الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان أنموذج لمؤسسات المجتمع المدني
::cck::1728::/cck::
::introtext::
هناك نوع من أنواع الاتفاق ما بين الصفوة المفكرة والمعنيين بالشأن السياسي في المنطقة العربية على أن التجربة الديمقراطية في الكويت تعد من بين التجارب الاستثنائية في البلدان العربية، وهذا الاتفاق ينسجم مع الحالة الديمقراطية للكويت التي تم تدشينها في بداية عقد الستينات من القرن الفائت، عبر صياغة دستور تقدمي ببنوده وتعقد انتخابات نيابية كل أربعة أعوام استمرت حتى الوقت الراهن وإن كانت متقطعة نتيجة لجملة من العوامل الداخلية والتجاذبات الإقليمية.
::/introtext::
::fulltext::
هناك نوع من أنواع الاتفاق ما بين الصفوة المفكرة والمعنيين بالشأن السياسي في المنطقة العربية على أن التجربة الديمقراطية في الكويت تعد من بين التجارب الاستثنائية في البلدان العربية، وهذا الاتفاق ينسجم مع الحالة الديمقراطية للكويت التي تم تدشينها في بداية عقد الستينات من القرن الفائت، عبر صياغة دستور تقدمي ببنوده وتعقد انتخابات نيابية كل أربعة أعوام استمرت حتى الوقت الراهن وإن كانت متقطعة نتيجة لجملة من العوامل الداخلية والتجاذبات الإقليمية.
الآن بعد مضي أقل من نصف قرن على التجربة الديمقراطية في الكويت يتساءل الكثير من الباحثين والمراقبين السياسيين، عن المتغيرات الكثيرة التي طالت مشروطية الديمقراطية في العالم، فهل يكفي النظام السياسي في دولة ما وجود دستور يضبط إيقاع علاقات السلطات الثلاث، ويضمن الحقوق، ويحدد إجراءات العرس الديمقراطي بالانتخابات النيابية حتى نصف هذه الدولة أو تلك بأنها تدخل ضمن منظومة الدول الديمقراطية أم تقع خارج حدودها؟ فما هو ملاحظ في الديمقراطية الكويتية أن انطلاقتها كانت أفضل بكثير من مراحلها الزمنية اللاحقة، لأنها لم تستطع التعايش مع التطور الطبيعي لمشروطية الديمقراطية التي طرأت على الديمقراطيات الليبرالية العريقة في العالم بتبني مفاهيم أصيلة تكرس المعطى الديمقراطي للدولة، مثل مفاهيم المواطنة والاهتمام بحقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني، ناهيك عن العلاقات العضوية ما بين الديمقراطية والمكون العلماني والليبرالي للدولة والمجتمع، فجل ما يمكن أن يقدمه الأنموذج الكويتي في الديمقراطية للمنطقة والعالم، هو تلك الصورة التقليدية عن (وجود دستور، وعقد الانتخابات النيابية). ومن الصعوبة بمكان أن تبرهن الديمقراطية الكويتية عن نفسها بشكل حيوي مرن شفاف مادام لم تتحقق بها مطالب جوهرية مثل إقرار التعددية الحزبية وتداول السلطة وفاعلية مؤسسات المجتمع المدني التي لاتزال تعاني الكثير من الاختلالات في شرعيتها وآلية عملها كمساهم أساسي وأولي في عملية التنمية المستدامة والمشاركة السياسية.
وعلى الرغم من دخول مصطلح المجتمع المدني في أدبيات حقل السياسة والمكون الديمقراطي للدولة في المجتمعات الغربية منذ فترة زمنية طويلة، فإن هذا المفهوم لايزال يعاني من التباسات كثيرة في البلدان العربية ومن ضمنها الكويت، ولعل من أهم إشكالياته الكبرى استغراق الصفوة المفكرة الوسيطة في تبيان جوانبه النظرية أكثر من التفكير في استراتيجيات تكفل اندماجه وتلاحمه ومواءمته مع بنية الدولة والمجتمع على أرض الواقع. فالحديث عن ظهور المصطلح في عصر الأنوار ومع (غرامشي) بعد الحرب العالمية الأولى، فضلاً عن التعمق بانتقالاته من عصر اللاهوت للدولة القومية ومن المجتمع الإقطاعي للمجتمع الصناعي ومن الجانب الأيديولوجي للضفة الأخرى التنموية، مع أهميته بات حديثاً استهلاكياً مكرراً لا يلامس حاجات المواطنين وتقدم الدولة، كما أنه يحول مشروع الدولة المدنية من كونه تراثاً إنسانياً للبشرية قاطبة إلى مشروع غربي نظري محض يصعب إدماجه والاستفادة منه على مستوى المنطقة العربية، لذا من الضروري أن يتصدى المفكرون العرب لمهمة عملاقة تتعلق بكيفية وضع المفهوم قيد التداول الشعبي والإعلامي والمدرسي بدلاً من حبسه بين جدران مراكز الأبحاث والمؤتمرات العلمية.
الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان لاتزال تبرهن عن حضورها العقلي بالبيانات وخطابات الاستنكار
إن حالة المجتمع المدني في الكويت ليست بمعزل عن الواقع العربي، فلا تزال هناك حساسية كبرى تجاهها انطلاقاً من مسمى المجتمع المدني ومروراً بآليات عمله وحتى في النتائج المراد تحقيقها من ورائه، فالإسلامويون يجدون في المسمى سقطة شرعية دينية ينبغي تجنبها وإن كان لابد من الخوض في غمارها، فالمسمى المفضل هو المجتمع الأهلي أو مؤسسات الأمة، وحتى في ما يتعلق بمفهوم حقوق الإنسان الذي أصبح ذا مطلب كوني، هناك محاولات حثيثة لإضفاء طابع هوياتي أيديولوجي عليه لربطه بالمكون الديني الإسلاموي، فغالباً ما نجد الكتابات تتمحور حول حقوق الإنسان في الإسلام أو الجمعية الإسلامية لحقوق الإنسان وهكذا دواليك، وهي محاولات محزنة تدور في فلك المصطلحات والمسميات ولا تتجاوزها لما أهم وأسمى من المسمى وهو جوهر كرامة وحقوق الإنسان ذاتها.
حين نأخذ الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان أنموذجاً لمؤسسات المجتمع المدني في الكويت، ربما يدخل ذلك من باب اهتمامنا المباشر بمجال حيوي إنساني من هذا النوع على المستويين النظري والميداني المباشر، وحين نسعى إلى تفكيك مفاصل العمل فيها إنما هي محاولة لفهم آليات عمل منظمات المجتمع المدني الأخرى لأنه ينسحب عليها ما ينسحب على جمعية الإنسان، كما أن الذهنية التي تدير كافة تلك المؤسسات يكاد يربطها خيط جامع واحد، ومن هذا المنطلق لا بد من إزاحة الستار عن أبرز السلبيات (وليس كلها) في طبيعة عمل الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان التي تكمن في الآتي:
إن الجمعية تمارس عملها الإنساني في محيط مجتمعي لم يتحرر بعد من روابطه الأولية (قبلية، مذهبية، عرقية، وطبقية) لذلك فإن روابط الدم والدين تتغلب على الروابط المدنية التي تحكمها مفاهيم المواطنة القائمة على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، فكيف لجمعية حقوق الإنسان أن تعمل في بيئة لم ير النور فيها بعد، ولم تتحقق فيها خواص المجتمع المدني المتمثلة في الحرية الفردية، العلمانية، التفكير العلمي، التعددية السياسية والثقافية، تنوع مصادر المعلومات وحرية النفاذ إليها، والمواطنة وغيرها؟ وهنا تكمن إشكالية الجمعية في مهمتين كبيرتين أولاهما الاهتمام بحقوق الإنسان ذاته بصون كرامته وحمايته من التعسف، وثانيتهما عن تكريس مفاهيم حديثة لم تتعود عليها منظومة العلاقات المجتمعية.
وتكمن الإشكالية الثانية في كيفية التعايش مع حواجز الصد والرفض الأيديولوجي لها باعتبارها جسماً غربياً غريباً مستورداً من الخارج يسعى إلى الانفصال المجتمع عن سياقه الحضاري الماضوي، لذلك يتم اعتبارها معول هدم للهوية والتراث ووحدة الأمة، ومشروعاً تغريبياً يهدد تماسك المجتمع المحافظ.
إذا كانت الإشكاليات المذكورة سلفاً متعلقة بماهية الجمعية ومحيطها الفكروي والمجتمعي، فهناك إشكاليات خاصة بفلسفة العمل في الجمعية ذاتها، فلا تزال الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان، تبرهن عن حضورها الفعلي بالطابع العربي المتعارف عليه بإصدار البيانات وخطابات الاستنكار الإعلامية، ولم تصل إلى المرحلة التي تشكل بها جماعة ضغط فاعلة لدى البرلمان ومتخذي القرار الرسمي، لتحقق إصلاحيات عميقة في الكثير من التشريعات القانونية والإدارية المتعلقة بحقوق العمالة ونظام الكفيل، وإنصاف شريحة (البدون) بإقرار حقوقها المدنية بما فيها حق المواطنة، كما أن دور الجمعية يتسم بهشاشة شديدة تجاه نشر ثقافة حقوق الإنسان لدى الأوساط القضائية والعدلية ولدى الأوساط الشبابية والفئات العمرية الصغيرة.
لكننا لا نود الاسترسال كثيراً في سرد الإشكاليات الذاتية المعروفة عن طبيعة عمل مؤسسات المجتمع المدني في المجتمعات العربية التي تجمعها قواسم مشتركة كالانتقائية في اختيار الملفات التي يتم الدفاع عنها، وتفضيلها الاختباء خلف شبكة الإنترنت على حساب العمل المدني في الميدان، ولا حتى في الطابع النخبوي للمنظمات، فهي غالباً ما تضم شخصيات عامة فقدت بريق الشهرة الإعلامية و(البريستيج) المجتمعي، وأرادت أن تطل مرة أخرى للناس عبر بوابة الجمعيات الأهلية فحالة جمعية حقوق الإنسان في الكويت هي جزء من إشكاليات منظومة العمل المدني العربية، التي غالباً ما تكون ضحية تجاذبات العلاقة الحكومية الأهلية، في ميزانيتها واستقلاليتها الإدارية، فمن يملك حق التمويل والموافقة القانونية له دور الوصاية وقدرة توجيه آلية العمل بما يتفق مع مصالحه، وهكذا هو حال معظم مؤسسات المجتمع المدني التي ظهرت في الواقع المعيش بصناعة رسمية، وليس انطلاقاً من حاجة إنسانية مجتمعية ذات إرادة مستقلة.
وثمة نقطة أخيرة لابد من إثارتها عن تجربة مؤسسات المجتمع المدني في الكويت، تدخل ضمن الإشكاليات الملاحظة بخصوص المنظمات غير الحكومية في الكويت، من المناسب اختتام قراءتنا هذه بها، فمن المعروف في الكويت أن كفاءة عمل ودور مؤسسات المجتمع المدني تظهر بصورة موسمية تكاد تختفي ويتراجع دورها التنموي في الظروف الطبيعية، حيث تسود الرفاهية ونمط الدولة الريعية، في حين يلفت الحبيب الجنحاني أنظارنا إلى بروز المنظمات في أفضل حالتها وديناميتها وفي وقت الأزمات للدرجة التي عوضت فيها الدولة في إدارة شؤون المجتمع حتى أصبحت منظمات المجتمع المدني والدولة تمثلان وجهين لعملة واحدة أيام الاحتلال العراقي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1728::/cck::
::introtext::
هناك نوع من أنواع الاتفاق ما بين الصفوة المفكرة والمعنيين بالشأن السياسي في المنطقة العربية على أن التجربة الديمقراطية في الكويت تعد من بين التجارب الاستثنائية في البلدان العربية، وهذا الاتفاق ينسجم مع الحالة الديمقراطية للكويت التي تم تدشينها في بداية عقد الستينات من القرن الفائت، عبر صياغة دستور تقدمي ببنوده وتعقد انتخابات نيابية كل أربعة أعوام استمرت حتى الوقت الراهن وإن كانت متقطعة نتيجة لجملة من العوامل الداخلية والتجاذبات الإقليمية.
::/introtext::
::fulltext::
هناك نوع من أنواع الاتفاق ما بين الصفوة المفكرة والمعنيين بالشأن السياسي في المنطقة العربية على أن التجربة الديمقراطية في الكويت تعد من بين التجارب الاستثنائية في البلدان العربية، وهذا الاتفاق ينسجم مع الحالة الديمقراطية للكويت التي تم تدشينها في بداية عقد الستينات من القرن الفائت، عبر صياغة دستور تقدمي ببنوده وتعقد انتخابات نيابية كل أربعة أعوام استمرت حتى الوقت الراهن وإن كانت متقطعة نتيجة لجملة من العوامل الداخلية والتجاذبات الإقليمية.
الآن بعد مضي أقل من نصف قرن على التجربة الديمقراطية في الكويت يتساءل الكثير من الباحثين والمراقبين السياسيين، عن المتغيرات الكثيرة التي طالت مشروطية الديمقراطية في العالم، فهل يكفي النظام السياسي في دولة ما وجود دستور يضبط إيقاع علاقات السلطات الثلاث، ويضمن الحقوق، ويحدد إجراءات العرس الديمقراطي بالانتخابات النيابية حتى نصف هذه الدولة أو تلك بأنها تدخل ضمن منظومة الدول الديمقراطية أم تقع خارج حدودها؟ فما هو ملاحظ في الديمقراطية الكويتية أن انطلاقتها كانت أفضل بكثير من مراحلها الزمنية اللاحقة، لأنها لم تستطع التعايش مع التطور الطبيعي لمشروطية الديمقراطية التي طرأت على الديمقراطيات الليبرالية العريقة في العالم بتبني مفاهيم أصيلة تكرس المعطى الديمقراطي للدولة، مثل مفاهيم المواطنة والاهتمام بحقوق الإنسان ومؤسسات المجتمع المدني، ناهيك عن العلاقات العضوية ما بين الديمقراطية والمكون العلماني والليبرالي للدولة والمجتمع، فجل ما يمكن أن يقدمه الأنموذج الكويتي في الديمقراطية للمنطقة والعالم، هو تلك الصورة التقليدية عن (وجود دستور، وعقد الانتخابات النيابية). ومن الصعوبة بمكان أن تبرهن الديمقراطية الكويتية عن نفسها بشكل حيوي مرن شفاف مادام لم تتحقق بها مطالب جوهرية مثل إقرار التعددية الحزبية وتداول السلطة وفاعلية مؤسسات المجتمع المدني التي لاتزال تعاني الكثير من الاختلالات في شرعيتها وآلية عملها كمساهم أساسي وأولي في عملية التنمية المستدامة والمشاركة السياسية.
وعلى الرغم من دخول مصطلح المجتمع المدني في أدبيات حقل السياسة والمكون الديمقراطي للدولة في المجتمعات الغربية منذ فترة زمنية طويلة، فإن هذا المفهوم لايزال يعاني من التباسات كثيرة في البلدان العربية ومن ضمنها الكويت، ولعل من أهم إشكالياته الكبرى استغراق الصفوة المفكرة الوسيطة في تبيان جوانبه النظرية أكثر من التفكير في استراتيجيات تكفل اندماجه وتلاحمه ومواءمته مع بنية الدولة والمجتمع على أرض الواقع. فالحديث عن ظهور المصطلح في عصر الأنوار ومع (غرامشي) بعد الحرب العالمية الأولى، فضلاً عن التعمق بانتقالاته من عصر اللاهوت للدولة القومية ومن المجتمع الإقطاعي للمجتمع الصناعي ومن الجانب الأيديولوجي للضفة الأخرى التنموية، مع أهميته بات حديثاً استهلاكياً مكرراً لا يلامس حاجات المواطنين وتقدم الدولة، كما أنه يحول مشروع الدولة المدنية من كونه تراثاً إنسانياً للبشرية قاطبة إلى مشروع غربي نظري محض يصعب إدماجه والاستفادة منه على مستوى المنطقة العربية، لذا من الضروري أن يتصدى المفكرون العرب لمهمة عملاقة تتعلق بكيفية وضع المفهوم قيد التداول الشعبي والإعلامي والمدرسي بدلاً من حبسه بين جدران مراكز الأبحاث والمؤتمرات العلمية.
الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان لاتزال تبرهن عن حضورها العقلي بالبيانات وخطابات الاستنكار
إن حالة المجتمع المدني في الكويت ليست بمعزل عن الواقع العربي، فلا تزال هناك حساسية كبرى تجاهها انطلاقاً من مسمى المجتمع المدني ومروراً بآليات عمله وحتى في النتائج المراد تحقيقها من ورائه، فالإسلامويون يجدون في المسمى سقطة شرعية دينية ينبغي تجنبها وإن كان لابد من الخوض في غمارها، فالمسمى المفضل هو المجتمع الأهلي أو مؤسسات الأمة، وحتى في ما يتعلق بمفهوم حقوق الإنسان الذي أصبح ذا مطلب كوني، هناك محاولات حثيثة لإضفاء طابع هوياتي أيديولوجي عليه لربطه بالمكون الديني الإسلاموي، فغالباً ما نجد الكتابات تتمحور حول حقوق الإنسان في الإسلام أو الجمعية الإسلامية لحقوق الإنسان وهكذا دواليك، وهي محاولات محزنة تدور في فلك المصطلحات والمسميات ولا تتجاوزها لما أهم وأسمى من المسمى وهو جوهر كرامة وحقوق الإنسان ذاتها.
حين نأخذ الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان أنموذجاً لمؤسسات المجتمع المدني في الكويت، ربما يدخل ذلك من باب اهتمامنا المباشر بمجال حيوي إنساني من هذا النوع على المستويين النظري والميداني المباشر، وحين نسعى إلى تفكيك مفاصل العمل فيها إنما هي محاولة لفهم آليات عمل منظمات المجتمع المدني الأخرى لأنه ينسحب عليها ما ينسحب على جمعية الإنسان، كما أن الذهنية التي تدير كافة تلك المؤسسات يكاد يربطها خيط جامع واحد، ومن هذا المنطلق لا بد من إزاحة الستار عن أبرز السلبيات (وليس كلها) في طبيعة عمل الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان التي تكمن في الآتي:
إن الجمعية تمارس عملها الإنساني في محيط مجتمعي لم يتحرر بعد من روابطه الأولية (قبلية، مذهبية، عرقية، وطبقية) لذلك فإن روابط الدم والدين تتغلب على الروابط المدنية التي تحكمها مفاهيم المواطنة القائمة على العدالة والمساواة وتكافؤ الفرص، فكيف لجمعية حقوق الإنسان أن تعمل في بيئة لم ير النور فيها بعد، ولم تتحقق فيها خواص المجتمع المدني المتمثلة في الحرية الفردية، العلمانية، التفكير العلمي، التعددية السياسية والثقافية، تنوع مصادر المعلومات وحرية النفاذ إليها، والمواطنة وغيرها؟ وهنا تكمن إشكالية الجمعية في مهمتين كبيرتين أولاهما الاهتمام بحقوق الإنسان ذاته بصون كرامته وحمايته من التعسف، وثانيتهما عن تكريس مفاهيم حديثة لم تتعود عليها منظومة العلاقات المجتمعية.
وتكمن الإشكالية الثانية في كيفية التعايش مع حواجز الصد والرفض الأيديولوجي لها باعتبارها جسماً غربياً غريباً مستورداً من الخارج يسعى إلى الانفصال المجتمع عن سياقه الحضاري الماضوي، لذلك يتم اعتبارها معول هدم للهوية والتراث ووحدة الأمة، ومشروعاً تغريبياً يهدد تماسك المجتمع المحافظ.
إذا كانت الإشكاليات المذكورة سلفاً متعلقة بماهية الجمعية ومحيطها الفكروي والمجتمعي، فهناك إشكاليات خاصة بفلسفة العمل في الجمعية ذاتها، فلا تزال الجمعية الكويتية لحقوق الإنسان، تبرهن عن حضورها الفعلي بالطابع العربي المتعارف عليه بإصدار البيانات وخطابات الاستنكار الإعلامية، ولم تصل إلى المرحلة التي تشكل بها جماعة ضغط فاعلة لدى البرلمان ومتخذي القرار الرسمي، لتحقق إصلاحيات عميقة في الكثير من التشريعات القانونية والإدارية المتعلقة بحقوق العمالة ونظام الكفيل، وإنصاف شريحة (البدون) بإقرار حقوقها المدنية بما فيها حق المواطنة، كما أن دور الجمعية يتسم بهشاشة شديدة تجاه نشر ثقافة حقوق الإنسان لدى الأوساط القضائية والعدلية ولدى الأوساط الشبابية والفئات العمرية الصغيرة.
لكننا لا نود الاسترسال كثيراً في سرد الإشكاليات الذاتية المعروفة عن طبيعة عمل مؤسسات المجتمع المدني في المجتمعات العربية التي تجمعها قواسم مشتركة كالانتقائية في اختيار الملفات التي يتم الدفاع عنها، وتفضيلها الاختباء خلف شبكة الإنترنت على حساب العمل المدني في الميدان، ولا حتى في الطابع النخبوي للمنظمات، فهي غالباً ما تضم شخصيات عامة فقدت بريق الشهرة الإعلامية و(البريستيج) المجتمعي، وأرادت أن تطل مرة أخرى للناس عبر بوابة الجمعيات الأهلية فحالة جمعية حقوق الإنسان في الكويت هي جزء من إشكاليات منظومة العمل المدني العربية، التي غالباً ما تكون ضحية تجاذبات العلاقة الحكومية الأهلية، في ميزانيتها واستقلاليتها الإدارية، فمن يملك حق التمويل والموافقة القانونية له دور الوصاية وقدرة توجيه آلية العمل بما يتفق مع مصالحه، وهكذا هو حال معظم مؤسسات المجتمع المدني التي ظهرت في الواقع المعيش بصناعة رسمية، وليس انطلاقاً من حاجة إنسانية مجتمعية ذات إرادة مستقلة.
وثمة نقطة أخيرة لابد من إثارتها عن تجربة مؤسسات المجتمع المدني في الكويت، تدخل ضمن الإشكاليات الملاحظة بخصوص المنظمات غير الحكومية في الكويت، من المناسب اختتام قراءتنا هذه بها، فمن المعروف في الكويت أن كفاءة عمل ودور مؤسسات المجتمع المدني تظهر بصورة موسمية تكاد تختفي ويتراجع دورها التنموي في الظروف الطبيعية، حيث تسود الرفاهية ونمط الدولة الريعية، في حين يلفت الحبيب الجنحاني أنظارنا إلى بروز المنظمات في أفضل حالتها وديناميتها وفي وقت الأزمات للدرجة التي عوضت فيها الدولة في إدارة شؤون المجتمع حتى أصبحت منظمات المجتمع المدني والدولة تمثلان وجهين لعملة واحدة أيام الاحتلال العراقي.
::/fulltext::
::cck::1728::/cck::
