خيارات الإصلاح السياسي في منطقة الخليج

::cck::1762::/cck::
::introtext::

باتت مفردة الإصلاح أو تعبير (الإصلاح السياسي) من المفردات والتعابير الشائعة في الخطاب السياسي الخليجي في مختلف الأوساط، لكن انتشار هذا الخطاب لا يعني بالضرورة أن مفهوم الإصلاح السياسي تحديداً بات جزءاً من الثقافة السياسية الخليجية، ناهيك عن مستوى التطور والتعمق الذي يتصل بالتفاصيل المتعلقة بتطبيقاته المختلفة والمستويات التي ترتبط به في ما يتعلق بدرجات الإصلاح المنشود للوصول إلى ما تنعم به الدول المتقدمة من تطور إداري وسياسي سواء على مستوى رسم السياسات العامة للدولة أو في ما يتعلق بأساليب العمل في كل وزارة على حدة، أو عندما يتعلق الأمر بالتشكيل الوزاري ذاته وسبل اختيار الوزراء وتكليفهم أو الاستغناء عنهم ومدى مسؤوليتهم السياسية عن أعمالهم. 

::/introtext::
::fulltext::

باتت مفردة الإصلاح أو تعبير (الإصلاح السياسي) من المفردات والتعابير الشائعة في الخطاب السياسي الخليجي في مختلف الأوساط، لكن انتشار هذا الخطاب لا يعني بالضرورة أن مفهوم الإصلاح السياسي تحديداً بات جزءاً من الثقافة السياسية الخليجية، ناهيك عن مستوى التطور والتعمق الذي يتصل بالتفاصيل المتعلقة بتطبيقاته المختلفة والمستويات التي ترتبط به في ما يتعلق بدرجات الإصلاح المنشود للوصول إلى ما تنعم به الدول المتقدمة من تطور إداري وسياسي سواء على مستوى رسم السياسات العامة للدولة أو في ما يتعلق بأساليب العمل في كل وزارة على حدة، أو عندما يتعلق الأمر بالتشكيل الوزاري ذاته وسبل اختيار الوزراء وتكليفهم أو الاستغناء عنهم ومدى مسؤوليتهم السياسية عن أعمالهم.

الخطاب السياسي الخليجي تجاوز بدرجة كبيرة أطروحات التغير السياسي في العقود الماضية

يمكن القول إن الخطاب السياسي في منطقة الخليج تجاوز بدرجة كبيرة أطروحات التغيير السياسي التي كانت سائدة إبان العقود الأخيرة من القرن العشرين، وبات الوضع الفكري اليوم أقرب إلى تبني مفهوم التطور السياسي، الذي يعتبر في حد ذاته تعبيراً عن نقلة نوعية في التفكير السياسي وتحول في آليات معالجة المعضلات التي تواجه حركة المجتمع وعلاقته مع الدولة، إلا أن درجة التعمق الفكري في ما يخص مفهوم الإصلاح السياسي بأبعاده المختلفة لا تزال في طور أولي بالمقارنة بالتحولات التي تشهدها مجتمعات تقل في مستويات تطورها الاقتصادي والاجتماعي عن منطقة الخليج.

فعلى الرغم من أن الخطاب السياسي كان يركز على مفهوم التغيير السياسي الذي كان يتركز في أهمية تغيير النخبة الحاكمة لكي يمكن تغيير واقع المجتمع وتطوير أداء الدولة، إلا أن هذا الخطاب أخلى مواقعه بسرعة ويسر نسبي وحل محله مفهوم التطوير أو التطور السياسي، حيث يتم التركيز حالياً على تطوير أداء نظم الحكم ونقلها من الارتكاز على متطلبات السلطة المطلقة للهيمنة على المجتمع إلى تكريس أسس النظام السياسي القائم على الفصل بين السلطات والحد من هيمنة النخب الحاكمة التي كانت تمارسها من دون حسيب أو رقيب بتعزيز متطلبات المشاركة السياسية الفاعلة للنخب المحكومة وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني في الحياة العامة.

ولكي لا يساء فهم ذلك الانتقال السياسي في المفاهيم لدى النخب الشعبية، والذي عبر عن حيوية وقدرة موفقة على المناورة لتحسين شروط العمل السياسي في منطقة شديدة التعقيد اجتماعياً، يمكن القول إن ذلك الانتقال الفكري لم يواكبه تحول مقارب لدى النخب المهيمنة على الدولة، مما أفرز سياسيات تركز على الإصلاح الوظيفي ومحاولة الابتعاد عن أي إصلاح هيكلي قد يحدث خللاً في ميزان القوى الاجتماعية لا يكون في صالح النخب الحاكمة غير الراغبة في التخلي عن أي جزء يسير من سلطتها المطلقة على مواقع اتخاذ القرار سواء أكان ذلك على المستوى الاقتصادي أم السياسي بل حتى البلدي، وهذا ما نحاول تسليط الضوء عليه في هذه العجالة. 

ماهية الإصلاح الوظيفي 

من الملاحظ أن آفاق التطوير السياسي الذي تود النخب السياسية الحاكمة السير فيه إذا لم تتعرض لضغط مؤثر هي تحسين أداء السلطة التنفيذية من خلال تدوير الوزراء أو تغييرهم إذا اقتضت الحاجة وذلك بهدف تحقيق الإصلاح الذي يطالب به المجتمع، لكن من دون تغيير قواعد اللعبة السياسية القائمة والتي يستند إليها نظام الحكم التقليدي. وهذا التغيير في المكونات البشرية لعناصر السلطة التنفيذية هو ما يطلق عليه الإصلاح الوظيفي للسلطة التنفيذية مقارنة له بالإصلاح الهيكلي الذي يمس النظام الحاكم ويحوله إلى نظام سياسي مفتوح للمشاركة السياسية من كل النخب الأخرى في المجتمع. ويركز الإصلاح الوظيفي على تحسين الخدمات المقدمة للمجتمع من قبل الدولة دون تغيير فعلي في آليات اختيار العناصر البشرية التي تدير السلطة التنفيذية أو في أساليب محاسبتها ومساءلتها، ناهيك عن مسألة عرض برنامج السلطة التنفيذية على ممثلي الشعب لنيل ثقتهم واحتمال سحب تلك الثقة إذا ما أخلّت السلطة التنفيذية بتعهداتها الاقتصادية أو السياسية للسكان.

والشرط اللازم لنجاح الإصلاح الوظيفي هو وجود نظام سياسي حيوي قادر على التفاعل مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وتلبية المطامح السياسية للقوى الاجتماعية الصاعدة   ونخبها السياسية الطامحة للقيادة والتأثير السياسيين، لكن غياب الدساتير المنظمة للنظم السياسية الديمقراطية في غالبية دول المنطقة يقلل من فرص نجاح الإصلاح الوظيفي ويبقي تأثيره محدوداً وغير قادر على مواجهة تحديات التطور الاقتصادي والسياسي العالمي ممثلاً في قوى العولمة، التي باتت تتصف بالسرعة والشدة مما يهدد المجتمعات التي لا تبدي المرونة الكافية للتفاعل معها بالوتيرة ذاتها من الحيوية والاستجابة المنطقية، مما يجعلها عرضة لعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والتوتر الاجتماعي.   

ماهية الإصلاح الهيكلي 

الإصلاح الهيكلي هو قيام هيكل للدولة على قواعد صلبة لنظام سياسي يحقق الفصل بين السلطات والتمايز بين وظائفها المتعددة، ويحقق في الوقت ذاته التخصص والفاعلية الإدارية والرقابة المتبادلة بين مكوناته مما يخلق الأرضية الصالحة للتطور المرن المتطلع لبناء المستقبل على أسس جوهرية سليمة. وأحد متطلبات تحقيق الإصلاح الهيكلي هو تطوير مكونات النخب السياسية الحاكمة، حيث تتميز النخب الحالية بكونها نخباً سياسية مغلقة ومحدودة الموارد الفكرية مما يحد من قدرتها القيادية على مواكبة متطلبات تطوير هياكل الدولة ومن ثم بناء نظام سياسي قادر على استيعاب قدرات قيادية من خارج تلك النخب السياسية الحاكمة المغلقة وتجديد دمائها.

ولكي يتحقق بناء النظام السياسي القادر على ضمان الاستقرار السياسي ورفد الاقتصاد بآليات تتيح له التطور والنمو بمعدلات عالية توفر صمامات الأمان الاجتماعي لكل الفئات الاجتماعية فلابد من أن تتوفر للنظام السياسي قواعد متوازنة وعادلة تحكم اللعبة السياسية وتتيح هامشاً واسعاً لكل القوى الاجتماعية لتحقيق طموحاتها في إدارة شؤون المجتمع والتمتع بخيراته. ولا يمكن أن تتوفر تلك القواعد المتوازنة والعادلة إلا إذا كانت قواعد اللعبة السياسية من وضع المجتمع بكل فئاته، وأن يتحقق حولها إجماع وطني يمنحها الحماية ويردع من يحاول خرقها من دون مسوغ قانوني.

ولكي يتحقق الإصلاح الهيكلي لابد أن يكون قائماً على وضع دستوري شرعي يرسم بوضوح كل الآليات التي تحكم اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي في المجتمع، وتتيح للدولة أن تبين للمجتمع المنطق الذي يحكم تصرفاتها والمصلحة العامة التي تتجسد في أي من سياساتها، بما يجعلها قادرة على تحقيق الإجماع الوطني وحماية الاستقرار مهما تكن الاختلافات التي قد تثيرها نتائج سياسة ما من سياساتها.

ويقتضي الإصلاح الهيكلي أن تكون السلطات غير متركزة في مركز قرار وحيد بما يسمح بمراجعة أسس اتخاذ القرار وتنقيح معطياته قبل اتخاذه بوقت مناسب، بل والتراجع عنه بأقل الخسائر الممكنة إذا ما ثبت عدم صحته. ولا يمكن أن يتحقق ذلك لدولة تدار من مركز قرار وحيد يكون صوابه أو خطأه مطلقاً أيضاً، بل إن من متطلبات الإصلاح الهيكلي وجود مراكز سياسية متخصصة في الجوانب المتعددة من أنشطة الدولة تحكمها نظم معتمدة وشفافة تتيح لكل فرد مؤهل وينال ثقة أصحاب المصلحة أن يتبوأ مكانه بين قيادات تلك الهيئة أو الإدارة العامة، وأن يكافأ إذا أصاب ويحاسب إذا أخطأ، لا أن يكون يعاقب المحسن والحريص على المصلحة الوطنية العامة ويجازى الفاسد المرتشي والذي يختلس من المال العام لمصلحته الخاصة أو لمصلحة مشتركة تجمعه مع متنفذ يتخفى خلفه ويقدمه قرباناً لفساده إن هو انكشف للرأي العام. 

العلاقة بين الإصلاحين 

 ليس من شك في أن الإصلاحين الوظيفي والهيكلي مترابطان ويكملان بعضهما البعض، لكن أولوية واحد على الآخر ترتبط بمدى التطور الذي تحقق لكل دولة عن سواها. وما هو واضح أن كل الدول التي أنجزت الإصلاح الهيكلي أولاً سارت في مسار الإصلاح الوظيفي لاحقاً بشكل أفضل وحققت نتائج متقدمة في ما يتعلق ببرامجها الاقتصادية وتطورها السياسي واستقرارها الاجتماعي. في حين أن الدول التي حاولت تحسين أدائها الوظيفي بتغييرات غير جوهرية في هيكلية الدولة وأبقت مراكز اتخاذ القرار فيها موحدة ومطلقة الإرادة عانت من صعوبات متعددة ولم تتقدم إلا نسبياً. ولعل ما تحتاجه دول الخليج العربية أن تحدد أولوياتها في ما يتعلق بطريق الإصلاح المنشود، وأن تختصر الطريق الطويل نحو التطور السياسي بما يقلل التكلفة الاجتماعية على أجيالها الحالية وبما يحمي مصالح أجيالها القادمة، ويمهد الطريق لها لتحقيق الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي من خلال رسم طريق سالك واضح المعالم يقوم على إجماع وطني منذ البداية.  

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1762::/cck::
::introtext::

باتت مفردة الإصلاح أو تعبير (الإصلاح السياسي) من المفردات والتعابير الشائعة في الخطاب السياسي الخليجي في مختلف الأوساط، لكن انتشار هذا الخطاب لا يعني بالضرورة أن مفهوم الإصلاح السياسي تحديداً بات جزءاً من الثقافة السياسية الخليجية، ناهيك عن مستوى التطور والتعمق الذي يتصل بالتفاصيل المتعلقة بتطبيقاته المختلفة والمستويات التي ترتبط به في ما يتعلق بدرجات الإصلاح المنشود للوصول إلى ما تنعم به الدول المتقدمة من تطور إداري وسياسي سواء على مستوى رسم السياسات العامة للدولة أو في ما يتعلق بأساليب العمل في كل وزارة على حدة، أو عندما يتعلق الأمر بالتشكيل الوزاري ذاته وسبل اختيار الوزراء وتكليفهم أو الاستغناء عنهم ومدى مسؤوليتهم السياسية عن أعمالهم. 

::/introtext::
::fulltext::

باتت مفردة الإصلاح أو تعبير (الإصلاح السياسي) من المفردات والتعابير الشائعة في الخطاب السياسي الخليجي في مختلف الأوساط، لكن انتشار هذا الخطاب لا يعني بالضرورة أن مفهوم الإصلاح السياسي تحديداً بات جزءاً من الثقافة السياسية الخليجية، ناهيك عن مستوى التطور والتعمق الذي يتصل بالتفاصيل المتعلقة بتطبيقاته المختلفة والمستويات التي ترتبط به في ما يتعلق بدرجات الإصلاح المنشود للوصول إلى ما تنعم به الدول المتقدمة من تطور إداري وسياسي سواء على مستوى رسم السياسات العامة للدولة أو في ما يتعلق بأساليب العمل في كل وزارة على حدة، أو عندما يتعلق الأمر بالتشكيل الوزاري ذاته وسبل اختيار الوزراء وتكليفهم أو الاستغناء عنهم ومدى مسؤوليتهم السياسية عن أعمالهم.

الخطاب السياسي الخليجي تجاوز بدرجة كبيرة أطروحات التغير السياسي في العقود الماضية

يمكن القول إن الخطاب السياسي في منطقة الخليج تجاوز بدرجة كبيرة أطروحات التغيير السياسي التي كانت سائدة إبان العقود الأخيرة من القرن العشرين، وبات الوضع الفكري اليوم أقرب إلى تبني مفهوم التطور السياسي، الذي يعتبر في حد ذاته تعبيراً عن نقلة نوعية في التفكير السياسي وتحول في آليات معالجة المعضلات التي تواجه حركة المجتمع وعلاقته مع الدولة، إلا أن درجة التعمق الفكري في ما يخص مفهوم الإصلاح السياسي بأبعاده المختلفة لا تزال في طور أولي بالمقارنة بالتحولات التي تشهدها مجتمعات تقل في مستويات تطورها الاقتصادي والاجتماعي عن منطقة الخليج.

فعلى الرغم من أن الخطاب السياسي كان يركز على مفهوم التغيير السياسي الذي كان يتركز في أهمية تغيير النخبة الحاكمة لكي يمكن تغيير واقع المجتمع وتطوير أداء الدولة، إلا أن هذا الخطاب أخلى مواقعه بسرعة ويسر نسبي وحل محله مفهوم التطوير أو التطور السياسي، حيث يتم التركيز حالياً على تطوير أداء نظم الحكم ونقلها من الارتكاز على متطلبات السلطة المطلقة للهيمنة على المجتمع إلى تكريس أسس النظام السياسي القائم على الفصل بين السلطات والحد من هيمنة النخب الحاكمة التي كانت تمارسها من دون حسيب أو رقيب بتعزيز متطلبات المشاركة السياسية الفاعلة للنخب المحكومة وتعزيز دور مؤسسات المجتمع المدني في الحياة العامة.

ولكي لا يساء فهم ذلك الانتقال السياسي في المفاهيم لدى النخب الشعبية، والذي عبر عن حيوية وقدرة موفقة على المناورة لتحسين شروط العمل السياسي في منطقة شديدة التعقيد اجتماعياً، يمكن القول إن ذلك الانتقال الفكري لم يواكبه تحول مقارب لدى النخب المهيمنة على الدولة، مما أفرز سياسيات تركز على الإصلاح الوظيفي ومحاولة الابتعاد عن أي إصلاح هيكلي قد يحدث خللاً في ميزان القوى الاجتماعية لا يكون في صالح النخب الحاكمة غير الراغبة في التخلي عن أي جزء يسير من سلطتها المطلقة على مواقع اتخاذ القرار سواء أكان ذلك على المستوى الاقتصادي أم السياسي بل حتى البلدي، وهذا ما نحاول تسليط الضوء عليه في هذه العجالة. 

ماهية الإصلاح الوظيفي 

من الملاحظ أن آفاق التطوير السياسي الذي تود النخب السياسية الحاكمة السير فيه إذا لم تتعرض لضغط مؤثر هي تحسين أداء السلطة التنفيذية من خلال تدوير الوزراء أو تغييرهم إذا اقتضت الحاجة وذلك بهدف تحقيق الإصلاح الذي يطالب به المجتمع، لكن من دون تغيير قواعد اللعبة السياسية القائمة والتي يستند إليها نظام الحكم التقليدي. وهذا التغيير في المكونات البشرية لعناصر السلطة التنفيذية هو ما يطلق عليه الإصلاح الوظيفي للسلطة التنفيذية مقارنة له بالإصلاح الهيكلي الذي يمس النظام الحاكم ويحوله إلى نظام سياسي مفتوح للمشاركة السياسية من كل النخب الأخرى في المجتمع. ويركز الإصلاح الوظيفي على تحسين الخدمات المقدمة للمجتمع من قبل الدولة دون تغيير فعلي في آليات اختيار العناصر البشرية التي تدير السلطة التنفيذية أو في أساليب محاسبتها ومساءلتها، ناهيك عن مسألة عرض برنامج السلطة التنفيذية على ممثلي الشعب لنيل ثقتهم واحتمال سحب تلك الثقة إذا ما أخلّت السلطة التنفيذية بتعهداتها الاقتصادية أو السياسية للسكان.

والشرط اللازم لنجاح الإصلاح الوظيفي هو وجود نظام سياسي حيوي قادر على التفاعل مع المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وتلبية المطامح السياسية للقوى الاجتماعية الصاعدة   ونخبها السياسية الطامحة للقيادة والتأثير السياسيين، لكن غياب الدساتير المنظمة للنظم السياسية الديمقراطية في غالبية دول المنطقة يقلل من فرص نجاح الإصلاح الوظيفي ويبقي تأثيره محدوداً وغير قادر على مواجهة تحديات التطور الاقتصادي والسياسي العالمي ممثلاً في قوى العولمة، التي باتت تتصف بالسرعة والشدة مما يهدد المجتمعات التي لا تبدي المرونة الكافية للتفاعل معها بالوتيرة ذاتها من الحيوية والاستجابة المنطقية، مما يجعلها عرضة لعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي والتوتر الاجتماعي.   

ماهية الإصلاح الهيكلي 

الإصلاح الهيكلي هو قيام هيكل للدولة على قواعد صلبة لنظام سياسي يحقق الفصل بين السلطات والتمايز بين وظائفها المتعددة، ويحقق في الوقت ذاته التخصص والفاعلية الإدارية والرقابة المتبادلة بين مكوناته مما يخلق الأرضية الصالحة للتطور المرن المتطلع لبناء المستقبل على أسس جوهرية سليمة. وأحد متطلبات تحقيق الإصلاح الهيكلي هو تطوير مكونات النخب السياسية الحاكمة، حيث تتميز النخب الحالية بكونها نخباً سياسية مغلقة ومحدودة الموارد الفكرية مما يحد من قدرتها القيادية على مواكبة متطلبات تطوير هياكل الدولة ومن ثم بناء نظام سياسي قادر على استيعاب قدرات قيادية من خارج تلك النخب السياسية الحاكمة المغلقة وتجديد دمائها.

ولكي يتحقق بناء النظام السياسي القادر على ضمان الاستقرار السياسي ورفد الاقتصاد بآليات تتيح له التطور والنمو بمعدلات عالية توفر صمامات الأمان الاجتماعي لكل الفئات الاجتماعية فلابد من أن تتوفر للنظام السياسي قواعد متوازنة وعادلة تحكم اللعبة السياسية وتتيح هامشاً واسعاً لكل القوى الاجتماعية لتحقيق طموحاتها في إدارة شؤون المجتمع والتمتع بخيراته. ولا يمكن أن تتوفر تلك القواعد المتوازنة والعادلة إلا إذا كانت قواعد اللعبة السياسية من وضع المجتمع بكل فئاته، وأن يتحقق حولها إجماع وطني يمنحها الحماية ويردع من يحاول خرقها من دون مسوغ قانوني.

ولكي يتحقق الإصلاح الهيكلي لابد أن يكون قائماً على وضع دستوري شرعي يرسم بوضوح كل الآليات التي تحكم اتخاذ القرار الاقتصادي والسياسي في المجتمع، وتتيح للدولة أن تبين للمجتمع المنطق الذي يحكم تصرفاتها والمصلحة العامة التي تتجسد في أي من سياساتها، بما يجعلها قادرة على تحقيق الإجماع الوطني وحماية الاستقرار مهما تكن الاختلافات التي قد تثيرها نتائج سياسة ما من سياساتها.

ويقتضي الإصلاح الهيكلي أن تكون السلطات غير متركزة في مركز قرار وحيد بما يسمح بمراجعة أسس اتخاذ القرار وتنقيح معطياته قبل اتخاذه بوقت مناسب، بل والتراجع عنه بأقل الخسائر الممكنة إذا ما ثبت عدم صحته. ولا يمكن أن يتحقق ذلك لدولة تدار من مركز قرار وحيد يكون صوابه أو خطأه مطلقاً أيضاً، بل إن من متطلبات الإصلاح الهيكلي وجود مراكز سياسية متخصصة في الجوانب المتعددة من أنشطة الدولة تحكمها نظم معتمدة وشفافة تتيح لكل فرد مؤهل وينال ثقة أصحاب المصلحة أن يتبوأ مكانه بين قيادات تلك الهيئة أو الإدارة العامة، وأن يكافأ إذا أصاب ويحاسب إذا أخطأ، لا أن يكون يعاقب المحسن والحريص على المصلحة الوطنية العامة ويجازى الفاسد المرتشي والذي يختلس من المال العام لمصلحته الخاصة أو لمصلحة مشتركة تجمعه مع متنفذ يتخفى خلفه ويقدمه قرباناً لفساده إن هو انكشف للرأي العام. 

العلاقة بين الإصلاحين 

 ليس من شك في أن الإصلاحين الوظيفي والهيكلي مترابطان ويكملان بعضهما البعض، لكن أولوية واحد على الآخر ترتبط بمدى التطور الذي تحقق لكل دولة عن سواها. وما هو واضح أن كل الدول التي أنجزت الإصلاح الهيكلي أولاً سارت في مسار الإصلاح الوظيفي لاحقاً بشكل أفضل وحققت نتائج متقدمة في ما يتعلق ببرامجها الاقتصادية وتطورها السياسي واستقرارها الاجتماعي. في حين أن الدول التي حاولت تحسين أدائها الوظيفي بتغييرات غير جوهرية في هيكلية الدولة وأبقت مراكز اتخاذ القرار فيها موحدة ومطلقة الإرادة عانت من صعوبات متعددة ولم تتقدم إلا نسبياً. ولعل ما تحتاجه دول الخليج العربية أن تحدد أولوياتها في ما يتعلق بطريق الإصلاح المنشود، وأن تختصر الطريق الطويل نحو التطور السياسي بما يقلل التكلفة الاجتماعية على أجيالها الحالية وبما يحمي مصالح أجيالها القادمة، ويمهد الطريق لها لتحقيق الاستقرار السياسي والازدهار الاقتصادي من خلال رسم طريق سالك واضح المعالم يقوم على إجماع وطني منذ البداية.  

::/fulltext::
::cck::1762::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *