العرب والخليج ومعادلة التوازن الروسي – الأمريكي

::cck::1734::/cck::
::introtext::

نلاحظ أن هناك عودة نشطة للدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط والخليج، وتمثل ذلك في زيارات للرئيس فلاديمير بوتين إلى منطقة الخليج، فوريثة الاتحاد السوفييتي السابق يهمها نشر الاستقرار والتوازن والأمن في العالم، خاصة في منطقتنا، نظراً لعامل العمق التاريخي والحضاري الذي يربط بين الطرفين. وربما تكون جولات الرئيس الروسي أو كبار مسؤوليه في دول المنطقة بمثابة رسالة للولايات المتحدة بأن روسيا لن تظل بعيدة عن هذه المنطقة، وأنها ستشارك في حل قضاياها، ولن تبقى مكتوفة الأيدي تجاهها كما كانت الحال منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

::/introtext::
::fulltext::

نلاحظ أن هناك عودة نشطة للدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط والخليج، وتمثل ذلك في زيارات للرئيس فلاديمير بوتين إلى منطقة الخليج، فوريثة الاتحاد السوفييتي السابق يهمها نشر الاستقرار والتوازن والأمن في العالم، خاصة في منطقتنا، نظراً لعامل العمق التاريخي والحضاري الذي يربط بين الطرفين. وربما تكون جولات الرئيس الروسي أو كبار مسؤوليه في دول المنطقة بمثابة رسالة للولايات المتحدة بأن روسيا لن تظل بعيدة عن هذه المنطقة، وأنها ستشارك في حل قضاياها، ولن تبقى مكتوفة الأيدي تجاهها كما كانت الحال منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

  تشكل عودة روسيا وسياستها الخارجية النشطة إلى منطقة الشرق الأوسط نقطة مفصلية في الوضع العام الذي تعيشه المنطقة العربية في أعقاب أحداث جسام وملفات ساخنة في العراق وفلسطين ولبنان وسوريا والملف النووي الإيراني. ولكن ماذا يمكن لروسيا أن تقدم للعرب؟ وما هي فرصتها في استعادة مكانتها السابقة كقوة مقابلة وموازنة للنفوذ الأمريكي؟ وأين تقف القضايا العربية المختلفة في سلم السياسات الروسية؟ وهل عودة روسيا إلى الشرق الأوسط لها علاقة بقوة روسيا الاقتصادية والسياسية، أم هي محاولة روسية لقطع الطريق على النفوذ الأمريكي الذي يهدد الأمني الدولي؟ وما هي الأولويات الروسية في منطقة الشرق الأوسط؟

بداية نقول إن دور السياسة الخارجية الروسية في المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية تسعينات القرن الماضي اقتصر فقط على عملية السلام في الشرق الأوسط وكان وجوداً رمزياً، رغم أن روسيا طرف مباشر في اللجنة الرباعية الراعية لعملية السلام في المنطقة. ولم تعد السياسة الروسية مؤثرة كما كانت عليه إبان الاتحاد السوفييتي سابقاً، لكن ثمة تغيراً جديداً طرأ على السياسة الروسية في ظل الرئيس بوتين، ويبدو أن روسيا آثرت أن تعود إلى الشرق الأوسط بعد غياب نسبي خلال تسعينات القرن العشرين، على أمل أن تستعيد دورها في الساحة الدولية كقوة مقابلة للنفوذ الأمريكي. 

ومعروف أنه بعد انتهاء الحرب الباردة ظهر هناك مركز واحد لاتخاذ القرار وفرض الإرادة والسلطة معاً، ولكن هذه السياسة المبنية على استخدام القوة والتي تقودها الولايات المتحدة تقترب من الفشل في الوقت الراهن، لأن روسيا كانت ولا تزال تؤكد على ضرر استعمال القوة في العلاقات الدولية. فمبادئ سياستها الخارجية تحذر من خطر زعزعة العلاقات الدولية المحتمل. وتدعو روسيا إلى تبني سياسة الحوار بشأن أي نزاع دولي لأن الإجراءات الأحادية الجانب وفي الغالب غير القانونية لم تحل أيا من المشكلات، وتؤكد روسيا وعبر السياسة الخارجية في عهد بوتين أن النموذج الأحادي القطب غير مقبول بالنسبة للعالم المعاصر بل مستحيل التحقيق، وأنه من الأفضل بناء العالم من خلال إيجاد مراكز متعددة لاتخاذ القرار، عالم تسوده الدبلوماسية المتعددة، ولا يسوده استخدام القوة.

يبدو أن روسيا آثرت أن تعود إلى الشرق الأوسط بعد غياب نسبي خلال تسعينات القرن العشرين 

وعبر هذه السياسة، فإن روسيا لا تريد الدخول في سباق تسلح من جديد مع الولايات المتحدة، لأن الأخيرة لديها إمكانيات لا تحظى بها روسيا، ولأن ثمة تجربة لروسيا في هذا المجال إبان حقبة الاتحاد السوفييتي والتي خسرت فيها روسيا كثيراً، عندما أرادت الوصول إلى نوع من التوازن مع الأمريكيين. وللتأكيد على هذا القول، فإن روسيا أعدت مسودة معاهدة حول حظر نشر السلاح في الفضاء، وأن ما يهم روسيا الآن هو العمل على رفع المستوى الاقتصادي للمواطن الروسي، والنهوض بالاقتصاد الوطني. و لهذا، تتجه السياسة الروسية الحديثة إلى منطقة الشرق الأوسط كمحاولة لفتح أسواق جديدة تساعدها على تجاوز أزمتها الاقتصادية. فالسياسة الروسية في الشرق الأوسط الآن تحكمها مصالح اقتصادية، تتمثل في جذب الاستثمارات، وتنشيط تجارة السلاح والصادرات الروسية من السلع والخدمات إلى دول المنطقة، وهناك المصالح الأمنية مثل منع نشوب صراعات في المنطقة أو على الأقل عدم تفاقمها، والمحافظة على التوازن الإقليمي. ومن هذا المنطلق، فإن الوجود الروسي في منطقة الشرق الأوسط ستحكمه المصلحة المتبادلة وسيستمر سياسياً واقتصادياً وتجارياً.

لقد أصبح الدور الروسي في المنطقة أكثر وزناً وتأثيراً، فقد دأبت روسيا على انتهاج سياسة مستقلة في المنطقة أساسها تسريع وتيرة الجهود لتسوية المشكلات المستعصية في الشرق الأوسط وعدم السماح باندلاع أزمات جديدة، وذلك من خلال الإصرار الروسي الكامل على تطبيق قرارات الشرعية الدولية وضرورة فتح حوار حقيقي وبنّاء بين كل الأطراف المعنية بالأزمات الراهنة وعدم الانزلاق نحو سياسة خاطئة تقوم على عزل أي طرف أو تجاهل دوره. ويجدر بنا أن نوضح بعض القضايا التي تحاول روسيا أن تشارك في تسويقها على أساس القانون الدولي والشرعية الدولية ومن بينها القضية العراقية والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والملفات السورية واللبنانية والإيرانية:

فعلى مستوى القضية العراقية، ترى موسكو أن الوضع في العراق يشبه الكارثة وهذا أمر لا يمكن نكرانه، ولذا، فإن الموقف الروسي في العراق يتمثل في: 

* عدم الموافقة على استراتيجية الرئيس الأمريكيجورج بوش في العراق، ومؤكدة أن الحل يأتي من خلال إشراك كافة القوى العراقية في الحوار وصنع القرار، بالتعاون مع الأمم المتحدة وجيران العراق وخاصة إيران وسوريا، مع دعوة موسكو المتكررة لقادة العراق الجدد إلى التفكير ليس بتصفية حسابات سابقة بل بخطوات عملية من شأنها إخراج العراق من النفق المظلم الذي يعيشه. 

* وضع جدول زمني للانسحاب الأمريكي من العراق، وأنه من دون تحديد هذا الجدول الزمني فستكون هناك فرصة لبقاء القوات إلى أجل غير محدد.

* يجب على الولايات المتحدة أن تدخل في حوار مباشر مع السوريين والإيرانيين إضافة إلى مصالحة بين القوى العراقية. 

وعلى صعيد الصراع العربي – الإسرائيلي،  ترى موسكو أن سبب الأزمة أو الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، ومن دون إنهاء الاحتلال لن يزول هذا الصراع. ويتمثل الدور الروسي في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بالمساهمة في الوساطة الدولية الممثلة باللجنة الرباعية. وتدفع روسيا شركائها لاتخاذ موقف أكثر مرونة خاصة في ما يتعلق بالموقف الفلسطيني ودعم شرعية الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، ومن ثم الدفع بين الفلسطينيين والإسرائيليين للتفاوض على أساس خارطة الطريق.

وحول الأزمة اللبنانية، لا ننسى أن روسيا كانت منذ البداية مع إقامة لجنة تحقيق لمعرفة من كان وراء اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ، ولم تكن روسيا في عجلة من أمرها نحو إقامة المحكمة من قبيل أن إقامة محكمة دولية للتحقيق في اغتيال الحريري من شأنها أن تولد موجة من التوتر في لبنان وهذا ما حصل فعلاً. وما تدعو إليه روسيا هو أن تكون المحكمة على أساس جنائي أي تحت الفصل السادس، وليس الفصل السابع. هذا مع قناعة روسيا العميقة بأنه يجب بذل كل ما بوسع اللبنانيين لإيجاد صيغة توافق بينهم، لحل كل القضايا والمسائل المتنازع عليها بين اللبنانيين، وأسلم طريق للوصول إلى هذا الهدف هو استئناف الحوار الوطني اللبناني – اللبناني مهما كان شكل هذه الطاولة وشكل هذا الحوار، لأنه ليس هناك أي وسيلة أخرى لحلحلة الأوضاع المتوترة المؤسفة والمقلقة في لبنان.

أما في ما يتعلق بالموضوع السوري، فإن لدى روسيا موقفاً مهماً وهو إشراك سوريا في كافة الملفات الساخنة في المنطقة بدءاً بالملف العراقي مروراً باللبناني وانتهاء بالملف الفلسطيني، ولكن إشراكها ليس من خلال الترهيب وإنما من خلال الحوار.

 كل هذا يجرنا بطبيعة الحال إلى الموقف الروسي تجاه أزمة الملف النووي الإيراني، فمن حيث المبدأ تقف روسيا ضد امتلاك أي بلد أسلحة نووية لأن هذا سيعزز عدم الاستقرار في المنطقة، وليست لروسيا مصلحة أن تمتلك إيران أسلحة نووية. ولكن هذا لا يمنع روسيا من أن تقوم ببناء مفاعل (بوشهر) الإيراني ولكن بطابع سلمي وتحت رقابة دولية، وهي في الوقت نفسه ضد امتلاك إسرائيل أسلحة نووية أيضاً، وتشدد موسكو على ضرورة انضمام إسرائيل إلى معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي لضمان شرق أوسط خال من الأسلحة المدمرة. ويتلخص الموقف الروسي من البرنامج النووي الإيراني بأنه ينبثق من العلاقات الاستراتيجية بين إيران وروسيا، وأن روسيا تنظر إلى إيران كدولة صديقة مجاورة وليس من مصلحة روسيا أن تضعف الموقف السياسي والاقتصادي والعسكري لإيران، فروسيا مع إيران ولكنها ضد أي انتشار للسلاح النووي، كما أنها ضد بدء الحرب والعمليات العسكرية في هذه المنطقة وهي تبذل الجهود لكي تبعد احتمال التدابير العسكرية ضد إيران ومنشآتها النووية لأن هذا لن يأتي بنتائج إيجابية.

إن الدولة الروسية هي إمبراطورية مترامية الأطراف متعددة الشعوب والأمم والقوميات، ومتعددة الأقطار والمذاهب، ومن هنا أدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن (القوة العارية) أي القوة العسكرية هي وحدها التي تحافظ على تماسك هذه الدولة ووحدة شعوبها، ولذلك عمد إلى تنشيط الصناعة العسكرية للدولة لكي تحافظ على حيوية وقوة الأمة. ويجتهد الرئيس الروسي في تمزيق الماضي ببيروقراطيته الثورية الماركسية ليجعل من بلاده اليوم قوة سياسية وعسكرية تقوم على وحدة المعرفة والإرادة، وذلك بإعلانه في شهر أغسطس الماضي عودة القاذفات الروسية البعيدة المدى والقادرة على حمل أسلحة نووية إلى الفضاء في دوريات حراسة في أنحاء العالم بعد توقف دام خمسة عشر عاماً، وقد حرك هذا الإعلان مياه الحرب الباردة الراكدة، رغم أن الموقف الأمريكي قلل من شأن هذا الإعلان، فالمسؤولون الأمريكيون حاولوا إعطاء هذا الإعلان شكل النكتة، حيث علقت الخارجية الأمريكية بقولها إنه ليس أكثر من إخراج (للطائرات القديمة من سباتها) في إشارة إلى أساس أسطول روسيا المكون من طائرات (توبوليف 95) التي حلقت لأول مرة عام 1952، ما يعني أن هذه الحركة من روسيا هي مجرد حركة استعراضية وليست حقيقية، أي أن روسيا لا يمكنها أن تنافس الولايات المتحدة في حكم العالم.

ويؤكد الواقع العالمي أن روسيا قوة عظمى لا تقل عظمة ومكانة عن القوة الأمريكية. وعلى الرغم من الفرق الهائل في الإنفاق على الدفاع بين الدولتين، حيث يبلغ حجم الإنفاق الأمريكي السنوي 350 مليار دولار، في حين أن الإنفاق الروسي لا يتعدى 60 مليار دولار، فإن الفارق ليس مقياساً بسبب الاختلاف في الاستراتيجية بين الدولتين، فاستراتيجية روسيا دفاعية، في حين أن الاستراتيجية الأمريكية هجومية.

ستصمد روسيا طويلاً رغم كل المحاولات الأمريكية والغربية لتفكيكها وتدميرها

والآن تحاول روسيا أن تعالج نقاط الضعف التي خلفها انهيار الاتحاد السوفييتي السابق فيها. ومن خلال النفط والغاز المتوافر فيها بكثرة تبني اقتصاداً متيناً، وتعيد بناء قوتها العسكرية، وتحاول بشكل مدروس الإعلان عن وجودها لكنها لا تنجر إلى الاستعمار، ولا تريد نشر أساطيل في بحار العالم كما تفعل الولايات المتحدة، بل تقوم بتحصين وضعها الداخلي، ومن ثم محيطها الإقليمي في آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا الشرقية ومنطقة الشرق الأوسط والخليج، لكي تتحول إلى قلعة محصنة من جديد. وبهذه الاستراتيجية الدفاعية ستصمد روسيا طويلاً رغم كل المحاولات الأمريكية والغربية لتفكيكها وتدميرها. ويبدو أنها على أعتاب الانتصار في معركتها هذه لأنها وعت درس التاريخ جيداً، وأدركت أن تشتيت الجهود وتبديد الأموال إنما هو تبديد للقوة والنفوذ.

إن أمام الدبلوماسية الروسية فرصاً عدة في الفترة المقبلة لتعزز دورها في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج في ضوء ما عبر عنه الرئيس بوتين أثناء زياراته التاريخية إلى المملكة العربية السعودية وقطر والأردن ودولة الإمارات، فهناك ترحيب عربي بدور إيجابي لموسكو، وهناك أيضاً تشديد أمريكي على أهمية الشراكة مع روسيا في الجهود الدبلوماسية نحو إيران. وبالتالي، يمكن لروسيا أن تلعب دوراً قيادياً يتمثل في إقناع طهران بأن مصلحتها العليا تتمثل في تعزيز هيبة إيران داخل حدودها حصراً بدلاً من امتداد أصابعها للتلاعب بالعراق وفلسطين ولبنان.

وفي النهاية، فإننا لا نفضل أن تكون منطقة الخليج والشرق الأوسط منطقة صراع جديد بين روسيا والولايات والمتحدة، فيكفي ما حدث بينهما من صراع الديوك أثناء الحرب الأمريكية في فيتنام ثم الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، ولكننا مع عودة سياسة القطبين لأنه كفانا ما تعرضنا له في ظل نظام القطب الأحادي الذي تسبب في تمزيق المنطقة وتحويلها إلى منطقة صراعات وحروب وخلافات. ولا نريد ظهور نفوذ روسي جديد بقدر العودة إلى سياسة التوازن التي تتطلبها منطقتنا في وقتنا الراهن في ظل عراق منقسم ومدمر وإيران على أعتاب حرب أخرى، وسوريا التي لا تعلم من أين ستأتيها الضربة، هل من أمريكا الباغية أم من إسرائيل التي تخترق الأجواء السورية في أي وقت تشاء؟

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1734::/cck::
::introtext::

نلاحظ أن هناك عودة نشطة للدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط والخليج، وتمثل ذلك في زيارات للرئيس فلاديمير بوتين إلى منطقة الخليج، فوريثة الاتحاد السوفييتي السابق يهمها نشر الاستقرار والتوازن والأمن في العالم، خاصة في منطقتنا، نظراً لعامل العمق التاريخي والحضاري الذي يربط بين الطرفين. وربما تكون جولات الرئيس الروسي أو كبار مسؤوليه في دول المنطقة بمثابة رسالة للولايات المتحدة بأن روسيا لن تظل بعيدة عن هذه المنطقة، وأنها ستشارك في حل قضاياها، ولن تبقى مكتوفة الأيدي تجاهها كما كانت الحال منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

::/introtext::
::fulltext::

نلاحظ أن هناك عودة نشطة للدور الروسي في منطقة الشرق الأوسط والخليج، وتمثل ذلك في زيارات للرئيس فلاديمير بوتين إلى منطقة الخليج، فوريثة الاتحاد السوفييتي السابق يهمها نشر الاستقرار والتوازن والأمن في العالم، خاصة في منطقتنا، نظراً لعامل العمق التاريخي والحضاري الذي يربط بين الطرفين. وربما تكون جولات الرئيس الروسي أو كبار مسؤوليه في دول المنطقة بمثابة رسالة للولايات المتحدة بأن روسيا لن تظل بعيدة عن هذه المنطقة، وأنها ستشارك في حل قضاياها، ولن تبقى مكتوفة الأيدي تجاهها كما كانت الحال منذ انهيار الاتحاد السوفييتي.

  تشكل عودة روسيا وسياستها الخارجية النشطة إلى منطقة الشرق الأوسط نقطة مفصلية في الوضع العام الذي تعيشه المنطقة العربية في أعقاب أحداث جسام وملفات ساخنة في العراق وفلسطين ولبنان وسوريا والملف النووي الإيراني. ولكن ماذا يمكن لروسيا أن تقدم للعرب؟ وما هي فرصتها في استعادة مكانتها السابقة كقوة مقابلة وموازنة للنفوذ الأمريكي؟ وأين تقف القضايا العربية المختلفة في سلم السياسات الروسية؟ وهل عودة روسيا إلى الشرق الأوسط لها علاقة بقوة روسيا الاقتصادية والسياسية، أم هي محاولة روسية لقطع الطريق على النفوذ الأمريكي الذي يهدد الأمني الدولي؟ وما هي الأولويات الروسية في منطقة الشرق الأوسط؟

بداية نقول إن دور السياسة الخارجية الروسية في المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفييتي في بداية تسعينات القرن الماضي اقتصر فقط على عملية السلام في الشرق الأوسط وكان وجوداً رمزياً، رغم أن روسيا طرف مباشر في اللجنة الرباعية الراعية لعملية السلام في المنطقة. ولم تعد السياسة الروسية مؤثرة كما كانت عليه إبان الاتحاد السوفييتي سابقاً، لكن ثمة تغيراً جديداً طرأ على السياسة الروسية في ظل الرئيس بوتين، ويبدو أن روسيا آثرت أن تعود إلى الشرق الأوسط بعد غياب نسبي خلال تسعينات القرن العشرين، على أمل أن تستعيد دورها في الساحة الدولية كقوة مقابلة للنفوذ الأمريكي. 

ومعروف أنه بعد انتهاء الحرب الباردة ظهر هناك مركز واحد لاتخاذ القرار وفرض الإرادة والسلطة معاً، ولكن هذه السياسة المبنية على استخدام القوة والتي تقودها الولايات المتحدة تقترب من الفشل في الوقت الراهن، لأن روسيا كانت ولا تزال تؤكد على ضرر استعمال القوة في العلاقات الدولية. فمبادئ سياستها الخارجية تحذر من خطر زعزعة العلاقات الدولية المحتمل. وتدعو روسيا إلى تبني سياسة الحوار بشأن أي نزاع دولي لأن الإجراءات الأحادية الجانب وفي الغالب غير القانونية لم تحل أيا من المشكلات، وتؤكد روسيا وعبر السياسة الخارجية في عهد بوتين أن النموذج الأحادي القطب غير مقبول بالنسبة للعالم المعاصر بل مستحيل التحقيق، وأنه من الأفضل بناء العالم من خلال إيجاد مراكز متعددة لاتخاذ القرار، عالم تسوده الدبلوماسية المتعددة، ولا يسوده استخدام القوة.

يبدو أن روسيا آثرت أن تعود إلى الشرق الأوسط بعد غياب نسبي خلال تسعينات القرن العشرين 

وعبر هذه السياسة، فإن روسيا لا تريد الدخول في سباق تسلح من جديد مع الولايات المتحدة، لأن الأخيرة لديها إمكانيات لا تحظى بها روسيا، ولأن ثمة تجربة لروسيا في هذا المجال إبان حقبة الاتحاد السوفييتي والتي خسرت فيها روسيا كثيراً، عندما أرادت الوصول إلى نوع من التوازن مع الأمريكيين. وللتأكيد على هذا القول، فإن روسيا أعدت مسودة معاهدة حول حظر نشر السلاح في الفضاء، وأن ما يهم روسيا الآن هو العمل على رفع المستوى الاقتصادي للمواطن الروسي، والنهوض بالاقتصاد الوطني. و لهذا، تتجه السياسة الروسية الحديثة إلى منطقة الشرق الأوسط كمحاولة لفتح أسواق جديدة تساعدها على تجاوز أزمتها الاقتصادية. فالسياسة الروسية في الشرق الأوسط الآن تحكمها مصالح اقتصادية، تتمثل في جذب الاستثمارات، وتنشيط تجارة السلاح والصادرات الروسية من السلع والخدمات إلى دول المنطقة، وهناك المصالح الأمنية مثل منع نشوب صراعات في المنطقة أو على الأقل عدم تفاقمها، والمحافظة على التوازن الإقليمي. ومن هذا المنطلق، فإن الوجود الروسي في منطقة الشرق الأوسط ستحكمه المصلحة المتبادلة وسيستمر سياسياً واقتصادياً وتجارياً.

لقد أصبح الدور الروسي في المنطقة أكثر وزناً وتأثيراً، فقد دأبت روسيا على انتهاج سياسة مستقلة في المنطقة أساسها تسريع وتيرة الجهود لتسوية المشكلات المستعصية في الشرق الأوسط وعدم السماح باندلاع أزمات جديدة، وذلك من خلال الإصرار الروسي الكامل على تطبيق قرارات الشرعية الدولية وضرورة فتح حوار حقيقي وبنّاء بين كل الأطراف المعنية بالأزمات الراهنة وعدم الانزلاق نحو سياسة خاطئة تقوم على عزل أي طرف أو تجاهل دوره. ويجدر بنا أن نوضح بعض القضايا التي تحاول روسيا أن تشارك في تسويقها على أساس القانون الدولي والشرعية الدولية ومن بينها القضية العراقية والصراع الفلسطيني – الإسرائيلي والملفات السورية واللبنانية والإيرانية:

فعلى مستوى القضية العراقية، ترى موسكو أن الوضع في العراق يشبه الكارثة وهذا أمر لا يمكن نكرانه، ولذا، فإن الموقف الروسي في العراق يتمثل في: 

* عدم الموافقة على استراتيجية الرئيس الأمريكيجورج بوش في العراق، ومؤكدة أن الحل يأتي من خلال إشراك كافة القوى العراقية في الحوار وصنع القرار، بالتعاون مع الأمم المتحدة وجيران العراق وخاصة إيران وسوريا، مع دعوة موسكو المتكررة لقادة العراق الجدد إلى التفكير ليس بتصفية حسابات سابقة بل بخطوات عملية من شأنها إخراج العراق من النفق المظلم الذي يعيشه. 

* وضع جدول زمني للانسحاب الأمريكي من العراق، وأنه من دون تحديد هذا الجدول الزمني فستكون هناك فرصة لبقاء القوات إلى أجل غير محدد.

* يجب على الولايات المتحدة أن تدخل في حوار مباشر مع السوريين والإيرانيين إضافة إلى مصالحة بين القوى العراقية. 

وعلى صعيد الصراع العربي – الإسرائيلي،  ترى موسكو أن سبب الأزمة أو الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين هو الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية، ومن دون إنهاء الاحتلال لن يزول هذا الصراع. ويتمثل الدور الروسي في الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي بالمساهمة في الوساطة الدولية الممثلة باللجنة الرباعية. وتدفع روسيا شركائها لاتخاذ موقف أكثر مرونة خاصة في ما يتعلق بالموقف الفلسطيني ودعم شرعية الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، ومن ثم الدفع بين الفلسطينيين والإسرائيليين للتفاوض على أساس خارطة الطريق.

وحول الأزمة اللبنانية، لا ننسى أن روسيا كانت منذ البداية مع إقامة لجنة تحقيق لمعرفة من كان وراء اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري ، ولم تكن روسيا في عجلة من أمرها نحو إقامة المحكمة من قبيل أن إقامة محكمة دولية للتحقيق في اغتيال الحريري من شأنها أن تولد موجة من التوتر في لبنان وهذا ما حصل فعلاً. وما تدعو إليه روسيا هو أن تكون المحكمة على أساس جنائي أي تحت الفصل السادس، وليس الفصل السابع. هذا مع قناعة روسيا العميقة بأنه يجب بذل كل ما بوسع اللبنانيين لإيجاد صيغة توافق بينهم، لحل كل القضايا والمسائل المتنازع عليها بين اللبنانيين، وأسلم طريق للوصول إلى هذا الهدف هو استئناف الحوار الوطني اللبناني – اللبناني مهما كان شكل هذه الطاولة وشكل هذا الحوار، لأنه ليس هناك أي وسيلة أخرى لحلحلة الأوضاع المتوترة المؤسفة والمقلقة في لبنان.

أما في ما يتعلق بالموضوع السوري، فإن لدى روسيا موقفاً مهماً وهو إشراك سوريا في كافة الملفات الساخنة في المنطقة بدءاً بالملف العراقي مروراً باللبناني وانتهاء بالملف الفلسطيني، ولكن إشراكها ليس من خلال الترهيب وإنما من خلال الحوار.

 كل هذا يجرنا بطبيعة الحال إلى الموقف الروسي تجاه أزمة الملف النووي الإيراني، فمن حيث المبدأ تقف روسيا ضد امتلاك أي بلد أسلحة نووية لأن هذا سيعزز عدم الاستقرار في المنطقة، وليست لروسيا مصلحة أن تمتلك إيران أسلحة نووية. ولكن هذا لا يمنع روسيا من أن تقوم ببناء مفاعل (بوشهر) الإيراني ولكن بطابع سلمي وتحت رقابة دولية، وهي في الوقت نفسه ضد امتلاك إسرائيل أسلحة نووية أيضاً، وتشدد موسكو على ضرورة انضمام إسرائيل إلى معاهدة الحد من انتشار السلاح النووي لضمان شرق أوسط خال من الأسلحة المدمرة. ويتلخص الموقف الروسي من البرنامج النووي الإيراني بأنه ينبثق من العلاقات الاستراتيجية بين إيران وروسيا، وأن روسيا تنظر إلى إيران كدولة صديقة مجاورة وليس من مصلحة روسيا أن تضعف الموقف السياسي والاقتصادي والعسكري لإيران، فروسيا مع إيران ولكنها ضد أي انتشار للسلاح النووي، كما أنها ضد بدء الحرب والعمليات العسكرية في هذه المنطقة وهي تبذل الجهود لكي تبعد احتمال التدابير العسكرية ضد إيران ومنشآتها النووية لأن هذا لن يأتي بنتائج إيجابية.

إن الدولة الروسية هي إمبراطورية مترامية الأطراف متعددة الشعوب والأمم والقوميات، ومتعددة الأقطار والمذاهب، ومن هنا أدرك الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن (القوة العارية) أي القوة العسكرية هي وحدها التي تحافظ على تماسك هذه الدولة ووحدة شعوبها، ولذلك عمد إلى تنشيط الصناعة العسكرية للدولة لكي تحافظ على حيوية وقوة الأمة. ويجتهد الرئيس الروسي في تمزيق الماضي ببيروقراطيته الثورية الماركسية ليجعل من بلاده اليوم قوة سياسية وعسكرية تقوم على وحدة المعرفة والإرادة، وذلك بإعلانه في شهر أغسطس الماضي عودة القاذفات الروسية البعيدة المدى والقادرة على حمل أسلحة نووية إلى الفضاء في دوريات حراسة في أنحاء العالم بعد توقف دام خمسة عشر عاماً، وقد حرك هذا الإعلان مياه الحرب الباردة الراكدة، رغم أن الموقف الأمريكي قلل من شأن هذا الإعلان، فالمسؤولون الأمريكيون حاولوا إعطاء هذا الإعلان شكل النكتة، حيث علقت الخارجية الأمريكية بقولها إنه ليس أكثر من إخراج (للطائرات القديمة من سباتها) في إشارة إلى أساس أسطول روسيا المكون من طائرات (توبوليف 95) التي حلقت لأول مرة عام 1952، ما يعني أن هذه الحركة من روسيا هي مجرد حركة استعراضية وليست حقيقية، أي أن روسيا لا يمكنها أن تنافس الولايات المتحدة في حكم العالم.

ويؤكد الواقع العالمي أن روسيا قوة عظمى لا تقل عظمة ومكانة عن القوة الأمريكية. وعلى الرغم من الفرق الهائل في الإنفاق على الدفاع بين الدولتين، حيث يبلغ حجم الإنفاق الأمريكي السنوي 350 مليار دولار، في حين أن الإنفاق الروسي لا يتعدى 60 مليار دولار، فإن الفارق ليس مقياساً بسبب الاختلاف في الاستراتيجية بين الدولتين، فاستراتيجية روسيا دفاعية، في حين أن الاستراتيجية الأمريكية هجومية.

ستصمد روسيا طويلاً رغم كل المحاولات الأمريكية والغربية لتفكيكها وتدميرها

والآن تحاول روسيا أن تعالج نقاط الضعف التي خلفها انهيار الاتحاد السوفييتي السابق فيها. ومن خلال النفط والغاز المتوافر فيها بكثرة تبني اقتصاداً متيناً، وتعيد بناء قوتها العسكرية، وتحاول بشكل مدروس الإعلان عن وجودها لكنها لا تنجر إلى الاستعمار، ولا تريد نشر أساطيل في بحار العالم كما تفعل الولايات المتحدة، بل تقوم بتحصين وضعها الداخلي، ومن ثم محيطها الإقليمي في آسيا الوسطى والقوقاز وأوروبا الشرقية ومنطقة الشرق الأوسط والخليج، لكي تتحول إلى قلعة محصنة من جديد. وبهذه الاستراتيجية الدفاعية ستصمد روسيا طويلاً رغم كل المحاولات الأمريكية والغربية لتفكيكها وتدميرها. ويبدو أنها على أعتاب الانتصار في معركتها هذه لأنها وعت درس التاريخ جيداً، وأدركت أن تشتيت الجهود وتبديد الأموال إنما هو تبديد للقوة والنفوذ.

إن أمام الدبلوماسية الروسية فرصاً عدة في الفترة المقبلة لتعزز دورها في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج في ضوء ما عبر عنه الرئيس بوتين أثناء زياراته التاريخية إلى المملكة العربية السعودية وقطر والأردن ودولة الإمارات، فهناك ترحيب عربي بدور إيجابي لموسكو، وهناك أيضاً تشديد أمريكي على أهمية الشراكة مع روسيا في الجهود الدبلوماسية نحو إيران. وبالتالي، يمكن لروسيا أن تلعب دوراً قيادياً يتمثل في إقناع طهران بأن مصلحتها العليا تتمثل في تعزيز هيبة إيران داخل حدودها حصراً بدلاً من امتداد أصابعها للتلاعب بالعراق وفلسطين ولبنان.

وفي النهاية، فإننا لا نفضل أن تكون منطقة الخليج والشرق الأوسط منطقة صراع جديد بين روسيا والولايات والمتحدة، فيكفي ما حدث بينهما من صراع الديوك أثناء الحرب الأمريكية في فيتنام ثم الاحتلال السوفييتي لأفغانستان، ولكننا مع عودة سياسة القطبين لأنه كفانا ما تعرضنا له في ظل نظام القطب الأحادي الذي تسبب في تمزيق المنطقة وتحويلها إلى منطقة صراعات وحروب وخلافات. ولا نريد ظهور نفوذ روسي جديد بقدر العودة إلى سياسة التوازن التي تتطلبها منطقتنا في وقتنا الراهن في ظل عراق منقسم ومدمر وإيران على أعتاب حرب أخرى، وسوريا التي لا تعلم من أين ستأتيها الضربة، هل من أمريكا الباغية أم من إسرائيل التي تخترق الأجواء السورية في أي وقت تشاء؟

::/fulltext::
::cck::1734::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *