفة الأمنية والسياسية والاقتصادية تفوق في (سوداويتها) مرحلة ما قبل الغزو.

كما سقطت الفرضية التي انطلقت منها السياسة الأمريكية، والتي صورت بغداد ما بعد السقوط جنة للديمقراطية والنموذج الذي سيعمم في المنطقة، وبدلاً من ذلك تحولت إلى بؤرة للإرهاب تتجاوز النطاق المحلي إلى الدول المجاورة، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي التي باتت أكثر تأثراً بحالة الانفلات الأمني التي يشهدها هذا البلد، كما سقطت الفرضية الخاصة بتماسك الداخل والتفافه لبناء العراق الجديد حول مشروع واحد، وأضحى الصراع هو الغالب في تفاعلات القوى السياسية العراقية، ونتيجة ذلك تعددت المشاريع والرؤى المتباينة لكيفية إدارة الدولة، وكما فشلت الولايات المتحدة في عملية بناء الدولة العراقية، فإن القوى السياسية هي الأخرى فشلت في إدارة العملية السياسية في البلاد.

وإضافة إلى الأزمة العراقية، فقد شكل البرنامج النووي الإيراني أزمة سياسية أكثر تعقيداً للولايات المتحدة عن مرحلة ما قبل أحداث سبتمبر، بعد أن فشلت واشنطن في إقناع طهران بالتخلي عن برنامجها النووي، ليس هذا وحسب، بل إن هذا البرنامج وصل إلى مرحلة متقدمة (اللاعودة)، وهي المرحلة التي يصعب على القيادة السياسية الإيرانية الرجوع عنها.

وهذا يتناقض مع ما أكده الرئيس بوش (الابن) في خطابه عن الاتحاد في يناير 2002 حين أشار إلى (أن الولايات المتحدة لن تنتظر الأحداث حتى تأتي الأخطار وتتجمع عليها، و لن تسمح لأكثر الأنظمة خطورة في العالم (العراق – إيران – كوريا الشمالية) بتهديدها بأكثر وسائل التكنولوجيا تقدماً)، إلا أن إيران باتت تشكل تهديداً نووياً للمنطقة أكثر خطورة من مرحلة ما قبل أحداث سبتمبر.

ثانياً- واقع جديد لتوازن القوى في منطقة الخليج: أخرجت السياسة الأمريكية واقعاً جديداً لميزان القوى في منطقة الخليج، ومعادلة أمنية جديدة، فتدمير قدرات العراق العسكرية في الحرب أحدث تحولات مهمة في هيكل ميزان القوة العسكرية، يميل مرحلياً إلى حد ما لصالح دول المجلس مقارنة بالعراق، إلا أنه على الجانب الآخر يبرز إيران كقوة إقليمية في المنطقة مقارنة بالعراق من جانب ودول المجلس من جانب آخر. وهذه المعادلة الأمنية المختلة قد لا تحقق الأمن والاستقرار في المنطقة، لأنه لا يمكن تصور الأمن الإقليمي بعراق من دون جيش وطني إلى جانب إيران تمتلك جيشاً قوامه أكثر من 500 ألف جندي يملكون خبرات قتالية واسعة ومجهزين بأسلحة تقليدية وغير تقليدية.

ثالثاً- سيطرة طابع التوتر على العلاقات بين أطراف النظام الإقليمي الخليجي بعد تحول الولايات المتحدة – مرحلياً- إلى طرف رئيسي في هذا النظام بعد غزو العراق، أي تحول النظام الإقليمي الخليجي من ثلاثة أطراف (العراق – مجلس التعاون الخليجي – إيران) إلى أربعة يطغى الجانب الصراعي في تفاعلاتها، ويطلق على هذا الوضع اسم (مستطيل التوتر).

فبالنسبة لإيران يطغى التوتر على علاقاتها مع كل من الولايات المتحدة والعراق (الجديد) المحتل، أما عن علاقاتها مع دول مجلس التعاون فتتراوح بين التوتر الممزوج بالشك والتوجس من سياساتها لفرض الهيمنة وبين التعاون (الحذر).

وفي ما يخص الولايات المتحدة فيطغى التوتر على علاقاتها بإيران، أما علاقاتها بالطرفين الآخرين (العراق – دول  مجلس التعاون) فإنها تتراوح بين التعاون الكامل كما هي الحال مع العراق (المحتل) وبين التعاون (المتقطع)، كما هي الحال مع دول مجلس التعاون، لكن مع ذلك قد تشهد هذه العلاقات بعض مظاهر التوتر، مع الحكومة العراقية بسبب ما تسميه الولايات المتحدة قصوراً في مواجهة جماعات التمرد (المقاومة)، وبالنسبة لدول مجلس التعاون فإن التوتر يظهر على خلفية الخلاف حول بعض القضايا مثل عملية سلام الشرق الأوسط والتطبيع مع إسرائيل وأولويات الإصلاح.

بغداد تحولت إلى بؤرة للإرهاب تتجاوز النطاق المحلي إلى الدول المجاورة

وفي ما يتعلق بالعراق (المحتل)، فإنه يتأثر في تقييم علاقاته بالأطراف الأخرى (إيران- دول المجلس) بالعامل الأمريكي، ورغم حدوث نوع من التعاون بينه وبين هذه الدول من خلال آلية اجتماعات دول الجوار، فإن العلاقات بين الجانبين تشهد توترات (متقطعة) إثر الخلاف حول كيفية ضبط حالة الانفلات الأمني على الحدود بين الجانبين.

أما في ما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، فإن علاقاتها بإيران تتراوح بين التعاون الحذر والتوتر بسبب تطلعات طهران نحو الهيمنة في المنطقة، وكذلك الحال فإن علاقاتها مع العراق الجديد تتراوح بين التعاون والتوتر على خلفية بعض التصريحات والمواقف العراقية بشأن عدم التعاون الأمني.

وتأسيساً على ما سبق، يتضح بجلاء أن معظم مسار التفاعلات داخل منطقة الخليج يغلب عليها التوتر ما عدا مسار الولايات المتحدة مع كل من العراق ومجلس التعاون، وإن كانا يشهدان بين الحين والآخر أنماطاً صراعية منخفضة نتيجة للخلافات حول بعض القضايا، وهذا يعني أن التفاعلات الإقليمية لدول المنطقة تتسم بغلبة الطابع الصراعي المكتوم وتوافر عناصر التهديد المتبادل بدرجات متفاوتة.

في ظل هذه الوضعية، تواجه منطقة الخليج خطراً يغلب عليه الصراع وعدم الاستقرار، وهذا يدحض التصورات الأمريكية  التي ترددت قبل الحرب على العراق بأن الإطاحة بنظام صدام حسين ستؤدي إلى انتفاء مصادر تهديد الأمن الإقليمي، وستدشن لبيئة جديدة مواتية للأمن والاستقرار والتعاون بين كل الأطراف.

رابعاً- تزايد مؤشرات عدم الاستقرار الأمني في المنطقة: سواء تمثل ذلك في  تصاعد ظاهرة التطرف الأصولي في المنطقة أو في تعرض دول المنطقة لموجة من أعمال العنف والإرهاب، تعد إحدى نتائج الحرب على العراق. فاستمرار الأوضاع المتردية هناك وانفلات الحالة الأمنية هنا قد يوفران المناخ الملائم لتعرض المنطقة لعمليات إرهابية بشكل أكبر مما كان قبل أحداث سبتمبر.

بمعنى آخر، فإن (العراق المحتل) قد تحول إلى قاعدة للعديد من الجماعات المتطرفة والإرهابية في المنطقة، ولعل الأزمة الأمنية في السعودية التي بدأت مع تفجيرات الرياض الأولى في مايو 2003 ولا تزال فصولها مستمرة -وإن كانت بشكل أقل حدة في ظل المواجهات الأمنية (المتقطعة) بين الأجهزة الأمنية وبعض الخلايا الإرهابية النائمة والتي كان آخرها في مايو 2007-، ثم ما شهدته كل من الكويت وقطر من حوادث عنف خلال السنوات القليلة الماضية، كل هذا يجسد مدى العلاقة بين الوضع الأمني المتدهور في العراق، وبين الوضع الأمني (المتأزم) الذي تعانيه هذه الدول.

إيران باتت تشكل تهديداً نووياً للمنطقة أكثر خطورة من مرحلة ما قبل أحداث سبتمبر

ويتعلق بما سبق تنامي خطر تنظيم القاعدة والخلايا (النائمة) المرتبطة به، والتحذيرات التي تصدر بين الحين والآخر عن بعض قياداته، كتلك التي حدثت في شهر يوليو 2007 لأربع دول خليجية (الكويت والسعودية وقطر والإمارات) باحتمال استهدافها. وهذا لا ينفصل أيضاً عن حالة الانفلات الأمني في العراق، بل هو أحد إفرازاتها ففي ظل الحصار الذي تواجهه القاعدة هناك، فإنها قد تنقل عملياتها إلى دول الجوار الخليجي في إطار ما يعرف باستراتيجية (تشتيت الجهد)، وهي استراتيجية تقضي بالخروج بالعمليات الإرهابية إلى خارج حدود البلاد نحو المحيط الخليجي والعربي المجاور بهدف قطع الطريق على احتمال محاصرة الجماعات المسلحة داخل العراق.

ونتيجة لهذه الأزمات (المستعصية)، فقد اتجهت الولايات المتحدة إلى إشراك أطراف إقليمية ودولية لمساعدتها على تجاوزها، وفي هذا السياق جاءت فكرة حلف (المعتدلين) الذي يضم دول مجلس التعاون الخليجي الست بالإضافة إلى مصر والأردن إلى جانب الولايات المتحدة، وقد بدأت أولى خطوات تأسيس هذا التكتل مع جولة وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس للمنطقة في أكتوبر 2006، وهي الجولة التي كررتها في يناير 2007، واجتمعت خلالها بنظرائها في دول هذه المجموعة أولهما في القاهرة وثانيهما في الكويت، ثم في (شرم الشيخ) نهاية شهر يوليو 2007.

وبرغم العديد من الموضوعات التي نوقشت خلال هذه الاجتماعات، مثل: جهود إحياء عملية السلام، والوضع في العراق ولبنان، ومكافحة الإرهاب بالإضافة إلى الملف النووي الإيراني ـ إلا أن الدافع الأساسي وراء إنشاء هذا الحلف هو البحث عن مخرج من المستنقع العراقي من ناحية، وإقامة تحالف عربي مؤيد لواشنطن في ما يتعلق بالإجراءات والخطوات القادمة التي تنوي اتخاذها حيال إيران من ناحية ثانية.

ويؤكد هذا التوجه، إعلان الولايات المتحدة نهاية شهر يوليو2007 عن تقديم مساعدات عسكرية لإسرائيل بقيمة 30 مليار دولار، و13 ملياراً لمصر وعقد صفقة أسلحة مع المملكة العربية السعودية وبعض الدول الخليجية تتخطى حاجز الـ20 ملياراً. وتأتي هذه الصفقة في إطار مساعدة وتقوية هذا الحلف من ناحية، وهو ما أكدت عليه كوندوليزا رايس بالقول (إن هذه المساعدات ستساعد على تعزيز قوى الاعتدال ودعم الاستراتيجية الأمريكية الأوسع لمواجهة التأثيرات السلبية التي تواجه هذه الدول).

كما لجأت الولايات المتحدة إلى (الناتو) للقيام بدور مهم في أمن الخليج، وهذا تراجع عن سياستها السابقة التي كانت تسير في اتجاه احتكار القيام بهذه المهمة، إلا أن ضرورات سياسية واقتصادية وعسكرية في بعض الحالات فرضت عليها وخاصة خلال عامي (2006 و2007) أن تتقاسم مع حلفائها في أوروبا هذا العبء، وبدأت تحثهم على أداء دور أكثر بروزاً في الدفاع عن المصالح الأمريكية- الأوروبية في منطقة الخليج، والتي قد تتعرض لمجموعة من الأخطار والتهديدات الداخلية والخارجية.

وعلى هذا، يمكن القول إن دور الناتو في أمن الخليج لا ينفصل عن الرؤية الأمريكية لأمن الخليج سواء في شقها المتعلق بتحديد مصادر التهديد أو بالترتيبات الأمنية، سواء الخاصة بحالة الانفلات الأمني في العراق أو بأزمة الملف النووي الإيراني أو المتعلقة بمخاطر الإرهاب وتنامي المد الأصولي في المنطقة.

 

::/fulltext::
::cck::1706::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *