البرنامج النووي الإيراني: بوابة كبيرة لتحالفات جديدة
::cck::1768::/cck::
::introtext::
إن الإيرانيين وحدهم هم الذين يعرفون حدود برنامجهم النووي؛ فالوكالة الدولية للطاقة الذرية تقتفي أثر المعلومات وفقاً لما يريد الإيرانيون إعلانه فقط، بينما تبدو وكالة الاستخبارات الأمريكية الـ (سي آي إيه) محبطة تماماً وخالية الوفاض من أية معلومات استثنائية تفيد أمريكا وحلفاءها.
::/introtext::
::fulltext::
إن الإيرانيين وحدهم هم الذين يعرفون حدود برنامجهم النووي؛ فالوكالة الدولية للطاقة الذرية تقتفي أثر المعلومات وفقاً لما يريد الإيرانيون إعلانه فقط، بينما تبدو وكالة الاستخبارات الأمريكية الـ (سي آي إيه) محبطة تماماً وخالية الوفاض من أية معلومات استثنائية تفيد أمريكا وحلفاءها.
إن حالة الهزيمة التي تعاني منها الـ (سي آي إيه) مردها أسباب عدة منها أنها لا تملك مصادر يعتمد عليها في الداخل الإيراني إلى درجة أنها لم تكتشف البرنامج النووي الإيراني إلا بعد إعلان المعارضة الإيرانية عنه عام 2002م، كما أن تجربة الـ (سي آي إيه) فيما سبق غزو العراق تجعلها هذه المرة أكثر تعقلاً وروية، وجهازها أيضاً لم يعد يحظى بسمعة مهنية مرموقة منذ عمليات التجسس على المواطنين الأمريكيين، مروراً بالطائرات والسجون السرية الخارجة على النظام والمنتهكة لحقوق الإنسان في غير بلد حول العالم. وقد كان التقرير الذي برّأت فيه الاستخبارات الأمريكية إيران من امتلاك أي برنامج للتسلح النووي مخيباً للتوقعات، حيث أعلنت وكالة الاستخبارات الأمريكية في أواخر عام 2007م أن إيران (ليس لديها في الوقت الراهن برنامج للتسلح النووي).
إن محاولة الوكالة الدولية للطاقة الذرية الوقوف على مسافة متساوية من الإيرانيين والأمريكيين لا تلبي مطالب تحث الوكالة على لعب دور أكبر في الصراع لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. ولا تبدو العلاقة حتى الآن بين إيران والوكالة الدولية بذلك السوء الذي يتمناه الأمريكيون. لكن الوكالة أيضاً، وكما أسلفنا، لا تملك الكثير من الأوراق التي يمكن الوثوق بها، فقد قدمت تقريراً إلى مجلس الأمن في مايو الماضي تؤكد فيه أن إيران تمتلك 3500 جهاز طرد مركزي، لكن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد فاجأ الوكالة بعد مرور فترة قصيرة جداً من ذلك التقرير بإعلانه أن إيران تمتلك 6000 جهاز طرد مركزي. إن تضارب الأنباء حول البرنامج النووي الإيراني مرده أحد أمرين: إما فشل أجهزة الاستخبارات الغربية عموماً، والأمريكية بوجه خاص، في جمع معلومات ذات مصداقية حول ذلك البرنامج، أو أن البرنامج لا يبتعد كثيراً عن التصريحات الإيرانية الرسمية. ويرى كثير من المراقبين أن الإدارة الأمريكية غير معنية بأي تفسيرات تقلل من شأن البرنامج النووي الإيراني؛ إذ إن هناك تصميماً أمريكياً على توظيف السياسة لمصلحة الحسم العسكري، وبالتالي فإن التوصل إلى حل سلمي مع إيران سواء من قبل الأوروبيين أو غيرهم لن يكتب له النجاح مطلقاً. ويزيد من احتمالات الحسم العسكري عند المؤمنين بحتميته أن الرئيس جورج بوش أثبت (أنه القائد الذي يستطيع تنفيذ تهديداته مهما كان حجم المعارضة الدولية والداخلية).
ولكن هل من المصلحة الأمريكية توجيه ضربة عسكرية أياً كان حجمها ومستواها؟ الحقيقة أن وزارة الخارجية الأمريكية تعد من أكثر الأجهزة التنفيذية معارضة لهذا المسعى المتشدد؛ وسينص تقريرها الذي سيوضع على المكتب البيضاوي أمام الرئيس على أنه (ليس لدينا تقريباً أي دعم دولي، وسمعتنا سيئة حول العالم وخصوصاً في العالم الإسلامي، وستواجهنا مشكلة حقيقية تتمثل في الرد الإيراني الذي سيزعزع الأمن في العراق وأفغانستان، والهجوم على جيشنا في البلدين، ودعم هجمات إرهابية على مصالحنا، وتراجع الإصلاح في الداخل الإيراني في مقابل التشدد والتطرف، وستتوقف المساعي السلمية، وتعطيل التدفق الآمن للنفط عبر مضيق هرمز). وهذه كوابح غير قابلة للانزلاق أمام طموح الرئيس الأمريكي المندفع نحو الخيارات الدموية.
ومن المفترض أن يؤخذ في الحسبان وبدرجات متفاوتة عند مناقشة الخيارات الأمريكية للتعاطي مع الملف النووي الإيراني الرأيان الإسرائيلي والخليجي، فإسرائيل حليف رئيسي للولايات المتحدة الأمريكية تؤثر وتتأثر بشكل مباشر بالقرارات الأمريكية، أما دول مجلس التعاون الخليجي التي تشهد علاقات بعضها فتوراً مبرراً مع الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من التأكيدات الرسمية على متانة العلاقات، فإن قلقها ليس عاملاً مؤثراً في ثني الولايات المتحدة عن قرار الحرب فيما لو فكرت فيه بجدية. والإسرائيليون من جانبهم منشغلون بتحليل ومتابعة المعلومات التي تتواتر عن الملف النووي الإيراني، ويربطون في تحليلهم للموقف بين الأبعاد العسكرية والاستراتيجية والدينية على اعتبار أن البرنامج النووي الإيراني يستهدف وجود إسرائيل ذاتها. ويتذكر الإسرائيليون دائماً تصريحات الرئيسين الإيرانيين هاشمي رفسنجاني وأحمدي نجاد اللذين ناديا علناً بتدمير إسرائيل، ويتجاوزون بقلق الظرف الراهن إلى التراكمات التاريخية، حيث يوغلون في دراسة التاريخ العقدي للمذهب الشيعي الذي اتسم بالعداء لليهود منذ الدولة الصفوية في القرن السادس عشر الميلادي وعلى مدى أربعة قرون. ويعتقد الإسرائيليون أن دولة الإمامة وحكم الملالي في إيران جاءت لإحياء ذلك العداء لليهود الضارب في عمق العقيدة الشيعية. ولذلك فإن النقاش الدائر في إسرائيل حول الملف النووي الإيراني يبدو مختلفاً عن ذلك الدائر في الأوساط الأمريكية التي تبعد آلاف الأميال عن مسرح المعركة المحتملة. ومن المؤكد أن الإسرائيليين يدفعون باتجاه ضربة عسكرية استباقية تُدخل الولايات المتحدة الحرب بشكل تلقائي. وقد تبدو الآية معكوسة لبعض المراقبين الذي يرون أن أجنحة متطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية ربما تقنع إسرائيل بلعب دور المبادرة إلى حرب محتملة، مما يجعل الولايات المتحدة مجبرة على الدخول فيها حفاظاً على وجود إسرائيل، وهو ما سيخفف المعارضة الشعبية والبرلمانية الأمريكية للدخول في الحرب.
أما دول الخليج فإنها من جانب لا تريد جاراً إيرانياً نووياً على بوابتها الشرقية، لكنها في الوقت ذاته لا تشجع حسماً عسكرياً تكون دولها ومصالحها مسرحاً له. وقد عبّرت دول مجلس التعاون الخليجي عن استشعارها (المخاطر المحتملة للعناد النووي الإيراني الذي يقع على بعد بضعة كيلومترات من حدودها). وليس بخاف أن دول الخليج في الوقت الذي ترى أنه من حق إيران امتلاك التقنية النووية السلمية فإنها تطالب إيران بتبديد (الشكوك بخصوص برنامجها النووي وتجنيب المنطقة المزيد من الكوارث). ودول الجوار الخليجية لا تخشى من التسلح النووي الإيراني فقط، بل تتوجس خيفة من وجود برنامج نووي إيراني سلمي لا يراعي المعايير الدولية للسلامة، ناهيك عن وجوده في منطقة نشطة زلزالياً مما يعرض سلامة البيئة والبشر للخطر عند حدوث تسربات نووية، لا سمح الله. وعلى أية حال فإن الحسم العسكري ليس خياراً خليجياً، لكن الولايات المتحدة الأمريكية عودتنا أنها لا تسمع نصائح أصدقائها في المنطقة ولا تراعي مصالحهم أو مخاوفهم بقدر ما تتصرف وفقاً لمصالحها فقط. وبالتالي فإن موافقة دول مجلس التعاون من عدمها لن تثني القرار الأمريكي عن شن حرب على إيران.
ومما يفاقم من مأزق دول مجلس التعاون الخليجي أن إيران لا تبدو عابئة بقلقها، وعلى النقيض من ذلك تخرج تصريحات رسمية معادية تزيد من حدة الشك الخليجي، وتؤجج مشاعر التوتر؛ لقد كان آخر ما تتمناه دول الخليج العربية من إيران تصريحات مساعد وزير الخارجية الإيراني لشؤون الأبحاث بأن (الشرق الأوسط سيبقى مركز التطورات وأن النزاعات لن تحل) إلا بزوال تلك الأنظمة الملكية التقليدية في الخليج، معتبراً أن (هذه الأنظمة ليست قادرة على الاستمرار في بقائها). وعلى النقيض من ذلك يصرح نائب الرئيس الإيراني اسفنديار رحيم مشاني (بأن إيران اليوم هي صديقةالشعبين الأمريكي والإسرائيلي).
التوصل إلى حل سلمي مع إيران سواء من قبل الأوروبيين أو غيرهم لن يكتب له النجاح مطلقاً
ومن وجهة نظري فإن السؤال المطروح ليس عن موعد شن حملة عسكرية أمريكية على إيران، وإنما عن وجود نية في شن هجوم عسكري من عدمها؟ إن الولايات المتحدة تمر بفترة حرجة على المستوى الداخلي، فالولاية الرئاسية الثانية للرئيس جورج بوش توشك أن تنتهي، وبنهاية الرابع من نوفمبر 2008م سيعلن اسم الرئيس الأمريكي الجديد الذي سيتسلم مهامه في يناير من عام 2009م. كما أن الأوضاع في العراق وأفغانستان تتطلب تعاوناً إيرانياً جاداً، ناهيك عن مشكلات أمريكا في القوقاز بعد اجتياح (الدب الروسي) لمناطق حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية. إن مجمل هذه المشاهد السياسية والعسكرية المتوترة لا تدعم توجهاً أمريكياً لضرب المفاعل الإيراني. تضاف إلى ذلك صعوبات استخباراتية وعسكرية تحول بين الإدارة الأمريكية وتنفيذ ضربة عسكرية خاطفة. فالاستخبارات الأمريكية لا تعرف سوى القليل من المعلومات، وهي معتمدة بالدرجة الأولى على أقمارها الصناعية التجسسية، ومن المستبعد أن تتورط مرة أخرى بتقديم خرائط مزيفة للأهداف النووية الإيرانية. كما أن الجيش الأمريكي الذي تتسع أمامه الخيارات من ضربات عسكرية مدمرة إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية سيكون مضطراً في ظل غياب المعلومات الاستخباراتية الدقيقة إلى توسيع نطاق عملياته مما سيؤدي إلى مزيد من الخسائر المدنية والمجازر بين الأبرياء وهو ما لن يتحمله الضمير الإنساني.
إن الظرف السياسي الحالي ومآلات المنطقة بكل تعقيداتها، تبشر بخيارات أكثر مناسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فبدلاً من أن يكون للأمريكيين خياران فقط، يتمثلان في ضربة عسكرية أو تقبل الأمر الواقع، تستطيع الولايات المتحدة الخروج منتصرة من هذه الأزمة؛ فالتفاهم الأمريكي – الإيراني بخصوص البرنامج النووي للأخيرة يصب في مصلحة البلدين. صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية تتمنى التحالف مع قوى علمانية تحكم طهران على غرار النخب الشيعية العلمانية التي تحكم بغداد، إلا أن الأمنيات لا تتحقق بشكل مثالي على الدوام. ومع ذلك فإن تحالفها مع نظام ديني ذي شعبية كبيرة سيجعل من إيران حليفاً استراتيجياً مهماً للولايات المتحدة في منطقة الخليج. لقد تحدثت الولايات المتحدة مؤخراً عن أن التحالفات التي أبرمتها عقوداً طويلة مع الأنظمة (الدكتاتورية) السنية والتي لا تحظى بقبول شعبي في العالمين العربي والإسلامي أدت إلى أزمات وكوارث اصطلت الولايات المتحدة بنيرانها. ولا يخفي بعض الأمريكيين أهمية وضع الولايات المتحدة ثقلها وثقتها بمرجعيات وأنظمة شيعية تحظى بقدر كبير من القبول في الشارع الشيعي مما يجعلها في مواجهة متوازية إن لم تكن متفوقة على التكتل السني في المنطقة. وتعتقد الولايات المتحدة أن احتواء الشارع السني بات ضرباً من المستحيل في المستقبل المنظور. وإذا كانت أمريكا تؤمن بأن المسلمين لن يعيشوا سوى بحرب مع الآخر أو حرب فيما بينهم فإن التحالف مع إيران يفتح المجال واسعاً لتحقيق هذه الرؤية من خلال صنع مواجهة شيعية سنية تشغل المنطقة في الوقت الذي تحدده الولايات المتحدة.
ولنفترض جدلاً بأن الولايات المتحدة ومن خلفها الاتحاد الأوروبي يبحثان عن الاستقرار في المنطقة وإحداث حالة من التوازن تضمن مصالح الغرب، فإن إيران قوية ستكون خياراً غربياً لا مجال للتشكيك فيه. فإيران تتوسط منطقة متفجرة تتمثل في باكستان النووية وأفغانستان التي لم تعرف الاستقرار منذ عقود، والعراق الذي تحاول الولايات المتحدة استنبات غرس الديمقراطية الغربية فيه لتعيد تصديرها إلى بقية دول المنطقة، والمملكة العربية السعودية التي تصدعت علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر 2001م. كما أن وجود قوة ردع نووية شيعية في مواجهة القوة الباكستانية النووية السنية سيكون خياراً مناسباً تدعمه الولايات المتحدة خاصة أن التحالفات السياسية في الداخل الباكستاني سريعة التغير إلى درجة تدعو للقلق، ويزيد من تعقيدات الحالة الباكستانية ما ينضح من ربط بين المملكة العربية السعودية والمفاعل النووي الباكستاني، وهي مؤشرات تقلق الولايات المتحدة على المديين المتوسط والبعيد، في وقت أثبتت المملكة أنها قادرة على تدبر مصالحها بعيداً عن المظلة الأمريكية متى دعت الحاجة إلى ذلك.
دول الخليج تطالب إيران بتبديد الشكوك حول برنامجها النووي وتجنيب المنطقة المزيد من الكوارث
إن المتابع لأدبيات الشرق الأوسط الجديد التي كشفت عنها دوائر عديدة في الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر 2001م يجد أن الرابحين في المعادلة الجديدة هم دولة الشيعة العرب التي تمتد من جنوب كركوك مروراً بالعاصمة بغداد ومبتلعة أراضي سعودية وخليجية مهمة حتى تصل إلى حدود قطر، كما أن إيران التي تضاف إليها أجزاء من أفغانستان ودول أخرى تعد من الرابحين في الشرق الأوسط المتخيل. فإذا أضفنا هذه المكاسب إلى ولاء الشيعة التقليدي لإيران فإننا سنكون أمام قوة شيعية حقيقية ستكون قادرة على المحافظة على المصالح الأمريكية في منطقة الخليج، وستكون هذه القوة رادعة في مواجهة أية صحوة سنية سواء في العراق أو أفغانستان أو باكستان، ناهيك عن دول الخليج العربية التي ستتحول إلى محميات يسيطر عليها شرطي المنطقة الجديد. كما أن إيران بحلفائها في العراق ولبنان وسوريا تستطيع تأمين إسرائيل بدرجة أفضل مما هي عليه الآن خاصة أن مصر والأردن فشلتا – من وجهة نظر الأمريكيين- في التطبيع الشعبي والاقتصادي والثقافي مع إسرائيل، وتستطيع إيران أيضاً تأمين تدفق الإمدادات النفطية من الخليج.
ومع أن هذه السيناريوهات تبدو بعيدة عن الواقع فإن حالة الضعف التي تعتري التكتل السني بدوله الرئيسية، وما وصل إليه من تدهور بسبب ضغوط الإدارة الأمريكية إلى درجة لم يعد معها مهماً في معادلة استقرار الشرق الأوسط، ستساعد على تحقيق الأحلام. وإذا لم تتنبه دول مهمة كمصر والسعودية والأردن واليمن، بالإضافة إلى بقية دول مجلس التعاون الخليجي إلى حجم المخاطر المحتملة، وخطورة الدور الأمريكي في تجريد هذه الدول من مقومات قوتها الحقيقية تحت شعارات الحريات الدينية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة ومكافحة الإرهاب، وتبادر إلى تدشين عملية مراجعة لسياساتها الداخلية والخارجية بما يضمن انسجاماً حقيقياً مع شعوبها، واستخداماً فاعلاً لمقومات قوتها بما يحافظ على مصالحها الوطنية والقومية، فإن الأخبار السيئة ستكون أسرع مما يتوقعه المتشائمون.
وخلاصة القول أن منطق المصلحة الذي يحكم العلاقات الدولية يؤكد أن العلاقات الأمريكية – الإيرانية في اتجاه التفاهم وليس التصادم، وأن أي صدام عسكري قد ينشأ إنما سيكون بمبادرة إسرائيلية تتورط فيه الولايات المتحدة بشكل تلقائي. كما أن النتائج المتوقعة لأية ضربة عسكرية محتملة لإيران ستكون في مصلحة (القرن الشيعي الجديد) الذي سبق وكتبت عنه في صحيفة (المدينة) السعودية. والأمر هنا ليس متعلقاً بالجانب العقدي للشيعة، وإنما بالطموحات السياسية والاستراتيجية للدول والأحزاب والقوى التي تعتنق المذهب الشيعي. فنتيجة الحرب، وإن كانت مستبعدة، ستصب في مصلحة فرض نظام علماني موال لأمريكا في طهران، وبذلك تكون الولايات المتحدة قد قضت على قطبي القوة في المنطقة: إيران والعراق وامتلكت ناصية القرار بحيث تكون قادرة على إعادة تشكيل المنطقة وفقاً لمعادلات دينية وعرقية جديدة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1768::/cck::
::introtext::
إن الإيرانيين وحدهم هم الذين يعرفون حدود برنامجهم النووي؛ فالوكالة الدولية للطاقة الذرية تقتفي أثر المعلومات وفقاً لما يريد الإيرانيون إعلانه فقط، بينما تبدو وكالة الاستخبارات الأمريكية الـ (سي آي إيه) محبطة تماماً وخالية الوفاض من أية معلومات استثنائية تفيد أمريكا وحلفاءها.
::/introtext::
::fulltext::
إن الإيرانيين وحدهم هم الذين يعرفون حدود برنامجهم النووي؛ فالوكالة الدولية للطاقة الذرية تقتفي أثر المعلومات وفقاً لما يريد الإيرانيون إعلانه فقط، بينما تبدو وكالة الاستخبارات الأمريكية الـ (سي آي إيه) محبطة تماماً وخالية الوفاض من أية معلومات استثنائية تفيد أمريكا وحلفاءها.
إن حالة الهزيمة التي تعاني منها الـ (سي آي إيه) مردها أسباب عدة منها أنها لا تملك مصادر يعتمد عليها في الداخل الإيراني إلى درجة أنها لم تكتشف البرنامج النووي الإيراني إلا بعد إعلان المعارضة الإيرانية عنه عام 2002م، كما أن تجربة الـ (سي آي إيه) فيما سبق غزو العراق تجعلها هذه المرة أكثر تعقلاً وروية، وجهازها أيضاً لم يعد يحظى بسمعة مهنية مرموقة منذ عمليات التجسس على المواطنين الأمريكيين، مروراً بالطائرات والسجون السرية الخارجة على النظام والمنتهكة لحقوق الإنسان في غير بلد حول العالم. وقد كان التقرير الذي برّأت فيه الاستخبارات الأمريكية إيران من امتلاك أي برنامج للتسلح النووي مخيباً للتوقعات، حيث أعلنت وكالة الاستخبارات الأمريكية في أواخر عام 2007م أن إيران (ليس لديها في الوقت الراهن برنامج للتسلح النووي).
إن محاولة الوكالة الدولية للطاقة الذرية الوقوف على مسافة متساوية من الإيرانيين والأمريكيين لا تلبي مطالب تحث الوكالة على لعب دور أكبر في الصراع لصالح الولايات المتحدة الأمريكية. ولا تبدو العلاقة حتى الآن بين إيران والوكالة الدولية بذلك السوء الذي يتمناه الأمريكيون. لكن الوكالة أيضاً، وكما أسلفنا، لا تملك الكثير من الأوراق التي يمكن الوثوق بها، فقد قدمت تقريراً إلى مجلس الأمن في مايو الماضي تؤكد فيه أن إيران تمتلك 3500 جهاز طرد مركزي، لكن الرئيس الإيراني أحمدي نجاد فاجأ الوكالة بعد مرور فترة قصيرة جداً من ذلك التقرير بإعلانه أن إيران تمتلك 6000 جهاز طرد مركزي. إن تضارب الأنباء حول البرنامج النووي الإيراني مرده أحد أمرين: إما فشل أجهزة الاستخبارات الغربية عموماً، والأمريكية بوجه خاص، في جمع معلومات ذات مصداقية حول ذلك البرنامج، أو أن البرنامج لا يبتعد كثيراً عن التصريحات الإيرانية الرسمية. ويرى كثير من المراقبين أن الإدارة الأمريكية غير معنية بأي تفسيرات تقلل من شأن البرنامج النووي الإيراني؛ إذ إن هناك تصميماً أمريكياً على توظيف السياسة لمصلحة الحسم العسكري، وبالتالي فإن التوصل إلى حل سلمي مع إيران سواء من قبل الأوروبيين أو غيرهم لن يكتب له النجاح مطلقاً. ويزيد من احتمالات الحسم العسكري عند المؤمنين بحتميته أن الرئيس جورج بوش أثبت (أنه القائد الذي يستطيع تنفيذ تهديداته مهما كان حجم المعارضة الدولية والداخلية).
ولكن هل من المصلحة الأمريكية توجيه ضربة عسكرية أياً كان حجمها ومستواها؟ الحقيقة أن وزارة الخارجية الأمريكية تعد من أكثر الأجهزة التنفيذية معارضة لهذا المسعى المتشدد؛ وسينص تقريرها الذي سيوضع على المكتب البيضاوي أمام الرئيس على أنه (ليس لدينا تقريباً أي دعم دولي، وسمعتنا سيئة حول العالم وخصوصاً في العالم الإسلامي، وستواجهنا مشكلة حقيقية تتمثل في الرد الإيراني الذي سيزعزع الأمن في العراق وأفغانستان، والهجوم على جيشنا في البلدين، ودعم هجمات إرهابية على مصالحنا، وتراجع الإصلاح في الداخل الإيراني في مقابل التشدد والتطرف، وستتوقف المساعي السلمية، وتعطيل التدفق الآمن للنفط عبر مضيق هرمز). وهذه كوابح غير قابلة للانزلاق أمام طموح الرئيس الأمريكي المندفع نحو الخيارات الدموية.
ومن المفترض أن يؤخذ في الحسبان وبدرجات متفاوتة عند مناقشة الخيارات الأمريكية للتعاطي مع الملف النووي الإيراني الرأيان الإسرائيلي والخليجي، فإسرائيل حليف رئيسي للولايات المتحدة الأمريكية تؤثر وتتأثر بشكل مباشر بالقرارات الأمريكية، أما دول مجلس التعاون الخليجي التي تشهد علاقات بعضها فتوراً مبرراً مع الولايات المتحدة الأمريكية، على الرغم من التأكيدات الرسمية على متانة العلاقات، فإن قلقها ليس عاملاً مؤثراً في ثني الولايات المتحدة عن قرار الحرب فيما لو فكرت فيه بجدية. والإسرائيليون من جانبهم منشغلون بتحليل ومتابعة المعلومات التي تتواتر عن الملف النووي الإيراني، ويربطون في تحليلهم للموقف بين الأبعاد العسكرية والاستراتيجية والدينية على اعتبار أن البرنامج النووي الإيراني يستهدف وجود إسرائيل ذاتها. ويتذكر الإسرائيليون دائماً تصريحات الرئيسين الإيرانيين هاشمي رفسنجاني وأحمدي نجاد اللذين ناديا علناً بتدمير إسرائيل، ويتجاوزون بقلق الظرف الراهن إلى التراكمات التاريخية، حيث يوغلون في دراسة التاريخ العقدي للمذهب الشيعي الذي اتسم بالعداء لليهود منذ الدولة الصفوية في القرن السادس عشر الميلادي وعلى مدى أربعة قرون. ويعتقد الإسرائيليون أن دولة الإمامة وحكم الملالي في إيران جاءت لإحياء ذلك العداء لليهود الضارب في عمق العقيدة الشيعية. ولذلك فإن النقاش الدائر في إسرائيل حول الملف النووي الإيراني يبدو مختلفاً عن ذلك الدائر في الأوساط الأمريكية التي تبعد آلاف الأميال عن مسرح المعركة المحتملة. ومن المؤكد أن الإسرائيليين يدفعون باتجاه ضربة عسكرية استباقية تُدخل الولايات المتحدة الحرب بشكل تلقائي. وقد تبدو الآية معكوسة لبعض المراقبين الذي يرون أن أجنحة متطرفة في الولايات المتحدة الأمريكية ربما تقنع إسرائيل بلعب دور المبادرة إلى حرب محتملة، مما يجعل الولايات المتحدة مجبرة على الدخول فيها حفاظاً على وجود إسرائيل، وهو ما سيخفف المعارضة الشعبية والبرلمانية الأمريكية للدخول في الحرب.
أما دول الخليج فإنها من جانب لا تريد جاراً إيرانياً نووياً على بوابتها الشرقية، لكنها في الوقت ذاته لا تشجع حسماً عسكرياً تكون دولها ومصالحها مسرحاً له. وقد عبّرت دول مجلس التعاون الخليجي عن استشعارها (المخاطر المحتملة للعناد النووي الإيراني الذي يقع على بعد بضعة كيلومترات من حدودها). وليس بخاف أن دول الخليج في الوقت الذي ترى أنه من حق إيران امتلاك التقنية النووية السلمية فإنها تطالب إيران بتبديد (الشكوك بخصوص برنامجها النووي وتجنيب المنطقة المزيد من الكوارث). ودول الجوار الخليجية لا تخشى من التسلح النووي الإيراني فقط، بل تتوجس خيفة من وجود برنامج نووي إيراني سلمي لا يراعي المعايير الدولية للسلامة، ناهيك عن وجوده في منطقة نشطة زلزالياً مما يعرض سلامة البيئة والبشر للخطر عند حدوث تسربات نووية، لا سمح الله. وعلى أية حال فإن الحسم العسكري ليس خياراً خليجياً، لكن الولايات المتحدة الأمريكية عودتنا أنها لا تسمع نصائح أصدقائها في المنطقة ولا تراعي مصالحهم أو مخاوفهم بقدر ما تتصرف وفقاً لمصالحها فقط. وبالتالي فإن موافقة دول مجلس التعاون من عدمها لن تثني القرار الأمريكي عن شن حرب على إيران.
ومما يفاقم من مأزق دول مجلس التعاون الخليجي أن إيران لا تبدو عابئة بقلقها، وعلى النقيض من ذلك تخرج تصريحات رسمية معادية تزيد من حدة الشك الخليجي، وتؤجج مشاعر التوتر؛ لقد كان آخر ما تتمناه دول الخليج العربية من إيران تصريحات مساعد وزير الخارجية الإيراني لشؤون الأبحاث بأن (الشرق الأوسط سيبقى مركز التطورات وأن النزاعات لن تحل) إلا بزوال تلك الأنظمة الملكية التقليدية في الخليج، معتبراً أن (هذه الأنظمة ليست قادرة على الاستمرار في بقائها). وعلى النقيض من ذلك يصرح نائب الرئيس الإيراني اسفنديار رحيم مشاني (بأن إيران اليوم هي صديقةالشعبين الأمريكي والإسرائيلي).
التوصل إلى حل سلمي مع إيران سواء من قبل الأوروبيين أو غيرهم لن يكتب له النجاح مطلقاً
ومن وجهة نظري فإن السؤال المطروح ليس عن موعد شن حملة عسكرية أمريكية على إيران، وإنما عن وجود نية في شن هجوم عسكري من عدمها؟ إن الولايات المتحدة تمر بفترة حرجة على المستوى الداخلي، فالولاية الرئاسية الثانية للرئيس جورج بوش توشك أن تنتهي، وبنهاية الرابع من نوفمبر 2008م سيعلن اسم الرئيس الأمريكي الجديد الذي سيتسلم مهامه في يناير من عام 2009م. كما أن الأوضاع في العراق وأفغانستان تتطلب تعاوناً إيرانياً جاداً، ناهيك عن مشكلات أمريكا في القوقاز بعد اجتياح (الدب الروسي) لمناطق حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية. إن مجمل هذه المشاهد السياسية والعسكرية المتوترة لا تدعم توجهاً أمريكياً لضرب المفاعل الإيراني. تضاف إلى ذلك صعوبات استخباراتية وعسكرية تحول بين الإدارة الأمريكية وتنفيذ ضربة عسكرية خاطفة. فالاستخبارات الأمريكية لا تعرف سوى القليل من المعلومات، وهي معتمدة بالدرجة الأولى على أقمارها الصناعية التجسسية، ومن المستبعد أن تتورط مرة أخرى بتقديم خرائط مزيفة للأهداف النووية الإيرانية. كما أن الجيش الأمريكي الذي تتسع أمامه الخيارات من ضربات عسكرية مدمرة إلى استخدام أسلحة نووية تكتيكية سيكون مضطراً في ظل غياب المعلومات الاستخباراتية الدقيقة إلى توسيع نطاق عملياته مما سيؤدي إلى مزيد من الخسائر المدنية والمجازر بين الأبرياء وهو ما لن يتحمله الضمير الإنساني.
إن الظرف السياسي الحالي ومآلات المنطقة بكل تعقيداتها، تبشر بخيارات أكثر مناسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فبدلاً من أن يكون للأمريكيين خياران فقط، يتمثلان في ضربة عسكرية أو تقبل الأمر الواقع، تستطيع الولايات المتحدة الخروج منتصرة من هذه الأزمة؛ فالتفاهم الأمريكي – الإيراني بخصوص البرنامج النووي للأخيرة يصب في مصلحة البلدين. صحيح أن الولايات المتحدة الأمريكية تتمنى التحالف مع قوى علمانية تحكم طهران على غرار النخب الشيعية العلمانية التي تحكم بغداد، إلا أن الأمنيات لا تتحقق بشكل مثالي على الدوام. ومع ذلك فإن تحالفها مع نظام ديني ذي شعبية كبيرة سيجعل من إيران حليفاً استراتيجياً مهماً للولايات المتحدة في منطقة الخليج. لقد تحدثت الولايات المتحدة مؤخراً عن أن التحالفات التي أبرمتها عقوداً طويلة مع الأنظمة (الدكتاتورية) السنية والتي لا تحظى بقبول شعبي في العالمين العربي والإسلامي أدت إلى أزمات وكوارث اصطلت الولايات المتحدة بنيرانها. ولا يخفي بعض الأمريكيين أهمية وضع الولايات المتحدة ثقلها وثقتها بمرجعيات وأنظمة شيعية تحظى بقدر كبير من القبول في الشارع الشيعي مما يجعلها في مواجهة متوازية إن لم تكن متفوقة على التكتل السني في المنطقة. وتعتقد الولايات المتحدة أن احتواء الشارع السني بات ضرباً من المستحيل في المستقبل المنظور. وإذا كانت أمريكا تؤمن بأن المسلمين لن يعيشوا سوى بحرب مع الآخر أو حرب فيما بينهم فإن التحالف مع إيران يفتح المجال واسعاً لتحقيق هذه الرؤية من خلال صنع مواجهة شيعية سنية تشغل المنطقة في الوقت الذي تحدده الولايات المتحدة.
ولنفترض جدلاً بأن الولايات المتحدة ومن خلفها الاتحاد الأوروبي يبحثان عن الاستقرار في المنطقة وإحداث حالة من التوازن تضمن مصالح الغرب، فإن إيران قوية ستكون خياراً غربياً لا مجال للتشكيك فيه. فإيران تتوسط منطقة متفجرة تتمثل في باكستان النووية وأفغانستان التي لم تعرف الاستقرار منذ عقود، والعراق الذي تحاول الولايات المتحدة استنبات غرس الديمقراطية الغربية فيه لتعيد تصديرها إلى بقية دول المنطقة، والمملكة العربية السعودية التي تصدعت علاقتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة منذ 11 سبتمبر 2001م. كما أن وجود قوة ردع نووية شيعية في مواجهة القوة الباكستانية النووية السنية سيكون خياراً مناسباً تدعمه الولايات المتحدة خاصة أن التحالفات السياسية في الداخل الباكستاني سريعة التغير إلى درجة تدعو للقلق، ويزيد من تعقيدات الحالة الباكستانية ما ينضح من ربط بين المملكة العربية السعودية والمفاعل النووي الباكستاني، وهي مؤشرات تقلق الولايات المتحدة على المديين المتوسط والبعيد، في وقت أثبتت المملكة أنها قادرة على تدبر مصالحها بعيداً عن المظلة الأمريكية متى دعت الحاجة إلى ذلك.
دول الخليج تطالب إيران بتبديد الشكوك حول برنامجها النووي وتجنيب المنطقة المزيد من الكوارث
إن المتابع لأدبيات الشرق الأوسط الجديد التي كشفت عنها دوائر عديدة في الولايات المتحدة بعد 11 سبتمبر 2001م يجد أن الرابحين في المعادلة الجديدة هم دولة الشيعة العرب التي تمتد من جنوب كركوك مروراً بالعاصمة بغداد ومبتلعة أراضي سعودية وخليجية مهمة حتى تصل إلى حدود قطر، كما أن إيران التي تضاف إليها أجزاء من أفغانستان ودول أخرى تعد من الرابحين في الشرق الأوسط المتخيل. فإذا أضفنا هذه المكاسب إلى ولاء الشيعة التقليدي لإيران فإننا سنكون أمام قوة شيعية حقيقية ستكون قادرة على المحافظة على المصالح الأمريكية في منطقة الخليج، وستكون هذه القوة رادعة في مواجهة أية صحوة سنية سواء في العراق أو أفغانستان أو باكستان، ناهيك عن دول الخليج العربية التي ستتحول إلى محميات يسيطر عليها شرطي المنطقة الجديد. كما أن إيران بحلفائها في العراق ولبنان وسوريا تستطيع تأمين إسرائيل بدرجة أفضل مما هي عليه الآن خاصة أن مصر والأردن فشلتا – من وجهة نظر الأمريكيين- في التطبيع الشعبي والاقتصادي والثقافي مع إسرائيل، وتستطيع إيران أيضاً تأمين تدفق الإمدادات النفطية من الخليج.
ومع أن هذه السيناريوهات تبدو بعيدة عن الواقع فإن حالة الضعف التي تعتري التكتل السني بدوله الرئيسية، وما وصل إليه من تدهور بسبب ضغوط الإدارة الأمريكية إلى درجة لم يعد معها مهماً في معادلة استقرار الشرق الأوسط، ستساعد على تحقيق الأحلام. وإذا لم تتنبه دول مهمة كمصر والسعودية والأردن واليمن، بالإضافة إلى بقية دول مجلس التعاون الخليجي إلى حجم المخاطر المحتملة، وخطورة الدور الأمريكي في تجريد هذه الدول من مقومات قوتها الحقيقية تحت شعارات الحريات الدينية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وحقوق المرأة ومكافحة الإرهاب، وتبادر إلى تدشين عملية مراجعة لسياساتها الداخلية والخارجية بما يضمن انسجاماً حقيقياً مع شعوبها، واستخداماً فاعلاً لمقومات قوتها بما يحافظ على مصالحها الوطنية والقومية، فإن الأخبار السيئة ستكون أسرع مما يتوقعه المتشائمون.
وخلاصة القول أن منطق المصلحة الذي يحكم العلاقات الدولية يؤكد أن العلاقات الأمريكية – الإيرانية في اتجاه التفاهم وليس التصادم، وأن أي صدام عسكري قد ينشأ إنما سيكون بمبادرة إسرائيلية تتورط فيه الولايات المتحدة بشكل تلقائي. كما أن النتائج المتوقعة لأية ضربة عسكرية محتملة لإيران ستكون في مصلحة (القرن الشيعي الجديد) الذي سبق وكتبت عنه في صحيفة (المدينة) السعودية. والأمر هنا ليس متعلقاً بالجانب العقدي للشيعة، وإنما بالطموحات السياسية والاستراتيجية للدول والأحزاب والقوى التي تعتنق المذهب الشيعي. فنتيجة الحرب، وإن كانت مستبعدة، ستصب في مصلحة فرض نظام علماني موال لأمريكا في طهران، وبذلك تكون الولايات المتحدة قد قضت على قطبي القوة في المنطقة: إيران والعراق وامتلكت ناصية القرار بحيث تكون قادرة على إعادة تشكيل المنطقة وفقاً لمعادلات دينية وعرقية جديدة.
::/fulltext::
::cck::1768::/cck::
