الديمقراطية والمجتمع المدني وجهان لعملة الإصلاح

::cck::1713::/cck::
::introtext::

البحث عن الديمقراطية وعن آليات تطبيقها في بلداننا الخليجية والعربية، أصبح الشغل الشاغل لكثير من المفكرين والمنظّرين الغربيين والعرب على حد سواء، وأصبح السباق في هذا المضمار محموماً خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وما تبعها من أحداث وتداعيات دراماتيكية على المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

البحث عن الديمقراطية وعن آليات تطبيقها في بلداننا الخليجية والعربية، أصبح الشغل الشاغل لكثير من المفكرين والمنظّرين الغربيين والعرب على حد سواء، وأصبح السباق في هذا المضمار محموماً خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وما تبعها من أحداث وتداعيات دراماتيكية على المنطقة. وبغض النظر عن أهداف هذا السعي المحموم  وأبعاده وخلفياته، إلا أن الظاهرة بحد ذاتها تعتبر صحية ومفيدة إذا ما أدت في النهاية إلى تطبيق الديمقراطية بشكلها المثالي.

وأعني بالمثالية هنا أن تنتج عن هذه الظاهرة وهذا الحراك السياسي ديمقراطية فعلية مثمرة تتناسب مع طبيعة وخصوصيات المجتمعات الخليجية والعربية، بمعنى أن تبتعد عن استنساخ التجارب الديمقراطية الغربية بحذافيرها، فالاستنساخ التام وزرع هذه التجارب في مجتمعاتنا هما أشبه ما يكونان بزرع شجرة تفاح في الربع الخالي أو نخلة باسقة في ثلوج آلاسكا، لن يؤدي إلى نتيجة تذكر مهما بلغ حجم  المجهود المبذول فيه، وهو بمثابة حرث في مياه البحر إن لم يضع في الحسبان الفوارق والتباين بين البشر والمجتمعات؛ إضافة إلى أن الديمقراطية الغربية ليست مثالية إلى الدرجة التي تصلح لأن تكون أنموذجاً قابلاً للتطبيق في كل زمان ومكان، ويكفيها عيباً أن تكون حكراً على الأثرياء والمتنفذين المدعومين من اللوبيات فقط، ويتساوى فيها رأي وصوت العالم الحكيم بصوت السفيه المتخلف. (هي وجهة نظر شخصية قد يتفق معها البعض وقد يخالفها البعض الآخر).

من هذا المنطلق وانسجاماً مع هذا السباق المحموم نحو الديمقراطية حاولت التفكير-كما يحاول الآخرون- في إيجاد الوسائل التي يمكن أن ترتقي بالديمقراطية والإصلاح في مجتمعاتنا الخليجية والعربية، وأقول ترتقي لأنني على ثقة بأن مجتمعاتنا لا تفتقر تماماً للديمقراطية والإصلاح، فهناك القدر الكافي الذي يمكن أن نبني ونؤسس عليه برغم كل السلبيات والمنغصات.

إن التفكير بكل حيثيات المسألة وأبعادها أوصلني إلى نتيجة واحدة مفادها أن الديمقراطية لن تستطيع الاستمرار والنمو بالشكل الصحيح ما لم يكن هناك مجتمع مدني قوي وفاعل يقوم  بدور الوعاء المحتضن لهذه الديمقراطية والقناة التي تنساب فيها بكل يسر وسهولة وأمان، ولعل هذا المعنى هو الذي رمى إليه المفكر الإيطالي روبرت بوتنام حين قال: (كلما تواجدت مؤسسات المجتمع المدني وأدت دورها كانت الديمقراطية أقوى وأكثر فاعلية). وهو الأمر الذي مازلنا للأسف نفتقر إليه بشكل كبير، فمجتمعاتنا المدنية ومؤسساتها برغم كل ما قدمته وتقدمه من خدمات جيدة نسبياً إلا أنها لاتزال تعاني الكثير من المشكلات والعوائق التي تمنعها من لعب دور الوعاء والأداة المثالية لاحتضان ورعاية هذه الديمقراطية، فهي لم تخرج في يوم من الأيام عن دورها التقليدي بتقديم بعض المساعدات لفئات معينة من المجتمع ومن الدفاع عن حقوق بعض الفئات الأخرى في إطار من العمل الروتيني الرتيب المتذبذب أحياناً والبعيد في أحيان أخرى عن الاستقلالية والتفرد، الأمر الذي يدعونا إلى التفكير مرة أخرى في كيفية تقوية المجتمع المدني ومؤسساته ليقوم بهذا الدور المحوري المهم الذي سيؤدي بالنتيجة إلى إقرار الديمقراطية والإصلاح في مجتمعاتنا، وجعلهما أمراً واقعاً ينسجم مع قدرة المجتمع على استيعاب حجم التغيرات والنقلات التي لم يتعود عليها أو يألفها والكفيلة بنقله من مرحلة التخبط واللامنهجية إلى العمل الديمقراطي المنظم الفاعل والمثمر.

التفكير في هذا الاتجاه أيضاً قادني إلى  نتيجة أخرى مفادها أن مؤسسات المجتمع المدني لن تتطور وتصبح بالمستوى المطلوب الذي نتحدث عنه ما لم تكن هناك قوانين وتشريعات تسمح لها بالتطور والازدهار، وتعطيها هامشاً كبيراً من الحرية والاستقلالية وتحررها من البيروقراطية والعمل الرتيب المتذبذب، وتفتح لها آفاقاً جديدة تكون كفيلة بإقناع المتحمسين للديمقراطية بأهميتها وفاعليتها، وبإمكانية أن تكون الأداة والقناة المناسبة للعمل الديمقراطي الإصلاحي المنشود ومن ثم الانخراط فيها.

إلا أن هذه النتيجة أيضاً أعادتنا للمربع الأول، فهذه القوانين والتشريعات الكفيلة بتطوير المجتمع المدني لن ترى النور ما لم تكن هناك ديمقراطية فعلية تفرزها وتحميها وتوفر لها المناخ المناسب، وبهذا نصل إلى نتيجة ثالثة مفادها أن الديمقراطية وتطوير المجتمع المدني هما وجهان لعملة واحدة هي عملة الإصلاح، حيث يخدم كل منهما الآخر، ويصب كل منهما في نهر الآخر، ولا استمرارية وازدهار لأحدهما من دون دعم ورعاية الآخر. ولذلك يتوجب على المعنيين أو القائمين على هذا الشأن ضرورة العمل بصورة متوازية على تطوير وتعزيز الديمقراطية والمجتمع المدني معاً ليكونا ركيزتين أساسيتين لعملية الإصلاح، وليتفاعلا معاً وبالتناغم المطلوب الذي قد يوصلنا في النهاية إلى الغاية المنشودة من تحقيق المساواة والحرية والرفاهية بصورتها المثالية التي يسعى إليها وينشدها الجميع.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1713::/cck::
::introtext::

البحث عن الديمقراطية وعن آليات تطبيقها في بلداننا الخليجية والعربية، أصبح الشغل الشاغل لكثير من المفكرين والمنظّرين الغربيين والعرب على حد سواء، وأصبح السباق في هذا المضمار محموماً خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وما تبعها من أحداث وتداعيات دراماتيكية على المنطقة.

::/introtext::
::fulltext::

البحث عن الديمقراطية وعن آليات تطبيقها في بلداننا الخليجية والعربية، أصبح الشغل الشاغل لكثير من المفكرين والمنظّرين الغربيين والعرب على حد سواء، وأصبح السباق في هذا المضمار محموماً خاصة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وما تبعها من أحداث وتداعيات دراماتيكية على المنطقة. وبغض النظر عن أهداف هذا السعي المحموم  وأبعاده وخلفياته، إلا أن الظاهرة بحد ذاتها تعتبر صحية ومفيدة إذا ما أدت في النهاية إلى تطبيق الديمقراطية بشكلها المثالي.

وأعني بالمثالية هنا أن تنتج عن هذه الظاهرة وهذا الحراك السياسي ديمقراطية فعلية مثمرة تتناسب مع طبيعة وخصوصيات المجتمعات الخليجية والعربية، بمعنى أن تبتعد عن استنساخ التجارب الديمقراطية الغربية بحذافيرها، فالاستنساخ التام وزرع هذه التجارب في مجتمعاتنا هما أشبه ما يكونان بزرع شجرة تفاح في الربع الخالي أو نخلة باسقة في ثلوج آلاسكا، لن يؤدي إلى نتيجة تذكر مهما بلغ حجم  المجهود المبذول فيه، وهو بمثابة حرث في مياه البحر إن لم يضع في الحسبان الفوارق والتباين بين البشر والمجتمعات؛ إضافة إلى أن الديمقراطية الغربية ليست مثالية إلى الدرجة التي تصلح لأن تكون أنموذجاً قابلاً للتطبيق في كل زمان ومكان، ويكفيها عيباً أن تكون حكراً على الأثرياء والمتنفذين المدعومين من اللوبيات فقط، ويتساوى فيها رأي وصوت العالم الحكيم بصوت السفيه المتخلف. (هي وجهة نظر شخصية قد يتفق معها البعض وقد يخالفها البعض الآخر).

من هذا المنطلق وانسجاماً مع هذا السباق المحموم نحو الديمقراطية حاولت التفكير-كما يحاول الآخرون- في إيجاد الوسائل التي يمكن أن ترتقي بالديمقراطية والإصلاح في مجتمعاتنا الخليجية والعربية، وأقول ترتقي لأنني على ثقة بأن مجتمعاتنا لا تفتقر تماماً للديمقراطية والإصلاح، فهناك القدر الكافي الذي يمكن أن نبني ونؤسس عليه برغم كل السلبيات والمنغصات.

إن التفكير بكل حيثيات المسألة وأبعادها أوصلني إلى نتيجة واحدة مفادها أن الديمقراطية لن تستطيع الاستمرار والنمو بالشكل الصحيح ما لم يكن هناك مجتمع مدني قوي وفاعل يقوم  بدور الوعاء المحتضن لهذه الديمقراطية والقناة التي تنساب فيها بكل يسر وسهولة وأمان، ولعل هذا المعنى هو الذي رمى إليه المفكر الإيطالي روبرت بوتنام حين قال: (كلما تواجدت مؤسسات المجتمع المدني وأدت دورها كانت الديمقراطية أقوى وأكثر فاعلية). وهو الأمر الذي مازلنا للأسف نفتقر إليه بشكل كبير، فمجتمعاتنا المدنية ومؤسساتها برغم كل ما قدمته وتقدمه من خدمات جيدة نسبياً إلا أنها لاتزال تعاني الكثير من المشكلات والعوائق التي تمنعها من لعب دور الوعاء والأداة المثالية لاحتضان ورعاية هذه الديمقراطية، فهي لم تخرج في يوم من الأيام عن دورها التقليدي بتقديم بعض المساعدات لفئات معينة من المجتمع ومن الدفاع عن حقوق بعض الفئات الأخرى في إطار من العمل الروتيني الرتيب المتذبذب أحياناً والبعيد في أحيان أخرى عن الاستقلالية والتفرد، الأمر الذي يدعونا إلى التفكير مرة أخرى في كيفية تقوية المجتمع المدني ومؤسساته ليقوم بهذا الدور المحوري المهم الذي سيؤدي بالنتيجة إلى إقرار الديمقراطية والإصلاح في مجتمعاتنا، وجعلهما أمراً واقعاً ينسجم مع قدرة المجتمع على استيعاب حجم التغيرات والنقلات التي لم يتعود عليها أو يألفها والكفيلة بنقله من مرحلة التخبط واللامنهجية إلى العمل الديمقراطي المنظم الفاعل والمثمر.

التفكير في هذا الاتجاه أيضاً قادني إلى  نتيجة أخرى مفادها أن مؤسسات المجتمع المدني لن تتطور وتصبح بالمستوى المطلوب الذي نتحدث عنه ما لم تكن هناك قوانين وتشريعات تسمح لها بالتطور والازدهار، وتعطيها هامشاً كبيراً من الحرية والاستقلالية وتحررها من البيروقراطية والعمل الرتيب المتذبذب، وتفتح لها آفاقاً جديدة تكون كفيلة بإقناع المتحمسين للديمقراطية بأهميتها وفاعليتها، وبإمكانية أن تكون الأداة والقناة المناسبة للعمل الديمقراطي الإصلاحي المنشود ومن ثم الانخراط فيها.

إلا أن هذه النتيجة أيضاً أعادتنا للمربع الأول، فهذه القوانين والتشريعات الكفيلة بتطوير المجتمع المدني لن ترى النور ما لم تكن هناك ديمقراطية فعلية تفرزها وتحميها وتوفر لها المناخ المناسب، وبهذا نصل إلى نتيجة ثالثة مفادها أن الديمقراطية وتطوير المجتمع المدني هما وجهان لعملة واحدة هي عملة الإصلاح، حيث يخدم كل منهما الآخر، ويصب كل منهما في نهر الآخر، ولا استمرارية وازدهار لأحدهما من دون دعم ورعاية الآخر. ولذلك يتوجب على المعنيين أو القائمين على هذا الشأن ضرورة العمل بصورة متوازية على تطوير وتعزيز الديمقراطية والمجتمع المدني معاً ليكونا ركيزتين أساسيتين لعملية الإصلاح، وليتفاعلا معاً وبالتناغم المطلوب الذي قد يوصلنا في النهاية إلى الغاية المنشودة من تحقيق المساواة والحرية والرفاهية بصورتها المثالية التي يسعى إليها وينشدها الجميع.

 

::/fulltext::
::cck::1713::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *